بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ايران القوية مصلحة ستراتيجية امريكية صهيونية : لماذا؟

(1-5)

شبكة البصرة

صلاح المختار

يستطيع الشيطان أن يكون ملاكاً لكن أمام الحمقى والسذج فقط

مثل عالمي

 

ملاحظة مهمة : كتب هذا التحليل قبل بث رسالة الرئيس الامريكي باراك اوباما التصالحية الى ايران، يوم 20/3/2009، والتي جاءت لتؤكد بصورة حاسمة ما ورد فيه، وتحديدا صواب حقيقة ان ايران الملالي هي الذخيرة الستراتيجية والاحتياطي الستراتيجي لامريكا والكيان الصهيوني الاهم والاخطر في المنطقة قدر تعلق الامر بتفتيت الاقطار العربية، والتحليل الاتي يثبت ذلك.

 

ثمة سذج، او متساذجين، وحمقى، او متحامقين، يحاولون التمييز بين امريكا والكيان الصهيوني، من جهة وايران من جهة ثانية، من زاويا :- 1- الموقف من احتلال العراق و2 - أثارة الفتن الطائفية في الوطن العربي و3 - وجود احتلال استعماري ايراني او 4 وجود مطامع استعمارية ايرانية في الارض العربية، و5 - وضع ترتيب للاولويات الخاصة بالتعامل مع هذه الاطراف الثلاثة، فانصار امريكا يقولون ان ايران هي الخطر الاكبر على الامة العربية، فيما انصاف انصار ايران (مضطرون) للقول ان الخطر الايراني يأتي بعد الخطرين الامريكي والاسرائيلي، اما (انصار) ايران العرب فيحاولون يائسين رفض اي تشابه او تلاق بين ايران وامريكا والكيان الصهيوني ويدعّون وجود تناقضات جوهرية بين الطرفين!

والمشكلة هنا هي ان بعض الوطنيين والقوميين العرب يقعون في فخ وضع ايران بعد امريكا والكيان الصهيوني في تسلسل العداء للامة العربية! اما الكارثة فان البعض الاخر من (الوطنيين والقوميين العرب) ينكر وجود اي خطر ايراني على الامة العربية والهوية القومية للاقطار العربية ويدعم ايران في كافة مواقفها حتى موقفها من غزو العراق، وان كان ذلك ببعض الخجل المصطنع!!!

ان مسالة العلاقة بين هذه الاطراف الثلاثة لا تحكمها السياسة والاعلام والعواطف بل تحكمها، وتتحكم بها، الضرورات الستراتيجية العظمى، التي بلورت حالة خطيرة من التلاقي الستراتيجي شبه الكامل بينها، لذلك فان تحديد ما هو الخطر الاكبر والاسبق يجب ان يتم في ضوء تذكر، وذكر، الستراتيجيات العظمى لهذه الاطراف الثلاثة.

 

الستراتيجيات العظمى للقاء الثلاثي

يجب اولا ان نوضح معنى الستراتيجيات العظمى لتجنب الخلط بينها وبين الستراتيجيات العادية. ان الستراتيجية العظمى هي الستراتيجية الام، اي ام كل الستراتيجيات الاخرى في الدولة، وهي لذلك الضابط الاساسي الذي يتحكم ويوجه كافة الستراتيجيات الوطنية والقومية لطرف ما، كالستراتيجية العسكرية والستراتيجية السياسية والستراتيجية الاجتماعية والستراتيجية الثقافية والستراتيجية الاستخبارية... الخ. وبسبب كونها الاطار الشامل الذي يضبط ويقرر توجهات بقية الستراتيجيات الوطنية فانها تحتاج الى فسحة زمنية تعد بالعقود واحيانا بالقرون وليس بالسنوات، كما هي حال الستراتيجيات الفرعية. من هنا فان الستراتيجية العظمى لدولة ما هي الخطة الام، والخطة الاب ايضا، البعيدة المدى التي تستهدف تحقيق تغيير جذري وشامل في داخل الدولة او في محيطها الاقليمي والدولي، وصولا لبناء مشروع حضاري خاص او مشروع امبراطوري شامل. والاسئلة الجوهرية هنا وفي ضوء ما تقدم، هي : ما هي الستراتيجيات العظمى لكل من امريكا والكيان الصهيوني وايران؟ اين تلتقي واين تختلف؟ وماهي طبيعة اللقاء او الاختلاف؟ وما الذي يترتب على هذا التلاقي من أثار ستراتيجية وغيرها على الامة العربية؟

 

ستراتيجية امريكا العظمى

الهدف المركزي لستراتيجية امريكا العظمى هو اعادة تشكيل العالم برمته ليكون على شاكلة امريكا، أقتصاديا وثقافيا واجتماعيا و... الخ، ولخدمتها والخضوع لها، لذلك تقوم هذه الستراتيجية، اولا وقبل كل شيء، على تصفية كل العقبات التي تعترض طريق بروز امريكا كقوة امبراطورية سائدة في العالم بلا منازع، او مشارك، بواسطة ستراتيجات فرعية ومتخصصة. ان من يقرأ الدستور الامريكي وما تم تبنيه من ستراتيجيات فرعية سياسة واعلامية واقتصادية وعسكرية واخلاقية وثقافية خلال اكثر من مائتي عام من عمر امريكا يلاحظ بلا ادنى شك هذا النزوع الامبراطوري الديكتاتوري المرضي والساحق، وابرز مظاهره هو ان امريكا هي الدولة التي شنت اكبر عدد من الحروب واشدها وحشية وقسوة وبلغت اكثر من 40 حربا، وارتكبت الجرائم الافظع ضد الانسانية وشعوب العالم، ومثال غزو العراق وقبله مثال غزو فيتنام، تأكيد لهذه الحقيقة.

 

والسؤالان الرئيسيان هنا هما : هل توجد دولة اخرى شنت حروبا بهذا العدد؟ وهل توجد دولة في التاريخ الحديث ارتكبت جرائم ومارست وسائل وحشية بقدر امريكا من اجل اجبار العالم بشعوبه كافة على قبول العبودية لامريكا؟ ان الجواب العملي على السؤالين هو كلا فامريكا فاقت كل الدول الاستعمارية عبر التاريخ في الوحشية والانانية والقسوة وتجاوز كل الاعراف القانونية والاخلاقية والانسانية من اجل ان تفرض استعمارها على العالم.

 كما ان امريكا، كالشيوعية، اعلنت بان هدفها هو (نشر نمط الحياة الامريكية وقيمها في العالم)، والذي لا يعني الا شيء واحد وهو اعادة تشكيل العالم برمته ليصبح على شاكلة امريكا ولخدمتها، واهم ما في نمط الحياة الامريكية هو تفتيت القيم الاخلاقية والوطنية والقومية والدينية للامم الاخرى لاجل تحطيم حصانتها الاخلاقية والقيمية واستباحتها، عائليا واجتماعيا ومعنويا، كمقدمة لابد منها لاستباحتها وطنيا واقليميا، بواسطة ابناء من تلك الامم من الداخل اعيد تشكيل وعيهم العام من قبل مؤثرات امريكا وفي مقدمتها الاعلام بكافة ادواته!

كيف يمكن تعميم نمط الحياة الامريكية في مجتمعات تاريخية كالمجتمع العربي، صلبة التكوين القيمي وقادرة على لفظ ورفض اي قيم غريبة مناقضة، ولا يهم هنا ان كانت القيم العربية رجعية او تقدمية والمهم انها راسخة متحكمة بالمجتمع وتشكل قاعدة تماسكه الاساسية؟ الجواب هو بتفتيت منظم للقيم والتقاليد وفق ستراتيجية اعلامية، واخرى ثقافية وثالثة اقتصادية ورابعة سياسية تقود كلها الى هز ثم تفكيك ثوابت المجتمع التقليدية. الستراتيجتان الاعلامية والثقافية وظيفتهما الاساسية هي اعادة تشكيل وعي وقيم وتقاليد الناس : اذواقهم في الطعام واللبس والفن ورايهم في الجنس والعائلة والدين والمجتمع والحب والفرد والوطن، والهدف الجوهري هو نسف القيم التقليدية، القائمة على تغليب المجتمع على الفرد والجمعية على الفردية والانانية، وغرس الانانية الفردية وجعل الفرد مركز الكون ومقرر سلوكه خارج القيم السائدة وعلى النقيض منها، وهكذا تتفتت المجتمعات التقليدية القوية وتصبح مكشوفة لغزو نمط الحياة الامريكية، والذي يعد القاعدة الاساسية لاستعمار امريكا للعالم.

 

اما الستراتيجية الاقتصادية لامريكا تجاه العالم فتقوم على اذلال الشعوب المستهدفة عن طريق تحويل ثرائها الى نقمة ومصدرا للفتن والحروب والصراعات الى ان تجد الامم الغنية نفسها اسيرة ازمات اقتصادية قاتلة تسحق الملايين من الناس تحت جزم الفقر الشديد، وعندها يضطر الرجل لبيع الضمير من اجل العيش في مجتمع ذئاب لا ترحم، وتضطر المراة لبيع الجسد من اجل الحصول على لقمة عيش! انظروا الى العراق الغني جدا والذي حقق في السبعينيات مجتمع الرفاهية الذي ازال الامية والفقر والامراض المستوطنة وجعل الطب التعليم مجانيان، وقدم خدمات اساسية مجانا او باسعار تافهة، اين وصل؟ لقد اعاد التحالف الامريكي - الايراني الفقر المدقع الى العراق، وانبعثت الامية واللصوصية والعهر (عهر الضمير وعهر الجسد) وسادت شريعة الغاب وتبلورت نزعات انانية وفردية مخيفة.

 

انظروا الى مصر وكيف كانت مؤهلة قبل الهند وماليزيا والصين لتحقيق قفزة حضارية عصرية، ولكنها الان ساحة للفقر والازمات الاجتماعية والفتن الطائفية والتشرذم الاسري، الذي يتجسد في اضطرار ابناء مصر للبحث عن لقمة الحياة في كل بلدان العالم! لقد فقد النيل خيره امام موجة التفتيت المنظم للمجتمع المصري! انظرو الى الخليج العربي وكيف تحولت ثروة النفط فيه من نعمة الى نقمة لم تطال العرب غير النفطيين فقط بل هي تطال الان اصحاب تريليونات النفط انفسهم، ويتمثل ذلك اخطر ما يتمثل في التذويب المنظم للهوية العربية والقيم العربية والاسلامية للاجيال الجديدة من ابناء الخليج العربي، بعد ان ساعد النفط على غرس البند رقم واحد في الستراتيجية الامريكية الاعلامية وتوأمها الثقافية وهو تغليب النزعة الفردية الانانية على الرابطة الوطنية والقومية وعلى النزعة الجمعية للمجتمع العربي! وهذه النزعة الفردية المقترنة بغياب الوعي الوطني او ضعفه ولدت شرورا اخرى مثل الشذوذ الجنسي والامراض النفسية القوية والمنتشرة وترك اللغة العربية واعتماد اللغات الاجنبية في الحياة اليومية والتمرد على الاسرة!

يتبع.......

salahalmukhtar@gmail. com

20/3/2009

شبكة البصرة

السبت 24 ربيع الاول 1430 / 21 آذار 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس