بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الثالث

مجالس "سياسية" للمقاومة أم مجالس "لتسييس" المقاومة

حديث مكرر في (نظرية) المؤامرة

شبكة البصرة

رعد الجبوري

عوداً على مقالين لنا نشرا، الأول كان بعنوان " نُذُر (التهدئة) المشؤومة.... أحاديث في ما هو مسكوت عنه في موضوع المقاومة العراقية" في 22-9-2007

انظر الرابط : www.albasrah.net/ar_articles_ 2007/0907/ra3ad_290907.htm

والثاني بعنوان "لا شيءَ نجََََََحَ سابقاً في العامرية... إلا الخيانة" في 25-9- 2007

انظر الرابط : misralhura.wordpress.com/2007/10/04/).

وشرحنا فيهما بعض ما حصل في حي العامرية ببغداد من قتال بين بعض فصائل المقاومة العراقية (وتحديداً الجيش الإسلامي) مع مقاتلين وتنظيمات محسوبة على تنظيم القاعدة، كنموذج لما يحدث اليوم على أرض العراق. ومحاولة دراسة ماذا حصل أو إستنتاج ما قد يحصل في قادم الأيام وأثر ذلك تحديداً على مجمل الصراع بين عناصر مشروع الأحتلال ككل من جهة وبين القوى المقاومة والممانعة لهذا الإحتلال من الجهة الأخرى.

وخلال الأشهر اللاحقة جرت احداث وصدرت تصريحات حول نفس الموضوع ومواضيع قريبة منه. سنحاول فيما يلي التذكير ببعضها كي ننتقل بعدها الى محاولة لرسم صورة دقيقة (قدر الإمكان) لما جري بالفعل في ميدان القتال في العراق كتوطئة لتهيئة (المسرح السياسي) الذي يعمل الاحتلال وحلفاؤه على انضاجه وتسويقه وتمريره. وفيما يلي استعراض لبعض الاحداث والتصريحات التي قد تسهم في فهمنا لما يجري في اللحظة الراهنة على الصعيد السياسي:-

صرح الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية بثت يوم الجمعة 5-10-2007

انظر الرابط : http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=2008407

ووصف فيه قتال العشائر العراقية وعدد من الفصائل السنية المسلحة للقاعدة بأنه "مساعدة للمحتلين"، وبأنه "حجة للاصطفاف إلى جانب العدو لتحقق رغبته". وهذا بالضبط هو ما حذرنا منه في حينه في المقالين الآنفي الذكر.

منذ اكثر من ستة اشهر شهدت الساحة العراقية زيادة متصاعدة في كثافة العمليات التي استهدفت رموز وشخصيات تنتمي لما يسمى بمجالس (الصحوة) أو (الإنقاذ) لمحاولة القضاء على هذه (الردة) التي أسس لها جيش الاحتلال، وساعد على تكوينها بعض الساسة والشخصيات والاحزاب الموجودة حالياً في الحكومة والبرلمان، وكذلك ساعد فيها بعض من كان محسوباً على فصائل المقاومة في العراق. وهذه الزيادة بدأت حتى قبل اعلان (دولة العراق الإسلامية) بدء حربها المعلنة ضد (الصحوات). وقائمة الذين قضوا من رموز ما يسمى (الصحوة) أو (الإنقاذ) طويلة و تمتد رقعتها على امتداد العراق، بدءاً من فصال الكعود وماجد الخميس وعبد الستار ابو ريشة من الأنبار مروراً بناجي جبارة ومن ثم ابنه معاوية وكذلك سعد النفوس (مدير شرطة بيجي) وثامر القيسي (آمر فوج صحوة) وحمد الجبوري وانتهاءاً بما حدث في قرية (شفته) في ديالى، حيث قتل مسؤول من حركة (حماس) العراق في ديالى وكذلك مدير الوقف الشيعي في ديالى. وسوى هؤلاء وهؤلاء قتل الكثير من اشباههم في باقي المحافظات ومنها بغداد في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

 وحول ماحصل في قرية "شفته" تحديداً يبرز لنا سؤالاً مشروعاً وهو:- كيف حصل هذا؟، وبماذا يبرر مقاتلوا (حماس) العراق؟. هل سوف يقولون انه لم يعد منهم؟. كما فعل الجيش الإسلامي قبل حوالي عام مع رجله في العامرية سعد العبيدي (ابو العبد)، والذي ثبت انه لا زال على صلة تنظيمية بهم حتى الآن.

الجالسون في الصورة من اليمين الى اليسار : برهم صالح نائب رئيس وزراء حكومة الاحتلال الحالية للشؤون الامنية، الجنرال بيتريوس قائد جيش الإحتلال في العراق، المقدم ديل كويل Dale Kuehl الضابط الأمريكي المسؤول عن العامرية،

سعد العبيدي (ابو العبد) القيادي في الجيش الإسلامي وقائد ما يسمى "ثوار بغداد" في حي العامرية غرب بغداد.

 

في 4-9-2007 تأسس مجلس سياسي للمقاومة العراقية ولم يتم الإعلان عنه حتى 10-10-2007، وقد بارك مجلس (علماء) العراق وبتاريخ 14-10-2007 هذه (الخطوة) ودعى الى الإسراع بها. واعتبر ذلك بأنه "يمثل نقلة نوعية في العمل المقاوم يمهد للمقاومين جني الثمار بعد نجاحهم الكبير قبل أن يسرق جهودهم لص آخر"!!!!.

وقبل أن نستمر في نفس السياق سنضطر للتوقف قليلاً عند مجلس (علماء) العراق لنرى موقعه في هذا المشهد ودلالات الإعلان عنه وتوقيت عقد مؤتمره التأسيسي بعمان في آيار 2007 م والضرورة الموجبة لتأسيسه التي وردت في بيانه التأسيسي بأنه جاء "ليسد فراغاً في العمل الشرعي والفقهي في العراق" والشخوص الذين تصدروا القيادة في هذا المجلس هم الشيخ نعمان عبد الرزاق علوش، يساعده نائبان هما رئيس ديوان الوقف السني الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي والممثل السابق لهيئة علماء المسلمين في الخارج الدكتور محمد عياش الكبيسي.

انظر الرابط :  http://www.aljazeera.net/news/archive/archive?ArchiveId=1037810

والشيخ نعمان عبدالرزاق رجل طاعن في السن وهو من الرعيل الأول من "الإخوان المسلمين" ومن المؤسسين الأوائل لما يعرف بالإسلام الحركي في العراق، وابتعد عن المشهد منذ عقود ولم يعد احد يسمع عنه لعشرات السنوات عدا مجموعة ضيقة جداً من العلماء والمختصين في امور الشريعة، وفجاة يظهر ليملأ الواجهة ويتصدر "المرجعية" السنية (إذا صح التعبير). وسؤالنا هنا هو لماذا إختفى الشيخ طيلة هذه السنوات؟ ولماذا لم يتصدى للشأن العام في العراق قبل ذلك؟ ولماذا يظهر الآن بهذه القوة والفجائية بينما كان من المنطقي (بل والأفضل ربما) أن يتصدى لواجهة العمل الإسلامي بعد الإحتلال مباشرة مثلاً وليس بعد اكثر من اربعة سنوات من عمر الاحتلال؟. وسوف لن ندخل في تخمينات وترجيحات ولكننا نقول انه ربما اراد "الداعمون" لفكرة رئاسة الشيخ (نعمان) لهذا المجلس منذ البداية هي محاولة إستغلال "الرمزية" التاريخية والسياسية الإسلامية لهذا الشيخ، فزجوا به كنوع من الإحتياطي الإستراتيجي (المضموم) بالنسبة لهم لتحقيق اهداف أخرى غير معلنة من وراء تشكيل هذا المجلس. وربما كان ايضاً من باب خلق نوع من الموازنة أو "الرمزية" المنافسة لما يعتبروه (رمزية) وجود الشيخ حارث الضاري على رأس هيئة علماء المسلمين، لما يمتلكه من موقف ثابت ومبدئي من الاحتلال الامريكي للعراق، مضافاً اليه ما تملكه عائلة (الضاري) من إرث وسمعة وطنية واحترام وتقدير عال على المستوى الشعبي، لأسباب تاريخية تتعلق بدور جده الشيخ ضاري (رحمه الله) في مقارعة الاحتلال البريطاني للعراق في القرن الماضي.

ولا يمكن فصل ذلك أيضاً عن خطوة مهمة حصلت بعد عدة أشهر، الا وهي إحتلال مقر هيئة علماء المسلمين بأمر من رئيس الوقف السني احمد عبد الغفور السامرائي. وليس مصادفة طبعاً ان يكون (السامرائي) هو نفسه الرجل الثاني في مجلس علماء العراق، وهو المفتاح الأهم لمغاليق فهمنا وإدراكنا لـ "ضرورات" تشكيل "مجلس علماء العراق".

ولفهم خلفية (احمد عبد الغفور السامرائي) سوف نستذكر معاً شيئاً من تاريخ هذا الشخص، فبعد أن هرب من سامراء اواخر التسعينات بتهمة تطرفه لكونه (سلفياً) كما شاع في حينها، تم تعيينه اماماً وخطيباً لمسجد (الأخوة الصالحين) في العامرية، وبدأ في حينها رحلة التملق للسلطة والتسلق في المناصب الدنيوية بدءاً من مدير المدارس الدينية في وزارة الأوقاف، وبعدها تحول الى (الصوفية) كي يتقرب للرجل الثاني في السلطة آنذاك. وبعد الإحتلال الأمريكي أمَّ المصلين بجامع (الاخوة الصالحين) وبدأ يتحدث بسوء عن النظام السابق ويحمله الهزيمة بسبب طغيانه، فأستنكر المصلون منه ذلك وقاموا بضربه بشكل مبرح وتهديده فخرج هارباً من المسجد ولم يعد. أما سيرته بعد ذلك فقد اصبحت معروفة لدى الجميع عندما تملق لسيده الجديد (عدنان الدليمي) احد اقطاب (جبهة التوافق) التي شاركت بعدها في العملية السياسية، ثم قام بإزاحته لاحقاً واحتلال موقعه الاداري في الوقف السني، بعد ان غير وجهة ولاؤه الى عضو مجلس الحكم ابراهيم الجعفري ورئيس وزراء الحكومة الإحتلالية الثالثة.

وبدأ الإعلام بتسويق (احمد عبد الغفور السامرائي) للشعب العراقي على انه "رمز" من رموز "الوسطية" و "الإعتدال"، كما يفهمها ويريدها طبعاً الإحتلال واعوانه. وهذه "الوسطية" أو على الأصح "التوسطية" والتي قد تعني لهم اساساً بان يقوم بـ "التوسط" بين ضابط جيش الإحتلال الأمريكي وبين "أمير" من "أمراء" الفصائل المسلحة مثل المدعو ثامر التميمي "ابو عزام". وكما هو واضح في الصورة ادناه، ولا داعي للتعليق فالصورة التالية تغني عن كل بيان مع الرجاء ملاحظة اقدام الموجودين في الصورة والتي اخذت في مسجد.

وصعد نجم " ابو عزام " في المراحل الزمنية اللاحقة، وتم تسميته كـ "مستشار لشؤون الصحوات"، وبعدها اعلن في نيسان 2008 عن تأسيس جبهة سياسية للصحوات اسماها جبهة "الكرامة". وقال في كلمته التي نقلتها الفضائيات في حينها: "نحن نرى إن هذه المرحلة هي للمقاومة السياسية ولا نرى ضرورة لمقاتلة القوات الأمريكية"!!!. وكان في الصف الأول من ذلك الاحتفال سعد العبيدي "ابو العبد" والذي قد اوكل اليه سابقاً مهمة القضاء على تنظيم القاعدة في منطقة العامرية، ويبدو انه تم تجنيده منذ وقت مبكر، ربما حتى قبل الحادثة الشهيرة والتي يعرفها معظم المقاومون في العامرية حين القت القوات الأمريكية القبض عليه داخل سيارة محملة بالأسلحة، لكن تم الافراج عنه في صباح اليوم التالي!!!. وقد برر "ابو العبد" ذلك الافراج بأنه أبلغ الذين اعتقلوه بانه ليس أكثر من سارق سيارات، كان قد سرق السيارة قبل لحظات من اعتقاله ولا يعلم ما فيها، وهم قد وصدقوا روايته وبذلك افرجوا عنه!!!!. ويعلم كل العراقيين في الداخل العراقي ان التحقيق مع المعتقلين لا يتم الا بعد اكثر من 24 ساعة، ويستمر مع الأبرياء من المدنيين لعدة ايام يتم على عدة جلسات، كما يعلم العراقيين بأن عقوبة من يضبط معه سلاح في سيارته هي السجن لـ 11 عاماً بغض النظر عن كونه بريئاً أو متورطاً.

ولاحظنا أيضاً أنه قد تصدر الجالسين في الصف الأول من أحتفال الإعلان عن جبهة "الكرامة" شخص ملتحي جلس بجاور "ابو العبد"، وهو "الشيخ" وليد "ابو هاجر"، والأخير هو ذاته إمام جامع الفردوس (جامع التكريتي سابقاً) في العامرية، وهو من اشعل فتيل الحرب على القاعدة في العامرية والتي اوردنا تفاصيلها الدقيقة في المقالين اللذين كتبناهما واشرنا لها اعلاه، وفيهما لم نذكره بالأسم حتى لا نتهم بالتحريض عليه. و"الشيخ" وليد كان قد تم تجنيده على ما يبدو في عام 2004 بعد أن تم إعتقاله من قبل الجيش الأمريكي ثم افرج عنه بعد أيام. بأسلوب (التجنيد عبر الإعتقال) الذي تم اعتماده كثيراً من قبل الجيش الأمريكي في تجنيد امراء ومقاتلي ومناصري الجيش الإسلامي والفصائل الأخرى وكذلك التيار الصدري.

 

من جانب آخر اصدر الحزب "الإسلامي" الذي يرأسه (طارق الهاشمي) بيانه المرقم 159 في 18-10-2007 (انظر الرابط: http://www.ikhwan.net/vb/showthread.php?t=41190) والذي أعلن دعمه وتأييده لمشروع "المجلس السياسي للمقاومة". وجاء في بيان الحزب ايضاً (إقتباس):

"إن الحزب الإسلامي العراقي لطالما دعا الفصائل الوطنية إلى ضرورة الإعلان عن مشروعها السياسي كي لا تذهب الدماء الزكية سدىً ولأجل أن تخطو تلك الفصائل الخطوة الأولى لإنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة للعراق والعراقيين والسعي إلى تحريره من كل أشكال الاحتلال والتبعية.

إننا نتمنى أن يكون المجلس مفتوحاً لقبول جميع الفصائل الراشدة التي لم تدنس سمعتها الإسلامية والوطنية بل ولجميع الاتجاهات السياسية الوطنية على كامل التراب العراقي كي يتحول المشروع إلى مشروع وطني شامل.

 كما نطالب الحكومات العربية والإسلامية والهيئات والمنظمات الدولية بالتعامل مع المجلس السياسي والاعتراف به كونه ممثلاً لشريحة مهمة من شرائح المجتمع العراقي، إذ إن دعم المجلس سيكون عاملاً مساعداً لاستقرار البلد واسترداد سيادته.كما وإننا نعلن استعدادنا لدعم أي مشروع وطني ينقذ العراق ويخدم شعبه ويحقق وحدته". (إنتهى الإقتباس)

وفي الإقتباس اعلاه قمت بوضعت خطوط على بعض الجمل المهمة التي قد تساعدنا على فهم جانب مما جرى خلف الكواليس منذ عام ونصف ولا زال يجري لغاية الآن، والتي سنقوم بربطها لاحقاً مع ما يشبهها في بقية الصورة. مع التأكيد على عبارة (الفصائل الراشدة) وكيف تم تفسيرها في الفقرة اعلاه.

اما (طارق الهاشمي) والذي يشغل منصب (الأمين) العام للحزب (الاسلامي) العراقي فقد كان رد فعله فورياً وكان من اوائل من باركوا وفرحوا بشكل استثنائي بتأسيس مجلس سياسي للمقاومة من خلال تصريحات صحفية له. وعندما نضع في الاعتبار تعاون (الحزب الإسلامي) مع مشروع الإحتلال من خلال مساهمته الفاعلة في مؤتمر لندن قبيل الغزو وفيما بعد في مجلس الحكم بعد الإحتلال، ودوره بعدها في كل مراحل "العملية السياسية"، ودوره في انقاذ تمرير الدستور والانتخابات الأخيرة بتضليل الناخبين العراقين عشية انتخابات يوم 15-10-2005 حول امكانية تعديل كل بنود الدستور الخلافية بفترة لا تتجاوز اربعة اشهر بعد الإنتخابات!!!!.

في نفس السياق صرح (سليم عبد الله الجبوري)، وهو قيادي في الحزب (الاسلامي) العراقي ونائب في البرلمان العراقي عن جبهة (التوافق)، خلال برنامج على الجزيرة مباشر بتاريخ 17-10-2007 وتعليقا على تأسيس مجلس سياسي للمقاومة وقال ما مضمونه " ان هذه الخطوة (مباركة) طال انتظارها "، كما قال "من الملاحظ ان هناك حدوث فرز واضح للقوى التي تقاوم الاحتلال عن التكتلات والقوى الارهابية التي تستهدف الأبرياء".

ولو استعرضنا بتمعن كل ما جاء اعلاه لأصبحت لديناً قناعة يفرضها المنطق والتفكير السليمين بأن هذا المجلس (أي المجلس السياسي للمقاومة العراقية) تحيط به الشبهات من حيث اهدافه النهائية التي قصد بها من تأسيسه. وتؤكد بما لا يقبل الشك فرضية نظرية (المؤامرة) التي طالما تأمروا علينا بغرض اقناعنا بأنها ليست سوى (خرافة).  

هناك حادثة جديرة بالذكر حدثت بتاريخ 10-10-2007 حين قامت مجموعة مسلحة باستهداف (رجل دين) يدعى (علي عبد) والملقب بـ (ابو بلال) في منطقة (ابوغريب) وكان (أي ابو بلال) دائم التحريض للناس من على منبر المسجد لقتال القاعدة.

وخلال عودة المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال الى مواقع انطلاقها، تم رصدها ومتابعتها من قبل احدى الطائرات الامريكية فقامت بإستهدافهم بصاروخ أدى الى مقتلهم جميعاً وعددهم عشرة، حسب ما ذكر، اضافة لثلاثة آخرين. وبعد التحقيق تم التعرف على بعض الجثث واتضح انهم من تنظيمات القاعدة. الى هنا والخبر عادي، ويمكن ان يحدث كل يوم في ساحة القتال. إلا ان الغريب ان يقوم جيش الاحتلال بعد ذلك باصدار تصريح صحفي اشبه ما يكون بالنعي لرجل (الدين) هذا (أي ابو بلال)، وكأن قيادة جيش الاحتلال تحولت الى مرجعية او مؤسسة دينية تنعى منتسبيها. انظر في موقع القوات المتعددة الجنسيات في العراق الرابط:  http://www.mnf-iraq.com/index.php?option=com_content&task= view&id=14548& Itemid=21).

اما الأغرب من ذلك كله في هذه الحادثة هو ما حصل بعدها، حيث قامت احدى الفصائل (الجهادية) التي تدعّي بأنها تقاوم الاحتلال باصدار بيان نعي لنفس القتيل، وهذا الفصيل الذي يطلق على نفسه الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية واختصاراً (جامع) هو عضو مؤسس في (المجلس السياسي للمقاومة العراقية)، وقد وصف القتيل ببيان النعي بأنه :

 

" أسداً من أسود الجهاد العراقي الأخ المجاهد الشيخ علي عبد (أبو بلال) أحد قادة الجهاد في العراق ورمز من رموز الوسطية والاعتدال والذي استشهد على أيدي فئة مجرمة مأجورة باعت دينها بثمن بخس لاقت مصيرها في الدنيا بالهلاك قبل الآخرة بالعقاب من الله الجليل المتعال...."

 

لاحظوا عبارة (لاقت مصيرها في الدنيا بالهلاك)!!!. سبحان الله فالشهادة بصواريخ طائرات الإحتلال تسمى (هلاك). أما وصف البيان له بـ (رمز من رموز الوسطية والاعتدال) فهذه مسألة اخرى على جانب كبير من الاهمية، ولقراءة نص بيان (جامع)

انظر الرابط : http://www.aljazeeratalk.net/forum/ showthread.php?t=77555

وهنا يبرز امامنا سؤالاً مهماً وهو:- كيف يفسر لنا هذا الفصيل الذي يقاوم الاحتلال، ان يكون (فقيده) هو (خسارة) لجيش الاحتلال؟ وكيف يحدث ان تتوحد خسارة (الفقدان) للاحتلال والمقاومة في نفس الشخص؟؟. وما هو رأي الآخرين في جبهة الجهاد والإصلاح بفصائلها الأربعة (الجيش الأسلامي)، جيش المجاهدين، جماعة انصار السنة – الهيئة الشرعية، واخيراً حماس العراق. والذين يضمهم ايضاً المجلس السياسي للمقاومة.

 

في نفس السياق وبتاريخ 19-10-2007 ومن على شاشة قناة الجزيرة الفضائية امتدح رئيس جبهة الحوارالوطني (صالح المطلك) قيام مجلس سياسي للمقاومة، ودعى جميع فصائل المقاومة الى الإنضمام اليه. وهذا ربما يترافق لاحقاً الى الدعوة لتوسيع هذا المجلس ليضم كل من (يقاوم) الاحتلال حتى لو كان (سياسياً) بمن فيهم الذين انخرطوا في "العملية السياسية" التي أسسها ورعاها الإحتلال.

وليس مستبعداً بعد ذلك اننا قد نشهد او نسمع من بعضهم طلباً "مشروعاً" بتوسيع قاعدة المنضمين الى هذا المجلس السياسي ليشمل كل من اشترك في العملية السياسية بقصد "الاصلاح وتخفيف الضرر" أو كل من طالب او صرح بجلاء قوات الاحتلال، وإن اختلفوا على التوقيت والكيفية. وهنا سنجد تشكيلة واسعة و(معتبرة) وتضم كافة رموز جبهة التوافق. ويمكن ان تضم أيضاً قائمة أياد علاوي واحمد الجلبي وحاجم الحسني!!!. خصوصاً ان هؤلاء كلهم سبق ان صرحوا في يوم ما بأن على القوات الامريكية ان تغادر العراق، ولم يقولوا طبعاً متى أو كيف أو بأي ثمن. وكأن الشعب العراقي اصيب بفقدان الذاكرة ولم يعد يذكر ان هؤلاء انفسهم دخلوا العراق مع الاحتلال بعد أن قاموا بمعاونته والتنسيق معه قبل وبعد الإحتلال.

بتاريخ 28-10-2007 تنادى مجموعة من العراقيين الخيرين وبالتعاون مع بعض فصائل المقاومة والسياسيين الوطنيين والكتاب خارج العراق، والذين نذكر منهم السادة رائد الحامد، غياث الدين العزاوي وكاظم حسن عبد الرحمن، الموقع الإلكتروني لدار بابل للدراسات والإعلام. والذين قاموا مجتمعين بحملة مباركة لفضح وتعرية مخطط لتشكيل ما سمي (الجبهة المركزية للاصلاح والتنمية) والتي تشمل ايضاً تجمع عشائري اسموه بمسمى جديد هو (مجلس لشيوخ واعيان العراق) وكان جاهزاً للتنفيذ خلال أيام. وهذه (الجبهة) كان قد تم طبخها من قبل احد اجهزة المخابرات الاقليمية لصالح مشروع الاحتلال. ولعل ابرز ما اشارت اليه وثائق تأسيس تلك "الجبهة" هو :- "ايمانها" ودعوتها الى تحويل "الاحتلال" الى "شراكة تجارية وعلمية" انظر الرابط : ttp://www.darbabl.net

أو (انظر الرابط :

 http://www.albasrah.net/ar_articles_2007/1007/ kadem_281007.htm

وقد تم رصد تمويل مالي تجاوز عشرات الملايين من الدولارات بمعونة بعض العراقيين المقيمين في الخارج وتغطية لوجستية من الهلال الاحمر العراقي!!! الذي كان يتولى توزيع الحقائب المليئة بالدولارات بسيارات الإسعاف الى بعض (شيوخ) العشائر ورؤوس (الصحوات)!!!. وبالفعل فقد تم فضح المخطط وأضطرت تلك الجهات الى الغاء كل شيء في اللحظة الأخيرة.

وقبل ان ننهي هذا الجزء نعود للتأكيد على ان مبدأ تشكيل (مجلس سياسي) لبعض فصائل المقاومة أو اي أمر مشابه يوحي بتوحيد الجهد المقاوم هو امر محمود وجيد ولكن يفترض ان يكون في سياقه التاريخي والمنطقي.

 ورغم اننا نتفق ابتداءاً مع ما ذهب اليه احد المفكرين السياسيين العرب (وهو الدكتور عزمي بشارة) بأن:- "المقاومة العراقية ليست بحاجة الآن (في هذه المرحلة من الصراع) الى منهاج وبرنامج سياسي، وان الرصاصة التي يطلقها من يقاوم جيش الاحتلال هي اكثر بلاغة ووضوح من اي برنامج سياسي". ولكن هذا لا يعني بالضرورة ان المقاومة ليست بحاجة الى برنامج او مجلس سياسي على وجه الإطلاق، بل إن المسألة بكل بساطة تتلخص في متى ولماذا وكيف نشكل المجلس السياسي للمقاومة؟؟؟ وممن نشكله.

وللإجابة على هذا التساؤل نقول بشكل أولي بأن "المجلس السياسي" قد يكون ضرورة ولكنه في الوقت الحاضر ليس له صفة الإستعجال، فالإحتلال لا يزال يجثم على صدور العراقيين ويقتل البشر ويهدم الحجر وكل ما طالته يده وايدي حلفاءه داخل وخارج العراق، وهو يقوم بمطاردة وإستهداف كل من له صلة بالمقاومة من قريب أو بعيد. وبالتاكيد فإن هذا الإحتلال سوف لن يسمح لأحد أياً كان بالعمل بالضد من مشروعه حتى لو كان فعله ضمن الساحة السياسية أو الإعلامية فقط. فهذا الاحتلال عودنا على انه يعيش "حالة إنكار" (كما وصفها الكاتب الصحفي بوب وودورد) بدءاً من إنكار الآخر وإنكار اخطائه وإنكار حتى هزائمه وخسائره. فكيف له ان يقنعنا بأنه سوف لن يقوم بـ "إنكار" المقاومة إذا ما شكلت مجلساً سياسياً؟. وإن فعل فإنه لا يسعنا تصديقه الا إذا اعلنت قوات الإحتلال والإدارة الأمريكية على الملأ رغبتها في الإنسحاب نهائياً من العراق. وعززت ذلك بطلب رسمي الى مجلس الأمن تؤكد رغبتها (غير القابلة للنقض) في الانسحاب بحدود زمنية معقولة لا تتجاوز سنة واحدة (مثلاً)، والاعتراف بكل الجرائم التي اقترفوها بحق العراق (كل العراق) واستعدادهم ايضاً لتعويض العراق والعراقيين بشكل منصف وعادل عن كل ما عانوه. فعند ذاك فقط يمكن ان يكتسب تشكيل "مجلس سياسي" للمقاومة أهمية وأولوية قصوى، على الاقل لإسباب تفاوضية.

وبالمقابل فإن نشوء وصعود وتضخيم ظاهرة "الصحوات" كما نراه هو مادة للاستهلاك الإعلامي وتأتي ضمن (إستراتيجية الإيهام بالنصر من خلال المزاعم) كما اعترف بوش قبل أسابيع بأنه قد مارسها بالفعل في عام 2006 عندما كان في قمة احباطه ويأسه من اي نصر وكان على وشك إعلان هزيمته وإنسحابه. كذلك يفترض ان نفهم تلك الظواهر (اي الصحوات) على انها ليست سوى صفحة من صفحات الاحتلال. أو نوع من اعادة الاحتلال ولكن بأساليب اكثر "نعومة"، وذلك بجعلها عنوان المرحلة الحالية وتقديمه على اساس انه قتال العشائر ضد القاعدة في حالة واضحة من (إعادة توجيه) الوعي أو(الكي) إن أمكن، والذي يحاول ان يجربه علينا الاحتلال الأمريكي، كما حاول قبلها الكيان الصهيوني في موضوع لبنان، والذي عبر عنه السيد حسن نصر الله في خطابه يوم 24-3-2008 في اربعينية عماد مغنية.

لقد كان التركيز على موضوع (الصحوات) حتى في خطابات بوش يوحي، بل ويؤكد لنا، بأن الهدف المخفي هو تأسيس(وعي) بديل، للإيهام يتحقيق انجاز ما للاحتلال على الارض، وفي ذات الوقت يهدف الى زرع عنصر جديد من عناصر التدمير الذاتي للمجتمع العراقي، بعد ان انتهى النفخ العقيم في موضوع الاقتتال الطائفي وقبله اجتثاث البعث ومحاربة التكفيريين وسواها الكثير الكثير من الصفحات (يوميات) للاحتلال.

وسوف اكتفي بهذا القدر في الحديث عن هذا الموضوع، ولايفوتني قبل ان اختم الى ان اشير الى الكثير من التفاصيل المهمة والتحليلات الغنية حول الموضوع نفسه، والتي دونها الكاتب والسياسي العراقي الاستاذ رائد الحامد في سلسلة مقالاته الموسومة "الأضواء العشرة على الفصائل المسلحة"، راجياً القاريء الكريم الاطلاع عليها لزيادة الفائدة ولتوضيح اكبر في الصورة. وفي الجزء التالي سوف نناقش ان شاء الله جوهر "العملية السياسية" وكيف ان التطورات السياسية الحالية في موضوع "الصحوات" و "المصالحة الوطنية" وسواها من المصطلحات هي في الواقع العملي وجوه متعددة لصيغة واحدة.

انتهى الجزء الثالث

raadaljibouri@gmail.com

جريدة الصوت 31/5/2008

شبكة البصرة

السبت 26 جماد الاول 1429 / 31 آيار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس