بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الثاني

المشهد السياسي العراقي غداة الإحتلال

شبكة البصرة

رعد الجبوري

بعد ان ان دنست قوات الغزو الامريكية-البريطانية ومن تحالف معها ارض العراق، كانت صورة المشهد السياسي العراقي هلامية وغير واضحة الحدود والملامح. ويمكننا بشكل مبدئي ان نقسم الواقع السياسي العراقي حينئذ الى ثلاث مجموعات رئيسة:

·        المجموعة الأولى والتي يمكن أن نقسمها الى مستويين، في الأول نجد ادارة الاحتلال التي (كما كان واضحاً وتأكد لنا لاحقاً) لم يكن لديها أي خطة سياسية واضحة المعالم او معلنة على الأقل لمرحلة ما بعد الغزو. عدا طبعاً ما علم عن تبنيها وجهة النظر الإسرائيلية في جعل الهدف من الغزو هو إسقاط الدولة بدل إسقاط النظام. وفي المستوى الثاني كانت هناك احزاب سياسية وتجمعات عشائرية واثنية وافراد تصنف نفسها على انها (معارضة لنظام صدام حسين) و جاءت مع القوات الغازية أو خلفها، و بقي قسم منها خارج العراق بانتظار انجلاء الأمور حسب رؤيتها، ومنهم من لم يعد اطلاقاً الى العراق، وهذه كلها كانت جزءاً من مشروع الاحتلال وقامت بالتنسيق معه قبل سنوات طويلة من الغزو وكانت خلالها تتلقى الدعم السياسي والمالي واللوجستي والاعلامي من الادارة الامريكية او الدول الحاضنة لها بتوجيه أو ضغط امريكي، وحاولت هذه (المعارضة) خلال تلك السنوات من التعاون والتنسيق والتبعية اضفاء شرعية كاذبة على الغزو والاحتلال، ومارست الكثير من الادوار من خلال اختلاق الاكاذيب والشائعات بوجود اسلحة الدمار الشامل وسواها من الحجج الباطلة، والادلاء بشهادات (ثبت لاحقاً انها كاذبة) امام الكونغرس الامريكي والمحافل والمؤسسات والمنظمات الدولية لدعم مسعى الادارة الامريكية لإطالة فترة الحصار الاممي الظالم على الشعب العراقي ثم لتبرير وتسهيل الغزو والعدوان لاحقاً، بل ان هذه القوى لازالت حتى الآن تسمي الاحتلال (تحريراً).

·        أما المجموعة الثانية فكانت تضم احزاب وشخصيات سياسية تعارض النظام بقسمين يضم الأول كل الذين آثروا البقاء في داخل العراق رافضين مغادرته قبل الإحتلال، وتحملوا نتيجة ذلك معاناة كبيرة. وبقوا على موقفهم الوطني هذا حتى بعد الإحتلال، وترجموا ذلك الى مقاومة ميدانية، اما القسم الثاني فيشمل معارضة مقيمة خارج العراق وكانت تجاهر بالعداء للنظام الحاكم العراقي قبل الغزو بأكثر من ثلاثين سنة، وتنطلق في هذا العداء من منطلقات وتحليلات شتى منها مبدئية، شخصية، حزبية، عقائدية، دينية أو لأي اسباب اخرى. لكنها مع ذلك العداء والصراع الطويل رفضت بالمطلق ان يكون ذلك مبرراً لغزو وأحتلال العراق او أن يكون عدائها لصدام حسين وحزب البعث في العراق مدعاةً لكي تتعاون مع المشروع الامريكي-الصهيوني. فهي متفقة مع الإدارة الامريكية في الهدف و كانت تتمنى ازاحة صدام حسين، ولكنها تختلف عنها بالإسلوب والمنهج ولا تريد تخريب العراق واحتلال اراضيه وإيذاء شعبه. ويتفق معهم في هذا الموقف الكثير من الحركات السياسية العربية والاحزاب الاسلامية والتنظيمات الجهادية وحتى الحركات الشعبية والنقابية العالمية رغم ان كلاً منها ينطلق من رؤيته الخاصة.وبالإجمال هذه المجموعة كانت ترى أن التغيير يتم من الداخل على يد الشعب لا بواسطة الإحتلال.

·        اما المجموعة الثالثة فهي تشمل الكثير من القوى السياسية داخل العراق وخارجه، والتي كانت تبدو مشلولة ربما تحت تأثير صدمة الغزو والواقع الجديد الذي فرضه عمل هدم الدولة ومؤسساتها بمعاول الإحتلال واعوانه. وتضم هذه المجموعة ايضاً قوى وشخصيات اخرى لا تستطيع المجاهرة بتأييدها للغزو، أما لأسباب انتهازية أو لخشيتها من ردود افعال جماهيرية تفقدها شعبيتها او انها ارادت انتظار حسم الموقف كي تقف مع (المنتصر).

 

في هذه الاثناء كانت ارهاصات المقاومة العراقية تزداد قوة ووضوحا حتى وصلت الى الحد الذي بدأت تظهر شيئاً فشيئاً للعلن، لتصبح بعد عدة اسابيع اصعب من ان يتم اخفائها أو التغطية عليها رغم الماكنة الاعلامية والدعائية الجهنمية التي استخدمت للتشويش عليها. وعندها بدأت الادارة الامريكية بالإحساس بالخطر وبصعوبة ادارة ملف أزمتها في العراق فسعت لإستحصال قرار من مجلس الأمن الدولي لإعتبار وجودها في العراق كقوة إحتلال، وقد يبدو هذا الأمر غريباً بأن تسعى دولة محتلة لتثبيت هذا التوصيف القانوني على نفسها وتتحمل ما يترتب على ذلك من تبعات قانونية و اخلاقية... الى آخره، حتى ولو من ناحية نظرية. وربما كان احد الأسباب الوجيهة لذلك بالنسبة للادارة الامريكية في حينها، انها لم تشأ ان تسلم مقاليد السلطة لبلد غني ومهم مثل العراق لإحزاب وسياسيين وفئات تفتقر لأي رصيد جماهيري داخل العراق، ممن خبرتهم وعرفتهم على مدى سنوات طويلة قبل الغزو وعرفت نقاط ضعفهم كلها. ولا تريد (أي ألإدارة الأمريكية) بذلك ايضاً ان تبدو مغفلة وتبذل تلك الجهود والاموال والتضحيات لتسلم الغنيمة باردة بعدها لمجموعة من السياسيين الانتهازيين والفاسدين وذوي النوايا الغامضة واصحاب الولاء المزدوج لدول اقليمية اخرى وعديمي الخبرة في ادارة الدول في زمن السلم فكيف الحال والبلد في حالة حرب. ولذلك فأن الإدارة الأمريكية قد حسمت نهائياً موضوع عدم تسليم السلطة لوكلائها او الذين تعاونوا معها سابقاً، وبدأت العمل جدياً بالإستئثار بالقرار السياسي داخل العراق دون الرجوع اليهم وخصوصاً بعد تعيين (بول بريمر) كحاكم مدني أو رئيس سلطة الإئتلاف اياً كان توصيف منصبه، الا انه ذهب الى العراق مسلحاً بتفويض خاص كمبعوث (رئاسي)، مما منحه سلطات واسعة تفوق احياناً صلاحيات وزيري الدفاع والخارجية ومستشارة الأمن القومي في حينها، اضافة لذلك فإنه شخصية غير معروفة بالنسبة لمعظم الذين أتوا مع قوات الاحتلال، وبالتالي لا يمكن التأثير عليه من قبلهم كما كان حال سلفه الجنرال المتقاعد غارنر.

بدأت تتشكل ملامح المقاومة العراقية مباشرةً بعد الإحتلال الامريكي للعراق في نيسان 2003، بشكل سبق أي تنظير آيدولوجي أو قرار حزبي يؤسس لشرعيتها فقد (سبق السيف العذل) كما يقول المثل العربي.

إن المقاومة العراقية المسلحة للإحتلال الأمريكي قد انتزعت شرعيتها من الميدان تاركة للآخرين مهمة البحث عن المسوغ الآيدلوجي أو الاخلاقي. أو محاولة إكتشاف الصيغ والأطر الفكرية والاسلحة (الناعمة) للمقاومة السياسية. وكان لسرعة تفجر المقاومة المسلحة في العراق ضد الإحتلال. و(شرعية الميدان) التي اكتسبتها. وعدم تلونها في بداياتها بصبغة آيدولوجية فكرية سياسية او دينية أو وطنية محددة، وبالنتيجة عدم تمكن أي حزب سياسي او ديني أو اي مرجعية مشابهة من تجيير انطلاقتها أو إنجازاتها الميدانية لصالحه. وبالتالي فقد حرمت تلك المرجعيات من فرصة إدعاء الوصاية الجبرية عليها (أي على المقاومة). وجعل (المقاومة في العراق) تولد حرة من الوهلة الأولى، لذا لم يتمكن احد من استعبادها لاحقاً. في ذات الوقت أهلها لأن تؤسس على الارض النواة الشرعية والمنطقية لمشروع المقاومة في العراق بالضد من (مشروع) الاحتلال بمفوهمه الشامل. مما اعاد التوازن لاحقاً (وبناءً على تراكمية النتائج في ميدان القتال) لكفة المشهد السياسي في العراق من جهة وجود احتلال عسكري على الأرض يقابله بالضرورة في الطرف الآخر مقاومة مسلحة تعمل بالضد منه وتعمل على هزيمته، وبما اعاد ايضاً الأمور الى الثنائية الأزلية المعروفة (الاحتلال، المقاومة).

يمكننا القول جازمين بأن ذلك كله قد اربك جيش الاحتلال وإدارته المدنية أيما إرباك. وبلا شك فانه قد أربك ايضاً بشكل واضح، ومحرج احياناً، كل الأطراف السياسية العراقية المقاومة لمشروع الاحتلال أو تلك التي تدعي مناهضتها له واصبحت تائهة بين ان تعترف بفشلها أو على الأقل بقصورها وتأخرها في الفعل السياسي الميداني أو بين اضطرارها لقبول تخليها عن (الزعامة) لصالح (شرعية الميدان). وهنا تحديداً بدأت بذرة أول المآزق لتلك الفعاليات السياسية العراقية والذي انعكس لاحقاً على أداءها وتوجهاتها التي اتسمت على وجه العموم بالتردد والتشرذم وافتقاد الزعامة والتيه في البحث عن مفردات المشروع السياسي الوطني العراقي الجامع، وبالشلل وربما العجز التام احياناً. كما ان إعادة الأمور في الواقع العراقي السياسي اليومي الى تلك الثنائية الآزلية، قد اسهم في وضوح الرؤية وتحديد المسالك وحصرها بمسلكين فقط احدهما هابط يتجه لتأييد ودعم مشروع الاحتلال، والآخر يبتعد عنه صاعداً في طريق معاكس بإتجاه مشروع المقاومة، ولم يعد متاحاً (من الناحية العملية) ان يسلك احداً غير هذين المسلكين، ومن حاول ان يجرب غير ذلك ضيع الدرب ولم يجد من يعترف به أو يسانده، بل حتى سوف لن يجد من يدله على طريق الخلاص.  

بعد اسابيع من الغزو وعندما بدأت نشوة (النصر) تتبدد من رؤوس أقطاب الإدارة الأمريكية وظهرت في الافق نُذر مبكرة للفشل، مع بروز مشاكل لا حصر لها امام مسؤولين أمريكين ممن ليس لديهم ادنى فكرة عنها ولا يمتلكون أي حلول لها، يعاونهم سياسيين عراقيين لا خبرة واقعية لهم بعراق غادروه منذ عقود طويلة. وفي ذات الوقت اتسعت ساحة الفعل للمقاومة العراقية المسلحة، وكُسر أول الحواجز النفسية التي يمكن ان تعوق بداية أي مقاومة في العالم وهو حاجز الخوف او الرهبة، وبدأت تبرز بوضوح جرأة المقاوم الى حد الإستخفاف بجندي الاحتلال المدجج بالسلاح والذي اشيع بأنه لا يقهر. كما إن المقاومون في ميدان المواجهة اليومية، يألفون التعامل مع تدمير اسلحة العدو ويحاولون استكشاف افضل السبل المتيسرة بين ايديهم (حتى لو كانت بدائية) في سبيل تعويق وابطال خطوات وفعاليات المحتل العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبدأت (الألفة) الوهمية بين قوات الاحتلال وبين المواطن العراقي تتبخر بسرعة وحل بدلها الحيطة والحذر، التي طبعت تعامل جنود احتلال مع العراقيين، والذي سرعان ما انقلب بعد عدة أشهر الى خوف وذعر شديد استولى على العقل الظاهر والعقل الباطن لجندي الاحتلال من كل ما هو عراقي او يعود للعراق ويمت له بصلة. بل وصل الى حد ارتفاع وشيوع ظاهرة الانتحار للتخلص من عبء المواجهة العسكرية في الميدان.

وفي خضم تلك الاحداث دخل الى ميدان الصراع تدريجياً عامل رئيسي ومهم أسهم بوضوح في ازدياد رقعة المقاومة افقياً وعمودياً وفي ازدياد شعبيتها واكتسابها المزيد من المشروعية الشعبية. وهذا العامل المهم هو (اخطاء) إدارة الإحتلال والتي اعترفت (كونداليزا رايس) بحدوث آلاف منها فقط!!!!. وينبغي التذكير هنا بأن هذا الاعتراف من (رايس) وآخرين غيرها، لا يعني إطلاقاً ان هذه (الأخطاء) لم تكن مقصودة أو انهم نادمين عليها، ورغم اعتراف بعض اركان الإدارة الأمريكية في يوم 30/4/2008 بالندم على تعجل اعلان بوش انتهاء المهمة واعلان النصر في 1/5/2003 من على احدى البوارج، إلا أن بعض الباحثين يربطون ذلك الاعلان المتعجل بالنصر الى أنه كان يهدف لخلق بيئة قانونية مناسبة للإحتلال للتحايل على معاهدة جنيف. وحماية الادارة من الملاحقات القانونية الدولية التي قد تطالها لاحقاً مع الشركات الامنية الخاصة، أو ما عرف بمبدأ (خصخصة الحرب) (انظر قراءات إستراتيجية-خصخصة الحرب للمؤلف كرام كوما Gram Guma اعداد لواء متقاعد حسام سويلم الرابط : http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/READ148.HTM

وعلى اي حال فإن كل خطأ من تلك الإخطاء التي ارتكبها الإحتلال اصبح سبباً مباشراً في خسارته (أي الإحتلال) مزيداً من الارض (بالمعنى الإعتباري للكلمة وليس الحرفي) التي يحتلها ويقف عليها، وزادت في الوقت ذاته وبنفس النسبة على الضفة الاخرى من مساحة (الارض) التي تتحرك وتقف عليها المقاومة. وهذا ينطبق على الكثير من القرارات السياسية المرتجلة والخاطئة، وربما الكارثية، بدءاً من قرار حل الجيش العراقي الوطني والأجهزة الأمنية ووزارة الإعلام، واجتثاث البعث، وإصدار قانون إدارة الدولة المؤقت، وتثبيت مفاهيم المحاصصة الطائفية والفيدرالية والدستور (الدائم).... الى آخره. وصولاً الى تأسيس وتأطير ما عرف بعدها بـ (العملية الساسية).

أن المشهد السياسي (غداة الغزو) كان مشوشاً في البداية وبدأت بعدها الصورة تتضح شيئاً فشيئاً بعد ان اجتهدت الإدارة الأمريكية في وضع عربات قطار مشروعها السياسي على سكة واحدة اسمتها "العملية السياسية" وتصر بشدة على ان يتوقف هذا القطار في محطات معينة وضمن مواعيد مسبقة لا تقبل تغييرها او تعديلها. ومن تلك المحطات (الإنتخابات)، (الاستفتاء)، (الدستور) وسواها والتي صرح بريمر بانها جاءت نزولاً عند رغبة السيستاني. وكلها تمت في مواعيدها المحددة سلفاً، ولم تقبل الإدارة الأمريكية تأجيل أو إلغاء أيً منها تحت أي ظرف كان. لكنها في ذات الوقت لم تجد غضاضة في إلغاء واحد من أهم المواضيع الأساسية في هذا السياق الا وهو "التعداد السكاني"، والذي كان يمكن (فيما لو تم في حينها) ان يسهم في تغيير صورة الخارطة السياسية والحزبية للبرلمان وبالنتيجة مجمل الواقع السياسي للعراق تحت الاحتلال كما ان اعتماد نظام القوائم الإنتخابية اتاح لقوى معينة موالية للإحتلال حرية استخدام الكثير من الطرق الإلتفافية وسبل الإحتيال والتزوير حتى على ذات القواعد والضوابط التي وضعها الإحتلال بنفسه أو من خلال المفوضية العليا (المستقلة) للإنتخابات.

وسوف نحاول في الجزء الرابع تسليط المزيد من الضوء على مضمون ومكونات "اللعبة السياسية" التي صممها ودعمها الإحتلال على أمل ان توفر له، إذا ما نجحت، مخرجاً سياسياً ما لمأزقه العسكري في العراق.

انتهى الجزء الثاني.

raadaljibouri@gmail.com

جريدة الصوت 17/5/2008

شبكة البصرة

الاثنين 14 جماد الاول 1429 / 19 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس