بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة.... واشياء اخرى

الجزء الخامس

هل نجحت تجربة العمل السياسي الحزبي والجبهوي في العراق؟؟

شبكة البصرة

رعد الجبوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

ان تجربة العمل السياسي والحزبي المناهض للاحتلال داخل العراق، ضيعفة ومحاصرة ولا يمكن ان تمنح الفرصة إطلاقاً كي تكون فعالة في المشهد السياسي العراقي بأي صورة كانت، وهذا طبيعي كون هذا الحصار لها يمثل الوجه الثاني للأهداف الحقيقية لمشروع الاحتلال. هذه الحقيقة جعل من الحراك السياسي الوطني المقاوم يخضع للسرية والكتمان لإسباب أمنية بالدرجة الأولى، وبالنتيجة فإنه اصبح غير فاعل ضمن الظروف الموضوعية (المتاحة) للعمل، أو على الأصح غير المتاحة أصلاً لعمله داخل العراق.

أما موضوع العمل الحزبي والسياسي في المنفى (أي خارج العراق) وملامحه واتجاهاته وتحديداته ونقاط قوته وضعفه فهو ما سيكون الموضوع الرئيسي لهذا الجزء والذي سنحاول من خلاله رسم صورة مبسطة ومقربة وواقعية قدر الإمكان.

لا بد لنا في البداية ان نشير الى ما ذكرناه في الاجزاء السابقة، وهو ان مبدأ منع اي نشاط مناهض او مقاوم لمشروع الإحتلال الأمريكي في العراق والشرق الأوسط والعالم، هو من المسلمات البديهية ضمن المشروع الإمبراطوري الأمريكي للهيمنة، سواءاً كان هذا النشاط يتمظهر بشكل عسكري، لوجستي، سياسي، إقتصادي، إجتماعي، مجتمعي، إغاثي، أو حتى إعلامي وفكري. أي بعبارة أخرى كانت الإدارة الأمريكية، وخاصةً (المحافظون الجدد) فيها، تحرص بشدة على عدم منح اي فرصة لمشروع المقاومة العراقية بمفهومه الشامل، من التحرك في أي مساحة حتى لو كانت ضيقة ومحدودة التأثير وسواءاً كان هذا التحرك داخل العراق أو خارجه. وسنحاول ان نشرح كيف تحاول أو تتمكن الادارة الامريكية من تحديد ومنع النشاطات المناهضة لاحتلال العراق في الخارج (أي ضمن دول المنفى خارج العراق) وإحباط مثل هذه المحاولات بمستويات مختلفة سنحاول المرور عليها بسرعة.

لقد تم الاحاطة بمشروع المقاومة من قبل الإدارة الامريكية واذرعها الخارجية ممثلة بمؤسسات وزارة الخارجية والاجهزة الاستخبارية الأمريكية وفروعها الخارجية وحلفائهما في العالم وكذلك الماكنة الاعلامية والدعائية ومؤسسات الدراسات والبحوث وواجهات المجتمع المدني الأمريكية (الحكومية والخاصة) والغربية عموماً او حتى التابعة لدول ومؤسسات حليفة لها في دول جوار العراق والوطن العربي والعالم الإسلامي.

واصبح محاربة وإجهاض العمل السياسي العراقي المناهض للاحتلال الأمريكي جزء لا يتجزأ من مشروع الإحتلال ومكملاً له، وقد إتخذ عدة صيغ ولبس عدة وجوه ومارسه اكثر من طرف محلي واقليمي ودولي خلال السنوات الخمسة الماضية. وكما ان الساحة العراقية (أي في الداخل) اصبحت مرتعاً لكل انواع التدخل السياسي والمخابراتي بقرار من الاحتلال أو من دونه، كذلك فإن ساحة العمل الوطني العراقي خارج العراق (في المنافي والمهاجر) اصبحت ساحة مفتوحة لكل انواع التدخلات الإعلامية والسياسية والمخابراتية العربية والأقليمية (بما فيها اسرائيل) والدولية، علماً بأن حرية حركة تلك الاجهزة المخابراتية داخل اوساط المعارضة في الخارج، اسهل بكثير من تحركها في الداخل العراقي بسبب إعتبارات (الأمن) المريحة لها نسبياً خارج العراق من جهة، ولضعف أو إنعدام (الأمن) الذاتي لأوساط المعارضة العراقية خارج العراق، قياساً الى أمن فصائل المقاومة العراقية المسلحة داخل العراق من جهة الأخرى. وهذه المسألة فيها حديث طويل جداً وينبغي التفكير جدياً في حل إشكاليتها. ويمكن ان نوجز بعض اهم المشاكل الأساسية للعمل السياسي الوطني العراقي في المنافي بما يلي:-

ان أول مشاكل العمل السياسي العراقي المعارض للاحتلال في المنفى تبدأ حتماً من كونها خارج الوطن في دول مضيفة أو حاضنة ساندة أو ربما محايدة الى حدٍ ضعيف. ولكونها خارج وطنها تصبح ساحة تحركها ونشاطها الأساسية هي توفير الدعم اللوجستي والصوت الإعلامي وربما ايضاً بعض الحضور السياسي (الخجول)، وقدر ما يتاح لها من قبل الدول المضيفة والحاضنة.

وبما ان المقاومة العراقية هي مشروع تحرر وطني يستهدف استعادة الاستقلال والحرية للعراق، فهذا التوصيف يقودنا الى إستنتاج منطقي هو إن الإحتلال وأعوانه سوف لن يقبلوا أو يسمحوا بوجود أي معارضة سياسية حقيقية لمشروع الإحتلال داخل العراق وتتماهى مع المقاومة المسلحة لتشكل رافعة لها لغرض استثمار انتصاراتها العسكرية في الميدان بقصد ترجمتها الى مكاسب سياسية تسرع في انهاء الإحتلال وتقليل معاناة الشعب العراقي والحفاظ على حقوقه. وهذا يقودنا من الناحية المنطقية الى القول بأنه يجب أن يتوفر لمثل هكذا (معارضة سياسية) دول مضيفة أو حاضنة، وكذلك داعمة من الناحية السياسية على اقل تقدير، كي تستطيع ان تستمر في نضالها. ولكن ما نجده الآن في حالة العراق مختلف، فنجد ان مشروع المقاومة العراقية السياسي كله محاصر داخلياً، كما أسلفنا، وخارجياً من دول الجوار الإقليمي ولإسباب مختلفة لكل منها. فهناك اطراف عربية وإقليمية متآمرة على العراق وشعبه منذ زمن طويل وهي مصابة بمرض (رهاب العراق)، كذلك هي مؤمنة بأن العراق الموحد والمستقل والمستقر والآمن والمتماسك مجتمعياً والقوي اقتصادياً يشكل اكبر تهديد لأمنها القومي الهش أصلاً.

ونجد ايضاً من ضمن هذه الأطراف من هو متحالف مع الاحتلال بل ويأتمر بأوامر مباشرة من الإدارة الأمريكية إلى درجة ان بعض تلك الأوامر قد تعلو احياناً على المصالح الحيوية لتلك الدول وجوهر أمنها القومي. كما ان بعضها مارس ادواراً مدمرة لمستقبله الذاتي ولمستقبل العراق، فهو لم يكتف بأن يصبح جسراً لعبور كل انواع الدعم للاحتلال وجهده العسكري واللوجستي وشركات المرتزقة وتوظيف المترجمين لحساب المنطقة الخضراء وتوفير الملاذ الآمن للمتعاونين مع الاحتلال والذين تطاردهم المقاومة وملاذاً آمناً للجوء الفاسدين والمفسدين واللصوص من وكلاء الاحتلال، لكنه اصبح ايضاً قاعدة خلفية للتآمر والتجسس (بالنيابة عن الاحتلال) على إي جهد أو مشروع سياسي وطني مقاوم للاحتلال. واصبحت ايضاً وفي نفس الوقت حاضنة رئيسية لكل المشاريع السياسية الجوفاء التي تدعي مقاومة الاحتلال، ومطبخاً لخلق القيادات والزعامات السياسية والعشائرية والجماهيرية و (النخب) الوهمية، والمشاريع السياسية الجبهوية والحزبية الخيالية أو (التشويشية) أو غير القابلة للتطبيق، ومقر (خلفي) لعقد المؤتمرات ومعارض الإعمار (التي لا تعمر شيئاً) ولاجتماعات مراكز الدراسات (الإستراتيجية) التي تسعى من خلال نشاطاتها المغلفة والمموهة باغراض بحثية أو علمية لخدمة الاحتلال بالمعلومات والاستشارات الفنية من خلف الستار. بل اكثر من ذلك كله وعلى النقيض مما سبق ذكره، فإن نفس تلك الدول قد اصبحت ايضاً (ملجأً) لكل من يطارده الإحتلال او تطالب الحكومة الإحتلالية بتسليمه اليها بموجب مذكرات القاء قبض قضائية. وعلى غرابة هذا الأمر وصعوبة فهمه، لكننا يمكن تخمين السبب بدقة إذا ما علمنا بإنهم يفعلون ذلك بالتنسيق مع الإحتلال وبالنيابة عنه وليس بالضد منه، كي يضمنوا بقاء (اللاجيء السياسي) تحت انظارهم ولإن وجوده في ضيافتهم وتحت رقابتهم المتواصلة هو اقل ضرراً وشراً للإحتلال من مغادرته بعيداً عن اعينهم.

اما النوع الآخر من دول الجوار العراقي او سواها البعيدة والتي تقف بالضد من مشروع الإحتلال وترفضه جملةً وتفصيلاً فإنها موعودة بالويل والثبور وعظائم الأمور، فسيف (دعم الارهاب) مسلطاً على رقابها، وانواع الضغوط الهائلة تنهال على رأسها في كل يوم ومن كل لون منها سياسي ودبلوماسي ومنها إقتصادي وكذلك فيها الإعلامي والدعائي والإستخباري وبصور والوان مختلفة ومتنوعة. وليس من الضروري ان تأتي جميعها من الادارة الأمريكية مباشرة أو ما يمكن تسميته (الضغط بالإنابة) أو (الضغط تحت علم دولة اخرى)، فهناك شركاء كثيرون لها في المنطقة والعالم، بما فيه دول ومؤسسات دولية تدعي في الظاهر مناهضة الإحتلال وتعمل بالتعاون والتنسيق معه بالباطن. وبالتأكيد فإن حجم الضغوط على دول الجوار العراقي تكون اشد وأشرس بكثير من تلك التي يمكن أن تسلط على الدول البعيدة جغرافياًَ عن التراب العراقي.

من ذلك كله يمكن ان نخلص الى القول بأن حال المعارضة العراقية للإحتلال والمتواجدة في دول اللجوء والمنافي ليست بأفضل حالاً من المقاومة العراقية فكلاهما محاصر، واذا كانت المقاومة العراقية محاصرة في الداخل من قبل لاعبين إثنين أساسيين هما الاحتلال والمتعاونين معه، فإن المعارضة السياسية العراقية للاحتلال محاصرة من لاعبين كثر وبأساليب اكثر تنوعاً وخبثاً.

أما ثاني مشاكل العمل السياسي العراقي المعارض للاحتلال في المنفى فهي (الخنادق المتداخلة) ما بين الأجندة السياسية العراقية المناهضة للإحتلال واجندات الأمن القومي لتك الدول والمتوافقة مع المشروع الوطني العراقي حيناً والمتباينة حيناً آخر، والمتعارضة الى حد التصادم في أحيان اخرى اكثر بكثير، سواءاً كانت تلك الدول مجاورة للعراق أم لا، ونفس الشيء فيما بينها وبين بعضها. وهذا يحتم على تلك الدول في الكثير من الأحيان الى السعي الى التوفيق بين مستلزمات وضرورات تغليب مصالحها الوطنية، وحسابات تحالفاتها و(التسويات) التي قد تلجأ أو تضطر إليها في هذا المجال ضمن منطق (ضرورات النظم). وتأثير تلك العوامل على إمكانيات دعمها المشروع العراقي الوطني وحجم هذا الدعم وتحديد مسافة البعد والقرب عنه وفق مفهوم (خيارات الأمة).

والمشكلة الثالثة هي عراقية-ذاتية بحتة، وتقع ضمن منظور العموميات والخصوصيات التي طبعت الإداء الميداني للاحزاب والحركات السياسية والنخب الفكرية الواعية والقيادات الفردية والجماهيرية في العراق، سواءاً ما كان منها موروثاً أو مترسباً من المسيرة الطويلة التي مر بها مخاض تأسيس الوعي السياسي الديني والقومي والفكري في العراق، منذ ما بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن العشرين وصولاً الى اللحظة الراهنة. او ما كان يعتبر منها من العوامل المكتسبة نتيجة التلاقح بين الرؤى والافكار والممارسات من جهة، وبين عناصر العمل السياسي جميعها وبين محيطها المجتمعي العراقي ونوع علاقتها بالسلطة بعداً أو قرباً من جهة أخرى.

اما رابع المشاكل التي تؤثر على الاداء السياسي للاطراف المناهضة للاحتلال في المنفى، فهي ذاتية ايضاً ولكنها ترتبط بالإداء الفردي للسياسيين العراقيين انفسهم. حيث نجد إن فيهم من هو وطني صميم و(مثالي اكثر مما يلزم) في طروحاته وتحليلاته وإداءه الى الدرجة التي يصبح معها إما منبوذاً ومعزولاً من الآخرين أو (معيقاً) للعمل الجماعي من وجهة نظر شركاؤه الآخرين بسبب (تطرف) طروحاتها وبعدها عن (الواقعية) وافتقارها الى المرونة المطلوبة أو (البراغماتية) حسب وجهة نظرهم. كما اننا يمكن ان نجد فيهم من هو (واقعي) أكثر مما يلزم، الى الدرجة التي يبدو فيها وكأنه مستعد للتفريط بالحقوق والثوابت الوطنية التي يكافح من اجلها العراقيين عموماً في الداخل والخارج، والتي دفعوا فيها ولإجلها اثماناً باهظة جداً بكل المقاييس. وبين من هو (مثالي) وبين (الواقعي) نجد درجات كثيرة ومتفاوتة من التصنيفات. ولعل احد أهم اسباب هذه المشكلة، عدا الطبيعة الذاتية والبشرية الفردية لكل شخص أو مجموعة من الإشخاص، هو غياب التعريف الواضح للثوابت السياسية الوطنية وتحديد (المحرمات) و (المباحات) وعدم الاتفاق على وضع تعريف محدد لمعنى (المرونة) السياسية ومداها. وكذلك غياب المؤسسات والمرجعيات السياسية والفكرية التي تصلح ان تصدر (الفتوى السياسية) التي يمكن ان تفصل في هكذا خلافات.

ولتوضيح هذه القضية بشكل أكبر سوف نأخذ مثالاً محدداً لقضية حدثت قبل أكثر من ثمانية أشهر لكنها لا زالت حاضرة وساخنة حتى هذه اللحظة، الا وهي ما عرف بقضية (خلوة البحر الميت) او (فضيحة البحر الميت)، والتي يمكن وصفها بإختصار بأنها كانت عبارة عن إجتماع تم بين سياسيين مقيمين في المنفى، مصنفين على انهما مناهضين الإحتلال، قاما بلقاء مع مجموعات وأفراد من صلب "العملية السياسية" التي اصطنعها ورعاها الإحتلال وتم هذا اللقاء تحت رعاية من جهات وشخصيات أمريكية (غير رسمية)، أو هكذا يشاع في وصفها، خلف واجهة اكاديمية. وقد كان إصرار هذين السياسيين على توصيف (اجتهادهما) بأنه لا يعد تفريطاً في (الثوابت) هو صلب المشكلة التي حدثت فيما بعد بينهما وبين الآخرين ممن عارضوا ذهابهم لذلك الإجتماع وما قبله، ورغم الكم والنوع فيما قيل من الطرفين (الذاهبون الى الخلوة ومعارضيهم) في هذا الصدد فنحن نعتقد إن الجدل حول هذا الموضوع سوف لن ينتهي قريباً. علماً بان الكثيرين ممن عارضوا وانتقدوا ذلك الإجتماع يعتقدون بعمق بأن مثل هذه الإجتماعات تستبطن هدفاً حيوياً للاحتلال الا وهو انتهاك المحرمات و (تنعيم) الحافات (الناتئة) و(الخشنة) الفاصلة بين مشروعي الإحتلال والمقاومة، بغرض التمهيد لاحقاً لإستيلاد (أوسلو) عراقية، على غرار (أوسلو) الفلسطينية وما نجم عنها من تفريط بالحقوق و(الدوران حول الذات) الى ما لا نهاية في مفاوضات عقيمة، استمرت لغاية الآن اكثر من خمسة عشر عاماً، وسوف لن تفضي حتماً الى تحصيل الحقوق الفلسطينية حتى بحدودها الدنيا، وهذه النتيجة هي مما لا يتحمله ولا يقبله الشعب العراقي في حالة الاحتلال الأمريكي البشع.

اما خامس المشاكل فهي ترتبط بالإداء الفردي للسياسيين والنخب العراقيين انفسهم. فالنخب العربية عموماً (والعراقية خصوصاً) لديها مع الأسف الشديد، تضخم سرطاني مزمن وموضعي في (الأنا)، وهذه (الأنا) القت بظلالها على مجمل ادائه وسلوكه الحياتي الفردي والمجتمعي، فاصبح ينأي بنفسه إجمالاً عن العمل الجماعي ضمن (الفريق)، وإن دخل فيه مرغما أو راغباً فإنه سرعان ما يحاول جعله تابعاً أو عائداً له. واصبحت عقلية (فريقي)، أي الفريق العائد لي، تتحكم به وبإدائه. ولدينا هنا كم هائل من الأمثلة على الأعراض الأساسية والجانبية لهذا المرض. وأوضح وأخطر ما لدينا منها هي نزعة (حب القيادة) والرغبة الطاغية بالوصول إلى (الزعامة)، والتي تركت بصمات سيئة واضحة على الإداء الميداني والأثر الجماهيري لمجمل الاحزاب والنخب السياسية العراقية قبل وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق في 2003. مع الاختلاف النوعي في النتائج بين (معارضة) لنظام حكم وطني وبين (مقاومة) لإحتلال اجنبي. وسوف نحاول ان نتحدث عن هذا الموضوع لاحقاً وضمن الجزء التالي (السادس)، بشيء من التفصيل. ليس سعياً وراء جلد الذات بل توخياً لتشخيص (العلة) وعدم إنكارها، كي نقرر بعدها كيفية معالجتها حتى ولو تدريجياً.

والمشكلة السادسة هي ايضاً عراقية-ذاتية وربما فردية، وهي ظاهرة حب الظهور أو (تسويق الذات) وظاهرة (الإسترزاق) السياسي والناجمة على الاعم الأغلب بسبب ضعف التمويل، ولظروف الحصار الداخلي والخارجي التي يعاني منها المشروع السياسي العراقي المناهض للاحتلال الأمريكي. فأكثر السياسيين والنخب العراقية الواعية والمثقفة التي تقيم في المنافي والمهاجر، هي من فئة عمرية قد دخلت في مرحلة الكهولة أو حتى الشيخوخة، وقد استهلكت اثناء رحلتها الى (اللجوء) و (المنفى) معظم مدخراتها وممتلكاتها واصبحت وعوائلها بدون مورد مادي ثابت يمكن ان يوفر لها ولعوائلها العيش بكرامة، ولا تملك ما يجعلها محصنة من الضغوط المعاشية التي قد تضطر بعضها لبيع قناعاتها ومبادئها أو تأجيرها (على الاقل) لمن يدفع ثمناً حتى لو كان زهيداً، وهذا ليس تبريراً لمسلكها بل ربما قد يفسر لنا لهاث البعض منهم وراء الظهور في الفضائيات بعد اصابتهم بحمى (عشق الكاميرا) او إدمان الكتابة في الصحف والمطبوعات وحضور الندوات والمؤتمرات، وقبولهم الخوض في أي موضوع يطلب منهم، مهما كان بعيداً عن تخصصه أو مدى خدمته لمشروع العراقي الوطني لمناهضة الإحتلال.

وهناك قلة قليلة من هذه النخب السياسية والفكرية ممن يمكن اعتبارهم محصنين ضد هذا البلاء لكونهم في وضع مالي مريح يكيفيهم شر ضغط الحاجة.

اما الذين حرصوا على أن يحافظوا على مبادئهم وهم في حالة عوز مالي مزمن، ومحاولاتهم المريرة لترتيب معيشتهم اليومية وسط تلك الضغوط الرهيبة في دول الغربة، ولعل أقلها التهديد بإنهاء شرعية (الإقامة) المؤقتة لكل منهم ولعوائلهم في تلك الدول، فهم حقاً القابضون على جمر النار أعانهم وآجرهم الله ولهم منا السلام.

هناك ايضاً العديد من المشاكل الآخرى المتفرقة والتي قد تكون اصغر أو اقل أهمية في الصورة الكلية، مثل ظواهر الحزبية، الشللية، المذهبية، المناطقية، العشائرية.... وسواهها مما هو معروف للجميع، وقد ارتأينا الابتعاد عن الخوض فيها لأنه سبق وأن اُشبعت توصيفاً وبحثاً في الكثير من الأدبيات والمقالات.

جريدة الصوت 26 تموز 2008

شبكة البصرة

السبت 23 رجب 1429 / 26 تموز 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس