بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأحزاب الإليكترونية: السياسة في عصر الإنترنت

شبكة البصرة

أبو محمد المقدادي

لا يمكن للرأسمالية أن تعيش بدون تحقيق الأرباح والكثير منها، والرأسمالية مستعدة لبيع الحبل الذي يمكن أن يشنقها في سبيل تحقيق الربح كما قال لينين. وهذا ما حصل عندما قدّمت أمريكا للعالم شبكة الإنترنت لتكون مشروعاً رأسمالياً عملاقاً يساهم في فرض العولمة على شعوب العالم لتمكينها من فرض سيطرتها وتحقيق حلم الإمبراطورية الأمريكية العالمية. ولكن هذا الحلم يتحول تدريجياً إلى كابوس. فشبكة الإنترنت تساهم في خنق الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على الشعوب بدلاً من تسويق هيمنتها. لقد فتح عصر النشر الإليكتروني أبواباً واسعة أمام الفرد والمجموعة لأن ينشروا وكأنهم صحفاً أو أحزاباً أو تنظيمات حتى حقّ تسميتها بالأحزاب أو التنظيمات الإليكترونية. وليس في الأمر سوءاً على الإطلاق، بل العكس هو الصحيح. فتوفر حرية النشر لدى الفرد والجماعة للتعبير عمّا يؤمنون به بعيداً عن الرقابة هو أمر صحي خصوصاً في عالم السياسة. وقد أثبتت تجربة مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق أنّ إيصال صوت المقاومة الوطنية العراقية عبر مواقع شبكة الإنترنت المناهضة للاحتلال عمل فعال جداً لا يقوّي صوت المقاومة وحسب وإنما يفضح ويخرس الأصوات النكرة الموالية للاحتلال وأتباعه وأذنابه.

 

لقد مرّت تجربة التحدّي الكبير لعمالقة الإعلام الرأسمالي عبر القنوات الفضائية ومواقع شبكة الإنترنت بمراحل تمهيدية ساعدت على تهيئة الدرب الذي تشقّه اليوم تلك المنافذ الإعلامية الشعبية المهمّة. ففي أوج التحضير للعدوان الأمريكي على العراق عام 1990 أعلن جورج بوش الأب أنّ العالم قد دخل في نظام جديد. وكان هذا الإعلان هو نتيجة مباشرة للتحضيرات التي بدأتها أمريكا قبل ذلك في الشرق الأوسط والعالم في سعيها المحموم لقيام الإمبراطورية الأمريكية فور إسقاط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية العالمية. وبعد انتهاء تلك الحرب العدوانية على العراق شهد العالم العربي ميلاد أول القنوات الفضائية العربية حيث ساد الاعتقاد بأنّ أمريكا المنتصرة ستتجاوز كافة الحكومات العربية ووسائل إعلامها الرسمي من خلال البث الفضائي المباشر إلى المشاهد العربي، فتحدّد له ما يشاهد وكيف يفكّر، لا بل وحتى ما يأكل ويشرب ويلبس من خلال الإعلانات والدعاية والبرامج الموجّهة. ورغم النجاح البسيط في هذا المجال إلا أنّه يمكن القول بثقة أنّ أمريكا قد فشلت فشلاً ذريعاً.

 

وخلال سنوات قليلة فقط بدأت شبكة الإنترنت العالمية بالانتشار كي تصبح مع البث عبر القنوات الفضائية أدوات مباشرة للإعلام الإمبراطوري الأمريكي الحالم في فرض الهيمنة على العالم وبالذات الشرق الأوسط. ولكن لم تكن تلك المحاولات سوى أحلام بالفعل. فقد فشلت أمريكا في فرض إعلامها على القنوات الفضائية العربية كما فشلت في الهيمنة على الإعلام من خلال شبكة الإنترنت العالمية. وما أن دخل العالم القرن الحادي والعشرين الذي أريد له أن يكون قرناً أمريكياً حتى أصبح البث الفضائي العربي ببعض قنواته وانتشار مواقع الإنترنت العربية كالنار في الهشيم كابوساً وليس حلماً أمريكياً وردياً. فقبل ذلك تمكنت أمريكا من تمرير قصصها وأفلامها في حرب الكويت عام 1990 – 1991 بعيدة عن أية رقابة أو عين عربية مستقلة يمكن أن تشاهد وتنقل الصورة الحقيقية عن العدوان الأمريكي على العراق والمنطقة، ومنها على سبيل المثال القصة الكاذبة لابنة السفير الكويتي في واشنطن والتي ادّعت مشاهدتها للجنود العراقيين وهم يقطعون الكهرباء عن حاضنات المواليد الخدّج في أحد مستشفيات الكويت وتبيّن فيما بعد أنّ شركة دعاية أمريكية نسجت القصة واستخدمت ابنة السفير كممثلة فيها وهي التي ما زارت الكويت في تلك الفترة قط. وكذلك قصة الطيور التي عرضت على شاشات التلفزيون العالمية والعربية وهي منقّعة بالزيت الأسود الذي قيل أنّ الجيش العراقي قد فتحه على مياه الخليج وظهر فيما بعد أن تلك الصور كانت ملتقطة لطيور في مياه خليج ألاسكا في أمريكا بعد تسرب النفط فيه من ناقلة النفط العملاقة (أكسون فالديز).

 

لكن بحلول عام 2001 شهد العالم الدور الذي لعبته قناة "الجزيرة" الفضائية العربية مثلاً في إطلاع العالم على صور الحرب الحقيقية ضد أفغانستان مستقلة عن وجهة النظر الأمريكية. وهنا شاهد العالم أيضاً كيف اهتزّت وسائل الإعلام الغربية وصدمت الآلة العسكرية الأمريكية نتيجة فضحها أمام العالم من قبل قناة فضائية كان المفروض أن تكون التكنولوجيا التي قامت عليها جزءاً من آلة الحرب الأمريكية لا ضدّها. فانتفخت أوداج الإمبريالية الأمريكية غضباً وتطاير الشرر من أعين قادتها العسكريين وقرروا أن "طز" بالديمقراطية وبالرأي العام العالمي والمواثيق الدولية، وأمروا بقصف مقر قناة "الجزيرة" الفضائية لإسكاتها.

 

وجاء عام 2003 وبدأت حرب الاحتلال الأمريكية على العراق، وهذه المرّة اعتقدوا أنهم يجب أن يستعدوا بشكل جيد وأن لا يسمحوا لعين الصحافة والقنوات الفضائية بأن تفضح جرائمهم في العراق. فقرّر العسكر الأمريكي أن لا يسمح لصحفي إلا إذا كان مجازاً من قبلهم وأن يدخل ضمن قوات الاحتلال. أما قناة "الجزيرة" فقد قصفت في بغداد كما قصفت في أفغانستان لاسكات بثها صور الدمار الهائل الذي كانت تلحقه القوات الأمريكية الغازية بالعاصمة العراقية وسكانها. ولكن رغم القسوة الأمريكية التي قادها الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبة ديك تشيني ونفذها وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد إلا أنها لم تفعل شيئاً في الحقيقة سوى نشر الموت والدمار الذي فضح استهتار الإدارة الأمريكية بكل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية، ورأه العالم بالبث المباشر من القنوات الفضائية ومواقع شبكة الإنترنت. لقد دحرت شبكة الإنترنت مشاريع المجرم رامسفيلد الذي طالما أراد السيطرة عليها وتحديد انتشارها ومراقبة نشاطاتها ولكن بدون جدوى، وأصبحت نشرات الأخبار من بعض القنوات الفضائية العربية ومواقع الإنترنت الكثيرة التي تناهض الاحتلال المصدر الرئيسي للأخبار بالنسبة لمئات الملايين من الناس عبر العالم. ورغم إنشاء أمريكا للعديد من القنوات الفضائية والإذاعات والصحافة ومواقع الإنترنت إلا أنها فشلت جميعها في كسب ثقة الناس الذين عرفوا أين يجدون الحقيقة وتركوا مصادر الدعاية الغربية الصهيونية التي أنفقت عليها الملايين من الدولارات وشراء ذمم الكثير من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام ممن يجذبهم الدولار أكثر من الحقيقة.

 

وكما قلنا في مستهل هذا الموضوع فإنّ قيام ما أسميناه بالأحزاب الإليكترونية ممثلاً بمواقع الإنترنت التي قد يديرها حتى شخص واحد لكن تأثيرها يزيد على تأثير أحزاب كبيرة أمر صحي ومطلوب شريطة أن يبذل فيها الجهد الوطني الحقيقي لنشر الحقيقة وكشف الأكاذيب والزيف الذي تنشره وسائل الإعلام الغربية والصهيونية. وبقدر تعلّق الأمر بقضية شعبنا العراقي الأساسية من أجل التحرير وطرد المحتلين يصبح وجود مواقع الإنترنت المناهضة للاحتلال والتي توجه نضال شعبنا نحو التحرير ضرورة قصوى وعملاً وطنياً لا يقل عن الطلقة الموجهة نحو العدو. وهنا يجب أن تكون أولوية المشرفين على مثل هذه المواقع هي نشر الصوت الوطني المناهض للاحتلال وترك ما يضعفه ويفرّق الجهد الكبير اللازم لنيل التحرير والسيادة الوطنية للعراق. ولا يفوتنا هنا أن نقول أنّ مواقع الإنترنت لن تحلّ محل الأحزاب والتنظيمات التقليدية أبداً ولكنها تساعد بالتأكيد في نشر قضيتها وتوسيع دائرة وصولها الجماهيري.

 

الثلاثاء 22 ريبع الثاني 1429 هـ الموافق 29 نيسان 2008 م

شبكة البصرة

الاثنين 22 ربيع الثاني 1429 / 28 نيسان 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس