بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة.... واشياء اخرى

الحلقة السادسة

ما الذي يواجه العراق... قيادة أزمة أم أزمة قيادة؟

شبكة البصرة

رعد الجبوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

ينبغي في البداية أن ننوه بأن ظاهرة (حب القيادة) و(السعي الى الزعامة) وتعريف حدود وخصائص كل منها هي إشكالية عالمية وليست حكراً على قومية أو بلد أو دين أو سواها، لكنها في التاريخ العربي والإسلامي لها خصوصيتها الشديدة والمميزة. فمنذ فجر الإسلام (وربما قبله أيضاً)، والعرب إجمالاً يتطلعون دائماً الى من يمكن أن يقودهم ويتطلعون الى أن يجدوا من يستحق من قادتهم تجسيد صورة (الزعيم) الذي يقودهم الى بر الأمان خصوصاً في أوقات المحن والخطوب، وما أكثرها في تأريخ الأمة. وإن لم يكن (الزعيم) موجوداً فسيسعون بكل تأكيد الى صناعته أو إختراعه.

و(الزعيم) على الأعم الأغلب ظاهرة لا ترتبط فقط بمواصفات قيادية معينة فقط، إلا انها تأتي نتيجة تطابق تواجد شخص بمواصفات محددة في المكان والزمان المناسبين، فلو تذكرنا مثلاً الكثير من الشخصيات العامة على إمتداد التاريخ نجد أنه حافل بالكثير الكثير من القادة وبقلة قليلة من الزعماء. فكل زعيم هو قائداً بالضرورة ولكن ليس كل قائد يمكن ان يكون زعيماً. وفي الكثير من الاحيان يبرز الزعماء من الصفوف الخلفية ليخترقوها صعوداً الى الواجهة متخطين الكثيرين من اقرانهم، او ممن كانوا قبل ذلك مرشحين أقوى منهم. أو حتى ممن كانوا يمتلكون (مؤهلات) محددة للزعامة اكثر منهم، وفق المقاييس المتعارف عليها في حينها، إلا انهم لم يظهروا في اللحظة المطلوبة وفي المكان الملائم كما أسلفنا.

ورغم ان التاريخ العربي والإسلامي زاخر بمثل تلك (الزعامات) التاريخية الحقيقية التي تركت بصماتها على وجه التاريخ إلا اننا سنحاول أن نأتي بأمثلة من خارج العالمين الإسلامي والعربي، كي لا نجعل من تلك الأمثلة موضوع للخلاف والجدل فيما بيننا وبين القراء حول امكانية توصيفهم بزعماء ام لا.

فلو استعرضنا اسماء بعض (زعماء) الأمم الأخرى في التاريخ الحديث سنجد، على سبيل المثال لا الحصر، أن (غاندي) مثلاً برز كزعيم للأمة الهندية غير مسار التاريخ وانتزع الاستقلال لبلاده فقط حين كان موجوداً في لحظة تاريخية مواتية وبين افراد الأمة المناسبة لإسلوب كفاحه. ونفس الشيء يمكن ان ينطبق فيه القول على (نيلسون مانديلا) في جنوب افريقيا. وما قصدنا قوله هنا هو ان الزعيم لا يمكن اختراعه أو صناعته بتأهيله مسبقاً كما قد نفعل مع القادة، فنحن يمكننا أن نسعى لتأهيل القادة وندربهم ونصقلهم ونهييء لهم كل الادوات المعرفية والعملية كي يكتسبوا المراس اللازم ليصبحوا قادة في لحظةٍ مناسبة ما، هذا على فرض انهم يمتلكون المؤهلات الذاتية التي تمكنهم أن يكونوا قادة ناجحين. أما (الزعيم) فهو قضية مختلفة الى حدٍ كبير، فالزعامة تأتي طائعة (من غير تخطيط مسبق على الأغلب) الى شخص بعينه، من بين جميع القادة الذين قد يتصدرون المشهد السياسي، وأحياناً تأتيه حتى من غير رغبةٍ له فيها ولا نية مبيتة له لإقتناصها، شيءٌ فيه نوع من (القدرية) و لا نقول (الحظ). و (الزعامة) تأتي على الأغلب زاحفة لمن يستحقها فعلاً، وليس لمن يسعى اليها حتى لو كان من المحظوظين.

ولعل العراق في الظروف الحالية التي يمر بها ليس إستثناءاً من ذلك. فالعراق وهو يبحث عن مشروعه الذاتي للخلاص الوطني في المرحلة الراهنة، يتمنى شعبه في دواخل نفسه ان يعثر اساساً على القيادة التي تستحق ان تسمى بـ (التاريخية) كي تتناسب مع الظرف المصيري الذي يمر به، و تكون جديرة بقيادة العراق وشعبه الى الحرية والاستقلال في هذه اللحظات الحساسة والفارقة في تاريخه. والعراق اليوم هو أحوج ما يكون لإن يتقدم واحداً من (القادة) الذين يتصدون للعمل الوطني سياسياً أو اعلامياً أو عسكرياً أو إقتصادياً أو سوى ذلك، أن يتقدم الصفوف ويصبح (رمزاً) يلتف حوله أغلبية العراقيين ويستعدون طواعيةً لقبوله بأن يكون (زعيماً) لهم. وعلى الرغم من أن (القيادة) يتم اختبارها والتأكد من صلاحيتها لموقعها أياً كان، من خلال الممارسة الميدانية والتجربة اليومية، إلا ان (الزعامة) اضافةً لذلك كله، تحتاج ايضاً كي تستحق إحتلالها لموقعها بجدارة، إن استطاعت، لإكتساب شرعية وجودها من خلال اعتراف الاغلبية بها طواعية، وبشيء يشبه التسليم بالقدر كما اسلفنا.

واعتذر لهذه المقدمة الطويلة التي أضطررت للإفاضة فيها كي اخلص الى القول بأن جميع من يعتبرون انفسهم الآن (قادة) للعمل الوطني العراقي المناهض للإحتلال، يمكن أن يتنافسوا كقادة كلاً من موقعه ومؤهلاته وخلفيته المعرفية وخبرته الميدانية وتاريخه النضالي، الا أنهم ينبغي أن يتوقفوا عن السعي إلى (الزعامة) على الأقل كي لا يبدوا كمن يحرث في البحر.

وفي اللحظة التاريخية (الراهنة) التي ينبغي فيها للمهتمين بأزمة المشروع السياسي العراقي، المقاوم للإحتلال والمناهض لمخططاته، ان يجتهدوا لإكتشاف (قيادة) مناسبة للأزمة، اصبح معظمهم للأسف منشغل بأزمة (الزعامة). ولعل سبب ذلك (وأحياناً نتيجته ايضاً) هو استفحال بعض الامراض السياسية التي سنمر عليها بعجالة فيما يلي:-

 

حمى السعي الى (الزعامة) هي في الأصل مرتبطة بالنزعة الفردية لمن هم في الصفوف الأولى في قيادة العمل الوطني، حيث أن التقدم الى الصفوف الأولى في القيادة ينجم عنه على الأغلب (ان لم يكن دائماً) ذلك التضخم السرطاني في (الأنا) والذي تحدثنا عنه في الجزء السابق.

ان البحث القسري عن (الرموز) او السعي لخلق (الزعامات) المصطنعة والوهمية. يستلزم على الارجح محاولة إلغاء وتفكيك الأطر التنظيمية والمؤساساتية من اجل التهميد للظهور (السرابي) لتلك (الزعامة). وتكون النتيجة اننا لن نحصل على زعامة حقيقية وأصيلة، ونضيع في الوقت نفسه الإطر والضوابط التنظيمية والمؤسساتية التي تمهد الطريق بطريقة عقلانية ومنظمة امام ظهور الشخصية المناسبة التي يمكن ان تتصدى للزعامة عند تواجدها في الزمان والمكان المناسبين.

لا يمكن طبعاً ان نغفل بأي الاحوال الدور الكبير الذي تقوم به مجاميع (الحواشي) و(المستشارين)، في إنحراف القيادات والنفخ الفارغ فيها كي تتطلع الى (الزعامة)، وفي حرفها عن الطريق القويم والتأسيس لديكتاتوريتها، كما لا ينبغي ان نغفل بالطبع (الضرورات) أو الهواجس الأمنية لدى الكثير من القيادات السياسية والنخبوية العراقية في المنفى، ودور ذلك في إضطرارهم لتقريب ذوي القربى والانسباء والأصدقاء وذوي الولاء، وتفضيلهم على ذوي الخبرة واصحاب النوايا الطيبة والولاء الوطني، وفي الأعم الأغلب فإن هؤلاء (المحاسيب) يتحولون مع مرور الزمن الى نوع من (المافيا) التي تبدأ بترتيب الامور لمصالحها الطفيلية الذاتية.

هذه التحديدات والامراض السياسية جعلت البعض من السياسيين والشخصيات القيادية وبدلاً من أن يحاولوا تحسين إدائهم كـ (قادة)، نجدهم يسعون الى (حرق المراحل)، في بحثهم المحموم لتولي (الزعامة) المفقودة او تعزيز الزعامة الوهمية او المنقوصة. ويقوموا بالتعويض عن ذلك كله باللهاث خلف (النجومية) من خلال الظهور المفرط والمبالغ به على صفحات الصحافة وعلى شاشات الفضائيات. حتى ان بعضهم اصبح يظهر على شاشة الفضائيات اكثر من المذيعين او مقدمي البرامج في تلك الفضائيات. وبدأوا رحلة (البحث عن الذات) المفقودة بالترويج الى شخوصهم وافكارهم حتى ولو بالابتعاد عن الصدق مع الذات، والبدء بطرح الأفكار التي يفضلها اغلبية الجمهور والتي غالباً ما لا تكون مطابقة لحقيقة افكارهم أو مرجعياتهم الفكرية والعقائدية، وعلى طريقة البرامج الإعلامية التقليدية (ما يطلبه المستمعون) أو (ما يطلبه المشاهدون)، وهم يفعلون ذلك فقط لمحاولة زيادة رصيد (شعبيتهم) بين الجماهير التي تمثل الأغلبية المطلقة والصامتة. وبالمقابل فإنهم لم يحاولوا بذل أي مجهود فاعل لمليء موقعهم القيادي من خلال تلمس وابتكار وسائل جديدة تدعم نضال ومقاومة العراقيين للإحتلال في الداخل وتعرية وفضح ذلك الاحتلال في الخارج.

هناك ظاهرة خطيرة قد تنجم عن السعي غير المشروع وغير المبرر لبعض القيادات السياسية للوصول الى (الزعامة) وهو التنسيق مع الأجهزة الأمنية والمخابراتية الإقليمية والدولية، في أمور يبدو ظاهرها المصلحة الوطنية العراقية على طريق الخلاص من الاحتلال الأمريكي للعراق وتبعاته، ولكنها تستبطن من جهة اخرى الكثير من المصالح الذاتية والفردية، وقد تنتهي بالبعض منهم الى التحول الى (مخبرين) و(أدلاء) أذلاء لتلك الاجهزة المخابراتية. وإذا كان لهذا التعاون من ضرورة وطنية ضاغطة، فيفترض أن يتم تحت نظر وتقييم دقيق من قبل (مرجعية) وطنية محايدة ولا يشك بولائها للعراق ومقاومته الوطنية، كي تكون هذه (المرجعية) مطلعة على ما يجري، ولتمنع تكرار ما حدث مع (المعارضة) السابقة (لنظام صدام حسين). وليس ببعيد عنا اعتراف (أياد علاوي) على رؤوس الأشهاد، بتعاونه مع ستة عشر جهاز مخابرات اقليمي ودولي قبل الغزو الأمريكي في سبيل إسقاط نظام صدام حسب قوله.

إن ما استعرضناه أعلاه هو (و للأسف الشديد) ليس إلا جزءاً يسيراً جداً مما هو عليه الحال في الواقع السياسي العراقي المناهض لمشروع الإحتلال الأمريكي والمتواجد في دول اللجوء. ولكن هذا لا يعني إطلاقاً انه لم يتبقى لنا كعراقيين إلا ان نلطم على الخدود ونندب حظنا العاثر وكفى. ان من يدعو الى ذلك هو حتماً في نفس خندق الإحتلال واعوانه وحلفائه الذي يسعون الى بث اليأس فينا وتدميرنا بسحق إرادتنا في الصراع وهي أهم بكثير في رأينا من سحق قوتنا، فالقوة يمكن أن تعوض بغيرها وربما سنجد من يساعدنا في سعينا للتزود بها. إلا أن (الإرادة) لا تعوض إلا بذاتها، وهي حين تسحق يصعب جداً ترميمها ضمن الوقت المتاح، وأحياناً يستحيل ذلك في الزمن المنظور، ولا يمتلك احداً غيرنا فائضاً منها يمكنه ان يزودنا به.

إن العراق بحضوره ورمزيته التاريخية والدينية والحضارية في نفوس الشعوب العربية والإسلامية وفي الضمير الإنساني إجمالاً هو شيئاً مميزاً، لذا فإن الإحتلال الأمريكي البريري له في عام 2003، هو حدث جلل بكل المقاييس المعروفة وسينتهي حتماً الى الزوال وسوف يتغير عند ذاك ليس وجه المنطقة فقط بل ربما تتغير الكثير من ملامح وجه العالم كله، وعلى غرار ما حدث عقب إنهيار الامبراطورية السوفيتية كنتيجة مباشرة لهزيمة الإحتلال السوفيتي لإفغانستان في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وربما اسوء واكثر من ذلك في عالم يتسم بـ (القطبية المتعددة) او ربما بـ (اللاقطبية)، إضافةً طبعاً لعوامل اخرى رئيسية. ربما تكون القضية بالنسبة للبعض قد بدأت بإحتلال العراق إلا إنها حتماً لم ولن تنته به. وعلى الأرجح والمؤكد حتى الآن، انها سوف لن تنته كما خطط لها أو تمناها المعتدون ومن أعانهم أو حرضهم على ذلك.

فرغم إن هذا الإحتلال البغيض قد استنهض فوراً (ومن حيث لا يرغب) مقاومة عظيمة أعاقت تحقيقه النصر الناجز ومنعته من تحقيق اهدافه (حتى التكتيكية منها) واثخنت جسده وجهده العسكري والاقتصادي بالطعنات القاتلة والمميته. ورغم ان المشروع السياسي للمقاومة العراقية في الداخل يمكن ان تعبر عنه وتختزله البندقية الموجهة الى مشروع الإحتلال وأعوانه في ميدان المواجهة العسكرية، إلا ان ذلك للأسف لم يترافق مع نهوض مناسب في الإداء السياسي للنخب الفكرية والاحزاب والمرجعيات الدينية والفعاليات الشعبية والجماهيرية والمجتمعية المناهضة للإحتلال خارج ميدان الاشتباك العسكري. فأصبح المشروع العراقي الوطني المناهض للإحتلال إجمالاً وكأنه طائر اسطوري عظيم يجاهد للتحليق عالياً بجناحين احدهما اصغر وأضعف من الثاني. وأصبحت شجرة المقاومة ذات ساقٍ قوية واغصانٍ وارفة وثماراً يانعة تزداد نضجاً يوماً بعد يوم ولكنها لا تجد من يقطفها ويطعم الشعب العراقي من خيراتها. واقع ٌ مؤلم بكل تاكيد إلا أنه موجود على الأرض وينبغي له أن يتغير وبأقصى سرعة كي نقصر من عمر الإحتلال وننهي معاناة شعبنا العراقي المنكوب.

وهنا يبرز السؤال المهم التالي وهو :- كيف يتسنى لنا أن نقوم جميعاً في الداخل والخارج بتنشيط الشق السياسي الفاعل جماهيرياً والداعم للمقاومة المسلحة العراقية ومن دون ان نعيق حركتها (أي المقاومة) في نفس الوقت؟ وكيف ينبغي علينا جميعاً ان نقطع يد كل من يحاول ان يسرق جهدها وتجييره لإشباع نزواته الدنيوية ورغباته الذاتية والأنانية في الزعامة وسواها، ودون أن نفقد بلدنا العظيم العراق؟ ونفقد بذلك مبررات عزتنا وكرامتنا. ذلك ما سوف نحاول الإجابة عليه قدر إجتهادنا في الجزء التالي والأخير إن شاء الله.

جريدة الصوت 2/8/2008

شبكة البصرة

السبت 30 رجب 1429 / 2 آب 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس