بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الساداتيون الجدد : متلازمة حسن الصباح

(1-6)

شبكة البصرة

صلاح المختار

(قد لا نتذكر من يشاركنا افراحنا لكننا نتذكر من يشاركنا احزاننا)

مارتن لوثر كنج

زعيم حركة الحقوق المدنية الامريكية
 

متلازمة ستوكهولم

من ينظر الى بعض المواقف لتنظيمات ومثقفين عرب، وفي الساحة الفلسطينية، ينتابه قلق عميق وتنهال عليه حزم مترابطة من الاسئلة المنطقية، والتي قد لا يجد جوابا عليها كلها، لكنه في كل الاحوال يواجه حالة غريبة، كل الغرابة، هي اقرب للحالة المسماة طبياً Stockholm syndrome (بالعربية تعني متلازمة ستوكهولم)، والتي تتلخص في ان الضحية المخطوف يتعرض لغسل دماغ نتيجة لتأثير الخوف او العيش مع الخاطفين فيتبنى مواقفهم ومنطقهم! ولعل قصة باتي هيرستPatty Campbell Hearst)) الامريكية المنتمية لعائلة ثرية هي من ابرز الامثلة على متلازمة ستوكهولم، فلقد خطفت لان والدها ثري وطلب الخاطفون فدية مالية لكنها وجدت نفسها، اثناء الخطف، تتحول من الغضب والحقد على الخاطفين الى التعاطف معهم وتبني منطقهم، بل والاسهام معهم في القيام بعملية سرقة!

هنا سنتناول مواقف أشخاص وتنظيمات عربية وفلسطينية، ومنها بعض الاخوان المسلمين، وليس كلهم، وبعض الناصريين، وليس كلهم، وبعض من ينتمون لليسار الماركسي، وليس كلهم، والتي تقع مواقفهم في خانة مرضى متلازمة ستوكهولم، وسنحللها ونحدد مخاطرها ثم نصنفها سياسياً.

ان منطلقنا من هذه الدراسة هو مواصلة موقفنا الاصيل كقوميين عرب، والذي تبنيناه منذ بدأت بوادر احتلال فلسطين وقبل ظهور كافة الحركات الفلسطينية الحالية وقبل ولادة اغلب المثقفين العرب الذين يؤيدون ايران، والقائم على الرفض التام والثابت للتفريط بفلسطين، كل فلسطين، بأي طريقة وتحت أي تبرير، لانها قضية كل مناضل عربي وليست حكرا على الفلسطينيين. بل يجب ان نذكّر بأصول واهداف اقامة اسرائيل على ارض فلسطين وهي تتلخص في ما سمي ب(اقامة وطن قومي لليهود) في المنطقة الواقعة بين الفرات والنيل، ومن هذه المنطلق تمارس اسرائيل سياسة التوسع التدريجي في الاحتلال لاكمال اسرائيل الكبرى او التوراتية، وفرض النفوذ على كافة اقطار الوطن العربي في المشرق والمغرب.

وهذه الحقيقة تخرج فلسطين، وقضيتها، من اطارها الفلسطيني البحت وتجعل منها قضية كل العرب وسيدة مشاكلهم القطرية والقومية، كما اكدت التجربة الواقعية منذ قيام اسرائيل. وبتعبير ادق : ان الاجماع التقليدي على ان قضية فلسطين هي القضية المركزية في الامة العربية، يجعل منها قضية كل عربي مناضل في الدفاع عن الحق الفلسطيني اولاً، وفي المساهمة في تقرير اساليب التحرير واسترجاع فلسطين ثانياً. ومما يعزز هذا الموقف المبدأي الثابت لنا، والذي توج بأستشهاد القائد صدام حسين وهو يهتف بعروبة فلسطين قبل ان يردد الشهادتين ويغتال، هو ان من احتل فلسطين وعزز الكيان الصهيوني وحماه، ومازال يفعل ذلك، قوى دولية عديدة، في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية، رأت في اقامة هذا الكيان مقدمة لابد منها تمهد للسيطرة على الوطن العربي بشكل دائم، ولذلك كانت ومازالت الستراتيجية الامريكية تجاه الوطن العربي تقوم على اساسين ثابتين لم يتغيرا وهما حماية تدفق النفط، اي امن النفط، وحماية اسرائيل، اي امن اسرائيل. واستنادا لذلك ظهر (مبدأ كارتر) الذي يقوم على التدخل الامريكي الحتمي اذا تعرض تدفق النفط من الخليج العربي الى امريكا وحلفاءها لاي تهديد. وهكذا فان الترابط العضوي بين قضية غزو فلسطين وامن واستقرار وهوية كل الاقطار العربية يجعل النضال الفلسطيني مقترن، وبحتمية لا مفر منها، بالامن القومي العربي وبالمحافظة على الهوية العربية في كافة الاقطار العربية واستحالة فصل تحرير فلسطين عن اي قضية عربية اخرى مصيرية.

من هذا المنطلق فأن وجود تنظيمات وشخصيات فلسطينية وعربية تصاب بمتلازمة ستوكهولم، اي استبدال الموقف القومي بالمنطق القطري تأثرا بمواقف الانظمة العربية، او تبني منطق (الجيتو) اليهودي، تأثرا بسايكولوجيا المستعمر الصهيوني، والذي يرى صواب ومشروعية الاحتلال الاسرائيلي في الدفاع عما تظنه الصهيونية موقفا صحيحا حتى لو ادى الى الاضرار بملايين الفلسطينيين والعرب، لان سكان الجيتو، ومهما اختلفت الوانهم واديانهم، يرون ان الحقائق هي كل ما يتناسب مع ما يريدون او يتصورون وليس ما يؤكده الواقع الموضوعي! ان ذلك كله يثير فينا اعمق مشاعر القلق ليس فقط لان ذلك يكمل مسيرة اغتصاب فلسطين، بل لانه ايضاً يشكل خطوة متقدمة لاكمال بناء اسرائيل الكبرى (التوراتية)، من الفرات الى النيل. ان نقد هذه الحالة وتسليط الضوء على تجلياتها ونتائجها يلزمنا بالبدء بتحديد معنى الساداتية ونتائجها، لانها الانموذج العربي لمتلازمة ستوكهولم.

ويجب ان نؤكد هنا بان هذا الواجب هو جزء من حقنا كعرب نلتزم بقضية فلسطين، بصفتها القضية المركزية لنا جميعا، وبسبب التمسك بذلك نواجه غزو العراق وبقية كوارث العرب، من تعمد الغرب تبذير اهم ثرواتنا، وهي ثروة النفط، في انفاق استهلاكي واضح، الى منع التقدم العلمي- التكنولوجي، وضرب تجربة النهضة القومية العربية في العراق وقبلها اجهاض تجربة القائد المرحوم جمال عبد الناصر، مثالان واضحان على ان العامل الخارجي هو السبب الرئيسي في تخلفنا وتشرذمنا، خصوصاً من خلال فرض انظمة استبدادية فاسدة وجاهلة باصول التقدم وتعادي عمليا الوحدة العربية، وتنمي كل عوامل التخلف والتجزئة العربية.

واخيرا يجب ان نشير الى اننا لانقصد اهانة احد بوصفه ب(الساداتي)، بل كل مانريد الوصول اليه هو قرع اجراس بصوت عال فلعل العادة والبيئة السلبية هي التي خدرت الضميرين الوطني والقومي، اما تحت غطاء اسلاموي مخرب او غطاء ناصري ساذج وانتهازي او تحت غطاء ماركسي ستاليني اساسه التقليد الاعمى والطاعة العمياء، وخدرت قبلهما الضمير الانساني القائم اساساً على وحدة المعايير في الحكم والتقويم، وربما سيكون قرع الاجراس عامل تنبيه واستيقاظ من الغفلة او التغافل المتعمد الناجم عن متلازمة ستوكهولم.

 

الساداتيه ماذا تعني

حينما وصل انور السادات الى الحكم، بعد وفاة المرحوم جمال عبد الناصر، كانت النخب في مصر اساساً، وخارجها بشكل اقل، تناقش مشروع روجرز والقرار 242 (الصادر عن مجلس الامن عام 1967) وكان النقاش يدور حول هل يواصل العرب التمسك بحق التحرير الكامل لفلسطين؟ ام يتراجعون امام الوقائع الجديدة، ومنها احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزز التحالف الغربي المدعوم، مباشرة او بصورة غير مباشرة، بموقف براغماتي متواطئ للمعسكر الاشتراكي، ويقوم على النظر الى اسرائيل ككيان وجد ليبقى وانه محمي بما يسمى (الشرعية الدولية) والرفض التام لاي مس بامن اسرائيل؟ وبناءا على هذا الخلاف برز اختلاف جوهري وعميق بين العرب، فتيار معين تبنى موقفاً يقول يجب ان نتوقف عن المطالبة بكل فلسطين وان نقبل بعودة الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، طبقا لما فهمه العرب من القرار 242 مقابل الاعتراف باسرائيل. وعلى النقيض من ذلك واصل التيار القومي العربي، بتنظيماته المختلفة الموقف المبدأي الثابت الذي يقول بان تحرير فلسطين لم يكن مهمة سهلة منذ البداية ولذلك فأن التراجع عنه هو خيانة قومية ووطنية ويجب ان نواصل الكفاح المسلح لاجل تحرير فلسطين.

ان وصول السادات الى السلطة في هذه البيئة المضطربة شجعه على الاقدام، لاول مرة على المستوى الرسمي، على خطوة خطيرة وهي الانفراد بالصلح مع اسرائيل وانهاء حالة الحرب معها باسم مصر وحدها! ماهو المنطق الذي طرحه السادات لتسويق اعترافه باسرائيل مصريا؟ أنه منطق القطرية المصرية والضرب على وتر تضحيات مصر وحروبها مع اسرائيل وتعرضها للازمات الاقتصادية والاجتماعية والضغوط الخارجية بسبب التزامها القومي بقضية فلسطين، وقد تجسد ذلك في الممارسة العملية لشعار (مصر اولا)! لقد شكلت الساداتيه اول انشقاق عربي حول فلسطين ووجد من يدعمه داخل مصر وخارجها.

ان المنطق القطري الساداتي، وليس المصري، اراد تحريك الانانية في نفوس الشعب العربي في مصر واقناعه بانه هو من يقرر الموقف من فلسطين وليس الاجماع العربي، وكان هذا الطرح هو الترجمة الدقيقة لقناعة السادات بانه هو شخصيا من يستطيع التمييز بين الموقف العام الصحيح والموقف العام الخاطيء، واختار الصلح مع اسرائيل على هذا الاساس الذاتي الصرف. لقد حول السادات المواقف السياسية من ثمرة للتحليل الموضوعي للواقع العربي المستند على المصالح العليا للامة العربية الى عملية مركّزة لحق الحكم على المواقف في شخصه، والانطلاق منها (من عملية المركزة) للتمييز بين الصواب والخطأ على المستوى العربي، مسقطاً ما استقر عليه الضمير العربي قبل الموقف السياسي والايديولوجي القومي، من ان للعرب حقوقاً في فلسطين ولايجوز التفريط بها وانها حقوق لا يقرر مصيرها قطر واحد، حتى لو كان فلسطين، ولا زعيم واحد بل الاجماع العربي الشعبي، واذا امكن الاجماع الرسمي، وان المعيار الحاسم هو استرجاع الحق العربي وليس التفريط به تحت اي تسويق او تبرير.

لقد اختصر السادات، اولاً، المصلحة في القطرية المصرية، ثم توسع واختصر، ثانيا، مصلحة مصر في مواقفه هو ومايراه هو صواباً، لذلك برزت الساداتية كنوع من انواع جعل الذات هي المقرر للمواقف وليس الحقوق والوقائع والقيم الاخلاقية والمبادئ الوطنية والقومية والمعايير الموضوعية. هذه هي الساداتية، وهذا هو جوهرها بالضبط، وهذا هو مانعنيه بعنوان تحليلنا الحالي، وليس معنى الخيانة كما اصبح سائدا من فهم لمعنى الساداتية. واستنادا لذلك فان الساداتية لا تقتصر على الخونة او من انخرط فيما يسمى ب(التسوية السلمية) للصراع العربي الاسرائيلي بل هي تشمل كل وطني او اسلاموي يرفض الرابطة القومية العربية، ضمنا او صراحة، باسم القطرية ويطلق العنان لذاته، بعد ان يجعلها هي المصلحة القطرية، لتقرر بدل الامة والمعايير الموضوعية.

 

نتائج الساداتية

ان اهم سؤال فيما يتعلق بنتائج الساداتية هو : هل حققت الساداتية لمصر ما اعلنه السادات من تخليصها من الاستنزاف والحروب وتحقيق تنمية وتقدم اقتصاديين؟ الجواب هو كلا، فالتمحور حول الذات في التفكير والاختيار السياسي ليس سوى مقدمة لهزيمة هذا النمط من التفكير وليس العكس، لان حقائق الواقع الموضوعي تتعارض، على نحو صارخ، مع منهج التفكير القائم على التمحور حول الذات واختصار الوطن (القطرية) والانتماء القومي كله فيها وجعلها معياراً للصواب والخطأ.

ان مصر بعد عبد الناصر لم تتحرر من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بل ازدادت بالتعمق والتوسع، ونشأت احياء وسط المقابر من شدة الفقر. كما انها لم تتحرر من المشاكل السياسية والضغوط الخارجية الامريكية وغير الامريكية واستنزاف الحروب، واضطر نظامها بدل خوض حروب مع اسرائيل، ان يشارك امريكا وغيرها في حرب ضد العراق (1991)، مع ان الساداتية اعلنت ووعدت بانتهاء زمن الحروب! وازداد اعتماد مصر على المعونات الخارجية وخرب القطاع العام والاصلاح الزراعي، وحيّدت سيناء ولم تعد تحت السيادة المصرية، لدرجة ان حكومة مصر ممنوعة من وضع قوات كبيرة فيها!

لقد تبخرت كل الوعود التي قدمتها الساداتية للشعب المصري لاقناعه بالعمل وفقاً لسياسة وشعار (مصر اولاً)، واربكت الساداتية علاقة مصر بالامة العربية، وضيعت مصر في متاهات الالعاب الامريكية الاسرائيلية. ان اتفاقيتي كامب - ديفيد اللتان وقعهما السادات مع اسرائيل برعاية الرئيس الامريكي جيمي كارتر، كانتا الاطار القانوني ل(احتواء) مصر وحصرها في قفص فولاذي مازالت تعاني من كوارثه واثاره السلبية.

واهم مافي نتائج الساداتية من مخاطر على مصر، بعد خطر فصلها عن عمقها ومصدر قوتها الستراتيجية : درعها العربي، هو انها اصبحت اسيرة للسياسات الامريكية - الاسرائيلية واحد اهم ادوات تنفيذ تلك السياسات على المستوى العربي. فبالاضافة للمساهمة في الحرب ضد العراق في عام 1991 تحت الراية الامريكية وجدت حكومة مصر انها غير قادرة على منع حاملات الطائرات والسفن الحربية من المرور عبر قناة السويس لغزو العراق في عام 2003، بل انها فشلت في الاعتراض على غزو قطر عربي رئيسي وتدميره! ونتيجة لكل هذه الاثار وجدنا الشعب العربي المصري يرفض بشدة التطبيع ويعرقل تحقيقه بعد اكثر من ثلاثة عقود من الزمن على توقيع الاتفاقيتين المذكورتين، مدركا ان الساداتية كانت كارثة الكوارث، وانها اتخذت هذه الطبيعة والتكوين كنتيجة حتمية لاستبدال المعايير الموضوعية والثوابت الوطنية والقومية في التقويم والتحليل بمعيار ذاتي صرف هو تصورات واعتقادات السادات شخصيا لما هو صحيح وخاطئ.

أين تكمن متلازمة ستوكهولم في الساداتية؟ انها تكمن في تحول السادات من احد ابرز الضباط الاحرار ونائب عبدالناصر الى حليف لاسرائيل ومتبني لمنطقها ورافض للمنطق الوطني المصري وللمنطق القومي العربي، نتيجة للخوف وعدم قدرته على تصور حل ينسجم مع المصلحة الوطنية المصرية العامة التي ابتدأ تراجعاته تحت غطاء الدفاع عنها! لقد خضع السادات لمنطق الاقوى الذي يهدده وهو منطق قوة اسرائيل والابتزاز الامريكي، ولتجنب افتضاح خوفه وانهياره تبنى، شعوريا او لا شعوريا، موقفهما نتيجة لعملية غسل دماغ تعرض لها لعدة سنوات، مثلما وقعت باتي هيرست تحت تأثير العصابة التي اختطفتها! وكان ابرز تعبير عن ابتزاز الخوف الذي استحوذ على السادات، وجره الى الانقلاب على تأريخه ومواقفه، هو مقولته الشهيرة وهي ان 99 % من اوراق اللعبة بيد امريكا!

ان اخراج السادات لمصر من اسرتها العربية كان حتى ذلك الوقت اهم كوارث العرب بعد كارثة فلسطين، والتي ادت الى سلسلة متعاقبة من الكوارث في مصر وباقي الاقطار العربية. من هنا فان الدرس الاعظم المتأتي من التجربة الساداتية هو ان تغليب المنهج الذاتي في التحليل للقضايا الكبرى ماهو الا خطوة نحو الانتحار الجماعي، او النحر الجماعي للامة العربية قطرا بعد اخر، ولا تنتهي عملية النحر والانتحار هذه الا بنحر المصلحة الخاصة (ألانا) التي حركت الانحراف الاول.
 

شباط (فبراير) - أيار (مايو) 2008

Salah_almukhtar@gawb.com

شبكة البصرة

الخميس 24 جماد الاول 1429 / 29 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس