بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صفحات من قصة القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي (3)

الرفيق عبدالمجيد الرافعي: ترك عفلق ورقة بخط يده (لمن يهمه الأمر :
اذا اصطفاني الله
لرحمته فأنا أموت على دين الاسلام)

القائد المؤسس ميشال عفلق

شبكة البصرة

حاوره غسان شربل

في صيف1957 استقبل ميشال عفلق في منزله في دمشق شاباً جاء من طرابلس في شمال لبنان هو الدكتور عبدالمجيد الرافعي. ادت الكيمياء دورها. الرافعي الذي كان معجبا بكتابات عفلق، سيعجب بعد ذلك اللقاء بالشخص واسلوبه. ومنذ اربعة عقود يقيم الرافعي في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي وهو حاليا نائب امينها العام المطارد عزت ابراهيم الدوري. قبل ذلك بعقد كان الرافعي انتخب عضوا في القيادة القطرية لفرع الحزب في لبنان. وفي مؤتمر الحزب في 1963 سيقف شاب عراقي لإجراء تقويم لوضع الحزب في العراق منتقدا جناحيه الاول ممثلاً بحازم جواد صاحب الدور الاكبر في وصول البعث الى السلطة في 1963، والثاني بعلي صالح السعدي. بدا الشاب جريئا ومقنعا في آن. لفت نظر عفلق والرافعي وكثيرين. وكان اسم الشاب صدام حسين.

 

على مدى عقود عايش الرافعي تجربة عفلق وصدام وربطته بهما الى العلاقة الحزبية داخل القيادة القومية علاقات شخصية. في طرابلس التي عرفته حزبيا صلبا ونائبا مهتما بقضايا الناس ومطاردا محروما من زيارتها استقبلنا واتسع صدره لاسئلة يجيب عنها للمرة الاولى وهنا نص الحوار:

سؤال :  متى تعرفت إلى ميشال عفلق، متى التقيته للمرة الأولى؟

عبدالمجيد الرافعي: قابلت الأستاذ ميشال عفلق في صيف 1957 في بيته في حي المزرعة، على ما أظن، في دمشق. يومها كنت برفقة اثنين من طرابلس، من الذين كانوا يعرفونه قبلي. جلست إليه، بعدما كنت اطلعت على كتاباته منذ أواخر عام 1956، وبعد التداول مع أصدقاء ورفاق بأن نعمل جهدنا في القضايا الاجتماعية.

 

شكلت معركة بور سعيد، والعدوان الثلاثي على مصر، مفصلاً مهماً. وهذا جعلني أقرر الخوض في العمل العام، فاخترت حزب البعث العربي الاشتراكي، بعدما اطلعت على كتابات الأستاذ ميشال عفلق من جهة، وعلى دستور حزب البعث العربي الاشتراكي من جهة أخرى، وعلى كتاب معالم الحياة العربية الجديدة للمرحوم الدكتور منيف الرزاز. في ذاك الوقت، فاتحني حزب البعث بأن أخوض الانتخابات النيابية في لبنان باسمه، ولم أكن تعرفت إلى عفلق، ولكن كنت اعرفه من خلال كتاباته وافكار حزب البعث.

صدام وعزت الدوري وعبد المجيد الرافعي
 يحملون جثمان ميشال عفلق أثناء
تشييعه في بغداد

 

سؤال :  في أي عام انتسبت إلى الحزب؟

عبدالمجيد الرافعي: عام 1957. في عام 1956 وضعت نفسي في جو الانتساب وطلبت المعلومات عن هذا الحزب فوجدت انه ينسجم مع قناعاتي ومع تربيتي في البيت والمدرسة والمجتمع الطرابلسي، أي يتجاوب مع قناعاتي التي تربيت عليها، فقررت الانتساب إليه.

 

سؤال :  حين التقيت الأستاذ ميشال، كنت انتسبت إلى الحزب؟

عبدالمجيد الرافعي: كنت خضت المعركة الانتخابية في أواخر حزيران (يونيو) باسم الحزب، وبعدها مباشرة في أوائل الصيف ذهبنا واجتمعنا بالأستاذ ميشال وأعطانا بعضاً من وقته ريثما يأتي اجتماع ثلاثي بينه وبين الأستاذ أكرم الحوراني والأستاذ صلاح البيطار. لذلك تعرفنا في الوقت نفسه، وقوفاً، إلى الأستاذين أكرم وصلاح رحمهم الله جميعاً.

 

سؤال :  التقيت كل الأركان؟

عبدالمجيد الرافعي: كل الأركان في يوم واحد. ولكن الجلسة كانت مع الأستاذ ميشال، وأعجبت أيما إعجاب بهذا الإنسان. أولاً، المفكر العميق. وثانياً، المؤمن بربه وبقضايا أمته إيماناً جعله مستعداً ليضع حياته في سبيلها، وفي الوقت نفسه التواضع في الشخص وفي محيط المنزل حتى. ومنذ ذلك الوقت، وأنا يومياً، أعرف الأستاذ ميشال وأشعر بأنه الرجل المثالي لقيادة حركة مثل حركة البعث.

 

سؤال :  متى دخلت القيادة القومية؟

عبدالمجيد الرافعي: كان هناك مؤتمر استثنائي عام 1964 بعد ردة تشرين الثاني وضياع الحكم من يد حزب البعث في العراق. في شباط 1964 عقد المؤتمر، ولم أكن أشعر بأنني نضجت بما فيه الكافية، فطلب مني الأستاذ ميشال عفلق أن أترشح وأن هذه الفترة استثنائية لتدابير وسنحضر لمؤتمر قومي عادي خلالها. فانتخبت في شباط 1964 إلى المؤتمر الثامن الذي عقد أيضاً في دمشق في نيسان 1965، أي أنني كنت منتخباً فترة سنة وشهرين. أما بشكل نهائي، في الثامن لم أترشح، وفي التاسع رشحت في غيابي، ومنذ شباط 1968 وأنا عضو في القيادة القومية أي 40 عاماً متتالية.

 

سؤال :  إلى الآن؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم. وأما في القيادة القطرية فكانت سريعة أكثر. انتسبت في الـ57 وفي عام 1958 جاءت الأحداث واعتبروا أنني أبليت البلاء الحسن، فرشحوني وانتخبوني. قلت لهم إنني لم أنضح كفاية، فقالوا: نحن نقدر النضال وأنت يجب أن تترشح. وانتخبت في كانون الأول 1958، في أول مؤتمر عقد بعد أحداث 1958. انتخبت في القيادة القطرية ولم أزل حتى الآن.

 

اللقاء الأخير

سؤال :  متى التقيت ميشال عفلق للمرة الأخيرة؟

عبدالمجيد الرافعي: وهو صاحٍ، قبل وفاته بأيام قليلة جداَ، ليلة دخوله المستشفى. كنت غادرت باريس الى بغداد منذ فترة قليلة وتركته في صحة جيدة جداً، وإذا بخبر يأتيني من أحد الأصدقاء، بأن الأستاذ ميشال مريض ويتحضر لدخول المستشفى، فعدت أدراجي إلى باريس، واتصلت ببيته وردت عليّ زوجته الدكتورة أمل، وقالت: إن الاستاذ أصبح في المستشفى، وأنا هنا أحضر أغراضاً. في أي مستشفى؟ قالت: في المستشفى العسكري. فذهبت تواً، ووجدته مستلقياً في سريره واضح الذهن ومعنوياته قوية.

 

ثم رحت أمشي مع بعض الأصدقاء ومنهم الأستاذ نقولا الفرزلي، فإذ شعر بألم في أسفل بطنه، فأتيت وإذا بأحد الشرايين المتصلبة ينزف بعضاً من الدم. وطُلب مني أن التحق بالمستشفى، على أن تجرى العملية في اليوم التالي.

عفلق والرافعي في احتفال قومي في حديقة الزوراء في بغداد

 

طبعاً كان الرئيس صدام حسين، رحمه الله، أوفد أيضاً طبيباً من أهم الأطباء من العراق ليواكب المسيرة. وبعد انتهاء العملية قالوا: الحمد لله إنها نجحت. ولكن في اليوم الأول الزيارة ممنوعة. وفي اليوم التالي، سُمح لي ولابنته الكبرى، السيدة رزان، وللطبيب. فدخلنا وابتسم لنا، وقال: كيفك أمورتي رزان؟ وأهلاً دكتور (لي) وأهلاً دكتور (لزميلنا)، ثم خرجنا.

 

وإذا بنا في اليوم التالي، قبل أن نصل يقولون إن الاستاذ ميشال أصيب بنكسة ولديه التهاب. أتينا والطبيب معنا، وراجعنا الأطباء وأظهروا لنا أنه في صباح اليوم الذي التقيناه فيه، بدأت معه أحوال ذات الرئة، ولكن في أسفل الرئة. وبعد ساعات انتقلت الى منتصف الرئة. وفي اليوم التالي، أصبحت الرئة كلها ملتهبة. نظرنا الى الصور، وتألمنا كثيراً، وطلبنا بأن تكون هناك مجموعة من الأطباء، فأتي بهم. وكانت هذه آخر مرة رأيته فيها.

 

عندما شعرنا بأن الوضع خطر جداً، أبلغنا القيادة في بغداد، فأرسلت رئيس ديوان الرئاسة، وشقيق الرئيس السيد برزان، الذي كان في جنيف ممثلاً للعراق في الأمم المتحدة، وعضو القيادة القومية الرفيق المرحوم نضال بدر الدين المدثر. كنا مجتمعين، وإذ بنا نعلم بأن الأستاذ ميشال لفظ أنفاسه الأخيرة. فعدنا إلى المستشفى.

 

هكذا كان آخر لقاء. لقاء صاحٍ قبل العملية، ولقاء آخر أيضاً صاحٍ بعد العملية. وهذه الابتسامة التي لا أنساها مطلقاً، وبقوله لي: أهلاً دكتور.

 

سؤال :  حين توفي الأستاذ ميشال نُقل إلى بغداد، هل رافقتم الجثمان؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم، رافقنا الجثمان بالطائرة ذاتها الى بغداد، فاستقبله الرئيس صدام. وأثناء الجنازة أذكر أننا حملنا التابوت أنا والرئيس الشهيد رحمه الله، لننزله من السيارة. وبقي الرئيس صدام حسين وأعضاء القيادة كافة حتى ووري الثرى.

 

سؤال :  يقال إن الرئيس صدام حسين حمل الجثمان حين أنزل من الطائرة؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم أولاً، وثانياً حين نقل من السيارة إلى المقبرة.

 

سؤال :  نحن نتحدث عن حقائق للتاريخ؟

عبدالمجيد الرافعي: هذه أمور عشتها، وكأنها الآن. الشارع الذي دفن فيه. وضع، ريثما ووري الثرى في اليوم التالي، في باحة القيادة القومية وجاء المودعون يودعونه وعلى رأسهم الرئيس القائد صدام حسين.

 

سؤال :  لاحقاً قيل، أو نقل عن الرئيس صدام حسين، أن ميشال عفلق توفي مسلماً؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم.

 

سؤال :  هل أُبلغت القيادة، قبل وقت، بأن ميشال عفلق أشهر إسلامه؟

عبدالمجيد الرافعي: هذه القضية تاريخية. الأستاذ ميشال عفلق منذ 1943 ألقى محاضرة في مدرج جامعة دمشق، في ذكرى مولد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وألقى هذه المحاضرة التي قال فيها: إننا مؤمنون. قد لا نُرى في الجوامع نصلي مع المصلين أو نصوم مع الصائمين، لكن إيماننا بربنا إيمان كبير. وفيها يقول أيضاً: إذا كان محمدٌ كلَ العرب، فليكن كلُ العرب اليوم محمداً. واعتبر أن الإسلام هو ثورة العرب، وقال: إن العروبة جسد، روحه الإسلام. فإذاًَ، مؤمن بأن الإسلام كان الذي فجّر ثورة العرب من الجاهلية التي كان فيها العرب يتقاتلون قبائل وشيعاً من جهة، ويئدون النساء من جهة أخرى، ومتخلفين في كل شيء وأميين الخ... فكان الإسلام ثورتهم.

 

هذه كانت النظرة. ولم نناقشه فيها في ما بعد، إلى أن وقعت حادثة طريفة. كانت هناك سيدة لبنانية - طرابلسية، أتت لزيارة ابنتها التي تعمل في الأمم المتحدة في بغداد. وكانت جارة لزوجتي، وذهبنا لزيارتها والسلام عليها. وكان ذلك بعد 7 نيسان (أبريل) عام 1982. فقالت إنني سمعت خطاب رئيسكم في 7 نيسان ذكرى تأسيس الحزب. فقلنا لها: انه القائد المؤسس، وهو اليوم الأمين العام للحزب، لكنه مؤسسه.

 

قالت: سمعت كلامه العظيم، وهذا الإيمان لا يصدر إلا عن مسلم. فقلنا لها أنه يعتبر الإسلام ثورة العرب وإلخ. وبعد فترة قليلة ذهبنا إلى زيارته، زوجتي وأنا، وكنا وحدنا، فقصصنا عليه هذه الرواية، فقال: إنها على حق، ألم أقل لكم إنني مؤمن بأن الإسلام ثورة العرب وبأن الإسلام عنده من الأسس الإيمانية من جهة، والتطبيقية من جهة، والتربوية من جهة، ما يجعلني أؤمن بأن الإسلام هو الذي فجر طاقات العرب. فأنا أعتبر نفسي مسلماً.

 

على دين الإسلام

سؤال :  متى حصل ذلك؟

عبدالمجيد الرافعي: عام 1982 غالباً، أي قبل وفاته بسبع سنوات أو ست، هو توفي في حزيران 1989وعندما خرج من بغداد للمرة الأخيرة، كان كل شيء في بيته على حاله، لأنه كان عازماً على العودة، وإذ به يمرض ويتوفى. ووجدت بين كتبه ورقة بخطه يقول فيها: إذا اصطفاني الله لرحمته فأنا أموت على دين الإسلام. ووقعها. وكان بدأها بـ لمن يهمه الأمر، وكلام عام. وهي ليست أكثر من سطرين.

 

سؤال :  يقال إنه أبلغ الرئيس صدام حسين بهذه الورقة أو بهذه الحقيقة؟ أي أن القيادة كانت على علم بذلك؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم، كما أبلغنا. كان الأمين العام، ومع ذلك أبلغني وأبلغ زوجتي، بأن هذا إيمانه. وكان أبلغ الرئيس صدام بهذا الأمر، وأعلمنا الرئيس صدام بذلك.

 

سؤال :  كيف كانت علاقتك بميشال عفلق، إلى أي مدى كنتما معاً في القيادة القومية؟

عبدالمجيد الرافعي: في الحقيقة، الأستاذ ميشال عفلق تحرك كثيراً في حياته. كان ألمه كبيراً عند الانفصال بالمقدار الذي كان اعتزازه كبيراً بإعلان الوحدة. وقبل الانفصال كانت الصدمة كبيرة أيضاً، عندما كانت قيادة الجمهورية العربية المتحدة تتعدى المفاهيم التي بني عليها الحزب من جهة ثانية، مفهوم الوحدة أو الاتحاد، ولو قفزوا فوق قصة الاتحاد واختاروا الوحدة الاندماجية. لكن مفهومه هو تفاعل بين دولتين، دولة صغيرة من مليون ودولة من 50 مليوناً، التفاعل يجب أن يكون واحداً.

 

لكن عندما أخذت قيادة دولة الجمهورية العربية المتحدة تنحى منحى تسلطياً في سورية، ولم يكونوا في حزب البعث متصورين أن هذا يمكن أن يكون، وأرسلوا المشير عبدالحكيم عامر، وكان حتى القضاة يتصرفون والضباط يتصرفون وكأن هذا حكمنا. فكان الألم كبيراً عند الأستاذ ميشال عفلق، لأن هذا يختلف عن مفهوم الوحدة كما يفهمه حزب البعث العربي الاشتراكي. وحاولوا بالأحاديث العادية أن يصوّبوا هذا المجرى المنحرف لمفهوم الوحدة، فقرر الأستاذ ميشال، في خريف 1959، أن يترك دمشق ويأتي الى ساحل سورية ويأتي بمركب من سورية إلى طرابلس، سراً.

 

وأعلمت بالأمر وذهبت إلى المكان الذي نزل فيه وأتيت به الى هنا. وفي هذا البيت نمنا معاً في الغرفة المجاورة في سريرين، كان أحدهما لي والآخر لأخي، فأخذ سرير أخي ونمنا معاً ليلة واحدة ريثما تدبرنا الأمر وانتقل إلى بيروت.

 

سؤال :  انتقل إلى الأشرفية حينها؟

عبدالمجيد الرافعي: أكثر من مكان.

 

سؤال :  من اهتم به وقتها في بيروت؟

عبدالمجيد الرافعي: تقي الدين الصلح، رحمه الله، أظن أنه أرسل سيارته في ذلك الوقت. والأستاذان الياس الفرزلي ونقولا الفرزلي. أكثر من شخص اهتم به، وتنقل إلى أكثر من بيت. ثم في عام 1961 كانت الصدمة الكبرى للانفصال، وكانت جلسة مع قيادة قطر لبنان، قوّم خلالها الانفصال تقويماً سيئاً، وأن الذي طرحناه هو تصحيح الوحدة وليس الانقضاض عليها من قبل مجموعة مرتبطة بالضباط. لسوء الحظ، أتت على هذا الأمل الكبير الذي توخيناه والذي آمن حزب البعث العربي الاشتراكي، في أول شعاراته، بأنه هو المآل للأمة العربية ولو انه لم يتخذ الشكل الأولي الذي تصورناه من انه يجب أن يكون هذا التوحيد تفاعلياً في كل معنى الكلمة.

 

سؤال :  هل كنت تزوره في تلك المقرات غير المعلنة؟

عبدالمجيد الرافعي: دائماً، دائماً.

 

سؤال :  هل كانت العلاقة بينكما ودية؟

عبدالمجيد الرافعي: كانت ودية جداً. منذ اليوم الذي التقيته والى النهاية، كانت ودية جداً.

 

سؤال :  ألم تشهد أي خلافات في الرأي؟

عبدالمجيد الرافعي: لا أعتقد. ربما عام 1970 حين حصلت المعركة في الأردن بين المقاومة والنظام. حينها أطلق الأستاذ ميشال عفلق نداءً بأن كل بعثي مهتم بقضية الأمة المركزية في فلسطين، عليه أن يتطوع لينجد إخوانه المقاومين في الساحة الأردنية، فذهبت أنا على رأس مئة مقاتل لنساهم ما أمكن في الدفاع عن المقاومة. ولم نعد إلا عندما رأينا الملك حسين يصافح عرفات بوجود الرئيس عبدالناصر ليلة وفاته. وكانت هناك طائرة ذاهبة الى العراق عدنا فيها، وعندما ترجلنا من الطائرة أخبرنا بأن الرئيس عبدالناصر وافاه الأجل.

 

عندما عدنا وشرحنا ما حصل هناك، من أن المقاومة كانت ملاحقة بشكل كبير وان الجيش العراقي قدم مستشفى وما يمكنه أن يقدمه. من الممكن أن يكون حصل ظن بأننا نحاول الدفاع، على عماها، عن كل ما عمله الجيش العراقي أو العراق. وهنا سمعت بأن الأستاذ يتساءل كيف أن عبدالمجيد... فجئت إليه وكان في ضهور سوق الغرب، وشرحنا الأمر وكان هناك وضوح ولم يكن هناك سوء تفاهم ولكن سمع عن لساني أن هناك دفاعاً من دون هوادة ومن دون أي استدراك، وقلت هذا الذي كان ممكنا في ذلك الوقت، لأن الجيش العراقي كان مقطوعاً عن مركزه الأساسي الذي يبعد 1100 كيلومتر تقريباً، وكان حتى الماء يأتيه وكان مقابله العدو الصهيوني، فكان عمل كل ما يمكنه.

عفلق مع حازم جواد وطالب شبيب

صدام وعفلق

سؤال :  أنت أحد الذين رافقوا ميشال عفلق وصدام حسين، ما هو سرّ تلك العلاقة والحب المتبادل والإعجاب بينهما؟

عبدالمجيد الرافعي: هذا صحيح. الأستاذ ميشال عفلق مفكر وواضع أسس هذه النظريات مع بعض المفكرين والمناضلين وعلى رأسهم الأستاذ صلاح البيطار، ولكن يعتبر القائد المؤسس لفكر البعث ولنظامه ولأسلوبه سواء على الصعيد الفقهي أو على الصعيد التبشيري أو على الصعيد التنظيمي او النقد الذاتي في كل خلية حزبية. هناك بند من البنود، إضافة الى الوضع السياسي والتنظيمي، في النقد والنقد الذاتي. كلها كانت من وضع الأساتذة الأوائل وعلى رأسهم الاستاذ ميشال عفلق.

 

الأستاذ ميشال وجد في صدام حسين شخصاً اعتنق هذه المبادئ بصدق، والأسلوب النضالي الذي اتبعه الحزب في نظريته لانتزاع الحقوق، سواء على الصعيد المحلي أو الوطني أو القومي، اتبعها الرئيس صدام حسين بحذافيرها بل وتخطى ما يمكن أن يكون الإنسان جاهزاً له. لذلك، ومنذ ذلك الوقت، والأستاذ ميشال معجب بالرئيس صدام حسين، الذي لم يكن حينها رئيساً، لم يكن سوى عضو في القيادة.

 

سؤال :  متى تعرف إليه؟

عبدالمجيد الرافعي: لا أدري إذا كانت المرة الأولى عام 1963، لكن الاسم مطروح منذ أن كان طالباً في الحقوق في جامعة بغداد. ثم عندما ساهم في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم، وبهذه الجرأة، وعلم أنه انتزع بنفسه الرصاصة من ساقه وأنه، على رغم جرحه، سار في كل الصحراء وذهب الى دمشق ومنها إلى القاهرة. وأيضاً علم بنشاطه الحزبي المتفاني وبأخلاقياته، علماً أن القاهرة محيط واسع ومشوق للشاب. وكان صدام حسين مترفعاً عن كل القضايا التي تهم الشباب ومهتماً بالحزب ونضاله وبتسلم مسؤوليات عن رفاق من لبنان ومن المغرب العربي ومن كل الأقطار. كانت هذه الأمور تصل إلى الأستاذ ميشال عفلق.

 

في عام 1963 بعد قيام ثورة رمضان، في 8 شباط، ذهبنا وفداً إلى بغداد ولم يكن صدام حسين سوى مواطن مناضل في مستوى متوسط من المسؤولية، واجتمع الأستاذ ميشال بأكثر من رفيق وعقد ندوات عدة وكنا وفداً من 5 أو 6 أشخاص. تعرف الأستاذ ميشال في ذلك الوقت إلى الرئيس صدام ولكن سطحياً. المعرفة الحقيقية كانت في المؤتمر القومي الثالث الذي كان مراجعة لكل مسيرة الحزب، سواء خارج قطر الحكم أو عندما تسلم الحزب الحكم في 8 شباط في العراق و8 آذار في سورية. وكانت مراجعة نقدية شديدة.

 

سؤال :  أين عقد المؤتمر؟

عبدالمجيد الرافعي: في دمشق.

 

سؤال :  هل كان برئاسة ميشال عفلق؟

عبدالمجيد الرافعي: عادة ينتخب رئيس للمؤتمر وليس ضرورياً أن يكون الأمين العام. أنا لست أميناً عاماً، ورأست 3 مؤتمرات قومية. وحينها ميشال عفلق وصدام حسين كانا موجودين.

 

سؤال :  متى عقد المؤتمر، وماذا تذكر عن صدام حسين في ذاك المؤتمر؟

عبدالمجيد الرافعي: عقد عام 1963 واستمر من 8 أيلول (سبتمبر) الى 23 منه. أذكر خطاباً للقائد صدام حسين، وكان انتخب حديثاً في مستوى قيادي رفيع في العراق. أكثر من ساعة وقف فيها ناقداً المسيرة التي لم يكن عمرها سوى 8 أشهر.

 

سؤال :  لم يكن عارف أطاح حينها بالبعث؟

عبدالمجيد الرافعي: نعم لم يكن أطاح به. وكأنه تنبأ فانتقد الذين يماشون عبدالسلام عارف ومندمجين في الحكم، والمعارضين الذين يعارضون، أولاً بشكل متطرف، وثانياً من الممكن أن نخرب على النظام نحن الذين كنا ولا نزال كل التنظيم الحزبي الذي كان أقل من ألف إنسان، نزلوا إلى الشوارع واحتلوا مفترقاتها، عدا عن بعض العسكريين الحزبيين الذين ساهموا في الإطاحة بنظام عبدالكريم قاسم. نقد صدام نقداً موضوعياً الطرفين، الطرف المندمج مع الحكم والطرف المعارض للحكم. كان حازم جواد يمثّل الطرف المندمج، وكان علي صالح السعدي يمثّل الطرف المعارض، والمعارض بتطرف من الممكن أن يصل إلى الاشتباك حتى بين البعثيين. وحذّر من أن هذه الحال لا تدوم إذا بقيت. وكان بجرأة وبموضوعية ولم يكن حوله سوى ثلاثة أو أربعة من المؤيدين بينهم الأستاذ طارق عزيز. وكنا ننزل في الفندق ذاته.

 

سؤال :  كيف كان رد فعل حازم جواد وعلي صالح السعدي؟

عبدالمجيد الرافعي: كل واحد حاول أن يدافع، وكان هناك أيضاً عسكريون. كل واحد حاول أن يدافع، لكن هذه المرحلة والكلمة التي ألقاها الشهيد صدام حسين ألقت الضوء أكثر فأكثر، بالنسبة إلى الأستاذ ميشال، على شخصية هذا الإنسان وإيمانه وتحليله العميق على رغم انه كان في السادسة والعشرين من العمر. كان ذلك عام 1963 وهو من مواليد 1937. فقابله ومنذ ذلك الحين زاد عمق الصلة بين الاثنين وزاد عمق التفكير عند الأستاذ ميشال بأن هذا الإنسان هو رجل مستقبلي لحزب البعث العربي الاشتراكي وللوطن وللأمة.

شبكة البصرة

الاربعاء 5 شعبان 1429 / 6 آب 20

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس