|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
عروبة العراق على مائدة اللئام |
|
شبكة البصرة |
| بقلم: السيد زهره |
|
· رايس تتحدث عن عروبة العراق والقومية العربية.. كيف؟!.. ولماذا؟ · ماذا قال بوش لشيراك عندما حذره من التقليل من شأن القومية العربية؟ · أمريكا تواطأت مع ايران لمحاربة العروبة في العراق.. فما الذي استجد؟ · يريدون من الحكومات العربية ان تتحول الى "ميليشيات سياسية" في العراق · خمسة اسئلة لإدارة بوش قبل التفكير في اعادة السفراء
هذه من عجائب السياسة فعلا فجأة، وجدنا وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس تتحدث عن عروبة العراق وعن القومية العربية. فجأة، وجدنا رايس تتحدث وتقول لنا ان العراق جزء لا يتجزأ من العالم العربي وعضو مؤسس في جامعة الدول العربية. تحدثت رايس عن الخطر الجسيم الذي يتهدد عروبة العراق وقوميته العربية وعلاقاته بمحيطه العربي بسبب النفوذ الايراني والتدخل الايراني في شئون العراق. وجهت انتقادات حادة الى الدول العربية واتهمتها بالتقاعس عن الدفاع عن عروبة العراق. وقالت انها سوف تمارس ضغوطا على الدول العربية كي تعيد السفراء وتفتح سفارات في العراق، وكي تقوم بدورها في مواجهة النفوذ الايراني وتعزز عروبة العراق. الذي يسمع هذا الكلام الذي قالته رايس، ويقوله ايضا مسئولون امريكيون آخرون، يتصور ان الولايات المتحدة الامريكية اصبحت بقدرة قادر اكثر حرصا على عروبة العراق من كل الدول العربية، ويتصور ان المسئولين الامريكيين اصبحوا مدافعين شرسين عن القومية العربية. ما هذه الحكاية الغريبة بالضبط؟ القضية على اي حال تستحق النقاش. *** الحرب على العروبة لماذا يعتبر هذا الكلام الذي تقوله رايس ويقوله المسئولون الامريكيون اليوم عن عروبة العراق وعن القومية العربية كلاما غريبا جدا؟ لأنه ببساطة شديدة يتناقض مع كل الخطاب الامريكي ومع الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، ومع كل ما فعله الاحتلال بالعراق. حين قامت امريكا بغزو واحتلال العراق، لم يكن خافيا على احد ان احد الاهداف الكبرى للغزو والاحتلال محاولة القضاء على عروبة العراق، وفي اطار حرب على العروبة بشكل عام. هذا الهدف كان واضحا تماما في اذهان المخططين للغزو والاحتلال. بعبارة ادق، كان هذا الهدف يندرج في اطار تصور استراتيجي وسياسي واضح ومحدد باختصار نشير هنا الى ثلاثة ابعاد في التفكير الاستراتيجي الامريكي قبل الغزو وبعده، كلها كانت تقود الى اعتبار ان محاولة القضاء على عروبة العراق ومحاربة العروبة في المنطقة عموما هدف استراتيجي امريكي: اولا: اعتبار ان القومية العربية هي ايديولوجية متطرفة وعنصرية، وانها احد الروافد الكبرى التي تغذي العداء لامريكا واسرائيل والغرب عموما، وتغذي النزعات والمواقف المتطرفة. اذا رجعنا الى التحليلات الاستراتيجية الامريكية قبل الغزو وبعده فسوف نجد سيلا من التحليلات التي تؤكد هذا الجانب باعتباره احد الاهداف الامريكية الكبرى، واحد اكبر العوامل التي تبرر من وجهة نظرهم الغزو والاحتلال اصلا. ثانيا: اعتبار ان السنة في العراق هم حاضنة الفكر العروبي بما يمثله من خطر على هذا النحو الذي يراه الامريكان، وهم الذين يكرسون هوية العراق العربية وانتماءه الى الوطن العربي وهو المطلوب القضاء عليه. ومن ثم، كان واضحا تماما في ذهن المخططين الامريكيين منذ ما قبل الغزو وبعده ان احد الاهداف الكبرى التي يجب ان يسعوا الى تحقيقها العمل على اقصاء السنة نهائيا من السلطة في العراق، والحرص على الا يكون لهم دور او نفوذ في «النظام الجديد«. ثالثا: وبالاضافة الى هذا، فان ما اسمي بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي طرحته الادارة الامريكية وترافق مع الاحتلال كان المقصود منه في جوهره كما هو معروف محاربة العروبة واي اتجاه للتوحد او حتى التكامل العربي على اسس قومية عربية. إذن كانت الحرب على العروبة في العراق وفي كل الدول العربية هدفا امريكيا واضحا منذ ما قبل الغزو. *** الحرب في التطبيق منذ اليوم الاول لاحتلال العراق، لم تضيع الولايات المتحدة لحظة واحدة وشرعت فورا في تنفيذ هذا الذي خططت له بمحاولة القضاء على عروبة العراق ومحاولة فصم عرى الروابط والصلات بينه وبين وطنه العربي الكبير. كيف فعلوا ذلك؟ الكل يعلم بالتفاصيل. نشير هنا فقط الى الخطوط العامة فقط لما فعلوه. في البداية كان تدمير الدولة العراقية ومؤسساتها، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، تدميرا مقصودا في نفس الوقت للهوية العربية الموحدة للعراقيين، ولمقومات الدولة الواحدة. بتدمير مؤسسات الدولة التوحيدية اراد الاحتلال ان يفسح المجال امام كل دعاة التقسيم والتمزيق، وامام صعود كل الهويات الطائفية والعنصرية التي هي بالضرورة على حساب الهوية العربية للعراق. ثم وضع الاحتلال الاسس والاطر السياسية لمحاولة التدمير الفعلي لعروبة العراق بشكل مباشر وصريح. كان الاحتلال هو الذي ادخل اسلوب ومفهوم «المحاصصة الطائفية«. وتحت مقولة الحصص النسبية لكل طائفة، تم تهميش دور السنة تماما، وصعد الى كل المؤسسات الجديدة في ظل الاحتلال الطائفيون الذين معروف عنهم العداء المطلق لعروبة العراق ولروابطه بالوطن العربي. والاحتلال كان وراء صياغة ما اسمي بـ «الدستور« العراقي الجديد، والذي تنكر صراحة وعلنا لعروبة العراق وروابطه العربية، وأرسى اسس التقسيم على اسس طائفية لا مكان فيها للتوحيد الوطني. ولا يقل خطورة عن كل هذا في مسيرة الحرب المعلنة على عروبة العراق ان الاحتلال تواطأ عمليا مع ايران في محاولات القضاء على عروبة العراق. والمسألة هنا ليست بحاجة الى تفاصيل. كل النفوذ الايراني في العراق ومحاولات السيطرة على مقدراته، التي تشكو منها امريكا.. كل هذا ومنذ اليوم الاول للاحتلال، تم تحت سمع وبصر سلطات الاحتلال، وبمعرفتها التامة بكل التفاصيل، وبرضاها. كانت سلطات الاحتلال تتعامل مع القوى الموالية لايران في العراق على اعتبار انهم «حلفاء طبيعيون« في «عراق الاحتلال الجديد«. كان الاحتلال يعتبرها عونا اساسيا في القضاء المطلوب على عروبة العراق ووحدة ترابه الوطني في اطار عربي. عندما كانت ايران تمول وتسلح الميليشيات التابعة لها، كانت سلطات الاحتلال على علم تام بذلك، وغضت الطرف نهائيا عنه. وعندما قامت هذه الميليشيات بعد ذلك بشن حملات التطهير العرقي والطائفي وارتكبت ما ارتكبت من مذابح، كان كل هذا بعلم الاحتلال وبرضاه. وحين كرست كل هذه القوى الطائفية والعنصرية التي اصبحت لها الكلمة العليا في العراق خطابها الطائفي المعادي لعروبة العراق وروابطه بوطنه العربي، كان هذا مصدر ارتياح بل سعادة من سلطات الاحتلال واركان الادارة الامريكية، فقد كان هذا هو المطلوب. بهذا المعنى نقول ان امريكا تواطأت عمليا مع ايران في كل محاولات القضاء على عروبة العراق، وفي كل محاولات محاصرة وتصفية الخطاب العروبي والقوى التي تتبناه. وبالتوازي مع كل هذا، بدأ مخططو الاستراتيجية الامريكية في المنطقة يتحدثون عن استراتيجية جديدة قوامها اعادة رسم خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا على اسس طائفية وعرقية جديدة. كان جوهر هذه الاستراتيجية، ولايزال في الحقيقة، هو ايقاظ المشاعر الطائفية وتفجير الصراعات الطائفية تمهيدا لرسم خريطة جديدة للمنطقة. الهدف الاستراتيجي هنا كما هو مفهوم القضاء نهائيا على أي امكانية للتكامل او حتى التقارب بين الدول العربية على اسس من المصلحة القومية العربية. ليس هذا فحسب، بل القضاء على الدول العربية القائمة ذاتها، وانشاء دويلات على اسس طائفية انعزالية في ظلها تموت العروبة نهائيا. الامر اذن كما نرى، ان الحرب على عروبة العراق ومحاولة القضاء عليها، والحرب على القومية العربية في المنطقة عموما، كان هدفا استراتيجيا امريكيا وواضحا. وفي سبيل تحقيقه لم يترددوا في فعل كل ما يستطيعون بما في ذلك التواطؤ الفعلي مع ايران على ساحة العراق. نريد ان نقول انهم حاربوا عروبة العراق وحاربوا القومية العربية عن وعي كامل. المقام لا يتسع هنا الى ايراد تحليلات استراتيجية امريكية تفصيلية طرحت هذا الذي ذكرناه بوضوح وتفصيل.
نشير مثلا الى الواقعة التالية: بعد احتلال العراق بأشهر قليلة، التقى الرئيس الامريكي بوش مع الرئيس الفرنسي السابق شيراك. شيراك حدث بوش مطولا عن القومية العربية عموما في العراق وفي المنطقة. كان ملخص رأيه انه حذر بوش من الاستهانة بالمشاعر القومية العربية في العراق والتقليل من شأنها وما يمكن ان تفجره من رفض ومقاومة للاحتلال. وحكى شيراك لبوش تجربته مع هذه المشاعر القومية العربية وما يمكن ان تفعله في الجزائر قبل اربعين عاما حين كان ضابطا كي يدلل على وجهة نظره. فماذا كان رأي بوش؟ بوش قال لشيراك «انني لا استطيع ان اوافقك الرأي يا جاك.. ان العراقيين يحبوننا. لقد حررناهم من ديكتاتور دموي. والقلة القليلة التي تحاربنا اليوم هم إما بقايا من النظام السابق وإما ارهابيون من الخارج الذين يكرهون الحياة نفسها«. كان بوش يريد ان يقول لشيراك كما هو واضح ان القومية العربية في العراق لم يعد لها معنى ولا دور ولا قيمة. *** ما الذي استجد اذن؟ اذا كان هو موقف ادراة بوش من عروبة العراق، وموقفها من القومية العربية وما فعلته من حرب معلنة مفتوحة عليها، فما الذي استجد اذن؟ ما الذي استجد كي تتحدث رايس اليوم عن عروبة العراق وعن القومية العربية؟ ما الذي استجد كي تدعو ادارة بوش الحكومات العربية كي تهب دفاعا عن عروبة العراق وترسل السفراء وتتصدى للنفوذ الايراني؟ نحسب ان الاجابة واضحة يعلمها الكل. القضية هنا باختصار امران: الاول: ان الولايات المتحدة اكتشفت بعد سنوات الاحتلال هذه، انها بغبائها الاستراتيجي سلمت مقادير العراق والى حد كبير الى ايران والتابعين لها. اكتشفوا انهم دفعوا ثمنا فادحا لتصفية نفوذ السنة، ولمحاربة الاتجاه العروبي لحساب الطائفيين، ولمحاولات فصل العراق نهائيا عن محيطه العربي. اكتشف الامريكان انه بسببهم، انتهى الامر الى ان اصبح العراق عمليا وبمعنى من المعاني رهينة بيد ايران تستخدمها في صراعها مع الولايات المتحدة. واكتشفوا بالطبع ان طموح ايران لا يقف عند حد العراق. بل هم يعتبرون العراق مجرد محطة واحدة في اتجاه السعي للهيمنة على مقدرات المنطقة وازاحة الوجود والنفوذ الامريكي. والثاني: ان الولايات المتحدة بناء على كل ذلك اعادت رسم استراتيجيتها، على الاقل في بعض جوانبها. بحسب هذه التعديلات في الاستراتيجية الامريكية، اصبحت ايران هي العدو الاول لامريكا في العراق وفي المنطقة، وليس تنظيم القاعدة ولا أي احد آخر. بحسب اركان الادارة الامريكية، فإن ايران تخوض اليوم حربا بالوكالة ضد امريكا في العراق على نحو ما قال الجنرال بترايوس في شهادته امام الكونجرس وغيره من القادة الامريكيين. في اطار هذين الجانبين بالضبط، يأتي حديث رايس وغيرها من القادة الامريكيين عن عروبة العراق وعن القومية العربية وعن الدور الذي يريدون من الحكومات العربية ان تلعبه بارسال السفراء وغير ذلك. هم يريدون ببساطة من الحكومات العربية ان تخوض حربا سياسية بالوكالة عن الاحتلال في العراق ضد ايران. هم يريدون بعبارة اخرى، تحويل الحكومات العربية الى «ميليشيات سياسية« في العراق في اطار الاستراتيجية الامريكية الجديدة في الصراع مع ايران. وبالطبع اكتشفوا ان افضل مدخل لإقناع الحكومات العربية بلعب هذا الدور هو الحديث عن عروبة العراق المهددة، ودغدغة مشاعر الرأي العام العربي بالحديث عن القومية العربية. *** ما هي المشكلة؟ قد يقول البعض: لنفترض انه رغم كل هذا، ان الادارة الامريكية اكتشفت اخطاءها في العراق وخصوصا من زاوية محاولة القضاء على عروبته وانتمائه بمحيطه العربي، وانها تريد اصلاح هذا الخطأ، فما هي المشكلة بالضبط في ان تتعاون معها الحكومات العربية وتقوم مثلا بإرسال السفراء الى العراق؟
المشكلة هنا ثلاثة امور كبرى: اولا: انه مع كل هذا الحديث الامريكي عن عروبة العراق والخطر الذي تتعرض له، فانه لم يتغير أي شيء في العراق يمكن ان يشير الى أي جدية امريكية بهذا الخصوص. نعني ان «الحكومة« القائمة في العراق اليوم، والتي تريد امريكا من الحكومات العربية ان تدعمها، هي حكومة طائفية عنصرية لا علاقة لها من قريب او بعيد بعروبة العراق وروابطه العربية، ولا بالقومية العربية طبعا. ومعنى هذا ان أي دعم لهذه الحكومة سوف يعني عمليا مشاركة عربية في مخطط هذا الحكومة الطائفي وفي المخطط المستمر للقضاء على عروبة العراق. ثانيا: ان كل ما جرى للعراق من تدمير وذبح ومحاولات للقضاء على وحدته وعروبته، الاحتلال هو المسئول عنه.. هو الذي رسم كل هذه العملية السياسية الطائفية.. وهو الذي رعى ميليشيات الذبح والتطهير.. وهو الذي افسح المجال امام ايران كي تصول وتجول في العراق. اذن، ليس مقبولا بعد كل هذا مطالبة الدول العربية بأن تتدخل. حتى لو تدخلت لن تصلح شيئا طالما بقي الحال على ما هو عليه. اذن، لو كان الامريكان قد اكتشفوا اخطاءهم حقا، فهم المطالبون باصلاحها. ثالثا: ما الذي يمكن ان يضمن للدول العربية ان هذا الحديث الامريكي عن عروبة العراق وعن ضرورة عودته الى احضان الامة العربية ما هو الا حديث انتهازي وقتي؟ ما الذي يضمن الا تنقلب امريكا على هذا الموقف كلية غدا؟ مثلا، ماذا لو ان امريكا قامت، فرضا، بعقد صفقة ما مع ايران تكون بالضرورة على حساب عروبة العراق؟ هل لدى الدول العربية أي ضمانات هنا؟ هل بمقدور امريكا تقديم هذه الضمانات؟ *** خلاصة الامر فيما نرى، ان الدول العربية قبل ان تنجر وراء دعوات رايس الى اعادة السفراء والتدخل في العراق، فانها يجب ان تسأل الادارة الامريكية واركانها الاسئلة التالية: 1- متى سينتهي اولا احتلالكم للعراق بالضبط؟ 2- قبل ان ترحلوا عن العراق، لماذا لا تلغون كل هذه العملية السياسية التي ارست اسس تقسيم العراق والقضاء على عروبته، وتعيدون الاعتبار الى قوى التوحيد والعروبة في العراق؟ 3- هل انتم مستعدون لتنحية هذه الحكومة الطائفية العنصرية القائمة، وتنصيب حكومة تتبنى فعليا توحيد العراق وعروبته وانتمائه الى وطنه العربي؟ 4- لماذا لا تخلصون العراق من ميليشيات الذبح الطائفية التي تسيطر فعليا اليوم على مقدرات الحكومة الطائفية التابعة لكم وكل مؤسساتها؟ 5- ما هي الضمانات التي يمكنكم تقديمها لنا والتي تؤكد انكم لن تنقلبوا غدا على كل هذا الذي تقولونه اليوم؟ هذه هي الشروط التي يجب ان تضعها الدول العربية قبل التفكير في لعب أي دور في العراق اليوم بارسال السفراء او غير ذلك. من دون هذا، سيبقى حديث الادارة الامريكية وعملائها في العراق حديث لئام يظنون ان بمقدورهم خداع الحكومات العربية والتلاعب بها ومن المعيب ان تنخدع الحكومات العربية بحديث لئام امثال هؤلاء. |
|
شبكة البصرة |
|
الاثنين 22 ربيع الثاني 1429 / 28 نيسان 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |