بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هل معركة الموصل حاسمة؟

شبكة البصرة

د. عماد الدين الجبوري

كاتب وأكاديمي عراقي

مع وصول الوجبة الثانية والأساسية لما تسمى بقوات النخبة التي يتألف عناصرها أصلاً من ضباط ومراتب فيلق بدر. حيث انخرطوا، أو بمعنى أدق تستروا بالبزة الرسمية كقوات وطنية للعيان، وتنفذ كل مخططاتها الصفوية الدموية بالخفاء. وكأن العراقيين غافلون عما يفعله هؤلاء الأوغاد الأنجاس. عموماً فأن التحضيرات والاستعدادات العسكرية التي تجري في محافظة نينوى على قدم وساق منذ فترة ليست بالقصيرة. وأن تأخر الإعلان عن بدء عملياتها كانت بسبب ما تسمى "صولة الفرسان" الفجائية التي دارت بالبصرة. أن قوات الاحتلال الأمريكي والمتحالفين معها من قوات الحكومة وميليشيات البيشمركة ومجالس الصحوة، "تنتظر ساعة الصفر التي ستكون مسؤولية تحديدها بيد رئيس الوزراء نوري المالكي". كما صرح وزير الداخلية جواد البولاني في الأسبوع الماضي. وإذا كان سبب الهجوم في البصرة هي محاربة الخارجين عن القانون، والذي وصفهم المالكي بأنهم أسوء من تنظيم القاعدة. فأنه قد أشار سابقاً إلى أن الهجوم المرتقب في الموصل هو من أجل دك آخر معاقل تنظيم القاعدة في العراق.

أن أهالي الموصل شأنهم شأن بقية أطياف الشعب العراقي المحب للخير والسلام. لكنهم لا ينحنون للجور والطغيان ومهما اشتدت ضراوته عليهم. إنهم وكما قال عنهم كبير المؤرخين في القرن العشرين البريطاني ارنولد توينبي: بأنهم الامتداد الطبيعي للإمبراطورية الآشورية من حيث الروح العسكرية القتالية. نعم إن الموصليين يتمتعون بهذه الخصلة الانضباطية في القتال، ولذلك تجدهم قد أرفدوا الجيش العراقي السابق بأفواج تلو الأفواج من العسكريين بينهم قادة مرموقين شهدت لهم ساحات المعارك الوطنية منها والقومية.

أن الأمريكيين والمتحالفون معهم من مطايا عرب الصحوة والأكراد العرقيين يعرفون حق المعرفة بأن تنظيم القاعدة ليس له ذلك الثقل المسيطر على الموصل. إنما الثقل والسيطرة الحقيقة لفصائل المقاومة الوطنية العراقية. إن بواسل المقاومة هم الذين هدوا وأرقوا مضاجع الاحتلال بعملياتهم البطولية التي اكتسبوها من الجيش العراقي الذي كان في زمنهم رابع أكبر جيش بالعالم. ولهذا يدرك الأمريكان تمام الإدراك بأن الاشتباك المباشر معهم يعني أن فصائل المقاومة العراقية سوف تحصدهم أعظم حصاد.

ومن هنا ولهذا السبب بالذات تجد أن ساعة الصفر قد تأخرت ولأكثر من مرة. حيث تقدمت عليها الخطة المعهودة في تضيق الخناق على أهالي الموصل عبر الاعتقال والاختطاف والقتل والتعذيب التي تمارسها عصابات البيشمركة أبشع ممارسة. حتى صارت تشاطر الحقد الصفوي بدمويتها الرهيبة داخل العراق. بيد أن هذا المسلك الإجرامي لا ولن يكسر إرادة أهلنا بالموصل الحدباء. وإلا لتحقق ما يصبون إليه في الخمس سنوات الماضية سواء في محافظة نينوى أو غيرها من المحافظات العراقية المقاومة.

إذن هل ستطبق القوات الأمريكية ما فعلته في تاريخ 1-3-2007 على منطقة عرب جبور وهي مدينة صغيرة تقع في جنوب بغداد. حيث زحفت لها القوات الأمريكية فجراً وحاصرتها براً وجواً بالدبابات والمدفعية الثقيلة والسمتيات والطائرات وأمطرتها بوابل الصواريخ والقذائف والقنابل منها 38 قنبلة زنة الواحدة منها أكثر من 21 طن. فأصبحت بيوت الجبور قبوراً لهم. كل ذلك لأن الجبروت الأمريكي لم يستطيع أن يطفأ فيهم جذوة المقاومة.

وإذا تمكن البيت الأبيض عبر سطوته على الإعلام الأمريكي والسائرين في فلكه أن يخفي الكثير من حقائق ذلك الهجوم البربري على المدنين الآمنين في منطقة عرب جبور. فأن الموصل تختلف بجوانب كثيرة سكانياً ومناطقياً وكثافة المقاومين الذين سقطت بيدهم الموصل تماماً قبل سنتين تقريبا وهرب حينها عملاء وحلفاء المحتل الأمريكي.

ومع ذلك هل يمكن للفصائل وجبهاتها الجهادية أن تحصر نفسها الآن في معركة واحدة؟ قطعاً لا! لأن تركيبة المقاومة وطنية الفروع والروافد. لذلك فإن أذرعها المنتشرة في طول العراق وعرضه لن تجمعها في معركة معينة واحدة رغم أهميتها وحساسيتها. ولكن ربما سيكون لها ثقلاً خاصاً لاسيما وأن المقاومين يرومون الثأر لما جرى لهم في معركة الفلوجة الثانية في عام 2004. حيث استخدمت القوات الأمريكية القنابل الفسفورية المحرمة دولياً من جهة. واختراق بعض العناصر لهم حيث سلموا الجسر للقوات الأمريكية فالتفوا عليهم وجرى ما جرى من خسائر مريرة.

وبين هذا التحليل وذاك التوقع فإن القوات الأمريكية قد أعدت العدة لعدوانها الجديد بغية كسر شوكة المقاومة الوطنية بالموصل. كما وإن السبب الآخر الذي ما زال يؤخر ساعة الصفر هو عدم اكتمال المعلومات الاستخبارية. خصوصاً وإن العرض الأمريكي للضباط الموصليين بالعودة إلى صفوف الجيش جوبه برفض قاطع. بل إنهم اشترطوا على الأمريكيين أن يفتحوا تحقيقاً عادلاً لما تفعله عصابات البيشمركة وأخرها تفجير الزنجيلي الذي راح ضحيته المئات بين قتيل وجريح. ناهيك عن العشائر العربية والكردية الأصيلة التي تريد من أبنائها الدخول للجيش وتشكيل منها أفواجاً تحمي الموصل وتدافع عنها، بدلاً من هذه الميليشيات الطائفية المرتدية للزي العسكري.

ندعو الله أن يجنب أهلنا بالموصل ويل الدمار الأمريكي الجديد. ولكن إذا ما حدث هذا لا سامح الله فإن مسماراً غليظاً آخراً سوف يُدَق بالنعش الأمريكي.

شبكة البصرة

السبت 5 جماد الاول 1429 / 10 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس