|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى الجزء الرابع العملية السياسية... الأستدراج والتوريط |
|
شبكة البصرة |
| رعد الجبوري |
|
في الاجزاء الثلاثة السابقة حاولنا رسم صورة أولية للمسرح السياسي العراقي بعد الاحتلال من خلال لقطات متناثرة لبعض ما جرى على المشهد السياسي في العراق بين عامي 2003-2007. وبعد ان ثبت للإدارة الامريكية فشل الحل العسكري وحده في حسم الصراع بين الاحتلال والمقاومة وبعد ان زادت اخطاء الاحتلال الوضع سوءاً في العراق بالنسبة للادارة الامريكية. حينها بدأت هذه الإدارة بالإصغاء الجزئي والانتقائي لبعض نصائح المستشارين والمختصين ومراكز الأبحاث ولجان التحقيق التي كان هدفها المعلن التحقيق في إخفاقات الإدارة في العراق وهدفها الضمني هو محاولة إنقاذ مشروع الاحتلال بأدوات سياسية، وعلى رأس هذه اللجان هي لجنة (بيكر-هاملتون) التي نصحت بزيادة الاعتماد على الأدوات السياسية جنباً إلى جنب مع الوسائل العسكرية لغرض منع المزيد من التدهور والفشل لمشروع الاحتلال، وينبغي هنا أن نعيد التذكير باعتراف الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن) قبل أسابيع بأنه اضطر للزعم في عام 2006 بأنه واثقاً من أن النصر بات قريباً على عكس ما كان عليه الواقع على الأرض في العراق وذلك لكي لا تتضرر الروح المعنوية لجنوده!! وقد كان هذا التصريح في نفس الفترة التي وصلت فيها لجنة (بيكر-هاملتون) الى قناعات بنتائج معاكسة على اللارض. من جهة اخرى وفي نفس السياق فقد كانت توصيات مؤسسة (راند) للدراسات الدفاعية، وهي واحدة من اهم مؤسسات البحوث المتعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منذ عقود طويلة. حيث اوصت (راند) بجملة من التوصيات كان ابرزها استخدام (الضد النوعي) للقضاء على المقاومة العراقية (أو التمرد كما يسمونه) اي استخدام فصائل عراقية مقاتلة ضد فصائل عراقية اخرى بعد ان يتم (شيطنتها) في وسائل الدعاية والإعلام، وهذا ما تم تطبيقه مع (تنظيم القاعدة) او (دولة العراق الإسلامية) وسواها، وتم ترجمته حرفياً على الارض من خلال تأسيس (لجان الاسناد) و(الصحوات) وسواها، والتي تحولت بعد قتال (تنظيم القاعدة) الى (جبهات) سياسية تنبذ (الارهاب) و(العنف) وتؤمن بضرورة إلقاء السلاح والإنخراط بالمقاومة (السياسية) ضمن (العملية السياسية) التي اسس لها ودعمها الاحتلال. ولو استعرضنا تاريخ كل الإحتلالات في التاريخ لوجدنا ان الهم الرئيسي لأي احتلال هو نقل الصراع مع من يقاومه والهبوط بمستوى الصراع معه الى الجزئيات وفي ساحات ينتقيها بدقة وبما يضمن تحقيق مصالحه. وبشيء اكثر من التفصيل والتحديد نقول ان الاحتلال الامريكي في العراق حاول (و لا زال) حرف الانظار عن الاحتلال بذاته وبدأ يغرقنا في تفاصيل جديدة كل يوم كي ينقل مستوى الاهتمام الى قضايا و(معارك) فرعية تبعدنا عن التركيز على اصل المشكلة. ومن الأمثلة على تلك المواضيع الثانوية أو الفرعية، على سبيل المثال لا الحصر، هي:- (العملية السياسية)، (محاربة الارهاب)، (الانتخابات ونزاهتها)، (قانون النفط والغاز)، (المصالحة الوطنية)، (خطط فرض القانون)، (الإقتتال الطائفي)، (النفوذ الإيراني)... الى آخره. أو مواضيع اخرى هامشية ضمن المشهد العام مثل (انسحاب جبهة التوافق من الحكومة)، (تجميد جيش المهدي)، (الفساد الحكومي)، (ارتفاع نسبة البطالة)، (هروب نائب في البرلمان الى إيران). والآلاف من هذه المواضيع التي تثار بشكل يومي في وسائل الإعلام ويتم التركيز عليها بشدة ومن ثم تحل محلها قضايا جديدة، وكل ذلك بقصد إبعاد الانظار عن مناقشة مفردة الاحتلال نفسها كونها السبب الرئيسي لكل تلك الحرائق. وكما ذكرنا في الكتاب الموسوم (المقاومة العراقية للاحتلال الامريكي-صراع الإستراتيجيات والارادات... تأملات عشية الذكرى الرابعة لغزو العراق والمطبوع في دمشق – آذار 2007)، والذي نقتبس منه:- "أن قوات الاحتلال قد سعت منذ الايام الاولى الى تشكيل ما سمي بـ "الادارة المدنية" للاحتلال واختارت لها في البداية جنرالاً متقاعداً بمواصفات خاصة جداً اهمها صداقته لاسرائيل وثانيهما صداقته الشخصية الحميمة مع "السياسيين" العراقيين الجدد وبالاخص منهم الاكراد. واستبدلته بعد فترة زمنية وجيزة بخيار آخر مثير جداً للاهتمام في حينها وهو "سفير" متقاعد لديه اهمية غير منظورة بالنسبة لمشروع الاحتلال، وهي انه متخصص في مكافحة الارهاب. ولعل في هذا الاختيار اكثر من دلالة، فالعراق في حينها لم يكن ساحة للارهاب وليس فيه "ارهابيين" (حتى من وجهة نظر التعريف الامريكي الفضفاض للارهاب)، وكذلك ليس في العراق تنظيمات دينية متطرفة، ولم يكن ممكناً في حينها ان يتخيل أي أحد أنه من المحتمل أو يمكن ان يصبح ساحة للمنازلة الحاسمة بين "الارهابيين" وبين الاحتلال لو تمت السيطرة على الحدود الدولية من اليوم الاول والتي تركت سائبة تماماً لاكثر من سنة، ويبدو ان دور السفير بريمر كان يقتصر على مجموعة من الاهداف غير المعلنة منها على سبيل المثال :- التأسيس لما سمي بـ "العملية السياسية"، والتي صممت لتؤسس فعلياً لنظام سياسي فيه كل الضمانات الأكيدة لبقاء الولايات المتحدة حاضرة بقوة في الشأن السياسي والاقتصادي والامني للعراق لعقود طويلة حتى وإن غادرته قوات الغزو في اليوم التالي، وبشكل يخرج العراق نهائياً من حلبة الصراع العربي الصهيوني. أو كما ذكر الصحفي والكاتب اللبناني فيصل جلول حين وصف "العملية السياسية" بأنها الاسم الحركي للمشروع الامريكي. (انظر مقال " ثقافة الاحتلال وثقافة المقاومة امام القضاء اللبناني" -فيصل جلول) تهيئة "المسرح" في العراق لجعله ساحة اعدام للـ "ارهابيين" من كل انحاء العالم وتوفير كل التسهيلات (واحياناً الاستفزازات) التي تزيد من احتمالية دخول هؤلاء الارهابيين الى العراق وبتعاون ودعم استخباري ولوجستي من دول الجوار. بعثرة الموارد المالية وعرقلة اي جهود جدية لاعادة الاعمار (حتى وان تم التصريح بعكس ذلك) وذلك من خلال الفساد والإفساد والتسويف والمشاريع الوهمية التي تحال الى شركات أمريكية باسعار خيالية وتنفذ في النهاية من قبل مقاوليين عراقيين بتكاليف زهيدة وبمواصفات رديئة جداً، ويذهب الفرق الى جيوب فاسدين من ضباط جيش الاحتلال أو سياسيين عراقيين جدد، أو الى جيوب شركات تجنيد المرتزقة تحت عنوان الحاجة إلى شركات أمن وحماية، واجبها المعلن تأمين سلامة سياسيين عراقيين ودبلوماسيين ومقاولين غربيين (أو ما عرف لاحقاً بخصخصة الحرب، اي احالتها كتعهدات ثانوية لشركات ومقاولين مرتزقة) على حساب تخصيصات الاعمار. واهم قصد من ذلك هو منع العراق من التعافي اطول مدة ممكنة.
وسوف نحاول ان نتوقف بشيء من التفصيل على واقع "العملية السياسية" واهم مرتكزاتها ومدى اسهامها لاحقاً في انتقال الوضع من سيء إلى اسوء على صعيد المعاناة اليومية للمواطن العراقي. ان صعوبة حسم الصراع (عسكرياً) من قبل المحتل لصالحه لا يعني انه سيكون هناك امامه الكثير من الخيارات السياسية، بل ربما لم يعد متاحاً امامه عملياً الآن سوى خيار ما اسماه بـ "العملية السياسية" التي بدأها في العراق بعد الاحتلال راجياً ان تكون بالنسبة له "الجائزة الكبرى" لغزو العراق، ولذلك حرص في كل المراحل الزمنية اللاحقة، وبغض النظر عن وضع جيشه في الميدان، حرص على ان تترجم هذه "العملية السياسية" كل ما كان يأمل من مكاسب ومغانم لغزوه العسكري. فالعراق "الجديد" الذي اراده الاحتلال من خلال "العملية السياسية" يجب ان يكون ضعيفاً مجزءاً بذاته وامام جيرانه ومحيطه الاقليمي وحاملاً لبذور الفرقة والتشتت من خلال التناحر والتنافس الهدام طائفياً وعرقياً واثنياً ومناطقياً، ومن خلال دسائس ومؤامرات داخلية ينفذها عملاء ووكلاء للاحتلال يتسترون بعباءات دينية أوسياسية وقومية، وجاهزون في كل حين لافتعال الازمات بغرض ارباك الوضع السياسي في العراق في كل وقت يطلب منهم المحتل الذي مكنهم من السلطة والداعم لهم مالياً وسياسياً ذلك. ومن خلال نفس تلك "العملية السياسية" يراد للعراق ان لا يتمكن من بناء جيشه الوطني القوي لغرض الدفاع عن نفسه (كحد ادنى) إلا بوجود قواعد و"ترتيبات" امنية مع الولايات المتحدة الامريكية بالاصالة عن نفسها او من خلال حلف الناتو بالنيابة عنها. وبالتبعية الاقتصادية من خلال تقسيم العراق الى إقطاعيات نفطية لشركات النفط الامريكية العملاقة بسن قوانين مستعجلة للاستثمار الاجنبي لقطاع الثروة النفطية، ومثل ذلك في القطاعات الاخرى من خلال اعادة هيكلة النشاط الاقتصادي العام وفق اسس الاقتصاد الرأسمالي "الخصخصة" "واقتصاد السوق" بشكل انتقائي واغراقه بمديونية عالية وربط نشاطه بالبنوك ومؤسسات الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية (جات) وسواها، وكذلك التأسيس لتبعيته الفكرية للغرب من خلال تفكيك المنظومة القيمية والاخلاقية والدينية والعشائرية والاجتماعية واستبدالها بمنظومة "حداثية" جديدة تروج لها ما يسمى بـ "منظمات المجتمع المدني" و"المنظمات غير الحكومية" و"الدكاكين السياسية" التي تروج لفكر "السلام والتطبيع" مع اعداء الدين والعراق والامة، و"ناشطات" لا ينشطن الا بالترويج لحقوق المرأة وحريتها في "اختيار الشريك الجنسي"، وكل ذلك يتم تمويله ودعمه من مؤسسات ذات مرجعيات مخابراتية وفكرية عقائدية ومراكز "بحوث ودراسات" غامضة موجودة في الغرب و دول حليفة للغرب ومنها دول عربية. وباختصار شديد اصبح الغزو والاحتلال ومشروع الهيمنة الامريكي لا يملك سوى هذه "العملية السياسية" واضحت ما يمكن ان نسميه "جوهر" و"روح" الاحتلال، لذا فانه يحرص بشدة على ان يبقي عليها، وخصوصاً بعد ان تأكد له ان رحيله عسكرياً عن العراق اصبح مسألة وقت لا اكثر. ولهذه الاسباب وغيرها فأن ما يسمى بـ "العملية السياسية" الجارية في العراق الآن تعتبر الخط الاحمر للإدارة الامريكية الذي لا ولن تسمح بالقفز عليه أو الالتفاف حوله.
لقد كان الإحتلال وحكوماته المتعاقبة يسعون طوال الوقت لجر اطراف جديدة الى الدخول في "العملية السياسية" أو اي جزء منها. ولا يفوتنا هنا التذكير بأن هذه "العملية السياسية" قد صممت اصلاً كي تكون غير قابلة للإلغاء وفاقدة لأي مرونة في إمكانية تغييرها من وجهة نظر المصلحة الوطنية العراقية. " (انتهى الإقتباس) وهناك سؤال كبير ينبغي أخيراً ان نجيب عليه هو:- لماذا لا يمكن ان تكون "العملية السياسية" مقبولة بالنسبة للمشروع الوطني العراقي؟ ولماذا يؤمن الكثير من العراقيين وبضمنهم كل فصائل المقاومة العراقية بأن هذه "العملية السياسية" هي شر مستطير؟. وهناك الكثير من الشواهد والادلة التي حصلت في العراق بعد الاحتلال تؤكد انه لا يمكن ان نتأمل خيراً من "العملية السياسية"، ولزيادة في التوضيح سنضرب مثالاً بسيطاً على ما نقوله بالعودة الى جذور تلك "العملية السياسية". فلو استعرضنا ما تتضمنه احدى الوثائق الرئيسية لما يسمي بـ (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات). نجد أن هذه (المفوضية) قد اشترطت على كل الكيانات السياسية والائتلافات التي تنوي الترشح للانتخابات ودخول "العملية السياسية" وجوب توقيع على وثيقة تسمى (قواعد سلوك الكيانات السياسية والإئتلافات) وسوف نستعرض فيما يلي بعض الفقرات المثيرة للاهتمام كما وردت في الإستمارة الأصلية :- في الديباجة ورد النص (إقتباس) "يتعين على الكيانات السياسية لغرض تصديقها واعتمادها ان توافق على الإلتزام بقواعد السلوك. وتكون قواعد السلوك ملزمة للكيانات السياسية وقيادتها ومرشحيها واعضائها ومؤازيريها.....إلى آخر النص". ثم تنص الوثيقة على:- (إقتباس) يتعيين على الكيان السياسي: الإلتزام بكافة القوانين الإنتخابية والمدنية والجزائية السارية في العراق وبخاصة:- قانون إدارة العراق المؤقت. التوجيهات المتعلقة بالتجمعات العامة. منع الكلام بلغة الكراهية والتخويف والتحريض على العنف. الحظر المفروض على دعم الارهاب وممارسته واستخدامه. ....... الى آخر النص.
ثم نجد في الصفحة الثانية من (قواعد سلوك الكيانات السياسية والإئتلافات) ما نصه :- (إقتباس) "وعلى الكيان السياسي أن يمتنع عن: الفقرة (8) إمتلاك قوة مسلحة أو ميليشيا أو ما يُعد من مخلفات النظام السابق أو الارتباط به. (إنتهى الإقتباس)
ان النصوص السابقة تغني عن كل بيان فهي بكل وضوح تطلب من أي "كيان سياسي" يشارك في الانتخابات أو يسمح له الدخول في "العملية السياسية" ان يقر بمرجعية و"دستورية" "قانون إدارة العراق المؤقت". ويمتنع عن التحدث بلغة الكراهية، ويشمل هذا طبعاً قبل كل شيء (كراهيته لقوات الاحتلال) او حتى (كراهية إسرائيل)، ويمتد ذلك الشرط ليشمل منع (انتقاد) الاحتلال او الاحتجاج عليه أو معارضته بحجة (التحريض) على الكراهية. كما يمتنع عن دعم (الإرهاب)، وطبعاً حسب التعريف الأمريكي الإنتقائي للإرهاب، والذي يشمل مقاومة الاحتلال الامريكي ومقاومة الأنظمة القمعية الحاكمة في معظم الدول العربية، بل وتشمل حتى مقاومة الشعب الفلسطيني للإحتلال الإسرائيلي. وبكلمة موجزة نقول بأن كل الكيانات والأحزاب ومجاميع السياسيين الموجودة الآن في "البرلمان" و"الحكومة" ملزمين بمحاربة المقاومة العراقية (باعتبارها إرهاباً حسب التعريف الأمريكي)، وملتزمين ايضاً بالمحافظة على "الدستور الدائم" الذي تولد اساساً من "قانون إدارة العراق المؤقت". لذا فأن أي حديث من اي واحد من هؤلاء النواب وسواهم من المسؤولين في الحكومة أو الكيانات الآخرى هو مجرد هراء لا قيمة عملية له. فهم جميعاً قد مضوا (شيك على بياض) على كل ما يريده وما أسس له الاحتلال. ويشمل ذلك طبعاً المحاصصة الطائفية وشرعنة مليشيات (بريمر) (مثل فيلق بدر والبشمركه وسواها)، وهم ايضاً ملزمون بالفيدرالية حسب الفهم والتفسير الأمريكي لها. وكذلك يتلزمون بتبني سياسة تفكيك وإنهاء القطاع العام والقطاع الصناعي الخاص الوطني ونهب الموارد النفطية من قبل الشركات الاجنبية، وعدم السماح بمقاضاة جيش الاحتلال والمرتزقة عن جرائمهم بحق العراق والعراقيين. وكذلك تعني التزامهم جميعاً بفهم محدد واحادي الجانب للـ (مصالحة الوطنية) والتي تقر بالعفو عن جرائم المليشيات (التي رخصها بول بريمر) وتعتقل وتغتال كل من تشتبه في مقاتلته لقوات الإحتلال أو رفضه لها.... إلى آخر تلك القائمة السوداء التي باتت معروفة من الجميع، وكل ما ورد اعلاه هو جزء بسيط لتفسير إدارة الاحتلال والحكومات الإحتلالية للفقرة (8) اعلاه من (قواعد السلوك). من جهة آخرى فإن الديموقراطية المطلوبة غير متشابهة حسب التعريف الأمريكي، فالعملية الإنتخابية في العراق تكون ديموقراطية ومقبولة اذا نجم عنها حصول حلفاء واشنطن مثل (الإئتلاف الموحد) و(التحالف الكردستاني) على اغلبية برلمانية حتى لو شابها التزوير وتم الطعن بها، وينبغي على الجميع دعم هذه "التجربة" الديموقراطية وثورة "الأصابع البنفسجية" كما اسماها فؤاد عجمي احد منظري نظرية "الفوضى الخلاقة". ولكن اذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة بإعتراف العالم كله وتأتي بحركة مثل (حماس) للسلطة في فلسطين، فإنها يجب أن تدان وتعاقب بالحصار حتى الموت جوعاً لكل من يقطن في في غزة، بل ويجب الانقلاب عليها واستعادة السلطة بالقوة. وإذا تمردت (الأقلية) على (الأغلبية) في (السودان) بتحريض وتدخل خارجي غطاؤه (اضطهاد) الأقلية، فينبغي ان تقوم الدنيا ولا تقعد حتى يتم ضمان (حقوق) الأقلية والحرص على عدم (طغيان) الأغلبية عليها حتى لو ادى ذلك الى حرب انفصالية استمرت لعقود، او حتى لو انتهى الأمر بتقسيم البلد وثرواته. ولكن في لبنان عندما يتم طغيان "اغلبية" نيابية وهمية على (اقلية) تطالب بتصحيح الوضع غير المستقر سياسياً، فينبغي حينها ان تدمر البلد بالقنابل العنقودية والقنابل الفسفورية ويشرد ربع السكان ويجب ان تذعن "الأقلية" لقرار "الاغلبية" كي يتم نزع سلاح المقاومة اللبنانية. وإذا قام رئيس دولة أفريقية مثل (كينيا) حليف الولايات المتحدة في (الحرب على الإرهاب)، بتزوير نتائج الإنتخابات وتشبث بالسلطة بدون وجه حق، وتسبب بإثارة العنف العرقي والقبلي وما يعنيه ذلك من قتلى وجرحى ومشردين، فينبغي حل المشكلة سلمياً والسعي للتهدئة و "تقاسم" السلطة. اما اذا كانت الدولة الافريقية هي (زيمبابوي) وأراد رئيسها تزوير الإنتخابات لصالحه كي يبقى في السلطة، فينبغي حشد حملة دولية لإدانته ومحاصرته وإرغامه على التنحي عن السلطة. وامثلة اخرى كثيرة مشابهة يصعب احصائها وتؤكد جميعها على ان الإدارة الأمريكية وعلى مدى عقود لم تهتم بالديموقراطية الا بغرض تحقيق مغانم معينة لها. وهذا هو بعينه ما تحاول تطبيقه في العراق بعد الاحتلال لذا سوف لن تقبل إطلاقاً بأي ديموقراطية تأتي بشخصيات أو تنظيمات سياسية تقاوم وتقاتل الاحتلال، في نفس السياق لا نعلم ما الفائدة مما يسمونه "المصالحة الوطنية" وكيف تكون تلك المصالحة ممكنة اصلاً بين طرفين، احدهما يعتبر دخول القوات الأمريكية الى العراق في 2003 غزواً وإحتلالاً يجب مقاتلته وإنهاءه، وفي الطرف الآخر هناك من يؤمن بأن وجود تلك القوات "تحريراً"، أو على الأقل يقول إن الاحتلال هو (واقع) ينبغي التعايش معه ولا يمكن هزيمته عسكرياً، بل يمكن ان نتخلص منه تدريجياً فقط من خلال "المقاومة السياسية" والتفاوض. ان الإدارة السياسية في الولايات المتحدة تسعى دائماً لنصب فخ "الإستدراج" الى العمل السياسي لكافة الاحزاب والواجهات السياسية في الدول الاخرى، لغرض احكام الطوق على حركتها وفق ضوابط وقواعد اللعبة السياسية والديموقراطية ولتتناغم مع مصالح الادارة الامريكية. ولكونها "لعبة" فإنها (اي الإدارة الأمريكية) لا تجد حرجاً كبيراً في تغيير قواعد "اللعبة الديموقراطية" في البلدان المستهدفة بتصدير "الديموقراطية" كلما احتاجت الى ذلك لتحقيق مصالحها السياسية واجنداتها في كل منطقة في العالم. وللأسف الشديد فقد نجحت (الإدارة الامريكية) وحلفاءها في ذلك بإستدراج (حركة حماس) مثلاً الى الإنتخابات الفلسطينية ثم طالبتها بعد ذلك باحترام "المعاهدات الدولية" والتفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً من قبل آخرين لضمان أمن (اسرائيل)، ولكنها لم تنسى طبعاً على الجانب الآخر من إعفاء "اسرائيل" من احترام أي اتفاق سابق أو قرار دولي يدينها أو لا يعجبها تطبيقه لأنه يضر بـ "أمنها". ونفس الشيء تقريباً حدث مع (حزب الله) في لبنان فقد تم استدراجه طوعاً وكرهاً الى "فخ" خوض الانتخابات النيابية بنفسه وكذلك استدراجه لاحقاً لعقد "التسويات" اثناءها مع آخرين موالين للمشروع الأمريكي بغرض حصولهم على الأغلبية الوهمية، والتمسك بعدها بشرعية "الأكثرية النيابية". اما في العراق بعد الإحتلال فقد كان واقع تلك "اللعبة الديموقراطية" يتماهى تماماً مع الاحتلال ومخططاته ولهذا السبب بالذات استمرت المأساة في الواقع العراقي اليومي على كل الصعد دون أي افق لحل سياسي. وانعكس ذلك الواقع على اداء الاحزاب والفعاليات السياسية والشعبية التي تساند المقاومة العراقية للاحتلال سواءاً كانت داخل العراق او تعمل من خارجه في دول اللجوء والمنافي. وهو ما سوف نحاول تلمسه عن قرب في الجزء التالي. جريدة الصوت 12/7/2008 |
|
شبكة البصرة |
|
السبت 9 رجب 1429 / 12 تموز 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |