بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الاتفاقية الامنية : مخاطر منظورة وكوارث مطمورة

(7-8)

شبكة البصرة

صلاح المختار

يروي الجاحظ انه شاهد بغلا يركض خلف فقيه التف بطيلسان اخضر ظنا منه انه حزمة عشب الجاحظ في (رسالة البغال)

سايكولوجيا امريكا : هانيبال ليكتر

من المؤسف ان يتركز النقاش والرفض للاتفاقية الامنية وتوأمها الاتفاقية الاقتصادية على مخاطر المقدمات،  وهي كبيرة دون ادنى شك،  مع اهمال النتائج الاخيرة التي ستظهر وتتبلور في البيئة التي ستخلقها تفاعلات المقدمات،  وهي الاشد خطورة وتدميرا لنا كعراقيين وعرب. فما المقصود بذلك؟ نعم صحيح جدا ان الاتفاقية الامنية ستسلبنا سيادتنا بالكامل وتحولنا الى مستعمرة انموذجية في خضوعها للاستعمار الامريكي،  ونعم صحيح جدا ان الاتفاقية الاقتصادية ستسلبنا ثروتنا وترمي لنا بالفتات لمدة قد تزيد على نصف قرن، مثلما فعلت بريطانيا التي اقامت قواعد وسلبت ثرواتنا،  ولكن نوعية وحدود الخطورة في هاتين الاتفاقيتين تختلف جذريا ونوعيا عن الخطر الاستعماري البريطاني،  لانهما تعقدان في اجواء وبيئة مختلفة تماما عن بيئة مطلع القرن العشرين،  حيث كان الاستعمار هو عملية نهب بالدرجة الاولى والاساس ولا يهتم كثيرا بتغيير بنية المجتمعات المستعمرة التقليدية الا بالحدود التي تسهل النهب (الاستعمار الفرنسي يختلف).

اما الان وفي ظل ما يسمى العولمة (تقرأ الامركة) والهيمنة الامريكية الغربية شبه المنفردة على العالم،  بعكس مطلع القرن الماضي حيث كانت الثورة البولشفية في روسيا في بداية مواجهتها مع الراسماليات الغربية وحدّت من اندفاعات الاستعمار،  فان النعم الاهم والاخطر،  من كل (النعمات) السابقة،  هي ان من يظن ان اقتصاد السوق هو مجرد نهب منظم عليه ان يتذكر ان المجتمع العراقي،  وهو يتفاعل مع البيئة التي ستخلقها تفاعلات مستعمرة خطط لها ان تتغير جذريا ليس على مستوى السياسة والاقتصاد فقط بل الاهم على مستوى القيم الاجتماعية والروابط الاخلاقية والروادع الدينية،  سيواجه (أم الكوارث) الرهيبة،  وهي كارثة تدمير بؤرة وقاعدة المنظومة القيمية والتقاليدية وتذويب المكونات الاساسية للهوية الوطنية والقومية،  وتشويه الجوهر التحرري والتقدمي للاسلام وجعله اسلاما ينقض الاسس الحقيقية له،  وهذا الامر لم يكن موجودا عندما استعمرتنا بريطانيا والتي كانت تريد النهب اولا واخيرا وليس تغيير الهوية. ان الهدف النهائي لاقتصاد السوق هو اعادة تشكيل وعي الناس وقيمهم وروادعهم وتقاليدهم وروابطهم الاجتماعية وزرع نقيضها الجذري،  لان بيئته تقوم على ذلك.

من يقرأ الادبيات الامريكية خصوصا السياسية منها،  سيلاحظ دون صعوبة ذلك الهوس الامريكي القديم بما يسمى  (نشر القيم الامريكية) في العالم،  او حسب التعبير الذي اطلقه بعض الكتاب الامريكيين (اعادة تشكيل العالم ليصبح نسخة عن امريكا)! وكان اجرأ تعبير عن هذا الهوس هو ما قاله جورج بوش الاب في نهاية عام 1989،  حينما كان رئيسا وانهارت الكتلة الشيوعية في زمانه وقال بثقة : (ان القرن القادم سيكون قرنا امريكيا)! كما ان الصورة الاوضح للهوس الامريكي هذا عبرت عن نفسها بجرأة تامة في الدراسة التي وضعتها مجموعة من المحافظين الجدد في عهد بيل كلنتون في التسعينيات وحملت عنوانا يكفي لمعرفة مضمونها (القرن الامريكي). هنا قد يظن البعض،  وهذا الظن هو ابو وام الاثام،  بان امريكا تريد رفع العالم الى مستواها التكنولوجي والعلمي لتسهيل النهب المنظم،  وهذا الظن وان كان لا يخلو من صحة،  بقدر تعلق الامر بتأهيل المستعمرات الامريكية للقيام بدورها الخدمي،  الا انه مضلل وخطير لان فكرة نشر القيم الامريكية واعادة تشكيل العالم ليصبح على شاكلة امريكا والاصرار على جعل القرن الحادي والعشرين امريكيا يقصد به شيء اخر مختلف تماما. فما هو الشيء الاخر؟

للاجابة على هذا السؤال لابد من تسليط الضوء على طبيعة المجتمع الامريكي وكيفية تاسيسه لنعرف القيم والقواعد المتحكمة فيه. ان اخطر مافي المجتمع الامريكي هو انه مجتمع فريد في تاريخ نشوء المجتمعات الانسانية فهو مجتمع نشأ من مهاجرين ينتمون لثلاثة فئات اساسية : فئة المجرمين الذين لم تعد سجون بريطانيا تستوعبهم فتقرر نفيهم الى ماكان يسمى ب (العالم الجديد) اي امريكا،  والتي كانت مسكونة بأهلها الاصليين الهنود الحمر،  اما الفئة الثانية فهي المضطهدين دينيا والذين ارادو الهجرة لاجل التخلص من الاضطهاد الديني،  والفئة الثالثة هي الفقراء الجوعى الذين اختارو الهجرة والمغامرة الخطرة في قارة مجهولة تقريبا لاجل الحصول على فرصة العيش الافضل.

هذه الفئات الثلاثة هي التي بنت امريكا بقيمها وتربيتها وافكارها وحوافزها،  لذلك ربط بين افرادها عنصر مشترك وهو البحث عن فرصة عيش افضل،  مع تبلور قاعدة سلوك نفسي وهي الحرص على المصلحة الفردية وجعلها المعيار الاهم في كل شيء،  والتي وصلت حد الانانية المتطرفة. وعبر عن ذلك في نشوء فلسفة سادت دون غيرها في امريكا،  وتلك حقيقة بحد ذاتها تؤكد الطبيعة الانانية لقاعدة السلوك الامريكي،  وهي الفلسفة البراغماتية والتي تقوم على فكرة ان الصواب والخطأ والجيد والسيء والعدالة والظلم مفاهيم تتقرر في ضوء المنفعة التي تتحقق من وراءها،  وليس بقوة وتأثير قيم مسبقة وعامة كالقانون والاخلاق والعدالة! هذ الفلسفة جعلت الفرد الاناني وليس الجماعة هو مصدر القيم ومقررها، وصار المجتمع الامريكي،  بعد حروب وكوارث ابادة للسكان الاصليين وقتال بين البيض المستعمرين وعبودية للسود الذين جلبو من افريقيا لخدمة المهاجرين البيض،  يقوم على قاسم مشترك وهو توازن المصالح بين مكونات اجتماعية لم تندمج بعد ولا تخضع لقيم واحدة او ثقافة واحدة.

وبهذا المعنى فان امريكا ليست امة بالمعنى العلمي المعروف للامة،  لانها لم تنجح حتى الان وبعد اكثر من مائتي عام على ولادة الدولة في دمج مكونات المجتمع في ثقافة واحدة منسجمة وعريقة كباقي الامم كالبريطانيين واليونان والفرنسيين والصينيين والعرب والفرس.. الخ. ونتيجة لثراء القارة الامريكية واستحواذ البيض على الثروة اصبحوا اثرياء جدا مع ان سايكولوجيا الاضطهاد التي تكونت في فترات ماقبل الهجرة الى امريكا،  سواء كان اضطهادا دينيا او طبقيا او اجراميا،  بقيت المحرك الاساسي للفئات المؤسسة لامريكا. كما ان استمرار الهجرة الى امريكا وعدم توقفها حتى بعد مرور اكثر من مائتي على ولادة الدولة قد ساعد وبقوة على ابقاء النسيج الاجتماعي الامريكي هشا ولا تشده روابط قوية وملزمة بقوة التقاليد المشتركة والقيم العامة والروادع الدينية وغيرها.

لقد مضت مئات السنين منذ بدأت الهجرة او التهجير الى امريكا ومن ينظر الى الامريكي الان يجد انه في حالات كثيرة جدا مازال خاضعا لثقافته القومية الاصلية،  واهم مظاهرها اللغة الاصلية والتقاليد الاصلية،  رغم ان المهاجر مضطر للتمسك بالقاسم المشترك للتعايش في امريكا وهو المنفعة،  التي وفرها الثراء الكبير للنخب البيض! ان الثراء،  او وجود الامل في تحقيقه،  شكلا العامل الاول والاهم لوحدة المجتمع وليس الانتماء القومي او الوطني ببساطة لان الوطنية تعني،  اول ما تعني،  الاندماج الكامل في ببيئة وثقافة تتبلوران عبر الاف السنين وليس عبر عقد او عقدين من الزمن. حينما تسأل امريكيا من اين انت؟ يجيبك من فرنسا او الصين او الهند او ايطاليا! وافضل تعبير عن ذلك هو ظاهرة الجاليات في امريكا والتي تحافظ على الكثير من تقاليد وثقافة الوطن الاصلي،  مثل الحي الصيني (China town) الموجودة في اكثر من ولاية امريكية ويحافظ على التقاليد الصينية ونمط الحياة الصينية واللغة الصينية،  التي تتغلب على تأثير اللغة الانكليزية،  رغم كل المحاولات لاجبار من يهاجر الى امريكا على تعلم اللغة الانكليزية لتسهيل اندماجه!

بل ان تفكك المجتمع الامريكي على اسس ثقافية يقدم لنا من ولاية كاليفورنيا مثالا لتدهور اللغة الانكليزية وتوسع عدد الهسبانك (المهاجرين من امريكا اللاتينية) الناطقين بالاسبانية فيها،  وتهديد ذلك بتحول الاسبانية بعد عقدين الى اللغة الاولى في تلك الولاية! فاذا كانت امريكا لا تربطها لغة واحدة ومن يتحدث بالانكليزية مازال يتقن لغة الوطن الام في حالات كثيرة ويتحدث بها في داره كالايطاليين والصينيين والعرب... الخ،  واذا كانت هذه الجاليات تحافظ هلى قسم من تقاليد الوطن الام فما الذي يربط بين هذه الجاليات التي تشكل امريكا؟ ان ما يربطها هو المصلحة الانانية في مجتمع قام على ثقافة الاضهاد اساسا فنقل هذه السايكولوجيا من جيل الى جيل،  وبقيت ذكريات الاضطهاد والخوف من الافقار بعد الثراء،  نتيجة قوانين النظام الراسمالي،  تتحكم في الفرد الامريكي لذلك سادت قيم الفردية والانانية والتمسك بالمصلحة الفردية وجعلها قاعدة القانون والضوابط الامريكية. ولئن كانت الليبرالية من اهم التعبيرات السياسية عن هذه الحالة فان اخطر تعبيرات تلك السايكولوجيا هي النزعة الاستباقية في التعامل العام،  وليس في المجال العسكري فقط، فالامريكي لا يثق باحد ويخطط للرد على شر مفترض،  حتى لو كانت نسبة وجوده 1 %، انطلاقا من عقدته التاريخية وخوفه من مواجهة الحالة القديمة التي تجاوزها. ولعل من اخطر ما ترتب على تبني نهج المبادرة بمهاجمة ضد الاخر هو ان النزعة الاستباقية تحولت الى غطاء للقيام بتصفية الاخر من اجل السيطرة على ثروته مع دغدغة الخوف من الاخر لدى الامريكيين!

بل ان مخاطر مجتمع انتقل الى دولة عظمى غنية جدا وقوية جدا،  مع انه لم يصل الى مرحلة الامة بعد،  و(انتقل من الوحشية الى المدنية دون المرور بمرحلة الحضارة) كما قال برناردشو الكاتب البريطاني في وصف امريكا،  تظهر بصيغة مجتمع هجين تقوم قاعدته الاساسية على التهجين لكافة سكان الدولة،  ومحاولة صهر الناس في زمن قصير،  وبصورة اصطناعية تتمثل في الاعتماد على الغرائز،  وليس على العقل! وتمثل الغرائز جوهر ما يسمى ب (نمط الحياة الامريكية) المغري لضحايا عقد الاضطهاد،  لانه قائم تقديم كل ما من شأنه توفير الامن لكنه امن مؤقت لان عقدة الماضي متحكمة،  كما يوفره نمط الحياة الامريكية الميزة الاستهلاكية في الطعام والسكن ووسائل النقل...الخ،  واطلاق الغريزة الجنسية وكافة اشكال المتع،  المحرمة والمحللة،  لضمان التعويض عن ذكريات الحرمان من جهة،  والتي تستبق احتمال عودة الحرمان في أي لحظة نتيجة الافلاس،  وهو قانون من قوانين الراسمالية التي لا ضمانة فيها حتى للاثرياء من جهة ثانية! ان الاغراء الاجتماعي في امريكا يستحوذ اولا على الشباب لانه يوفر لهم بيئة تحلل شبه كامل من القيم التقليدية تسمح بتناسي كل او بعض مظاهر القلق والتدهور الاجتماعي الناجم عن هجينية المجتمع.

وهكذا ولدت دولة هجينة سكانيا وهجينة ثقافيا وهجينة في تكوين افرادها. ورغم ان هذه المرحلة،  مرحلة التهجين،  تنتمي للمراحل الاولى في تكوين بعض الامم الجديدة،  وتحتاج لتجاوزها الى قرون واحيانا الاف السنين لصهر المهجنين وتحويلهم،  في مناخ تطور بطئ وطبيعي،  الى شعب متماثل ثقافيا واجتماعيا،  فان امريكا اليوم هي مجتمع مهجنين لانها لم تمر بهذه الصيرورة التاريخية الحتمية لنشوء الامم! انظروا الى العالم كله،  باستثناء امريكا وجنوب افريقيا وزيمبابوي واسرائيل واستراليا،  ستجدون ان كافة الشعوب العريقة متماثلة الثقافة والتقاليد بين ابنائها او تتمتع بقاسم ثقافي ونفسي مشترك. والسؤال المهم هنا هو : ما هي تأثيرات الطابع الهجين ديموغرافيا لامريكا على وضعها الداخلي وسياساتها الخارجية؟

 

لعنة التهجين وكارثة التدجين

الجواب هو :

1 في الداخل ثمة تنافر في البنية النفسية للامريكيين وتقاليدهم،  نظرا لانتماءهم الى حضارات وثقافات متناقضة او مختلفة،  اما هم او اباءهم،  مما يجعل الامريكي متأرجحا بين ثقافة الوطن الام وثقافة مجتمع اصطناعي تهجّن بسبب وضعه على نار حامية جدا لصهره وتوحيده،  وكما ان النار الحامية جدا لا تنتج طعاما طيبا فان نار صهر الامريكيين بصورة اصطناعية انتجت حالة التنافر وتعزيز الفردية والانانية. والاهم هو ان هذا المجتمع الهجين ينطبق عليه المثل العراقي الذي يقول (فقد الخيط والعصفور) اي انه لم يتمسك بالاصل الثقافي مع انه بقي مؤثرا،  ولم يقبل الحالة الجديدة اخلاقيا وثقافيا ونفسيا رغم انه مضطر للعمل بموجبها! هذه الحالة يعرفها الاباء حينما تكبر بناتهم وهم في المهجر،  كما يطلقون على انفسهم في امريكا تعبيرا عن الاحساس الطبيعي بالغربة،  فيصبح همهم الاول ومصدر قلقهم الاول هو كيفية تصرف بناتهم في الدرجة الاولى ثم كيفية تصرف اولادهم بالدرجة الثانية،  رغم ان البنات والاولاد ولدوا وتربوا في بيئة امريكا الجديدة والمناقضة لبيئة اباءهم!

وهذه الحالة تؤثر على الجيل الذي ولد وعاش في امريكا لانه متأثر بشكل ما بتقاليد وثقافة اهله، حتى وهي تندحر وتتحلل،  لانه تعرض لمؤثر خاص في بيته مهما كان ضعيفا فانه مهم. كما ان معرفة الاولاد والبنات بانهم من اصول تتناقض ثقافتها مع ثقافة بقية المهاجرين تظهر حالة اخرى وهي المفاضلة بين الثقافات،  على الاقل في مرحلة النضوج الفكري. وفي ضوء ما تقدم نرى الامريكيين في حالة قلق دائم سببه عدة مصادر ومنها المصدر الثقافي والحضاري والتناقض بين مكونات البيئة الامريكية،  وتعبيرا عن حالة القلق وكمحاولة لطمره نرى الامريكي اكثر حرية جنسية واكثر تحررا من العائلة وروابطها من الاوربي البريطاني او الفرنسي! بل ان الاوربي ينظر الى الامريكي بصفته (حثالة اوربا) لانه لم يعد اوربيا لكنه بنفس الوقت لم يتحرر من الارث الاوربي! ان ظاهرة تمرد الابناء على اباءهم،  خصوصا عند بلوغ الثامنة عشر من العمر،  وترسخ تقليد خروج من يبلغ هذا السن من البيت واستقلاله عن العائلة،  وانقطاع الصلة العائلية تقريبا واقتصارها على لقاء، ربما يكون سنويا (في الاعياد) وربما يكون اللقاء بالتلفون فقط،  وسهولة اهانة الابن او البنت لابوها او امها والقسوة المفرطة في المجتمع...الخ،  كل ذلك يعد بعضا من مظاهر التحلل العائلي ومقدمة لضياع الجيل الجديد واختياره انماطا من الحياة تصل حد الاستهانة بحرمة الجسد،  نتيجة فقدان القيم الرادعة،  او بيعه نتيجة الحاجة في مجتمع لا يرحم وليس فيه ضمانات من الدولة او المجتمع،  فيكون المرء مسؤولا عن اعالة نفسه. ومن الحقائق التي تعكس نتائج الطابع الهجين لامريكا ما يلي :

أ - ان اعلى نسبة للجريمة في العالم هي في امريكا.

ب ان اخطر انواع الجريمة في العالم وهي الجريمة الغائية،  اي التي يعد القتل فيها هدفا بذاته،  وترتكب نتيجة رغبة بارتكابها دون سبب او عداء سابق ومحركها عقد نفسية متحكمة في القاتل،  وتقترن غالبا بنزعة سادية متطرفة تصل حد التهام لحم الضحية بعد قتله،  كما فعل (هانيبال ليكتر) في الفيلم الذي يحمل نفس الاسم،  والذي يدور حول قاتل متسلسل - امريكي تقليدي واصيل - لا يشبع عقدته القتل بل انه يصر على التهام لحوم ضحاياه ليشعر باللذة والراحة! ان النسبة الاعظم والاخطر للجريمة الغائية في العالم تحدث في امريكا وتكاد تكون نادرة في بقية البلدان،  وانموذج هانيبال ليكتر تعبير دقيق عن سايكولوجيا النخب الحاكمة في امريكا،  والتي لا تكتفي بغزو البلدان الاخرى واحداث دمار شامل وقتل الملايين من البشر،  بل ان تلك النخب تصر ايضا على اكل لحوم الشعوب المستعمرة : نهب ثرواتها وسلبها مصادر رزقها الوحيدة،  وتظهر شخصية ليكتر واضحة في التلذذ باهانة الضحايا جسديا بالاغتصاب والتعذيب بطرق مبتكرة! هل تتذكرون ابو غريب؟ ان العراق يقدم لنا صورة حقيقية عن السايكولوجيا الامريكية الخاضعة للنمط المرضي لهانيبال ليكتر،  فبعد غزوه وتدمير الدولة ومحاولة تدمير المجتمع،  وقتل مليون ونصف المليون عراقي وتهجير ستة ملايين عراقي من ديارهم،  اضافة لقتل حوالي مليوني عراقي خلال فترة الحصار،  ها نحن نرى امريكا تصر على اكل لحم العراقيين بنهب ثروتهم النفطية.

ج - ان اعلى نسبة حمل خارج الزواج هي في امريكا.

د - ان اعلى نسبة اهمال الشيوخ والعجائز من قبل ابناءهم وبناتهم هي في امريكا.

هـ - ان اعلى نسبة شذوذ جنسي هي في امريكا وان امريكا هي من بين دول قليلة سمحت قانونيا بزواج المثليين!

ان الاستهانة بحرمة الجسد في امريكا لا تعود فقط للعوز المادي بل ايضا لعدم وجود قيم تحكم الجسد،  واذا وجدت فهي ضعيفة ولا تتفوق على الحث الغريزي والتربية المنحلة والحاجة المادية.

فهل هذه النتائج عرضية؟ ام انها نتيجة طبيعية للتكوين الهجين لامريكا وفقدان الهوية القومية والاستعاضة عنها بهوية فردية تتسم بالانانية والفردية المطلقة؟ باختصار ان المجتمع الامريكي،  بشكل عام،  مجتمع يغلب عليه التحلل الاجتماعي والاخلاقي وتسوده الانانية المفرطة ولا رادع فيه الا الخوف من القانون او الموت! وفي مجتمع كهذا فان التطور المختل نفسيا واقتصاديا وعقليا واجتماعيا يؤدي بالضرورة الى تنصيب هانيبال ليكتر رئيسا دائميا في البيت الابيض،  مهما تغيرت الوجوه،  وحتمية احتلال الكونغرس والاعلام من قبل اشخاص استنسخوا من جينات هانيبال ليكتر! ان كل صناع القرار،  وكل من يساعدهم على اتخاذه او يتستر على الجرائم ويسوقها اعلاميا وكل من يشيطن الضحايا لتبرير قتلهم ثم اكل لحومهم،  هم نسخ مطابقة لهانيبال ليكتر صنعت بطريقة الاستنساخ الجيني.

2 ولئن كانت امريكا على المستوى الداخلي تحاول،  قبل كل شيء،  توفير ضمانات بعدم التفكك من الداخل نتيجة الطابع الهجين للمجتمع والطبيعة الانانية لقيمه،  عن طريق رشاوي الترف والنزعة الاستهلاكية والتحلل الاجتماعي والجنسي،  فانها تقوم على المستوى الخارجي على منهج استباقي في الاستحواذ على فرص البقاء ومنع عوامل التدهور عبر حلول من الخارج. ان الحرب هي الاداة الاساسية للمحافظة على نمط حياة لم تعد الثروات الداخلية تكفي للمحافظة على مستواه بعد ان اصبح عدد المهاجرين 300 مليون انسان وبعد ان دخلت الراسمالية الامريكية طور الشيخوخة.

ان الحرب والغزو من اجل السيطرة على ثروات العالم هما اهم وسائل ابقاء امريكا موحدة وقوية،  والاهم ان التحدي الخارجي يعد اول واهم عوامل المحافظة على وحدة مجتمع هجين ومهجّن،  كما اعترف صاموئيل هنتنغتون في دراسته المعنونة (تأكل مفهوم المصلحة القومية)،  والتي قال فيها ان غياب التهديد السوفيتي قد قدح نار حرق وحدة المجتمع الامريكي واخذ يتفكك لذلك فامريكا تحتاج لعدو جديد وبديل لاجل المحافظة على وحدتها وهو الاسلام! ولكن الغزو الذي يستهدف امما غالبا عريقة،  كالعرب في العراق مثلا،  يواجه مقاومة شعب متماسك وقوي تتحكم فيه قيم وتقاليد عريقة وقوية جدا ولا تشابه باي شكل تقاليد مجتمع مهجن كالمجتمع الامريكي،  ينتج وضعا خطيرا يهدد المجتمع الامريكي،  القائم على الانانية الفردية وليس على الوطنية.

ان تعريض انسان امريكي للموت او للعذاب والحرمان لزمن طويل،  اثناء الحرب في الخارج،  يجبره على التفكير بعقلية المهاجر الذي هاجر الى امريكا للعثور على فرصة حياة مستقرة وامنة ومرفهة وليس للتعرض للموت الذي هرب منه في وطنه الاصلي، وفي داخل امريكا فان تحول الغزو الخارجي الى مشكلة امريكية داخلية هو وحده ما يحرك المجتمع ضد الحرب التي اخذت تحصد ارواح الامريكيين وتستهلك اموالهم وتنغص حياتهم.

ونتيجة لذلك فان الجندي الامريكي يتميز في الحرب،  كما اكدت تجربة غزو العراق، بظاهريتن متلازمتين : ظاهرة الجبن الكامل عند التعرض للخطر،  وظاهرة القسوة المفرطة تجاه شعب الدولة المحتلة نتيجة رعبه من المقاومة فيطلق النار عشوائيا واحيانا بصورة هستيرية،  حتى على رفاقه الامريكيين ويقع ضحية اوهام وتخيلات خطيرة،  دون الاهتمام بحساب الضمير او القانون!

وعندما يعود الجندي الامريكي الى امريكا يكون قد تحول جذريا،  ويصبح قاتلا محترفا متسلسلا لا يستطيع التوفق عن القتل والقسوة المفرطة،  كما حصل في نسف بناية مكتب التحقيقات الفدرالية في اوكلاهوما،  وقام به جندي شارك في جريمة الحرب ضد العراق في عام 1991 وكان يتلذذ باطلاق النار على الاسرى العراقيين وقتلهم! وهكذا فان ثقافة وسايكولوجيا هانيبال ليكتر تستنسلان نفسيهما تلقائيا وتفرخان ملايين القتلة المتسلسلين الاسوأ من ليكتر،  والذين نجدهم يحتكرون المال ونراهم سادة في البيت الابيض واعضاء في الكونغرس والرموز الاهم التي تتحكم في الاعلام والجامعات الامريكية،  ومن هذه المواقع الخطيرة يقوم هؤلاء بالترويج للقتل والابادة للاخرين (من اجل مصلحة امريكا ونمط حياتها)!

ان اكبر كوارث الجنس البشري على الاطلاق،  في كل تأريخه،  واكثرها تهديدا بابادة كل اشكال الحياة في كرتنا الارضية هي كارثة ولادة هانيبال ليكتر،  من رحم الجريمة الغائية، في قارة امريكا الشمالية وبدءه عملية استنساخ نفسه بالملايين ليصبح القوة الاساسية المتحكمة بامريكا كلها،  ومن ثم،  وبعد ان ساد نسله في امريكا واباد السكان الاصليين، اخذ يستخدم امريكا وقوتها وثروتها لاعادة تشكيل العالم ليصبح على شاكلته وفي خدمته وخدمة نزعاته الاجرامية! هل تعلمون باننا في العراق نواجه الان خطة زرع سايكولوجيا هانيبال ليكتر في ارضنا؟

 

يتبع........

النصف الاول من تموز يوليو/2008

salahalmukhtar@gmail.com

شبكة البصرة

الجمعة 15 رجب 1429 / 18 تموز 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس