بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صفحات من قصة القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي

رزان ميشال عفلق: قال لي صدام نعت الإيرانيين لي بالعفلقي يشرّفني

القائد المؤسس ميشال عفلق

في 1996 استقبل الرئيس صدام حسين رزان ميشال عفلق ابنة القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي. وبدا واضحاً أن صدام لم يتغير. قال لرزان: خلال حرب إيران كانوا يهاجمونني كل يوم في الإذاعات الإيرانية ويقولون صدام العفلقي، كانوا يعتقدون بأنهم يقولون شيئاً سيئاً عني، ولكنني اعتز بذلك وهذا شرف لي.

قبل هذا اللقاء بسبعة أعوام، وتحديداً في الأسبوع الأخير من حزيران (يونيو) 1989 غاب ميشال عفلق. تقدم صدام الصفوف الى الطائرة التي هبطت في بغداد وشارك في حمل نعش الرجل الذي ربطته به علاقة بدأت في مؤتمر للحزب في 1963. وبُعيد الوفاة أعلنت القيادة القومية ان عفلق مؤسس الحزب العلماني مات مسلماً، وهو ما أكده صدام شخصياً.
كان عفلق يستعد لكتابة تاريخ الحزب بالتعاون مع رزان، ابنته وموضع سره، لكن العمر لم يمهله. غياب رواية المؤسس أفسح المجال لتضارب الروايات وتكاثر الاجتهادات وتصفية الحسابات. لهذا بقيت وقائع تلك المرحلة ودوره فيها موزعة على حلقة تمتد من داخل العائلة الى العائلة الحزبية، خصوصاً الأصدقاء الذين عايشوا الرجل الهادئ الذي غيرت أفكاره مصير بلدين هما العراق وسورية.
بعد إعدام صدام حسين وتعرض البعث لعملية اجتثاث رسمية ترددت أسئلة كثيرة حول الحزب ومؤسسه وعلاقته بصدام ودوره في الأحداث والقرارات. وتحت وطأة الحشرية الصحافية حملت هذه الأسئلة الى ابنته وكانت الأقرب اليه. بعدها شعرت بضرورة اشراك عدد من رفاقه، وهكذا التقيت رفيقه في القيادة القومية عبدالمجيد الرافعي.

سألتهم عن علاقة عفلق بصدام وعن اعتناق عفلق الإسلام وعن محطات حزبية وشخصية وتباينت الأجوبة أحياناً.

رزان ميشال عفلق

سألت رزان عفلق عما إذا كان والدها أحب صدام فعلاً، فأجابت: نعم أحبه. فقد كان الرئيس صدام مناضلاً بعثياً متحمساً ومؤمناً بقضيته وبالمبادئ القومية وصاحب شخصية متميزة. لم يلفت انتباه والدي فحسب، بل لفت انتباه كثيرين. وكانت علاقتهما تتسم بالتقدير والاحترام المتبادلين. وسألتها ان كانت لمست من والدها أي شعور بالندم بفعل ما منحه لصدام من دعم وشرعية فأكدت انه لم يندم.
أكدت رزان أن والدها رفض لدى انتقاله الى بغداد في 1975 الاقامة في قصر او منزل فخم، وأنه لم يكن مهتماً بالمال ولم يترك لعائلته ثروة ولا منزلاً.

صفحات من قصة القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي (2)

رزان ميشال عفلق: والدي ضحّى بالحزب في سورية من أجل الوحدة مع مصر

أكرم الحوراني أساء إليه ومحاولة تنصيب زكي الأرسوزي مؤسساً مسرحية

شبكة البصرة

حاورها غسان شربل

في هذه الحلقة تتحدث رزان ميشال عفلق عن علاقات والدها بالرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وقبوله التضحية بوجود حزب البعث في سورية لإنجاح الوحدة مع مصر. كما تتطرق إلى علاقات ميشال عفلق بأكرم الحوراني، معتبرة أن الأخير أساء إليه في مذكراته وروى الأحداث والوقائع بطريقته الخاصة وفقاً للرواية التي تناسبه بعيداً عن الصحة وعن الحقيقة التاريخية
وحملت رزان عفلق على ما سمته محاولة تزوير تاريخ الحزب لإعطاء زكي الأرسوزي موقع المؤسس. وهنا نص الحلقة الثانية:

 

سؤال : ممن تتألف عائلة ميشال عفلق؟

رزان ميشال عفلق : من زوجته الدكتورة امل ومن اربعة اولاد: ابنته رزان وثلاثة ابناء: اياد ونزار وزياد.

 

سؤال : كيف كان داخل البيت مع عائلته؟

رزان ميشال عفلق : كان هادئاً وحنوناً ويمتلك عاطفة بلا حدود تجاه عائلته المباشرة، وكذلك تجاه عائلته الكبرى، أي العائلة البعثية. كان شديد الهدوء وصوته خفيض.

 

سؤال : هل كان يهتم بالمال؟

رزان ميشال عفلق : أبداً. لم يكن يحمل مالاً في جيبه، وكانت أمي تتولى تسديد الفواتير. لم يكن يذهب إلى المحلات التجارية إلا ما ندر جداً.

 

سؤال : كيف كان يمضي وقته؟

رزان ميشال عفلق : قارئ نهم حتى آخر حياته. قراءاته عربية وفرنسية. كان يتقن الفرنسية جيداً جداً. كان يطالع عدداً كبيراً من الصحف العربية والعالمية يومياً. كما كان يخصص وقتاً لاستقبال البعثيين والمناضلين والمفكرين العرب في منزله، بالإضافة إلى نشاطاته الرسمية.

 

سؤال : هل اهتم بتاريخ الأديان؟

رزان ميشال عفلق : قناعات والدي معروفة مذ كان شاباً. وكان متعمقاً بالدين الاسلامي، ورأى أن الاسلام هو روح الأمة العربية، وأنه ارتبط بيقظتها القومية وكان مفصحاً عنها. لو عدت إلى خطابه ذكرى الرسول العربي على مدرج جامعة دمشق في 5 نيسان عام 1943، لعرفت جزءاً مهماً من وجهة نظره في الدين الإسلامي.
اللافت في رؤية ميشال عفلق للإسلام أنها رؤية انسانية حضارية ثورية، اقترنت فيها يقظة ومعالم الشخصية العربية الحضارية بالإسلام. فالإسلام، إضافة لكونه رسالة سماوية دينية، فإنه أحدث ثورة عربية حضارية امتزجت بكل نواحي حياة العرب آنذاك. فهي من صميم تاريخهم المجيد المشرق، ومن أعمدة ثقافتهم ولغتهم ومن أهم ما أفصح عن ابداعهم الفني والحضاري بشكل عام، فهي من هذا المنظار الهيكل الاساسي لمفهومهم القومي.

 

سؤال : هل هذا يعني الجزم بأنه اعتنق الاسلام؟

رزان ميشال عفلق : هذا ما أعلنه الرئيس صدام حسين والقيادة القومية في بيان بعد وفاته.

القائد المؤسس بين الرئيس احمد حسن البكر ونائب الرئيس (آنذاك) صدام حسين

 

عفلق وعبدالناصر

سؤال : ماذا كان رأي والدك بجمال عبدالناصر خارج ما نشر؟

رزان ميشال عفلق : عندما كانت لدى ميشال عفلق آراء ومواقف غير متطابقة مع مواقف الرئيس جمال عبدالناصر، كان يقول ذلك علناً وبإمكان أي باحث أن يرجع إلى كتاباته للاطلاع على هذه المواقف المعلنة والمكتوبة، المرتبطة بمرحلة سياسية معينة ومعطيات معينة.
أما المعروف لدى الجميع فهو أن ميشال عفلق في 7 نيسان من كل سنة، ذكرى تأسيس الحزب، كان يلقي خطاباً قومياً يبثه التلفزيون العراقي. كان دائماً يتطرق فيه إلى الرئيس عبدالناصر ويعتبره مناضلاً عربياً قومياً وقائداً تاريخياً. وذلك حتى آخر كلمة له في 7 نيسان 1989 قبل شهرين من وفاته.

 

سؤال : هل رأى عفلق في صدام مشروع عبدالناصر جديداً؟

رزان ميشال عفلق : الأكيد أنه رأى في الرئيس صدام حسين قدرة على القيام بدور بارز على الصعيد العراقي والقومي، خصوصاً على صعيد النهوض بالدولة العراقية حضارياً وتربوياً واقتصادياً وعلى صعيد العمل القومي وإنشاء نواة عمل عربي موحد في مجالات عدة، الاقتصادية منها والاستراتيجية والدفاعية، وتوحيد الطاقات العربية من اجل قضية فلسطين.

 

سؤال : ماذا عن اشتراط عبدالناصرعلى ميشال عفلق وحزب البعث حلّ الحزب كشرط لقبول الوحدة مع سورية؟

رزان ميشال عفلق : قبل اعلان الاتفاق النهائي على الوحدة اشترط عبدالناصر على الحزب وعلى ميشال عفلق حلّ حزب البعث في سورية كشرط وأنه لن يقبل قيام الوحدة من دون ذلك. وأمام هذا الموقف التاريخي: وحدة او لا وحدة، وافق عفلق على حلّ تنظيم الحزب في سورية، حيث انه ضحّى بحزبه الذي واكبه منذ اللحظة الاولى من أجل المصلحة العليا للأمة العربية، كما قال.
كان يعي ما قد يترتب على قبوله حلّ تنظيم الحزب في سورية، وفعلا كانت لحلّ الحزب مضاعفات كبرى في ما بعد، سيدفع ثمنها الحزب وميشال عفلق شخصيا، وستستغل من قبل ما سمّي اللجنة العسكرية، والتكتل الطائفي القطري الذي انبثق عنها.

 

سؤال : لكن انتقد كثيرون من الحزبيين موافقة والدك على اشتراط عبدالناصر حلّ حزب البعث في سورية؟

رزان ميشال عفلق : تناول كثيرون هذا الموضوع. أما رأي والدي فكان انه اذا ما ذكرت وحدة 1958 وذكر حلّ الحزب كشيء سلبي في تاريخ الحزب وخطأ كبير، إلا انه في الوقت نفسه سيكون هذا الخطأ أعظم وأمجد من كل الاعمال الصائبة التي قام بها الحزب كما قال ميشال عفلق. اذ ان حزب البعث هو للوطن العربي كله، وكان منتشرا في أقطار عديدة والموافقة على حلّه اضطرارا في سورية او في الجمهورية العربية المتحدة آنذاك، لم يكن يعني بشكل من الاشكال انه انتهى وجوده. وبالتالي لا يمكن أن يحلّ حزب البعث طالما انه موجود في العراق وفي الاردن وفي لبنان وفي شتى أقطار الوطن العربي. لقد كان حلّ الحزب في الجمهورية العربية المتحدة مجرد تسهيل لتحقيق عمل تاريخي حسب قوله، ألا وهو اقامة الوحدة بين قطري مصر وسورية آنذاك.

 

سؤال : كيف نظر ميشال عفلق في ما بعد الى تجربة الوحدة وفشلها؟

رزان ميشال عفلق : اللقاء التاريخي بين الحزب وجمال عبدالناصر أثمر اول تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث في 20 شباط (فبراير) 1958، ما بين دولتين لهما أهمية خاصة لما تمثلانه على الساحة العربية. كان ذلك مشروعا قوميا كبيرا لفك حصار العزلة بين الدول العربية، وقهر الحاجز المصطنع بينها. بالنسبة الى ميشال عفلق لا يمكن ان نتصور مستقبل العرب بمعزل عن مصر ودور مصر.
لم يعتبر الحزب ان هناك مذهبين وخاصة ان الشعارات التي تبنتها مصر لم تكن سوى أفكار وشعارات حزب البعث، والخلاف الذي حصل في ما بعد لم يكن خلافا فكريا بل نتيجة اختلاف في التطبيق. ومن ثم دخلت مصالح وقوى معادية واستطاعت ان توسع الخلافات ولكن حزب البعث كان دوما متمالكا وعيه ورفض ان ينجرّ الى تلك الخلافات والمهاترات.
كان للأخطاء التي ظهرت في طريقة ادارة الحكم في الجمهورية العربية المتحدة في ما يخصّ الاقليم الشمالي (سورية) علاقة مباشرة بالاسباب التي ادّت الى الانفصال بتاريخ 28 ايلول (سبتمبر) 1961، منها ما نتج عن عدم السماح لممثلي حزب البعث في القيادة السياسية للجمهورية العربية المتحدة، الوزراء ونائب رئيس الجمهورية (صلاح البيطار، أكرم الحوراني) بالمشاركة الفعلية في صنع القرارات السياسية المهمة على مستوى الجمهورية العربية المتحدة، خاصة تلك التي تخص الاقليم الشمالي، الذي انتدب لادارته المشير عبدالحكيم عامر، يساعده في ذلك عبدالحميد السرّاج، وطاقم كبير من المصريين، حيث لم تراعَ الخصوصيات والشخصية السورية.
كذلك إقدام القيادة السياسية في دولة الوحدة على نقل معظم كبار الضباط السوريين البعثيين الى مصر، وإسناد مسؤوليات ثانوية لهم، وهم الذين كانوا قادة قطاعات مهمة في الجيش، وكانت لهم مواقع ومشاركات سابقة في القرارات السياسية المهمة ومنها قرار الوحدة، ما دفع بهم من دون معرفة ميشال عفلق وقيادة البعث، الى التكتل وخلق نواة اللجنة العسكرية (محمد عمران، أمين الحافظ، صلاح جديد، و غيرهم) التي ستلعب دورا في ما بعد في تاريخ سورية، ستكون له انعكاسات كبيرة على المنطقة العربية، وانعكاسات سلبية على حزب البعث بدءا من 1963.
ونتيجة لإحساس ممثلي حزب البعث باستبعادهم عن المشاركة الفعلية في الحكم في دولة الوحدة وإقصائهم عن التعاطي بشؤون الاقليم الشمالي (سورية)، قدّم نائب رئيس الجمهورية والوزراء (أكرم الحوراني، صلاح البيطار، ونزار حمدون وغيرهم) استقالتهم في اواخر 1959.
أما ميشال عفلق فكان يعتبر الوحدة الهدف القومي الاول الذي لا يعلى عليه، لان فيه مصلحة الامة العربية كلها وفيه بداية إنشاء الدولة العربية الموحدة عنوانا للوحدة العربية الشاملة. وعلى رغم ما كان لديه من استياء من الاخطاء الجسيمة التي انكشفت في نظام حكم دولة الوحدة، وما تعرض له شخصيا من مضايقات من قبل اجهزة الاستخبارات المصرية في بيروت، إلا ان قناعاته المبدئية الوحدوية لم تهتز يوما وبقي ينظر الى الوحدة كإنجاز قومي تاريخي.

 

سؤال : هل تأثر والدك بأمه وبوالده؟

رزان ميشال عفلق : كان يحب امه كثيراً، وكانت تدعى رسمية، وهي من عائلة زيدان من حمص، التي ينتمي اليها المؤرخ جرجي زيدان، كذلك أذكر خاله، الدكتور شكري زيدان الذي هاجر الى البرازيل، والذي يتمتع بمكانة كبيرة بين عرب المهجر والذي عرف بثقافته وميوله في الفكر والأدب واللغات (حيث كان يتقن 7 لغات). أما جدي يوسف عفلق، فأسرته فرع من اسرة ابي عسلة من راشيا الوادي في البقاع، وكان انساناً وطنياً شارك مع أهل حي الميدان الدمشقي القديم في التظاهرات ضد المستعمر الفرنسي، وسجن مرات عدة لمقاومته الاحتلال. وقد شهد والدي عندما كان صغيراً اعتقال جدي من قبل السلطات الفرنسية أكثر من مرة، وكان الوطنيون قد تجمعوا في حزب عرف بـ الكتلة الوطنية واشتركوا في اول مجلس تأسيسي وفي وضع الدستور عام 1928. وكان طبيعياً ان تجد الأسرة نفسها ضمن هذا التكتل الوطني الجديد، الذي تولى مهمة النضال السياسي في تلك الفترة.

 

سؤال : من أسس الحزب مع والدك؟

رزان ميشال عفلق : قد نقرأ في بعض المنشورات عن مؤسسي الحزب وقد أطلق البعض عن خطأ أو عن قصد وسوء نية، على من حضر المؤتمر التأسيسي الذي عقد عام 1947، اي بعد 7 سنوات تقريباً من التأسيس الفعلي والحقيقي للحزب، هذه التسمية، والأصح تسميتهم البعثيين الأوائل وليس المؤسسين.
ميشال عفلق وضع الأسس الفكرية والمبادئ الأساسية لحزب البعث وشعاره وثوابته المبدئية ونظرية القومية والاشتراكية، ومجمل فلسفته ونظرته للإنسانية. أما نشر أفكار الحزب والنواحي التطبيقية فهذا كان يتطلب هيئة إدارية تحقق ذلك على صعيد الواقع، فكان هناك العمل التنظيمي والاحتكاك على صعيد واسع بمختلف فئات الشعب اضافة الى عمل إداري لا بد منه أو تنظيم التظاهرات والمناشير أو غيرها، وهنا كان عمل رفاقه الأوائل ملازماً لعمله.
في الحلقة كانت هناك مجموعة من الأشخاص موجودين معه وأولهم صلاح البيطار وكذلك جلال السيد ومدحت البيطار (الذي لا تربطه علاقة قربى بصلاح البيطار)، هؤلاء انضموا الى جانب ميشال عفلق وصلاح البيطار وشكلوا القيادة الأولى للحزب.

 

سؤال : غادر سورية في 1966 ولم يعد إليها؟

رزان ميشال عفلق : كلا، لم يعد إليها. بعد حركة صلاح جديد العسكرية في 23 شباط (فبراير) 1966، بقي والدي في دمشق حوالي الشهرين متخفياً لدى عائلات دمشقية، حتى تمكن من الوصول إلى طرطوس ومنها تمكن من الخروج بواسطة قارب صغير إلى طرابلس ومنها إلى بيروت حيث مكث في لبنان فترة قصيرة وبعدها سافر إلى البرازيل.
وبقي عند خاله الدكتور شكري زيدان في مدينة ساو باولو، لأنه كان الحل الوحيد الممكن. غادرت والدتي سورية إلى لبنان في بداية صيف 1966، ومنه التحقت بوالدي في البرازيل ونحن برفقتها، حيث تابعنا دراستنا الابتدائية وبدأنا نتعلم اللغة البرتغالية، وهناك أيضاً ولد أخي الصغير.

في الحفل التأبيني للقائد المؤسس
 والى اليسار زوجته أمل والرئيسان صدام حسين
وياسر عرفات

 

مع صلاح البيطار

سؤال : كيف كانت علاقته مع صلاح البيطار؟

رزان ميشال عفلق : ربطتهما علاقة فكرية، حيث بدأ التعارف بينهما في مطلع القرن العشرين في باريس أثناء الدراسة الجامعية. وقد سبقت تأسيس الحزب سنوات عدة من العلاقة الشخصية والفكرية التي قامت على التوافق في تحليل أوضاع الأمة وقضاياها وأوجدت التقاء على جملة مواقف ووجهات نظر سلوكية ووطنية ونظرات متوافقة في الأدب والفن والأخلاق مع إبقاء كل منهما على شخصيته المستقلة.
وبعد انتهاء الدراسة وعودتهما الى الوطن للتدريس في مدرسة التجهيز الأولى في دمشق، ابتدأت مرحلة عملية جديدة. وحين أسس ميشال عفلق حركة الإحياء العربي التي أصبحت في ما بعد حزب البعث العربي، كان الى جانبه في التأسيس صلاح البيطار. وتلازما سنين طويلة، وظل والدي يعتبره من اقرب المناضلين المقربين اليه، وفي هذا السياق، أذكر دفاع والدي الشديد عن البيطار وتحديه للقرار الذي اتخذته القيادة القطرية في سورية سنة 1964 بفصل صلاح البيطار من الحزب، حيث وقف ميشال عفلق في وجه التكتل الذي أخذ يتضح تشكله والذي كان بدأ بتنفيذ مخططاته التي أوصلت في نهاية المطاف الى انقلاب 23 شباط 1966، فقد واجه ميشال عفلق المؤتمر القطري السوري الاستثنائي في شباط 1964 بكلمة صريحة وقاسية في وجه الذين تحكموا بقرارات الحزب (جماعة صلاح جديد). فكانت كلمته قاطعة كالسيف، منتقداً وشاجباً قرار التكتل الحزبي، غير آبه بالنتائج التي سترتد عليه. وظل ميشال عفلق يعتبر صلاح البيطار رفيقاً عزيزاً لديه، ومناضلاً وطنياً ملأ حياته بالعمل والنضال القومي، وأثبت جدارة خلال تسلمه المناصب الرسمية كوزير خارجية ورئيس للوزراء. وبعد اغتياله، قال فيه ميشال عفلق كلمة مطولة يظهر فيها عمق المشاعر والأواصر التي ظل يكنها له.

 

سؤال : هل وهيب الغانم وشبلي العيسمي يعتبران من المجموعة الأولى؟

رزان ميشال عفلق : شبلي العيسمي من البعثيين الأوائل وكذلك وهيب الغانم الذي انتمى الى البعث بعد العيسمي.

 

سؤال : ماذا عن قصة تأسيس زكي الارسوزي وليس والدك لحزب البعث؟

رزان ميشال عفلق : بعد 23 شباط 1966، اتخذ صلاح جديد وجماعته وحكام سورية من اسم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اسسه ميشال عفلق، غطاء لهم يستمدون منه شرعيتهم في الحكم. ولاستكمال السيناريو، قاموا بعملية تزوير منهجي مدروس ومتواصل للتاريخ وللحقائق التاريخية الثابتة، وأخذوا يدّعون ان مؤسس حزب البعث ليس ميشال عفلق بل زكي الأرسوزي، الذي لم يكن حتى منتمياً الى الحزب. ولم يكتفوا بهذا القدر، بل اصدروا حكماً بالإعدام على المؤسس التاريخي للبعث، الذي تمثل كتاباته وأفكاره الهيكل الرئيسي لمبادئ الحزب، والذي كرس له أكثر من خمسين عاماً من التضحيات ومن النضال القومي.
من الحقائق المؤكدة ان زكي الارسوزي، الذي كان شاباً وطنياً متعلقاً باقليم الاسكندرون، لم تكن له علاقة أو دور في تأسيس حزب البعث، الأرسوزي لجأ الى دمشق بعد ضم لواء الاسكندرون الى تركيا، وأخذ يعبر عن حنينه وحرقته لضياع اللواء في جلساته متنقلاً في المقاهي الدمشقية، وكان يلتف حوله جمع من أصدقائه ومحبي جلساته وحديثه المتأرجح ما بين الحنين الى اللواء والنقد اللاذع لكل من يحيط به. وكان بشخصيته الغريبة لا يتمتع بأي من الصفات اللازمة للخوض في عمل سياسي منظم ومنسق، بل بقيت أحاديثه أقرب الى الخواطر والتعليقات الساخرة. وهو لم يكن منتمياً الى حزب البعث، ولم يكن حاضراً في أي اجتماع للحزب، لا قبل فترة التأسيس ولا بعدها، وحتى لم يكن حاضراً في مقهى الرشيد أيام انعقاد المؤتمر التأسيسي الاول واعلان تأسيس الحزب رسمياً. اما وجود مجموعة من اللوائيين في هذا المؤتمر (المقصود بـ اللوائيين مجموعة الشباب الذين كان يترددون الى الجلسات التي كان يقيمها الأرسوزي، وبعضهم كان سابقاً في لواء الاسكندرون، والذين انضموا الى صفوف حزب البعث)، فذلك يعود الى اقتناعهم بالافكار التي طرحها حزب البعث وكذلك الى رغبتهم في الانخراط في الحياة السياسية في سورية من خلال حزب البعث، وان أحسوا بتوافق مع المبادئ والايديولوجية التي طرحها حزب البعث، فهذا قرارهم ورغبتهم ومنهم نذكر وهيب الغانم وغيره.
ولكن، وبعد ان استولت (اللجنة العسكرية) وعلى رأسها صلاح جديد وجماعته على الحزب والحكم في سورية وانتحلت اسم حزب البعث لتضفي الشرعية على نفسها، بدأت عملية التزوير للتاريخ، فلجأت الى شخص الارسوزي لاعتبارات فئوية أولاً ولبناء الهيكلية الضرورية التي تفتقد اليها، فنسجت مسرحية هزيلة ذات سيناريو محكم، وللأسف تعاون معها الارسوزي وقبل ان يلعب دوره فيها لا بل استرسل فيه، فأخذ يجوب الثكنات العسكرية ومراكز تجمعات الشباب برفقة ممثلي الفئة الشباطية، وأخذ يردد على مسمع من يشاء الاتهامات التي لفقوها ضد القيادة التاريخية الشرعية لحزب البعث، والتي كانت حينها إما في السجون وإما مشردة خارج البلاد.
اما الذين يتذرعون بكلمة البعث التي استخدمها الارسوزي كي يدعوا انه هو المؤسس، فأقول ان كلمة أو لفظة البعث هي كلمة من اللغة العربية والقاموس العربي، وهي ليست حكراً لأحد... وكانت، حسب ما سمعت، كثيرة الرواج والتداول في تلك الحقبة. الموضوع الاساسي هنا هو تأسيس حزب البعث العربي وليس كلمة البعث. نحن بصدد الكلام عن حزب له تنظيم ودستور ونظام داخلي وترخيص وهيكلية وفلسفة قومية شاملة ونظرية سياسية واجتماعية متكاملة، لها أبعادها الحضارية والانسانية.
هنالك أهداف ونهج مبدئي وشعار يؤمن برسالة الأمة الخالدة. هناك أدبيات الحزب وايديولوجيته، وفي كل هذا العمل والنضال لم يكن للارسوزي أي دور، واصحاب الضمير الحي يشهدون على ذلك بكل بساطة، وليس كل من استعمل عبارة البعث أو تكلم عن القومية العربية هو من أسس حزب البعث.

من التشييع الرسمي الذي اقيم لجثمان القائد المؤسس في بغداد
 

أكرم الحوراني

سؤال : ماذا عن اندماج أكرم الحوراني في الحزب؟

رزان ميشال عفلق : حزب البعث العربي، منذ تأسيسه، كان حزباً يسارياً اشتراكياً. وهو لم ينتظر حتى اندمج به حزب أكرم الحوراني الاشتراكي العربي كي يصبح اشتراكياً، كما نقرأ في بعض المقالات.
حزب أكرم الحوارني الاشتراكي هو الذي اندمج في حزب البعث، وليس العكس. وعند الاندماج، لم يجر اي تعديل على الاسس الفكرية للبعث، ولا على نظامه الداخلي، ولا على هيكليته، ومبادئه وأهدافه. كل ما حصل هو اندماج كتلة أكرم الحوراني في داخل الحزب، وإضافة كلمة الاشتراكي بعد البعث العربي فأصبح حزب البعث العربي الاشتراكي.
إن توقيع أكرم الحوراني على بيان الانفصال سنة 1961 كان مفترق الطرق الرسمي بين ميشال عفلق والحوراني.
كتب الحوراني مذكرات مطولة أساء فيها الى ميشال عفلق والى العديد من البعثيين، وروى الأحداث والوقائع بطريقته الخاصة وفقاً للرواية التي تناسبه بعيداً عن الصحة وعن الحقيقة التاريخية.

 

سؤال : هل كانت علاقة تربط والدك بياسر عرفات؟

رزان ميشال عفلق : زارنا الرئيس عرفات مرات عدة سواء في بيروت أو في بغداد، كما أنه كان موجوداً في الحفل التأبيني وألقى كلمة في ذكرى الأربعين لوالدي. وفي هذا الحفل نفسه ألقى ايضاً المفكر الفرنسي جاك بيرك كلمة تأبينية.

 

سؤال : في أي تاريخ شيع والدك في بغداد؟

رزان ميشال عفلق : توفي في 23 حزيران (يونيو) 1989 في باريس، نقل الجثمان الى بغداد يوم 24، وسجي في مبنى القيادة القومية يومي 25 و26، ودفن يوم 27 حزيران، وكانت كل القيادة موجودة، وعلى رأسها الرئيس صدام حسين وجميع أعضاء الحكومة العراقية والرئيس عرفات إضافة الى ممثلي 47 حزباً والهيئات الشعبية والجماهيرية العربية ووفود من سائر الدول.
عند وفاته كان العراق قد خرج منذ أقل من سنة من الحرب مع ايران، اي في وقت كان يعتبر فيه العراق في أفضل حال سواء على الصعيد الداخلي، حيث كانت حركة الإعمار والتطوير قد اكتسبت زخماً جديداً بعد انتهاء الحرب، أم على الصعيد الخارجي، حيث كان العراق يحظى بدعم وتأييد الغالبية الساحقة من الدول العربية ومن دول أوروبا وأميركا.

 

سؤال : هل كان والدك على علاقة قوية مع الدكتور عبدالمجيد الرافعي؟

رزان ميشال عفلق : الرافعي كان من المسؤولين البعثيين القدماء الذين كانوا يزورونه بشكل منتظم في بغداد وباريس وقبلها في بيروت.

 

سؤال : ماذا كان لقب والدك؟

رزان ميشال عفلق : الأمين العام لـحزب البعث العربي الاشتراكي، وأطلق عليه تسمية القائد المؤسس في سورية سنة 1965.
وكانت القيادة تضم في حينه جميع أطراف البعث، ومن ضمنهم التكتل الذي قام بحركة 23 شباط 1966، والذين انشقوا عن القيادة التاريخية للحزب وانتحلوا اسم الحزب حزب البعث العربي الاشتراكي واتخذوه غطاء لإضفاء الشرعية عليهم والاستفادة من الرصيد التاريخي للحزب.

 

سؤال : هل كان يلتقي في باريس بمعارضين عراقيين؟

رزان ميشال عفلق : لا، أبداً.

 

سؤال : ألم يكن يحاول احتواء شخص على خلاف مع صدام حسين؟

رزان ميشال عفلق : إذا كان الشخص على علاقة سابقة أو قديمة معه، أي مع والدي، كان يحاول تقريب وجهات النظر، ولكن لقاء معارضين للرئيس صدام حسين كان أمراً غير وارد.

الحياة  6/7/2008

شبكة البصرة

الاربعاء 5 شعبان 1429 / 6 آب 20

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس