بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الاتفاقية الامنية : مخاطر منظورة وكوارث مطمورة

(6-8)

شبكة البصرة

صلاح المختار

يروي الجاحظ انه شاهد بغلا يركض خلف فقيه التف بطيلسان اخضر ظنا منه انه حزمة عشب الجاحظ في (رسالة البغال)

من خداعه اسهل : البغل ام الحمار؟

واللعبة الجديدة في اطار تضليل اللغة هي فكرة (عقود الخدمات)، التي نصح خبراء امريكا وزارة النفط في بغداد بتبنيها لتجنب موجة النقد الحاد والرفض العراقي الشامل لها حينما سربت معلومات عنها. وهذه الفكرة تقوم ظاهريا على الحصول على خدمات شركات امريكية طوال فترة العقد ولا تضع النفط وملكيته تحت السيطرة الامريكية بصورة رسمية، فمثلما تؤجر الدول الخدمات المؤقتة فان العراق في ظل الاحتلال يريد شراء خدمات من امريكا! وقد تبدو هذه الفكرة غير خطرة ولكن التدقيق فيها يقود الى اكتشاف انها نوع خطير من انواع السيطرة على نفط العراق لزمن غير محدد، تماما مثل الاتفاقية الامنية، فاثناء فترة شراء الخدمات تكون الشركات الامريكية هي المسيطرة فعليا على نفط العراق تحت غطاء تحسين الصناعة النفطية ومساعدة العراق في هذا المجال!

ان ما يكشف التضليل هنا هو ان العراق لا يحتاج لخدمات الشركات الامريكية والبريطانية فنيا لانه كان، ومازال، قادرا على اعادة بناء منشأته النفطية واقامة صناعة نفطية متكاملة، كما فعل مرتين، مرة عندما امم النفط وفرضت الدول الغربية حظرا على العراق منعه من الحصول على اي مساعدة فنية او ادوات احتياطية او مكائن تساعده على التغلب على مشاكل صيانة وادارة المنشأت النفطية، ومع ذلك نجح بفضل وجود كوادر عراقية كافية في تحقيق اهداف التاميم، ومنها عدم توقف استخراج او تصفية النفط وتصديره. والمرة الثانية كانت بعد العدوان الثلاثيني في عام 1991 والذي تعمد تدمير البنية التحتية العراقية والصناعات العراقية بالكامل، ومنها المنشأت النفطية، مما الحق اضرارا خطيرة بتلك المنشأت، فتوقف استخراج وتصفية النفط لفترة، لكن الارادة العراقية مدعومة بخبرة وطنية عراقية مكنت وزارة النفط من اعادة العمل في الصناعة النفطية بعد بضعة اسابيع، فزود الناس بقسم مهم من احتياجاتهم في الاسبوعين الاولين بعد وقف اطلاق النار، وبعد ستة شهور نجحت الكوادر العراقية في اعادة بناء المصافي وكافة المنشأت واخذ العراق يصدر نفطا ويغطي الحاجة الداخلية!

ولادراك اهمية ذلك لابد ان نشير الى ان اعادة اعمار الصناعة النفطية تم في اجواء اسوأ حصار فرض على اي دولة لدرجة ان الغرب منع حتى تصدير المواد الكيمياوية الضرورية لتصفية النفط ليصبح صالحا للاستخدام، فقامت العقول العراقية بتصنيع تلك المواد الكيمياوية وكسر الحصار على العراق. كما يجب هنا التذكير بحقيقة تحسم مسألة حاجة او عدم حاجة العراق للخدمات الخارجية، وهي ان المصافي النفطية اصابها ضرر فادح (تدور حول نسبة 70 %)، اي انها اصبحت غير قابلة للتصليح، طبقا للمعايير الدولية، وانها يجب ان ترمى في الزبالة، لكن العقول العراقية نجحت في اعادة تأهيل هذه المصافي في اقل من عام. وتزداد عظمة الكادر العراقي حينما نتذكر بان الخرائط الاصلية لبناء المصافي لم تقم الشركات التي بنتها بتسليمها للحكومة العراقة وقتها، ولذلك اضطر المهندس العراقي الى وضع تصاميم جديدة للمصافي المدمرة واعيد بنائها وفقا لها! وهذه حالة تؤكد قطعا ان العراق لا يحتاج للخدمات الاجنبية لمساعدته عل اعادة بناء صناعته النفطية بل ان كل ما يجتاج اليه هو رفع كافة انواع الحظر عنه والسماح له بشرا مواد كيمياوية ومواد احتياطية فقط.

في ضوء ما تقدم يتضح لنا امرا مهما جدا وهو ان عقود الخدمات ليست سوى غطاء تضليل للراي العام العراقي لامرار اتفاقية تسيطر بموجبها الشركات الامريكية وغيرها على نفط العراق لمدة قد تزيد على نصف قرن وتحصل بموجبها على نسبة تزيد على 70 % من موارده. وهنا لا بد من الاشارة الى ان التدمير المنظم للمنشات الصناعية العراقية من قبل الاحتلال وايران كان احد اهم اهدافه هو منح الشركات الامريكية عقودا ضخمة لاعادة الاعمار، من جهة، كما ان اغتيالات العلماء العراقيين بما في ذلك خبراء النفط كان مقصودا به اضطرار العراق لقبول خدمات الخبراء الامريكيين، من جهة ثانية!

 

وظيفتا النفط : القيمة الاقتصادية والابتزاز الستراتيجي

بعد توضيح الاساليب التضليلية في لغة الاتفاقيتين يجب ان نبحث في السر الاعظم الذي تريد امريكا اخفاءه وانكار وجوده. ان من يظن ان الاتفاقية النفطية ذات قيمة اقتصادية كبيرة فقط بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية مخطأ ويجهل السبب الاهم لسعي امريكا للسيطرة التامة على نفط العراق، وهو استخدام القوة الابتزازية الخطيرة للنفط في الصراعات الدولية. ان التمييز بين القيمة الاستعمالية للنفط والقيمة الابتزازية له امر ضروري لتكوين فهم متكامل ودقيق وشامل لما يجري في العراق والمنطقة والعالم. نعم امريكا تريد السيطرة على نفط العراق لانه يشكل ربحا ضخما لامريكا يحل العديد من مشاكلها الاقتصادية والمالية لانه يوفر ارباحا صافية تقلل من مخاطر الازمة المالية والاقتصادية، خصوصا الميزان التجاري وميزانية الخزينة الفدرالية والدين العام. لكن هذه (النعم) لابد ان تعقبها و(لكن) لان المسألة ابعد واخطر من القضايا المالية والاقتصادية. ثمة اتفاق عام في العالم على ان النفط هو (دم الحياة العصرية)، كما وصفه هارولد براون وزير الدفاع الامريكي الاسبق، ونظرا للتزايد الخطير لاهميته في التاثير على توازنات العالم الستراتيجية كلما ازدادت محدودية المعروض منه على الطلب عليه، فان السيطرة على منابع النفط احتلت الموقع الاول في السياسة الامريكية على الاقل، واصبح الصراع الدولي على مصادره اشد خطورة وحدة مما سبق.

ان ما سمي ب(مبدأ كارتر) في السبعينيات من القرن الماضي كان تعبيرا عن انتقال قيمة النفط الاساسية من المصدر الاقتصادي الى المصدر الابتزازي الستراتيجي، فبالنظر لفشل بدائل الطاقة التي حددتها وكالة الطاقة الدولية عقب حرب اكتوبر عام 1973، لاسباب عديدة منها التكلفة، اضطر العالم للتعامل مع النفط بصفته الطاقة الاساسية الى زمن غير محدد، ومن ثم بدأ السباق الذي كان سريا بين من يحتاج اكثرمن غيره الى النفط، وهي القوى الصناعية والقوى الصاعدة بالاخص، من اجل الحصول على النفط اما بالغزو او بالطرق المشروعة. لكن تفجر ازمة امريكا البنيوية في السبعينيات، اي ازمة شيخوخة الراسمالية الامريكية، أقترن بتطورات لا تخدم امريكا وتفاقم من ازمتها وتزيدها خطورة، ومنها الصعود الصاروخي لقوى صناعية جديدة مثل :

1 - اليابان والمانيا وقتها.

2 - والنمور الاسيوية فيما بعد لتصبح تهديدا ستراتيجيا لامريكا على المستوى التجاري الدولي.

3 - وتوقع (وقتها طبعا) صعود الصين والهند.

4 - تدهور انتاجية ايران والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي النفطية، لاسباب تتعلق بمحدودية مخزوناتها من النفط.

وهذا التزامن بين ازمة الشيخوخة الامريكية مع هذه تطورات أدى الى زيادة الحاجة العالمية للنفط من قبل كل هذه القوى، واصبح مستقبل كل قوة كبيرة مرهونا بحصولها على كميات اكبر من النفط لسد حاجاتها المتزايدة بنسب اكبر من توفر النفط في السوق! ومن المؤكد ان ذلك التطور سوف يكون سببا في حرمان ماكنة امريكا العامة من الكميات المطلوبة من النفط لادارة مجتمعها واقتصادها، مما يهدد بدفعها الى الخلف وبدء عملية انكماشها اقتصاديا وستراتيجيا وحرمانها من قيادة العالم كما كانت تحلم منذ تأسيسها.

ما الذي نتج عن ذلك؟ لقد اعتقدت امريكا بيقين تام بأن من الضروري جدا لتجنب خسارة دورها (ومصالحها الستراتيجية) ان تقوم بعمليات استباقية شاملة من اجل ضمان السيطرة على كل منابع النفط، وفي مقدمتها الاحتياطي العراقي، وان تعد محاولة السيطرة عليها من قبل اي طرف اخر تهديدا للامن القومي الامريكي يتطلب الرد بكافة الوسائل، ومنها القوة العسكرية، وهذا هو جوهر (مبدأ كارتر).

ان مبدأ كارتر بهذا المعنى هو بداية اعتبار النفط اداة ابتزاز لمنافسي امريكا وخصومها القدماء والجدد، فامريكا الشائخة ورغم انها اعظم قوة عسكرية وتكنولوجية لا تستطيع السيطرة على العالم بالقوة العسكرية لان في العالم قوى كبيرة تستطيع افشال غزوات امريكا، لذلك طورت نظرية جديدة تقول بان (من يسيطر على منابع نفط يسيطر على العالم) لانه سيتحكم في التطور الاقتصادي والتكنولوجي للدول الاخرى كافة ويحدد ادوارها الاقتصادية والسياسية. وتلك هي القيمة الابتزازية للنفط والتي يمكن ان تستخدم لتركيع دول العالم، كبيرها وصغيرها، دون حروب عسكرية بل يكفي التحكم بحنفية النفط العالمي لاجبار الدول على الرضوخ لطلبات وشروط امريكا.

ما قيمة العراق في هذه النظرية الجيبوليتيكية؟ ان العراق هو البلد الاول والاهم في تنفيذ ستراتيجية الابتزاز النفطي، لانه يملك الاحتياطي النفطي الاكبر (يملك احتياطي يقدر باكثر من 350 مليار برميل) وليس الثاني، كما تؤكد الاكتشافات الحديثة، ولذلك فان عدم السيطرة على العراق ونفطه سوف يحرم امريكا من استخدام النفط كاداة ابتزاز ومن ثم فان مصير امريكا الحتمي سيكون التراجع وتقدم قوى دولية صاعدة وهي حسب تسلسل صعودها الزمني : اليابان المانيا في السبعينيات، النمور الاسيوية في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، الصين وروسيا والهند والاتحاد الاوربي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.والسؤال هو : هل تسمح راسمالية شائخة بدفعها الى الخلف، وهي الراسمالية الامريكية، وهو وضع يعني الموت التدريجي الحتمي، ام انها ستقاتل من اجل الاحتفاظ بالموقع الاول وربما المسيطر في العالم؟ الجواب ان قوانين النظام الراسمالي الداخلية واليات تطوره محكومة بقانون التوسع المستمر انتاجيا وحينما يتوقف التوسع يموت النظام الراسمالي، حتى لو استمر في العمل، لذلك فان امريكا اختارت البقاء مسيطرة على العالم بالاعتماد على النفط وبتسخير موارد العالم الاخرى لتأجيل التلاشي المحتم للراسمالية الامريكية.

من يريد ان يفهم الاسباب الحقيقية للاصرار الامريكي على غزو العراق عسكريا منذ عام 1990، بعد فشل كل المحاولات لاسقاط نظامه الوطني من الداخل، عليه ان يدقق فيما شرحناه، فالعراق هو مفتاح العالم الحديث ومن يمسك به يمسك بعنق العالم ويحدد حركته واتجاهها. ان امريكا في العراق تريد نهب ثرواته لاسباب اقتصادية ولكنها تريد قبل ذلك، واهم من ذلك، السيطرة على نفطه لاكمال قوة سلاحها الاعظم والذي يدحر كل الخصوم : الابتزاز النفطي. وهذه الحقيقة تفرض توقيع الاتفاقية الامنية بصفتها الضمانة الاساسية لتوقيع وتطبيق الاتفاقية النفطية، فبدون القوة سوف لن تستطيع اي حكومة في العراق تنفيذ الاتفاقية النفطية.

يتبع.......

النصف الاول من تموز يوليو/2008

salahalmukhtar@gmail.com

شبكة البصرة

الخميس 14 رجب 1429 / 17 تموز 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس