بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التيار الصدري : هل هو وطني ومقاوم ضد الاحتلال؟

(2-2)

شبكة البصرة

صلاح المختار

ما معنى ذلك؟

الملاحظات السابقة ضرورية لفهم الدور الحقيقي لجيش المهدي، وهي تؤكد حقائق اساسية لابد من اخذها بنظر الاعتبار لان اهمالها يقود حتما الى الضلال والتضليل، ومنها واهمها :

1 نعم هناك صراع اكبر من صراع جيش المهدي ولصوصه مع امريكا ولصوصها وهو صراع اللصين المجرمين اللذين يقفان وراء كل مصائبنا نحن العرب، وهما اللصين الامريكي والايراني اللذان يتصارعان حول غنائم العراق والخليج العربي وكيفية تقاسمها بينهما، لذلك لا يجوز لاي انسان يعرف هذه الحقيقة ان يتورط في تبني موقف يمنح جيش المهدي صفة (المقاوم للاحتلال) لانها صفة من المستحيل ان تنطبق عليه ما دام مجرد ذراع ايرانية لا تتحرك الا باوامر ايرانية.

 

2 ان عدم استقلالية جيش المهدي وخضوعه التام لايران يجرد، من كان اصله عراقيا فيه، من كل صفة وطنية او عربية لان العروبة انتماء واع اساسه الدفاع عن الامة العربية والاعتزاز بحمل هويتها.

 

3 ان معارك جيش المهدي، مهما كانت حدتها وحجمها، لا يمكن ان تكون تحررية او مقاومة للاحتلال لانها امتداد ذيلي لتنافس استعماري بين استعمار دولي، هو الاستعمار الامريكي، واستعمار اقليمي، هو الاستعمار الايراني الاعتق من كل اشكال الاستعمار المعروفة، وبما ان الاصل هو صراع لصوص استعماريين فان الفرع والذيل لا يمكن ان يخرج عن كونه اداة بيد اللصوص الكبار.

 

4 وكما اننا رفضنا تأييد الحاج امين الحسيني في تعاونه مع النازية ضد الحلفاء لكسب الدعم لقضية فلسطين، لان الصراع الالماني مع بريطانيا وبقية الحلفاء كان صراع لصوص استعماريين، فان دعم ايران بحجة انها تتصارع مع امريكا خطأ فاحش اكثر خطورة من خطأ الحسيني لان المانيا لم تكن تحتل اراضينا مثلما تفعل ايران. ويجب ان نتذكر بان ايران لم تنخرط في صراع اساسي عسكري او سياسي حقيقي مع امريكا منذ اسقاط الشاه، وانما كان الصراع هو صراع ديوك تتناقر وتتصايح باصوات عالية كاصوات ضيوف د. فيصل القاسم في برنامج الاتجاه المعاكس، مع احترامنا له، ولكن لم يتم اطلاق رصاصة واحدة بينهما!. ليس من الحكمة او النضوج الانحياز لاستعمار وهو يتصارع مع استعمار اخر لان ذلك هو مقدمة حتمية لتحول من يقدم على ذلك الى اداة بيد احد الطرفين الاستعماريين مع انه يتصور انه ذكي بما يكفي للاستفادة من صراع استعمارين.

ومن يريد الاعتراض على وصفنا لايران بانها دولة استعمارية يجب عليه ان يتذكر بان ايران تحتل الاحواز العربية، والتي تضم ثمانية ملايين عربي يتعرضون للتفريس منذ ضمت بريطانيا الاحواز لايران في عشرينيات القرن العشرين، والاحواز اضافة لذلك تمتد على الساحل الشرقي للخليج العربي مقابل كل الاقطار العربية الخليجية، فهي لذلك الدليل الحاسم على عروبة الخليج. كما يجب تذكر ان ايران تحتل الجزر العربية الثلاث وتعلن صراحة مطامعها في البحرين، في زمن الشاه محمد رضا وفي زمن خميني، وتشعل الفتن الطائفية في كل الوطن العربي، بدل معاونة العرب على مواجهة الاستعمارين الامريكي والصهيوني، واخيرا، وليس اخرا، يجب عدم نسيان اهم واخطر موقف ايراني ثابت وهو تأييد ايران لامريكا في غزو العراق وبروزها كاهم داعم للغزو، واهم طرف نفذ وينفذ مخطط تصفية عروبة العراق بعد تدميره للدولة الوطنية العراقية.

في هذه المواقف نرى ايران، وبصواب تام، قوة استعمارية لا تختلف عن امريكا واسرائيل ابدا الا في التفاصيل. من هنا فان الظن بان مجرد وجود صراع ديوك بين امريكا وايران مبرر لعدم ادانة غزوها للعراق ولبقية جرائمها ضد الامة العربية هو انحراف خطير يعبر عن بؤس تام في الوعي او عن دوافع مصلحية وضيعة.

 

5 لا تخفي ايران شراكتها لامريكا في غزو العراق، بدليل انها اعترفت على لسان محمد خاتمي بانه لولا مساعدة ايران لما تمكنت امريكا من غزو افغانستان والعراق، كما ان ايران كانت اول دولة تعترف بالحكومة التي شكلها الاحتلال وكانت ومازالت اهم داعم لها. وعبرت عن نواياها في تقاسم العراق عن طريق تفاوضها على مصيره وعقد ثلاثة اجتماعات بين السفيرين الامريكي والايراني في بغداد لتقرير مصير العراق. ان المعنى الكبير والخطير الكامن في هذه المعلومات والمواقف هو ان ايران هي الشريك الاهم والاول لامريكا في غزو العراق، وهي اهم من بريطانيا منذ اللحظة التي اكتمل الغزو العسكري للعراق، لذلك فان هوية ايران كقوة استعمارية واضحة ومن المستحيل طمسها او انكارها الا اذا كان هناك من له مصلحة مادية في ذلك، او كان ايراني الهوية والولاء.

 

6 حتى لو افترضنا ان ايران تخوض صراعا حقيقيا ورئيسيا مع امريكا، بل حتى لو خاضت الف حرب معها او مع اسرائيل وهو افتراض مستبعد، فانه صراع من اجل مصالح ايران القومية وليس من اجل عيون فلسطين او المسلمين في العراق، لان موقفها من غزو العراق ومن غزو الجزر العربية والاحواز والبحرين ومن تسمية الخليج العربي ونشرها علنا للفتن الطائفية في الوطن العربي كله، يؤكد بلا ادنى شك انها تعمل لخدمة مصالحها القومية وعلى حساب العرب والشعوب الاسلامية الاخرى، وانها حينما تهتف هي او اذرعها العربية، خصوصا في لبنان، باسم فلسطين فانها تريد ان تحصل على جواز مرور الى قلوب العرب القليلي الوعي وتشق الصف العربي وتجد من يقف الى جانبها، سواء بسبب المال او غيره، لاجل ان تكمل مخططها التوسعي على حساب الامة العربية ارضا وهوية ومصالح قومية. فهل يجوز، في ضوء ما تقدم، ان ندعم ايران مع انها تذبحنا من الوريد الى الوريد؟ وما الفرق بين العراق وفلسطين؟ هل يمكن لمن يدعم فلسطين حقا ان يغزو العراق ويشارك بصورة اساسية في تدميره ومحاولات تقسيمه؟ وهل يمكن لمن يقاتل دفاعا عن فلسطين حقا ان يمد يده الى ايران، مقابل بتروتومانات ايرانية لاتختلف عن البترودولارات الامريكية، مع انها تذبح العراق وتفرس الاحواز وتصر على احتلال الجزر وتعلن بكل صراحة ووضوح انها تريد البحرين؟

 

7 كيف نفهم اللعبة الايرانية - الامريكية؟ لفهم هذه اللعبة يجب ان نميز بين الموقف المبدأي العربي الاصيل تجاه الصراع العربي الصهيوني وبين الحقائق الستراتيجية، لان هناك من يحاول، باسم دعم قضية فلسطين ومقاومتها ولبنان ومقاومته، اغتيال ثورة العراق المسلحة من خلال تكتيكات ذكية ومدروسة وكالاتي :

أ - انزال مرتبة الصراع الجاري في العراق الى مرتبة صراع ثانوي على اساس ان القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وليست قضية العراق ومن ثم فان من يؤيدها، حتى لو كان موقفه من قضية العراق سيئا، هو صديق وحليف، وهذا مع الاسف نلاحظه في موقف حماس والجهاد الاسلامي! وهنا نلاحظ الخلط المتعمد بين الستراتيجية، والتي تؤكد كافة معطياتها ان المعركة الحاسمة تدور في العراق وليس في فلسطين او غيرها، وبين الموقف المبداي والثابت وهو ان قضية فلسطين كانت وستبقى القضية المركزية للامة العربية. من الممكن ان تبقى قضية فلسطين هي القضية المركزية حتى لو انتقلت المعركة الرئيسية الى ساحة اخرى في الوطن العربي، لاسباب تتعلق بتوازنات القوى وليس بتغير محور النضال العربي. وهذه الحقيقة نلاحظها في مصر عبدالناصر ودول الطوق التي كانت تخوض الصراع الرئيسي مع اسرائيل، ثم انتقلت ساحة الصراع الرئيسي الى العراق في عهد النظام الوطني. وفي ظل هذا الخلط المتعمد وتأثيره نرى احد اهم الشواهد على ذلك وهو دعم ايران من قبل من لا يفهمون ان ايران عدو لا يقل خطورة عن امريكا واسرائيل، كما تؤكد وقائع العراق واهمها المشاركة الايرانية الرئيسية في غزو العراق، بل يعدونها صديق وحليف وداعم، والخلاف معها حول العراق ثانوي، حتى لو برز، ولا يستحق فتح معركة رئيسية معها، فلولا انزال مرتبة الثورة العراقية المسلحة وتجاهل ان العراق يشهد الصراع الاساسي في العالم والمنطقة لما تجرأ احد على دعم ايران.

ان كل حديث عن تدهور المقاومة العراقية او تحولها الى حرب طائفية مسخر لتقليل شان الصراع في العراق، وتحويل الدعم من دعم المقاومة التي تخوض الصراع الرئيسي الحقيقي وهي المقاومة العراقية، الى دعم المقاومة التي تخوض صراعا ثانويا، وهي المقاومة الفلسطينية والاخرى اللبنانية، وابرز مظاهر ذلك هو ان اقصى اهداف مقاومة حماس وفتح هو قيام دويلة فلسطينية مقزمة في الضفة والقطاع، وتابعة عمليا، وبغض النظر عن النوايا، لاسرائيل. اما في لبنان فان اعظم اهداف حزب الله هو تحرير مزارع شبعا، فاين التغيير في الخارطة الستراتيجي الذي ستحدثه معارك هذين القطرين؟ لا شيء عمليا ورسميا، انه محض تغيير داخل الخارطة الامريكية والاسرائيلية. اما في العراق فان انتصار المقاومة العراقية يعني هزيمة امريكا، وبما انها العمود الفقري للوضع العالمي الحالي فان هزيمتها ستؤدي الى تمزيق خارطة الترتيب الستراتيجي الامريكي العالمي، وحدوث انقلابات ستراتيجية اقليمية وعالمية. هذا مانعنيه بالاطارات الستراتيجية الحديدية التي تتحكم في الصراعات.

ب - هؤلاء يركزون على دعم المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وبقوة تأثير ذلك يستطيعون اهمال المقاومة العراقية. ان اعتبار المقاومة في فلسطين ولبنان هما القوتان الاساسيتان اللتان تخوضان الصراع المصيري مع اسرائيل وامريكا وليس العراق، يسمح تلقائيا بالتضحية بالمقاومة العراقية، بل انه يمنح ايران القدرة على مواصلة دورها التفتيتي في العراق وفي كافة الاقطار العربية بحجة انها من تدعم حزب الله وحماس، وانها تقود الصراع ضد امريكا، وليس المقاومة العراقية، لذلك لا يجوز الاصطدام معها باي شكل (لانه يخدم امريكا، ويجب تحمل موقفها تجاه العراق من اجل المقاومة في فلسطين ولبنان)!

ولادراك حجم التضليل في هذا القول يجب ان نذكر بان اسرائيل بلا امريكا نمر من ورق مبلل ويوشك على التناثر، ومهما خضنا من صراعات مع اسرائيل بوجود امريكا القوية فان النتيجة واحدة، كما اكدت وقائع نصف القرن الماضي، وهي كسب اسرائيل للمعارك لان امريكا موجودة وقوية وجاهزة لتزويد اسرائيل بكافة ماتحتاجه لتحويل الهزيمة الى نصر كما حصل في حرب اكتوبر. لذلك فان هذا التركيز على ابراز مقاومة فلسطين ولبنان والحط من شأن المقاومة العراقية يفضي الى نتيجة خطيرة وخطأ ستراتيجي قاتل وهو المراهنة على النصر في ساحة يستبعد فيها النصر (فلسطين ولبنان)، ورفض المراهنة على النصر في ساحة يمكن تحقيق النصر فيها (العراق) من خلال دحر العدو الاكبر وراس الافعى ومصدر قوة الكيانات الاستعمارية الاساسي وهو امريكا. ما معنى هذا؟ معناه ان هناك تضليل متعمد على المستوى الستراتيجي يقوم على دغدغة العواطف اساسا : الحديث الحماسي عن دعم المقاومة في فلسطين ولبنان، ونتيجة هذا التضليل هي اننا لا نستطيع تمييز الاعداء عن الاصدقاء ولا معرفة من هو العدو الرئيسي ومن هو العدو الثانوي! ان الحقيقة هذه لا تعني اننا يجب ان لا ندعم المقاومة في فلسطين ولبنان بل بالعكس يجب دعم كل مقاومة تحمل السلاح ضد امريكا واسرائيل ولكم مع ربط ذلك الواجب بفهم صحيح للضرورات والحقائق الستراتيجية.

ج في ضوء ما تقدم فان ان الصراع في العراق، بالمعايير الستراتيجية، هو الصراع الرئيسي والحاسم والمعياري، اي الذي تقاس به المواقف وتتحدد على المستوى الستراتيجي، والحط من شأنه ورفع شأن مقاومة ثانوية يسمح، بتسويق لعبة دعم ايران بتأثير استبدال ساحة الصراع الرئيسي، وهي العراق، بساحة صراع ثانوي، وهي لبنان.

ومن الضروري ان يعلم الجميع الان وقبل فوات الاوان بان معركة العراق هي المعركة الاساسية والحاسمة، وهي الصراع المقرر لمصير فلسطين والوطن العربي، ولمسار تشكل النظام الجديد في العالم، مع التذكير مرة اخرى بان هذا لا يعني ان القضية المركزية المركزية لم تعد قضية فلسطين، فهي كانت وستبقى القضية المركزية في حياة الامة العربية، فنحن نتحدث عن التوازنات الستراتيجية وفيها نرى امريكا، درع وحامي وممول اسرائيل بالسلاح والمال والاستخبارات وضامنها الاول، وهي تخوض معركة فاصلة في العراق، فاذا هزمت امريكا في العراق فان اسرائيل سوف تنكشف ستراتيجيا حتما وتفقد مصدر قوتها الاساسي وتصبح اول هزيمة في اي حرب مع العرب لها قاتلة لغياب الدعم الامريكي او قلته الملموسة، تماما بعكس هزائمها السابقة، والتي كانت تعوض بجسور جوية امريكية تعيد المبادرة لاسرائيل ويفقدها العرب لان امريكا موجودة وقوية، وما مثال حرب اكتوبر عام 1973 الا مثال على هذه الحقيقة البارزة. ويترتب على هذه الحقيقة امر معاكس وهو ان المعارك مع اسرائيل لا تؤدي الى انكشافها ستراتيجيا مهما تعرضت للفشل في حالة وجود امريكا القوية. لذلك فان من يقلل من شان معركة الحسم في العراق تحت غطاء دعم القضية الفلسطينية لا يلحق الضرر بالعراق فقط بل هو يساهم في دفن قضية فلسطين. ان معركة الحسم الفلسطيني تدور الان في العراق مادامت امريكا (درع اسرائيل الاعظم)، هي التي تخوضها ضد المقاومة الوطنية العراقية.

 

ملاحظة : اعلن مصدر في التيار الصدري يوم 29/4/2008 بان ايران تتقاسم النفوذ مع امريكا في العراق!!! ورغم ان هذا الاعلان غامض، من حيث المصدر لان التيار هذا تسوده فوضى واضحة، ولا يوجد دليل على انه صادر رسميا عنه، فان من المرجح ان المخابرات الايرانية هي التي اصدرته، عن طريق احد العاملين في التيار، لاجل منح هذا التيار فرصة تحقيق اختراق للقوى الوطنية، عراقيا وعربيا، من خلال نقده لايران التي لم يعد احد يستطيع الدفاع عن سياستها في العراق، حتى حزب الله في لبنان الذي فقد الكثير من شعبيته العربية نتيجة صلته بايران وعجزه حتى عن نقد سياستها الاستعمارية في العراق. من هنا فان التيار الصدري وهو يواجه مشكلة عجزه عن مواجهة حكومة المالكي اخذ يتقرب الى القوى الوطنية لفظيا. ونقد ايران ان صح انه صادر عنه فان المطلوب منه لتاكيد صدق موقفه هو الانضمام الى المقاومة العراقية وايقاف اغتيالاته لكوادرها ورموزها بما في ذلك البعثيين، والا فان ادعاءه بانه اصبح مقاومة ليس الا تكتيكا ايرانيا واضحا لمنحه فرصة البقاء تحت غطاء وطني مزيف. اننا ورغم كل ما ذكرناه عن هوية جيش المهدي نبقي الباب مفتوحا لمن يتراجع منه وينضم للمقاومة من اجل الاسراع بتحرير العراق وتقليل معاناة الشعب العراقي.

2/5/2008

Salah_almukhtar@gawab.com

شبكة البصرة

الخميس 25 ربيع الثاني 1429 / 1 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس