بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عندما تكون المحاكمة سياسية

والقُضاة فيها هُم الخصوم

شبكة البصرة

محمد العماري

قد لا نأتي بجديد إذا قلنا إن المحاكمات الصورية التي تجري حاليا في المنطقة الخضراء لرجال وقيادات النظام الوطني الشرعي السابق، تفتقرلأبسط شروط ومعايير العدالة والنزاهة والحيادية. لأن من نصّبتهم أمريكا حكاما على العراق بعد إحتلاله وتدميره جاؤوا يحملون معهم أطنان من الأحقاد والضغينة، لكلّ ما هو عراقي أصيل، تكفي لمحاكمة وإدانة العراقيين جميعا وبأية حجّة كانت طالما أرست أمريكا وطبّقت قانون الغاب في عراق اليوم. فلا غرابة إذن أن يُحاكم"المتهم" من قبل نفس خصومه وأعدائه السياسيين بتُهم جاهزة منذ سنوات طويلة وباحكام قاسية سبق وأن تمّ الاتفاق عليها وصدرت في عواصم الشر والحقد، واشنطن وطهران وتل أبيب.

وفي هذه الأيام، كما يعلم الجميع، تجري محاكمة نخبة من خيرة أبناء العراق المخلصين لوطنهم وشعبهم وتاريخهم، وعلى رأسهم الأستاذ طارق عزيز، بتهمة إعدام مجموعة من التجارالذين تلاعبوا بالأسعار وبقوت الشعب العراقي عام 1992 وفي ظل حصار جائر. وبطبيعة الحال لم يكن هؤلاء التجارقطعا أبرياء، ولم يكونوا أصحاب دكاكين صغيرة حتى يمكن غض الطرف عمّا فعلوه، بل كان لجشعهم وإستغلالهم للوضع الذي كان يمرّ به العراق تأثير سلبي كبيرعلى قطاعات واسعة من أبناءالشعب العراقي وعلى إقتصاد الدولة عموما. ومعلوم إن جريمة من هذا النوع في زمن الحرب أو في ظل حصار إقتصادي ظالم لا تختلف عن جريمة الخيانة العظمى.

ومع كلّ ذلك، لقد تمّت محاكمتهم وفق القانون العراقي وفي محاكم معروفة المكان تابعة لدولة مستقلّة وذات سيادة، وليس في قلعة محصّنة إسمها المنطقة الخضراء، كما هو حال العراق الجديد، خاضعة لقوات إحتلال أجنبي مباشر، وتديره حكومة كارتونية مسيّرة من قبل أكثر من جهة. فضلا عن ذلك إن أولئك التجار نالوا جزاءهم العادل لوجود أدلّة كافية وقاطعة ضدّهم بما فيها إعترافاتهم أنفسهم. وكانت لهم مسؤولية مباشرة عن التُهم المنسوبة اليهم. ومع ذلك لم يتم إحتجازهم في زنازين بشعة لمدة خمسة أعوام دون محاكمة أو تهمة واضحة، ويعاملون معاملة لا إنسانية دون زيارات أو لقاءات مع محاميهم أو ذويهم، كما تفعل الآن"عدالة" الحكومات الحاقدة التي نصبها الاحتلال بعد الغزو، مع قيادات ومسؤولي النظام الوطني السابق.

إن "عدالة" ساسة عراق اليوم بُنيت على أحقاد وثأرات وغرائز إنتقام وخليط من المشاعرالعدوانية المختلفة. ولا علاقة لها إبدا لا بالقضاء ولا بالقانون. وهي وجاءت، وهذه هي الحقيقة التي لم تعد خافيا على أحد، من أجل محاكمة حقبة زمنية باكملها عاشها العراق شامخا موحّدا ومستقلاّ في ظل نظام وطني دوّخ رؤوس أمريكا وإسرائيل وجارة الشر إيران، بصموده وبسالته وتحدّيه. بدليل إن قضاء وعدالة حكومة المنطقة الخضراء تغض الطرف وتتجاهل كلّ ما حصل بعد غزو العراق عام 2003 من جرائم قتل طالت أكثر من مليون ونصف إنسان، وعمليات إختطاف وإغتصاب لا تعد ولا تحصى وفي وضح النهار لآلاف المواطنين بلا ذنب أو تهمة. مضافا الى ذلك عمليات النهب والسلب المنظّمة علنا وسرّا لملايين بل مليارات الدولارات من المال العام،أبطالها قادة العراق الجديد من وزراء ونوّاب برلمان ومدراء عامون وقادة أحزاب ذات ولاءات مزدوجة أمريكية - إيرانية. ومعظمهم ما زال في الخدمة، ومستمرّ في ممارسة جرائمه تحت حماية ورعاية مارينز العم سام.

 أما الفساد المالي والاداري وشراء الذمم والضمائر فحدّث ولا حرج. فبفضل عملاء أمريكا وإيران أصبح العراق أكثر بلدان العالم فسادا. وعليه فان كلّ هذا الكم الهائل من الجرائم والجُنح والانتهاكات والخروقات التي تجري في عراق اليوم لا تراها محاكم المنطقة الخضراء ولا تسمع عنها شيئا ولو عبر وسائل الاعلام. لأن الحقدالأسود والضغينة جعلتهم لا يرون غيرعيوب وسلبيات النظام السابق.

وإذا كانت هناك ذرّة من العدالة والحيادية والاستقلال القضائي في محاكم العراق الجديد فما عليهم الاّ التوجّة الى المنطقة الخضراء، وهم طبعا من سكنتها، وإلقاءالقبض على المجرمين الحقيقيين من أمثال جلال الطلباني ونوري المالكي وعبد العزيز اللاحكيم وبقية العصابة التي إمتلأت جيوبها وحساباتها المصرفية بالمال الحرام وتلطّخت أيديها بدماء مئات الالاف من العراقيين الأبرياء.

mkhalaf@alice.it

شبكة البصرة

الاحد 28 ربيع الثاني 1429 / 4 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس