|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى الجزء الأول |
|
شبكة البصرة |
| رعد الجبوري |
|
شيءٌ من التاريخ منذ ما يزيد عن عام بدأت التفاعلات والبحث عن صيغ جديدة للخروج من الإنسداد السياسي بالحضور بقوة على المشهد العراقي، مما دفعنا للتفكير بجدية في الخوض في هذا الموضوع ولكن الأمر لا يخلو من صعوبات، اولها هو اننا يجب ان نتحدث في امور نعيشها و نعايشها و نراها. وينبغي ان نكتب عنها بصراحة شديدة وبشكل موثق وأن نسمي الأمور بأسمائها، ونسعى قدر استطاعتنا واجتهادنا، الى تشخيص المواقف وتحليل الاحداث بحيادية قد نعجز عن الوفاء بها لإنحيازنا البديهي والمطلق الى مشروع المقاومة العراقية ومقتنا الشديد لمشروع الإحتلال الأمريكي للعراق، وكذلك لان تفاصيلها الكاملة قد تكون غير متيسرة لمعرفتنا فضلاً عن ان استنتاجاتنا وتحليلاتنا للاحداث قد ترضي القليل وتتسب في ازعاج الكثيرين ممن قد لا يعجبهم ما نكتبه. ولكن مع ذلك قررنا اخيراً وبعد الإتكال على الله ان نركب الصعب ونبحر في هذا الموضوع راجين من الله سبحانه وتعالى التوفيق، ومتمنين على الجميع سعة الصدر فيما قد يبدو مساساً او تعريضاً غير مقصود (على الاعم الاغلب) بهم، وآملين ايضاً بأن يكون ذلك فاتحة للآخرين للمزيد من النقاش والحوار وصولاً الى تصحيح مسيرة العمل السياسي العراقي بشكل عام والعمل في المنافي ودول اللجوء بشكل خاص، لخدمة العراق وشعبه المبتلى بالإحتلال الأمريكي البغيض ومشروعه التوسعي المتوحش. والله من وراء القصد.
تقديم : ان الأزمة الراهنة للمشروع السياسي العراقي داخل وخارج العراق والمناهض للأحتلال، يجب فهمها وتحليل مكوناتها ضمن اطار المشهد المأساوي الناتج عن الإحتلال، والذي كان عنوانه الابرز هو التشرذم والتفكك لأسباب موضوعية وذاتية تخص آليات العمل السياسي في العراق، وبنسبة أكبر ولأسباب خارجية كثيرة بفعل فاعل مستتراً حيناً وظاهراً احياناً اخرى. وقد اصبح من الواضح ان الإحتلال لم يكن مهتماً اطلاقاً بتنفيذ أي من وعوده في إحلال الديموقراطية وتنفيذ مشاريع الإعمار وتوفير الرفاهية لشعب العراق بعد الاحتلال، الا انه كان متمسك جداً بعدم اعطاء أي فرصة (مهما كانت ضئيلة) للتهاون مع ظهور أي نواة لمشروع سياسي مناهض للاحتلال او داعم للمقاومة العراقية. وقد سعت ادارة الإحتلال سواءاً في داخل العراق او في مراكز القرار في واشنطن، بكل شراسة لملاحقة أي جهد في هذا المجال سواءاً بالتدخل المباشر أو من خلال وكلائها وحلفائها في المنطقة. وكانت مستنفرة بكل قواها ووسائل الفعل الاستخبارية والماكنات الاعلامية والدعائية واموال البترودولار لحلفائها في دول الخليج والمنطقة لإجهاض كل المشاريع والمنابر السياسية الوطنية في المنافي. وربما بنفس القدر الذي سعت فيه قواتها الاحتلالية في العراق لملاحقة فصائل المقاومة سعياً لتدميرها او تحييدها أو شق صفوفها. ولم يعد سراً بأن المشروع الامبراطوري الامريكي للهيمنة على العالم قد بدأ في العراق أول خطواته الجدية للسعي إلى السيطرة على احتياطيات الطاقة بالقوة، كمقدمة لتنفيذ باقي المشروع. وبات واضحاً بأن إحتلال العراق يمثل المحطة الأولى في هذا المشروع، وإذا لم يحقق اهدافه المعلنة (والسرية) كاملةً فإن ذلك بأنه قد يعني بانه سيكون المحطة الأخيرة، ومما يتسبب في اندحاره وهزيمته على مستوى العالم كله. ويبدو ان هذا الهاجس أقلق كل الانظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، فبدأت بالزج بكل احتياطاياتها الإستراتيجية وامكاناتها المادية والاعلامية واللوجستية في معركة يائسة ومريرة لمنع انحدار قوات الاحتلال في العراق الى اسفل هاوية الهزيمة المدوية، او على الأقل السعي لمحاولة التشويش وحرف الانظار عما يجري فعلياً على الأرض في العراق وافغانستان ولبنان وفلسطين والصومال وسواها. ومحاولة منع المزيد من التدهور للمشروع الامريكي السقيم من جهة، ولمنع سيناريو اشد ايلاماً لها وهو تهاوي تلك الأنظمة والعروش تحت ضغط شعوبها واحتمالات انفجار غضبها في أي لحظة. لقد لعبت الكثير من الدول الجوار العراقي او في الاقليم ادواراً تآمرية مشبوهة ضد العراق وشعبه مما يصعب ان نستعرضه في هذه العجالة، لكننا كي نفهم جزء من صورة المشهد السياسي العراقي في داخل وخارج العراق سوف نتوقف سريعاً على بعض الاحداث في التاريخ القريب. فلو عدنا في الزمن قليلا الى الوراء، وتحديداً غداة حرب الكويت لوجدنا تغييراً واضحاً في موضوع المعارضة للنظام السياسي الحاكم في العراق من جهة تعامل الولايات المتحدة وحلفاءها معها، وكيفية حشد الدعم والاسناد لها وآثاره المدمرة على الواقع السياسي العراقي في اللحظة الراهنة، وعلى واقع القوى السياسية العراقية المناهضة للاحتلال. ففي العام 1991 قامت دول الخليج بزعامة النظام السعودي بدور مركزي في تحشيد وتشكيل ما عرف بـ (المعارضة) العراقية حيث تم استغلال موسم الحج في العام 1991كمناسبة للدعوة الى اجتماع كل من هب ودب سواءاً ممن كانوا مصنفين تاريخياً على انهم معارضين حقيقيين للنظام الحاكم في العراق منذ تسلمه السلطة في العام 1968، والمجموعة الثانية هم الذين أدعّوا معارضتهم لصدام أو تظاهروا بذلك او الذين انحرفوا عن مبادئهم لاحقا ً رغم انهم كانوا من المعارضين السابقين. وتم تصنيفهم وفرزهم الى مجموعتين الأولى تشمل تنظيمات وشخصيات لا يمكن التعامل والتعاون معها لنظافتها وجديتها واخلاصها للعراق وشعبه، واخرى يمكن احتضانها ودعمها وتجنيدها وتوظيفها لاحقاً لخدمة الاجندة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة بالدرجة الاولى، ولا مانع بعد ذلك من خدمتها بعض الاجندات الاخرى والمصالح الآنية للدول الحليفة لامريكا في المنطقة والعالم. فقام (النظام السعودي) بمحاربة وعزل ومحاصرة المجموعة الأولى، وتعاون ودعم بدرجات متفاوتة مع المجموعة الثانية. وينبغي ان نسجل للتاريخ بأن الدور السعودي في التدخل بالشأن العراقي قد بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة وإن كان بذلك بطرق سرية وخلف الستارة، ولكن بعد حرب الكويت اختلف الأمر حيث ظهر الى العلن وبشكل واضح واصبح دوره اكثر مركزيةً وشراسة في التدخل والامعان في ايذاء للشعب العراقي بشكل أساسي. ورغم ان النظام السعودي نظام سياسي منغلق أصلاً، الا انه اصبح اكثر مرونة وقام بفتح الكثير من الابواب المغلقة عادةً، وجعلها مشرعة لكل انواع الدعم المباشر والإستضافة والإسناد ومنح اللجوء السياسي لكثير ممن اصبحوا لاحقاً من (رموز) العملية السياسية التي ظهرت بعد الاحتلال. وقد يكون مفيداً ان نستعرض بعض الاحداث التي قد تبدو غريبة وغير ذات معنى عند حصولها في حينها، الا انها كانت اللبنة السيئة الاولى في ذلك البناء السياسي الجهنمي الذي نشأ في العراق بعد الإحتلال والداعم له، والذي اصبح معول الهدم الرئيسي لمنظومة القيم الاخلاقية والوطنية للمجتمع العراقي. فطيلة الفترة بين عامي 1990-2003 سعى النظام السعودي الى عزل ومحاربة كل ما يمكن ان يكون نواة لمعارضة سياسية وطنية عراقية حقيقية، فقد حاصرت وهمشت وحاربت عن عمد كل من يمكن ان يكون ولاؤه الأول لمشروع وطني عراقي او قومي، أو حتى ان كان ينطلق من منطلقات فكرية اسلامية، وقد شمل ذلك شخصيات وتيارات عراقية لا غبار على وطنيتها وقسم منها كان اصلاً مقيماً في السعودية قبل عام 1990. وسوف اورد فيما يلي مثالين فقط (من بين امثلة كثيرة جداً) على كيفية تدخل النظام السعودي في تشكيل المعارضة المزعومة لصدام حسين وتفصيلها بحسب مقاسات معينة لا علاقة لمصلحة العراق والعرب وحتى الاسلام بها. فهناك على سبيل المثال لا الحصر فصيل معارض للنظام الحاكم في بغداد منذ عام 1968 وله تاريخ طويل يسبق موضوع الكويت، ورغم انه اسلامي ومصنف بأنه اقرب مذهبياً للنظام في السعودية، وكان معظم قيادته اصلاً لاجئة في السعودية منذ اوائل سبعينيات القرن الماضي الا انه مع ذلك قد تم محاصرتها ومحاربتها بشراسة ولغاية اللحظة الراهنة. لكننا نجد انه (اي النظام السعودي) من جانب آخر قد دعم بقوة تأسيس ما عرف بعدها بـ (حركة الوفاق العراقية) الذي كان يضم في البداية (من بين شخصيات قيادية اخرى) صلاح عمر العلي وأياد علاوي، ثم تم بعد ذلك إجبار صلاح عمر العلي (اثناء تواجده في السعودية) على اصدار قرار بفصل اياد علاوي وآخرين من (الوفاق)، بحجة ان الآخرين من الطائفة الشيعية ولا يمكن للسعودية ان تدعمهم، وقد بقي مساعد مدير المخابرات السعودية في حينها (وهو اللواء محمد) في بيت صلاح عمر العلي طوال الليل ولم يغادره حتى الفجر وبعد ان وصل فاكس بنسخة من قرار الفصل وهو منشور على الصفحة الأولى لجريدة الوفاق التي تصدر في لندن في اليوم التالي. بعد ذلك وكما هو معروف فقد قامت مجموعة علاوي بالإستيلاء على مكاتب الحركة والجريدة في لندن. وبعد فترة زمنية قصيرة تم طرد صلاح عمر العلي من السعودية وتم دعم جناح أياد علاوي رغم انه من جذور مذهبية مختلفة معروفة. وليس غريباً (لمن يفكر بإمعان) بعد ذلك بسنوات ان يتم افتتاح مكاتب للوفاق (اي جناح اياد علاوي) في الأردن وهي المكاتب الوحيدة التي سمحت بها الحكومة الاردنية فيها لمعارضة لصدام حسين رغم علاقتها التجارية المميزة والمصيرية مع العراق في حينها. وليس غريباً بعد ذلك ان الحكومة الاردنية طالبت (واحياناً اجبرت) اي معارض لصدام حسين يقيم في الأردن، ويريد ان يتحرك علانية بهذه الصفة، على ان ينضوي تحت لواء اياد علاوي. وليس غريباً ايضاً ان يكون (اياد علاوي) هو السياسي الاكثر حظوة بعد احتلال العراق والاكثر دعماً من قبل السعودية ووسائل اعلامها عند ترشيح نفسه للانتخابات التي جرت في 15-12-2005 فقد تم تجنيد كل وسائل الاعلام السعودية الخاصة لدعمه مثل قناة (العربية) الفضائية و قناة (mbc) الفضائية وسواها وبشكل فج وقسري بحيث شغل مساحة كبيرة من ساعات البث فيها. واخيراً ليس غريباً ايضاً ان نعلم بأن الذي دفع الفواتير كاملة هي الحكومة السعودية نفسها وبارقام كبيرة جداً تقدر بمئات الملايين ويقدرها البعض بمليارات الدولارات. ولا يهمنا بهذا الصدد ان كان الدعم قد تم صرفه بناءاً عل اجتهاد سعودي ام انه جاء تنفيذاً لأوامر امريكية. الحالة الثانية التي سنوردها كمثال على دور النظام السعودي في خلق وتشكيل (رموز) العملية السياسية الاحتلالية هو حالة احد المعارضين والذي يدعى (سعدون الدليمي) وكان احد منتسبي الاجهزة الأمنية في العراق وقد حصل على بعثة حكومية للحصول على شهادة الدكتوراة وفي عام 1990 وقبل مناقشة رسالته طلب منه العودة الى العراق فرفض ليظهر بعدها بأشهر (وبقدرة قادر) في السعودية كمعارض لصدام حسين ويحمل لقب (دكتور) رغم انه لم يناقش اطروحته، ولاجئاً سياسياً يتقاضى راتباً شهرياً قدره 15،000 ريال سعودي كان حين يستلمها كل شهر من يد رقيب في المخابرات السعودية يبكي لشعوره بالإذلال من ذلك الموقف، او هكذا كان يدعّي والله أعلم. وبعد احتلال العراق في نيسان 2003 اجتمع (سعدون الدليمي) بمن عرفوه من اللاجئين السياسيين العراقيين في السعودية ليخبرهم بانه اتى ليودعهم لانه سيعود للعراق، ومن الطريف في حينها انه اعترف امامهم بأنه وطيلة الفترة السابقة كان مع لاجيء سياسي آخر يدعى (د. حسين الجبوري) يتجسسون عليهم ويكتبون التقارير للمخابرات السعودية عن كل ما يدور في لقاءاتهم واجتماعاتهم الخاصة، وقال لهم بنوع من الممازحة السوداء بأنه "للأمانة فإنه كان يتلكأ في إعطاء التقارير للمخابرات السعودية عدة ايام ولكن (حسين الجبوري) كان لا ينام الليل الا اذا سلم تلك التقارير في نفس ليلة الإجتماع". وبعد وصول (الدليمي) الى بغداد (وهي تحت الاحتلال) الأمريكي البغيض أسس مركز دراسات استراتيجية، ولا نحتاج لذكاء كبير لمعرفة ما هي اهداف هذا المركز أو من قام بتمويله، وكان يظهر في الفضائيات بين فترة واخرى ليعرض نتائج استفتاءات قام بها المركز الذي يديره. وبعد اقل من سنتين من عودته احتل منصب وزير دفاع بعد ان تم (التوافق) عليه بصفته شخصية (سنية)، لينهي فترة خدمته ضمن حكومة الجعفري بتصريحه الشهير عن تصميمه على هدم بيوت أهالي وعوائل المجاهدين والمقاومين على رؤوس اهلها من اطفال ونساء وشيوخ. ثم يختفي من المشهد السياسي العراقي ليظهر في دبي وهو يدير شركات ومصالح تجارية تقدر فقط بمئات الملايين من الدولارات البترولية. ولا زال يتردد على السعودية بين الحين والآخر وكأنه أحد مواطنيها. ان هذين المثالين اتينا بهم فقط للتذكير بالدور المؤذي الذي لعبته وتلعبه حتى هذه اللحظة (السعودية) كواحدة من الدول العربية والمسلمة المجاورة للعراق. ولو اردنا ان نحيط بكل التفاصيل والامثلة المشابهة مما نعرفه ويعرفه الآخرون لاحتجنا بالتأكيد الى مئات الكتب والمجلدات. ولا أعلم هل خطر يوماً في بال القائمين على الامور في (السعودية) وسواها من دول الجوار ماذا سوف يكون ردهم اذا ما تعرضوا للمساءلة والمحاسبة من الشعب العراقي أو من شعوبهم. هذا على فرض انهم أمنوا عقاب الله عز وجّل على سوء افعالهم إتجاه العراقيين وسواهم. من ناحية اخرى بدأت اول علامات الفشل الأمريكي العسكري والسياسي في العراق باضطرار (بندر بن سلطان) للعودة الى الرياض قادماً من واشنطن التي كان يشغل فيها منصب السفير السعودي المزمن والمستشار والصديق الشخصي لعائلة (بوش) الأب والإبن وللادارة الامريكية بصورة عامة. عاد ليتسلم في الرياض مهمة الاشراف رسمياً على مجلس الامن القومي السعودية وعملياً الإدارة الميدانية والعملياتية للمخططات الأمريكية في المنطقة وأهمها ملفات الإخفاق الأمريكي في افغانستان والعراق وفلسطين ولبنان ووصولاً الى الصومال. ودشنت بعودته تلك، صفحة سوداء ودامية من صفحات التآمر على العراق وشعبه. اضافة الى ادواره في معظم المنطقة بالضد من طموحات واحلام الشعوب المقهورة والدعم اللامحدود للمشروع الاستعماري الأمريكي بالضد من أي مقاومة أو ممانعة لذلك المشروع، مما يطول شرحه وسنتعرض لبعض محطاته في الحلقات التالية، رغم اننا وكما اسلفنا نرى في عودة (بندر) الى المنطقة اول مؤشرات الفشل الذريع للمشروع الأمريكي وفي ذلك حديث طويل جداً سنؤجله الى مناسبة قادمة. انتهى الجزء الأول. raadaljibouri@gmail.com
جريدة الصوت 3/آيار/2008 |
|
شبكة البصرة |
|
الاحد 6 جماد الاول 1429 / 11 آيار 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |