بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الاتفاقية الامنية : مخاطر منظورة وكوارث مطمورة

(8-8)

شبكة البصرة

صلاح المختار

يروي الجاحظ انه شاهد بغلا يركض خلف فقيه التف بطيلسان اخضر ظنا منه انه حزمة عشب الجاحظ في (رسالة البغال)

بؤس اقتصاد السوق : نظرة معمقة

الفلسفة الامريكية : لكل انسان ثمن لشراء ضميره

 ان الاقتران الشرطي بين سايكولوجيا هانيبال ليكتر واقتصاد السوق يفضي حتما الى جعل النزعة الاستعمارية الامريكية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية لضمان استقرار استعمارها وتحييد، او امتصاص، مقاومة الشعوب العريقة للاحتلال، بل تقوم ايضا على خطط مدروسة لتفكيك المجتمعات المحتلة واعادة تركيبها لتصبح على شاكلة المجتمع الامريكي، خصوصا ترويج فلسفة براغماتية، وضيعة اخلاقيا وملتبسة قانونيا، تقول ب(ان كل انسان قابل للشراء والفرق في الثمن)، وهي عماد سياسة الافساد وشراء الضمائر داخل امريكا وفي العراق والعالم. ولالقاء الضوء على عملية الافساد المنظم للامم الاخرى علينا ان نطرح السؤال التالي ونجيب عليه : كيف تغير امريكا المجتمعات العريقة وتفككها؟ هنا نصل الى جوهر الموضوع وهو الامركة تحت غطاء العولمة.

 

ماهي اليات العولمة؟

ان اول واهم عناصر التفكيك في العولمة للامم العريقة وتدمير تقاليدها وثقافتها الخاصة وروابط مجتمعاتها وتحويلها الى مسرح لصراعات تدور حول عوامل اقتصادية ودينية وعرقية واثنية هو اقتصاد السوق، فحالما يدخل اقتصاد السوق بلدا ما عريق التقاليد ومتماسك المجتمع حتى تبدأ اليات التفكيك والشرذمة تعمل بقوة هائلة، لتقوده الى حالات من الصراعات التي تبدو غير مفهومة في الظاهر لكنها، في الواقع، من متطلبات اعادة تشكيل امم وشعوب العالم لتصبح على شاكلة امريكا ليس من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي بل من حيث التحلل والسقوط الاجتماعيين.

تبدأ كارثة اقتصاد السوق بخلق طبقة من اللصوص المحليين فاحشي الثراء من العدم، لتعتمد عليهم في تدمير البنية الاجتماعية التقليدية وزرع عوامل الفساد والافساد المنظمين، مقابل خلق اغلبية ساحقة من الفقراء الى حد كفرهم بالقيم من اجل الحصول على وجبة اكل!

ان تحويل العراق مثلا الى بلد تعاني الاغلبية الساحقة فيه من فقر كامل وشامل، بعد فقدان كل الامتيازات التي كان العراقي يحصل عليها واهمها الطب المجاني والتعليم المجاني والتعيين الاجباري لكل خريج جامعي والخدمات المجانية ودعم الدولة للاسعار، وهي أمتيازات تعني وجود مجتمع مرفه لا يقلق المواطن فيه من الغد وغدر الغد، وجعل العراق بلد على الفرد فيه ان يجد وظيفة يأكل منها، في ظل تنافس غير شريف ووجود عدد من الوظائف اقل من الحاجة الاجتماعية لها، ومن يجد عمل سوف يكون مصيره معلقا بقرار اللصوص الذين حصلو على الثراء فجاة وهم لذلك بلا قيم اخلاقية او انسانية، خصوصا النساء اللواتي سوف يتعرضن للابتزاز الجنسي من قبل رب العمل او محيطه الفاسد، نقول ان تحويل العراق بهذه الطريقة سوف يؤدي لخلق جيوش العاطلين والعاطلات عن العمل، وهنا سنرى بكارثية مرعبة ان ابواب (صندوق باندورا)* المغلقة قد فتحت على مصاريعها واخذت كل الشياطين واكثرها سوءا تخرج منه وتغزو المجتمع وتنشر كافة انواع الرذائل فيه، لقد وضعت القاعدة الاساسية لانتاج كل الشرور في المجتمع الانساني وهي قاعدة الفقر!

ان اقتصاد السوق يقوم على ركائز اساسية تخلق جيوش العاطلين، فالتشغيل يتم وفقا للحاجة للعمال والمختصين ومازاد عن ذلك لا يعين، والاسعار لا تحددها الدولة كما كان الحال قبل الغزو وانما لصوص اقتصاد السوق وهم جشعون بالطبع لذلك سوف تسود ظاهرة ارتفاع الاسعار، وبوجود جيوش العاطلين وارتفاع الاسعار الجنوني سوف يبدأ الخراب الحقيقي والاخطر في العراق، وهو خراب القيم وزوالها وحلول قيم امريكية قدر تعلق الامر بالتحلل الاجتماعي. ان بروز (الظاهرة الروسية) في العراق سوف يكون حتميا ان عاجلا او اجلا، وهي ظاهرة اللجوء لعهر الجسد بالنسبة للنساء للحصول على طعام وسكن، كما ستبرز (الظاهرة الامريكية) والتي تتجسد في المثل الذي يقول (لا يوجد انسان لا يمكن شراءه وانما الفرق في الثمن) والتي تعني عهر الضمير، اي بيع اللسان والثقافة والفكر والراي لمن يدفع، وبذلك ستنتهي الثقة والصدق والاخلاص والحب المجرد من المنفعة وتزول العلاقات العائلية التقليدية ونواجه مجتمعا هجينا واخطر من المجتمع الامريكي بعشرات المرات نتيجة الامراض الاجتماعية التي ستظهر.

ان المجتمع الامريكي بالاصل صورة مسخ للمجتمعات الاوربية التقليدية والتي تنظر للعلاقات الاسرية نظرة باردة مجردة من التعاطف والترابط والاستعداد للتضحية، كما هو حال المجتمعات الشرقية ومنها العربي. لذلك فان التغيير الذي حصل للمهاجرين الاوربيين الى امريكا كان افضل بالتاكيد من حالات الاضطهاد التي تعرضوا لها، ولم تصبح ظاهرة التحلل الاجتماعي او السقوط الاخلاقي نشازا وعارا بل كانت طبيعية حتى لو انتقدت. اما في العراق، حيث المجتمع العربي المتماسك عائليا والخاضع لتقاليد عريقة قومية ووطنية ودينية وعشائرية، والذي يجعل من العائلة وحدة مقدسة ومن الاباء والامهات رمزا لتلك القدسية العائلية، وتنظر للجنس نظرة محافظة ورافضة للتحلل الجنسي، فان اقتصاد السوق سوف يخلق كوارث هائلة اسوأ من كوارث امريكا، بتهديمه لمفاهيم العائلة والاخلاق والجنس وحدوث انقلاب جذري وشامل، في مناخ التعرض للاختيار بين الموت جوعا او بيع الجسد او بيع الضمير. تخيلو لا سامح الله لو ان اقتصاد السوق قد طبق لعقدين من الزمن فماذا سيحدث في ظل وضع العراقيين على حافة الموت جوعا او خوفا من الموت؟

1 - باقتصاد السوق يفسد المجتمع تدريجيا وتظهر طوابير عاهرات الجسد وجيوش عاهري الضمير، وبتحكم ما يسمى (المؤسسات النقدية العالمية) واهمها صندوق النقد الدولي يربط الاقتصاد العراقي بمنظومة دولية هائلة القوة والتاثير فتحدد مسارات العراق السياسية والاقتصادية، وبانضمامه الى منظمة التجارة العالمية ستفرض عليه شروطها المباشرة، وهي الالتزام باسبقية القوانين الدولية الخارجية على قوانين الدولة العراقية من حيث طبيعة القوانية المتحكمة بالنشاطات الاقتصادية، بل وحتى التحكم في السياسات السكانية الوطنية اي حرية الانجاب اوتقييده، ولذلك لن يكون بمكنة العراق الخروج على ما يسمى (ارادة المجتمع الدولي) حتى لو جاءت حكومة وطنية!

وبالاتفاقية النفطية، التي ستكون التوأم السيامي لاقتصاد السوق، سوف تسيطر امريكا على نفط العراق لاكثر من نصف قرن، في حين انها ستحمي بالاتفاقية الامنية الاتفاقية النفطية وكل قواعد اقتصاد السوق، وهكذا سوف يجبر العراق حتى لو اسقطت الحكومة العميلة على السير في طريق تغيير هويته العربية وتفكيك روابط مواطنية الوطنية، فيصبح تقسيمه رسميا امرا طبيعيا لا يثير ردود فعل قوية، وتلك شروط السيطرة الدائمة على العراق وتحويله الى مخزن لليد العاملة ومصدّرا للطاقة ومصدر امتلاك امريكا اداة اخطر ابتزاز وهو الابتزاز النفطي!

في عراق يسوده اقتصاد السوق سنرى الابن يخدع والده والبنت تبصق في وجه امها، وهي تخرج ليلا مع (البوي فريند)، والصديق يغدر بصديقه عمدا واضطرارا لمجرد الحصول على صفقة او عشاء مجاني، وسيصبح الكذب من اهم وسائل العيش والبقاء وسيستخدم لتسويق الجريمة الامريكية المنظمة في العراق، وسوف تسقط كل القيم الدينية والوطنية والعشائرية تحت جزم اقتصاد السوق الفولاذية ويصبح الانسان مجرد فم يأكل وفرج يمارس الجنس ولسان يكذب، وهو يعرف انه يكذب! بجعل حاجات الجسد (الطعام، الطب، السكن والجنس..الخ) تتغلب على القيم تسقط القيم وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ العراق هي الاخطر والاكثر كارثية، وهي نشوء عراق بلا قيم عليا ومجتمع محركه الخوف حتى الموت من الغد، وهكذا يصبح عهر الضمير منظومة سائدة ومتحكمة في المجتمع.

ولئن كان عهر الجسد وعهر الضمير طبيعيين في مجتمع وحشي بالاصل فان العراق الذي عاش الاف السنين في ظل قيم عليا وروادع دينية وعشائرية سوف يدخل جهنم، وهو في هذه الدنيا، وتصبح الحياة شقاء مطلق مقرون بالرغبة في الموت حتى لو امتلك الانسان مالا.

ان الاصرار الامريكي على ما سبق، خصوصا على فرض اقتصاد السوق على العراق، يستهدف بوضوح تام تقسيم العراق وتفسيخه اجتماعيا واخلاقيا واحداث انقلاب قيمي شامل وجذري في المجتمع العراقي، وهو انقلاب اذا حصل يقود الى حالة واحدة لا غير : أزالة هوية العراق العربية وتقسيمه. وهذه الحالة تمهد لها وتسبقها عملية تقزيم مبرمجة للعراق من خلال الكونفدرالية، التي تلغي عمليا ورسميا السلطة المركزية في الداخل، وتحول القوات المسلحة العراقية من جيش قوي مهاب الى شرطة فعالة في القمع الداخلي لكنها عاجزة عن رد العدوان الخارجي.

 

2 - ان الامركة في العراق تعني فتح (صندوق باندورا)، اي اعادة انتاج اصول نشوء امريكا ولكن في العراق، من زاوية محددة هي : اخراج الشرور كلها واسوءها من الصندوق، وهي شرور الاضطهاد الطبقي الاقتصادي والديني والطائفي والعرقي وسيادة العهر بكافة اشكاله، باصطناع كل ذلك بالقوة مع ان العراق لم يقبل شعبيا وتقليديا الاضطهاد العرقي او الديني او الطائفي او عهر الضمير والجسد لانها كانت ظواهر معزولة ومحتقرة، كما عرف العراق الفقر والامية ولكن بحدود لا تقلب المجتمع راسا على عقب رغم انهما ادتا الى تخلفه. امريكا لم تكتفي بغزو العراق بل دمرته عمدا وتخطيطا، ولن تكتفي بنهب ثرواته، وبالاخص النفط، بل هي تريد اعادة تشكيل العراق ليصبح عراقا اخرا غريبا كل الغرابة عن العراق الذي عرفه التاريخ والعالم، عراق بهويات اخرى وليس بهوية واحدة، كما كان وكما هو الان، سكانه، وليس شعبه لان فكرة شعب العراق الواحد مستهدفة بالذات، يواجهون تحديات البقاء كل ساعة، لذلك لا تبقى لهم طاقة او رغبة او وقت للدفاع عن القيم او روابط العائلة، وهنا سيكون العراق عبارة عن كتل متناحرة ومفككة ما يربطها هو الصراع وليس الاتفاق.

 

3 - هل نستطيع تجاهل مخاطر تفكيك المجتمع العراقي قيميا؟ بالتأكيد كلا لان التفكيك، تفكيك الهوية الوطنية والقومية في العراق وتفكيك التقاليد العائلية والاجتماعية وتفكيك روابط المجتمع القوية وتفكيك صلات العشيرة والمحلة، هو الالية الاساسية لنجاح امريكا في استعمار العراق والبقاء فيه. وهذا الكلام ليس انشاء او مبالغات بل هو رؤية لمستقبلنا في ضوء ما جرى لغيرنا، وفي مقدمتهم المراة الروسية والاوربية الشرقية، التي صارت السلعة الاكثر طلبا ورواجا في احياء العهر في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال دولة الخدمات والطب والتعليم والسكن المجاني. واخيرا فان المثل يقول ان (الكتاب يقرأ من عنوانه) وعنوان كتاب الغزو رأيناه في نظام المحاصصة ونشر الفتن الطائفية والعرقية وترسيخ معاناة الناس الاقتصادية والغاء دور الدولة في خدمة الناس، وهيمنة اللصوص الجدد على اموال العراق، واخيرا وليس اخرا فان الاتفاقية الامنية والاتفاقية الاقتصادية، واللتان سوف تغلقان ابواب (صندوق باندورا) بعد ادخال العراق فيه بالقوة ليبقى محبوسا فيه مع كل الشرور والشياطين واكثرهم قساوة ولا اخلاقية، تماما كما تضع ذئابا جائعة في غرفة واحدة مع بشر بلا سلاح وتغلق الغرفة عليهم! لذلك فان النضال ضد الاتفاقيتين واسقاطهما هو الخيار الوحيد امامنا لحماية عراق الحضارة والعروبة والقيم، ودعم المقاومة المسلحة هو الفرض والواجب الاول والاهم قوميا ووطنيا ودينيا وعشائريا.

 

4 بالاضافة لدعم المقاومة المسلحة فان المحافظة على القيم التقليدية يشكل احد اهم ضمانات بقاء العراق واحدا وقويا. قد يعترض احد بالقول ولكن هل يجوز ان ندافع عن القيم التقليدية مع انها احد اهم عوائق التقدم الحضاري؟ الجواب نعم هناك جوانب سلبية في القيم التقليدية العربية لكنها، ورغم ذلك، يجب ان ندافع عنها مهما اختلفنا حولها، لانها الان احد اهم حصون حماية العراق والامة العربية من مخاطر التفتيت والامركة وفقدان الهوية، فحينما تصطرع الارادات المتناقضة تسخر كل الادوات والقوى المادية والمعنوية لكسب الصراع المصيري، ونحن الان نخوض الصراع الاخطر في كل التاريخ العربي، وهو صراع الوجود العربي بالذات والهوية العربية بالذات وهو ليس صراعا حول حدود او مال، لذلك فان حشد كل القوى، وفي مقدمتها قوة القيم التقليدية في المعركة، لانها تقوم على حفظ الهوية والتماسك الاجتماعي، ضرورة قومية وانسانية ووجودية وعملية. ولادراك الاهمية الاستثنائية للقيم التقليدية في هذه المرحلة يجب ان نتذكر ان الغرب والصهيونية وايران قوى معادية للامة العربية وتعمل سوية من اجل احداث انقلاب جذري في القيم التقليدية، مفروض من الخارج، وليس نتاج تطور طبيعي بطيء، لذلك فهو انقلاب سيدمر كل عوامل الاستقرار والوحدة النفسية، مما يفتح ثغرات لاختراقنا مباشرة وبقوة وسرعة.

ان وجود مجتمعنا مستقرا ومحصنا ضد موجات التغيير المصطنع والمبرمج لتذويب هويتنا القومية العربية والغاء الامة العربية من الخارطة هو الشرط المسبق للصمود والانتصار، لان صراعنا الحالي مع ثلاثي الشر (امريكا والكيان الصهيوني وايران) ليس صراعا ثانويا او صراع حدود، كما انه ليس صراعا ايديولوجيا عاديا، بل هو صراع وجود بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فاما ان نبقى عربا او نصبح شراذم بلا هوية محددة لها. لذلك تتغيير اولوياتنا الستراتيجية والقومية والوطنية، تماما كما تتغير اولوياتنا الايديولوجية الاجتماعية، ويصبح ضروريا جدا دفع ما يسمى ب (الحداثة) او التقدم الاجتماعي الى الخلف من اجل ضمان حشد كل طاقات الامة في الدفاع عن هويتنا العربية.  اننا اذا فقدنا وجودنا القومي فان الحداثة والتقدم سيفقدان البيئة التي ينموان فيها كقوة دافعة لنهضة الامة، ويصبحان بلا معنى أيجابي وسيتحولان الى ممارسات عدمية تنسف الحاضر دون تقديم بديل مقبول وناجح، من هنا فان نقطة البداية الصحيحة في افشال المخطط التقسيمي والاجتثاثي لهويتنا وقوميتنا العربية هي الدفاع عن اهم حصون الهوية، وهو القيم التقليدية وتسخيرها لخدمة اهم اهدافنا الان وهو حماية الوجود والهوية العربيتين.

وبهذا المعنى، الستراتيجي والايديولوجي والسوسيولوجي، فان القيم التقليدية هي قوة تقدمية في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة وليست عامل اعاقة للتطور ما دام التطور المطلوب يقوم على تماسك البنية الاجتماعية ومنع تسلل عوامل الشرذمة والتفكك اليها تحت اي غطاء او ذريعة.

كما ان الحرب العسكرية لدينا، ونحن نواجه حرب وجود، وفي العالم كله تفرض حشد الطاقات الوطنية وما قبل الوطنية (كالعشائرية والدينية والتاريخية...الخ) ضد العدو المشترك، لان التناقض الرئيسي والذي يجب ان لا يعلو عليه اي تناقض اخر داخل الامة الان هو النتاقض مع الاستعمار المشترك الامريكي الصهيوني الايراني، وهو استعمار اشد خطورة من كل ما سبق لنا وواجهناه. كما يجب ان لا ننسى على الاطلاق، ولو للحظة واحدة، بان التطور المفروض من الخارج خصوصا في المجالين الاجتماعي والقيمي سوف يكون تطورا مختلا وسرطانيا قاتلا وليس تقدما او حداثة مفيدة، واخيرا وليس اخرا فان الحداثة والتطور يحصلان في مجتمع، وليس في فراغ اوفي بيئة محاولات تقسيم العراق وتهديد الوجود العراقي العربي، وهذا الواقع لا يسمح لنا بقبول اكذوبة امكانية تحقيقي تقدم وحداثة في فراغ ضياع الهوية.

من هنا فان شعارنا الاول، وهدفنا الاول، ومركز اهتمامنا الاول يجب ان يكون المحافظة على عروبتنا وعلى هويتنا القومية وجوهرهما الروحي : الاسلام. نعم وجودنا اولا، ثم بعد ذلك تعبيرات هذا الوجود، بكل ما فيها من خلافات ايديولوجية وسياسية وثقافية.

 

5- ان الامركة في العراق مشروع تدميري وليس مشروعا للبناء، كما كان الحال مع المانيا واليابان، ويكفي اننا نرى بام اعيننا التخريب المتعمد للدولة ثم الانتقال للتخريب المتعمد للمجتمع في العراق، من خلال زرع وتفجير الفتن الطائفية والعرقية، وايصال الشعب العراقي الى حافة الموت، امنيا واقتصاديا، لاجل ان يتراجع عن قيمه ومبادئه وحقوقه لمجرد تجنب الموت قتلا او جوعا، فهل يشابه هذا الوضع وضع المانيا واليابان اللتان بنيتا باموال (مشروع ماريشال) الامريكي بعد الحرب مباشرة واصبحتا من اهم عوامل قوة الاقتصاد الامريكي؟ بالتاكيد كلا فمسار العراق وفقا للمخطط الامريكي هو اعادته لعصور ما قبل الصناعة، كما وعد وهدد جيمس بيكر، وليس اعادة اعماره. والهدف الاساسي للامركة في العراق هو السيطره عليه ثم تحويله الى مصدّر لكل الشرور الى بقية الاقطار العربية من اجل تقسيمها كلها خدمة للمشروع الصهيوني والامبريالي الغربي، المتلاقي من حيث الجوهر مع المشروع الاستعماري الايراني.

 

ديمقراطية التفكيك المنظم

ثمة سؤال مهم يفرض نفسه وهو : هل يمكن للديمقراطية ان تكون اداة تخريب وشرذمة للامة؟ ومتى؟ هنا يجب ان نتناول الملاحظات التالية :

1 - يجب ان لا تغيب عن البال ابدا حقيقة تتجسد في التساؤل التالي : ترى لم تصر امريكا على حماية الوضع في العراق بالقوة العسكرية، بعد توقيع الاتفاقية وكما ورد فيها، خصوصا النص على حماية الدستور الكونفدرالي وما سمي ب(الديمقراطية) واقتصاد السوق ومقاومة كل محاولة لتغييرها؟ أليس من حق الشعب العراقي ان يغير بالوسائل الديمقراطية اي قانون او نظام وضعه ليس فقط الاحتلال بل حتى حكومة وطنية منتخبة؟ والا فما معنى الديمقراطية وحكم الشعب اذا كانت الاتفاقيات والقوانين (تابو) لا يمس (اي مقدسة)؟ الا يشبه ذلك وضع تركيا في ظل الحكم العسكري المستمر منذ اتاتورك، رغم كل الاشكال الديمقراطية والانتخابية، والذي يتمسك بالعلمانية حتى لو رفضها الشعب بكامله؟ هل تريد امريكا ان تقيم في العراق نظاما (ديمقراطيا) يسمح بكل الموبقات والتحلل والفساد لكنه لا يسمح بتغيير اقتصاد السوق والديمقراطية والكونفدرالية؟ ان هذه الحالة ينطبق عليها المثل العراقي الشهير الذي يقول (اذا كنت تريد ارنبا فخذ ارنب واذاكنت تريد غزالا فخذ ارنبا)! امريكا تريد وضع العراق امام خيار واحد لا غير وهو القبول بالارنب حتى لو كان كل الشعب العراقي يريد الغزال! كيف يختلف هذا الحال عن اي ديكتاتورية عسكرية كاملة؟

 

2- وثمة ملاحظة جوهرية وذات مغزى وهي تتجسد في السؤال التالي : لم اعتمدت امريكا في غزو العراق وهياكله بعد الغزو على اشخاص وصفتهم مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية الولايات المتحدة الامريكية في عهد كلنتون، بانهم اشخاص ساقطون لا هم لهم سوى مطاردة عاهرات من الدرجة العاشرة في فنادق الغرب ولبس ساعات الروليكس؟ اليس ذلك مؤشرا لا يخطأ لقرار امريكي يقوم على ابقاء العراق محكوما من قبل حكومات واشخاص فاسدين حتى يكون سهلا السيطرة عليهم ومنع تمردهم في ظرف ما؟ الا يعني ذلك ان امريكا تريد ابقاء العراق يعاني من عمليات تطهير دورية للحكومة بسبب الفساد لاجل تحميلهم مسؤولية الفساد الامريكي في العراق، وهو الاخطر والاصل الذي تتفرع منه كل مفاسد العملاء؟ ان الجواب على هذه التساؤلات قدمه مسؤول امريكي كبير حينما (اننا نعرف باننا اخترنا لحكم العراق اشخاصا تافهين نلوكهم في افوهنا كالعلكة ثم نبصقهم عندما تنتفي الحاجة اليهم).

 

3- ولقد لفت النظر بعد الاحتلال الى ان هناك بدعة جديدة وهي وصف العراق بانه (امة) مع انه ليس امة بل جزء من امة عريقة هي الامة العربية! لقد شهدت السنوات الاولى من الغزو ترويجا نشطا لهذه الفكرة، ولعل اكثر من برّزها وهو يتكلم عن (امة عراقية)، هو شيوعي سابق مغمور وعراقي سابق يحمل الجنسية السويسرية، جاء به الاحتلال ليروج لها خصوصا عبر فضائية (العربية)، في اطار شيطنة الفكر القومي العربي! كما ان احد ابرز عملاء الموساد وهو مثال الالوسي قد انشأ حزبا باسم (حزب الامة العراقية)! ان طرح هذه الفكرة والترويج النشط لها، وان تلاشى الان تقريبا امام الصمود الفذ للهوية العربية للعراق رغم كل الاضطهاد والابادة، لكن تلك الظاهرة موحية وتشير الى ما خططت له امريكا في العراق.

 

ان تحويل العراق من قطر في امة واحدة وجزء منها الى امة ما هو الا خطوة خطيرة في تحويل هوية كافة الاقطار العربية الى هويات غير محددة الملامح بدقة، مغتربة وغريبة عن الامة العربية، وهذا المخطط كتبت عنه فلورا لويس، الكاتبة الامريكية المخضرمة في الثمانينيات حينما طالبت ب(اقامة امم جديدة على انقاض الامة العربية). كما ان المخطط الصهيوني التقليدي تجاه العرب يقوم على تفكيك الامة العربية الى اقطار اولا، ثم تفكيك الاقطار الى كيانات هامشية اصغر على اسس عرقية وطائفية. واخيرا وليس اخرا فان كل ستراتيجيات ايران، عبر الاف السنين ودون استثناء، كانت ومازالت تقوم على تمزيق العراق ومنع امتلاكه القوة والتفوق ومحاولة عزله عن محيطه القومي العربي.

لذلك فان من قلة الحكمة والادراك ان لا نأخذ هذه المواقف الثابتة بنظر الاعتبار حينما نتعامل مع ما يجري من حولنا. ولا يجوز هنا ان ننسى ان الديمقراطية الليبرالية شكليا تستخدم وسيلة للتفكيك المنظم للعراق ولكن هذه المرة تحت شعار اقامة (امة عراقية) بالانتخابات!

لقد طرحت فكرة (الامة العراقية) رغم ان العراق يوصف بانه (جمجمة العرب) بحق وخط دفاعها الاول والاهم في الجبهة الشرقية منذ الاف السنين، وهو لذلك العمق الستراتيجي لكافة الاقطار العربية والقوة العربية الضاربة التي اكدت في كل الاحوال بانها جاهزة للدفاع عن عروبة الاقطار العربية الاخرى. من هنا فان المرء لا يستطيع ان يفصل الدعوة لقيام (امة عراقية) عن مخطط شرذمة وتقسيم الاقطار العربية، وهو بالاصل مخطط صهيوني تبنته الان امريكا وبصورة صريحة وشبه كاملة، بينما تبنته ايران كما قلنا قبل الصهيونية وامريكا بالاف السنين.

في ضوء ما تقدم فان السؤال الخطير التالي يفرض نفسه : لماذا اصر الاحتلال على ترويج الفكرة والدعوة الصهيونية والامريكية والايرانية لخلق (امة عراقية) منفصلة عن اطارها القومي العربي، وثبت ذلك بفقرة في الدستور الكونفدرالي تقول بان (عرب العراق جزء من الامة العربية)؟ الا يكمل ذلك الطرح ويوسع نطاق الطروحات التي اخذت تطهر عقب توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد بين السادات ومناحيم بيجن ممثلة بشعار (قطري اولا)؟

يتبع.............

 

*صندوق باندورا : تقول الاسطورة ان هذا الصندوق يحوي شرورا مدمرة لذلك يجب ان لا يفتح لتبقى الشرور محبوسة فيه ولا تؤذي الناس.

النصف الاول من تموز يوليو/2008

salahalmukhtar@gmail.com

شبكة البصرة

السبت 16 رجب 1429 / 19 تموز 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس