بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ايران القوية مصلحة ستراتيجية امريكية صهيونية : لماذا؟

(3-5)

شبكة البصرة

صلاح المختار

يستطيع الشيطان أن يكون ملاكاً لكن أمام الحمقى والسذج فقط

مثل عالمي
 

ملاحظة مهمة : كتب هذا التحليل قبل بث رسالة الرئيس الامريكي باراك اوباما التصالحية الى ايران، يوم 20/3/2009، والتي جاءت لتؤكد بصورة حاسمة ما ورد فيه، وتحديدا صواب حقيقة ان ايران الملالي هي الذخيرة الستراتيجية والاحتياطي الستراتيجي لامريكا والكيان الصهيوني الاهم والاخطر في المنطقة قدر تعلق الامر بتفتيت الاقطار العربية، والتحليل الاتي يثبت ذلك.

 

سر الدعم الامريكي الصهيوني لايران

هنا نصل الى مفتاح فهم الرابطة العضوية (الستراتيجية والتاريخية بشكل خاص)، وهو التلاقي الواضح والدقيق للستراتيجيات العظمى، لكل من امريكا والكيان الصهيوني وايران، حول قاسم مشترك هو تفتيت الامة العربية، بكافة اقطارها، ومحو الهوية العربية لها. ان نظرة لواقع العرب في نصف القرن الماضي تبين ان امريكا واسرائيل، وقبلهما بريطانيا وفرنسا، قد فشلتا في اثارة فتن طائفية ودينية في الوطن العربي، مع ان تفتيت العرب كان القاعدة الاساسية في ستراتيجياتها تجاه العرب، من اجل استعبادهم ونهبهم ومحو هويتهم القومية، ربما باستثناء لبنان، لان جماهير الاقطار العربية كانت تنظر الى هذه الاطراف (بريطانيا وفرنسا وامريكا والكيان الصهيوني) كقوى معادية للامة العربية وتكونت لدى الجماهير العربية حصانة قوية ضدها وضد خططها ومشاريعها كانت كافية لافشال مخططات الشرذمة، من جهة، كما كانت كافية لردع وعزل وادانة اي حزب او فئة او شخص يتجرأ على دعم قوى التحالف الغربي، من جهة ثانية، الامر الذي جرد التحالف الغربي الصهيوني من الدعم داخل الاقطار العربية وجعل انصار الغرب عبارة عن استثناءات قليلة معزولة ومحتقرة في الاوساط العربية.

ما الذي ترتب على وجود هذه الحصانة العربية الشعبية ضد التحالف الغربي الصهيوني؟ النتيجة الاخطر كانت فشل محاولات الغرب والصهيونية شرذمة الاقطار العربية، وعزل الانظمة العربية التي اقامت علاقات قوية مع ذلك التحالف، وتوسع حركة التحرر الوطني العربية بقيادة التيار القومي العربي، وتحولها الى القوة الاساسية في الشارع العربي، خصوصا في الخمسينيات والستينيات، وهكذا لم تصبح خطة سايكس بيكو الاولى معرضة للسقوط بنجاح حركة التحرر العربية في تحقيق الوحدة العربية، والذي كان واضحا في عهد القائد المرحوم عبدالناصر، بل ايضا اصبحت خطة سايكس بيكو الثانية، وهي تقسيم الاقطار العربية على اسس عرقية وطائفية ودينية، مستحيلة النجاح.

نعم نجحت هذه الاطراف في تقسيم العرب في اتفاقية سايكس - بيكو الاولى في بداية القرن العشرين، ولكن بالقوة وضد ارادة العرب ولذلك بقيت الدعوة للوحدة العربية هي من اهم محفزات النضال العربي. ونعم لقد نجحت هذه الاطراف في عرقلة التنمية في مختلف اوجهها،  نتيجة للازمات والحروب التي اثارتها ودعم انظمة فاسدة وديكتاتورية.

 ولكن، ورغم هذه ال(نعم) المتكررة، تبقى الحقيقة الاكثر بروزا والاهم هي ان سايكس بيكو الثانية، والتي تقوم على تقسيم الاقطار العربية على اسس طائفية وعرقية، تنفيذا للستراتيجيات العظمى لامريكا والكيان الصهيوني وقوى غربية اخرى، لم تنجح رغم جهود هذه الاطراف الغربية ومعها الصهيونية العالمية المستمرة والكبيرة ورغم صرف مليارات الدولارات، وبقيت اقطارالامة العربية موحدة خلف هدف شعبي جبار هو مواصلة النضال ضد الاستعمار والصهيونية من اجل تحرير فلسطين وغيرها من الاراضي العربية المحتلة وتحقيق الهدف العربي الاسمى والاعظم وهو الوحدة العربية، وبقيت الجماهير تعتمد الانتماء الوطني والقومي مقررا اساسيا لعلاقات ابناءها، وبقيت الهوية العربية هي الانتماء الرئيسي لكافة العرب.

وهنا طرحت اسئلة جوهرية على مخططي السياسات الاستعمارية والصهيونية وهو : مالعمل لدحر القومية العربية وحركتها الوطنية التحررية وتحويل اقطار الامة العربية الى نثار وكيانات هامشية وقزمية لا يمكنها الا تكون تابعة للغرب والصهيونية وخادمة لهما؟ وكيف تزيح امريكا والكيان الصهيوني عقبة الكيانات القطرية العربية، التي خدمتها في مرحلة تقسيم الامة الى اقطار لكنها الان، وفي مرحلة تقسيم الاقطار ذاتها الى كيانات قزمية مجهرية، صارت عقبة؟

ان ام الحقائق في الصراعات الستراتيجية العظمى، الدائرة منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الان، هي حقيقة انه بدون تقسيم الاقطار والكيانات القطرية الى كيانات ماقبل الوطن (دينية وطائفية وعرقية وايديولوجية وعشائرية واسرية ونفعية صرفة... الخ)، وبدون احلال علاقات ما قبل الوطنية محل الرابطة الوطنية القطرية، لن تمر مخططات امريكا والكيان الصهيوني، لذا فان السؤال الجوهري هو : من هو بطل تقسيم الاقطار العربية والقضاء على القطرية والكيانات القطرية؟

 

قابلة الشرذمة : التيارات التكفيرية

مرة اخرى يجب التذكير بخطط الغرب الاستعماري والصهيونية، وبشكل اكثر تحديدا، من اجل ان نفهم حقيقة الطرف الذي تم اختياره لتدمير وحدة الكيانات القطرية العربية. ففي اعقاب الهزيمة المدمرة لامريكا في فيتنام (1975) تبلور تيار امريكي قوي وصاعد يقول ما يلي : لقد فشلت الراسمالية في الصراع الايديولوجي والعسكري مع الشيوعية، التي تملك جاذبية قوية في الاوساط الجماهيرية الفقيرة لانها تدعو الى سيطرة الطبقة العاملة على الثروة وتقضي على الفقر والفوارق الطبقية، وحرب فيتنام اكدت ذلك، من هنا فعلينا ان نبحث عن قوة بديلة للتصدي للشيوعية في العالم ولحركات التحرر الوطني التي تهدد المصالح الاساسية للغرب، والبديل الافضل هو دعم (الاصولية الدينية)، او احيائها، لانها هي المؤهلة للقضاء على الشيوعية (الكافرة)، كما انها هي المؤهلة لشرذمة الاقطار العربية والبلدان الاسلامية بعد دحر الشيوعية وحركات التحرر. هذه الفكرة طرحها زبجنيو بريجنسكي في النصف الثاني من الستينيات، وتم تبنيها في منتصف السبعينيات حينما اصبح مستشارا للامن القومي الامريكي في عهد جيمي كارتر وواصلت السير عليها ادراة رونالد ريجان.

وهنا يجب ان نشير الى حقيقة مدمرة لمسناها نحن العرب في العقدين الاخيرين وهي ان الفكر (الاصولي) فكر تكفيري يرفض الاخر ويعمل على تدميره بلا هوادة، وحينما يبدأ بتكفير الاخر البعيد لا يتوقف عند هذا الحد بل يستمر في التكفير حتى يصل الى تكفير ابناءه البايولوجيين والايديولوجيين!

ومن المهم ان نوضح بان ما يسمى ب(الاصولية الدينية) تسمية مضللة تعمدت الاجهزة الامريكية اختيارها لاجل تشجيع المسلمين على قبولها، فكل مسلم حقيقي هو اصولي حقيقي لان اصول الاسلام الحقيقية والمرجعية النهائية هي القران الكريم وليس اي اجتهاد مهما كان، وهي لذلك اصول صحيحة، اما الفكرة الامريكية حول (الاصولية) فهي غير ذلك، لانها تعني التطرف في تفسير الاصول والتمسك بحرفية بعض النصوص المقصودة وعزلها عن محيطها التاريخي وبيئتها الاجتماعية، او التمسك بتفسير واحد ورفض كل تفسير اخر للنصوص القرانية.

ان اخطر ما في (الاصولية الدينية) هو جعل المرجعية النهائية التي يعتمد عليها في تفسير الاسلام النصوص الفرعية لائمة مجتهدين وليس النصوص القرانية التي تعد بحق المرجعية الاساسية والاصولية للاسلام، فنصوص المجتهدين طائفية، بطبيعتها وجوهرها، لانها تمثل اجتهاد فرد او مجموعة يقابله اجتهاد اخر واكثر يختلف عنها وربما يناقضها بحدة، لذلك فان صعود (الاصولية الاسلامية)، حسب المعنى الامريكي، يساوي صعود التناقضات الطائفية المستحكمة بين المسلمين وجعلها قنابل موقوتة يمكن ان تفجر في اي لحظة لتمزق المسلمين شر ممزق وتشعل بينهم حروبا لها بداية لكنها بلا نهاية.

كما ان صعود الاصوليات الدينية (المسيحية والاسلامية واليهودية والهندوسية) يساوي صعود التناقضات الحادة بين الاديان كافة، والتي يجب ان تفجر بعد النجاح في دحر الشيوعية من اجل ان يتحول الصراع الاساسي في العالم من صراع بين قوى التحرر العالمية وبين الاستعمار وقوى الاحتلال، من اجل الحقوق المشروعة للشعوب، في الحياة الحرة الكريمة وطرد الاستعمار والاحتلال، الى صراعات دموية عبثية بين ديانات محورها هو اي ديانة هي الصحيحة، وهي صراعات عبثية لانها لن تنتهي بانتصار اي دين بل بهزيمة كل الاديان المتحاربة وانتصار الراسمالية، بعد استنزاف الاسلام وعزله عن محيطه الجماهيري العربي اصلا نتيجة سوء الممارسات باسم الاسلام!

لذلك، وفي ضوء ما تقدم، فان فترة النصف الثاني من السبعينيات شهدت تبني الادارة الامريكية لستراتيجية كونية تقوم على الانسحاب الامريكي من ساحة المواجهة المباشرة مع الشيوعية وقوى التحرر ودعم التيارات الاصولية المسيحية واليهودية والاسلامية والهندوسية، ودفعها لتصبح القوة الاساسية في التصدي للفكر الشيوعي ولحركات التحرر الوطني. وبفضل هذه السياسة وصل حزب الليكود اليميني المتطرف للسلطة في الكيان الصهيوني، وبدأت الشيوعية في اوربا الشرقية تترنح نتيجة لصعود التطرف المسيحي فيها، وراينا الحزب القومي الهندوسي في الهند يتوسع ثم يصل للسلطة لاول مرة!

اما نحن فقد حصل لدينا ما يلي : في نهاية السبعينيات بدأت التيارات الاسلاموية بالصعود وملأ الفراغ، بعد سلسلة ضربات مميتة وجهتها القوى الاستعمارية الغربية والصهيونية لحركة القومية العربية، ابرزها اغتيال القائد عبدالناصر بعد هزيمة 1967 وتعمق مؤامرات شق حزب البعث العربي الاشتراكي بصفته التنظيم القومي الاساسي والاكبر في الوطن العربي، وكانت نقطتا الانطلاق الخطيرتين هما ايران وافغانستان، فمن ايران انطلقة التكفيرية الشيعية، ومن افغانستان انطلقت التكفيرية السنية، ونتيجة لانتصار الاولى على رمز غربي هو الشاه كسبت دعما شعبيا عربيا، وهو ما كان مطلوبا امريكيا وصهيونيا لسحق القومية العربية بالعثور على خيول طروادة عرب يخدمون ايران دون الخوف من اتهامهم بالعمالة للغرب، وفي افغانستان انتصرت الاسلاموية على الغزو الشيوعي فظهرت بصورة البطل الذي كان له دور حاسم في انهاء الشيوعية!

ان الصعود المتزامن للاصوليات الدينية، المسيحية والاسلاموية واليهودية والهندوسية، كان ظاهرة مرتبطة بمخطط امبريالي جديد قام على دحر وتمزيق الشيوعية وحركات التحرر في العالم، وفي مقدمتها حركة التحرر الوطني العربية، من هنا لا يجوز على الاطلاق ان ننظر لما حصل في الاقطار العربية وايران بمعزل عن هذه الحقيقة السراتيجية العظمى.  

هنا يأتي الدور الايراني في اخطر مظاهره.

 

ستراتيجية ايران العظمى

تقوم الستراتيجية العظمى لايران على اسس ثابتة منذ الفتح العربي الاسلامي لبلاد فارس ولم تتغير من حيث الجوهر على الاطلاق، رغم تغير النخب واستبدال (ملابس) النخب التي حكمت بلاد فارس او ايران، تقوم هذه الستراتيجية على نفس القاعدة التي قامت عليها الستراتيجة الصهيونية، وهي ان الامبراطورية الفارسية الجديدة لن تقوم الا على انقاض اقطار الامة العربية وذلك لان مصادر تمويل الامبراطورية الفارسية الجديدة موجودة في الجزء المحيط بها من الاقطار العربية.

هنا يجب ان نعيد التذكير باحد اهم قوانين الجيوبولتيك المتحكم بمسارات ايران، فتاريخيا تعاني ايران من ازمتين راسختين : الازمة الاولى ازمة المياه، حيث ان بلاد فارس اذا لم تمطر السماء لسنتين متعاقبتين تصاب بالقحط والفقر وتضطر الملايين للهجرة الى الخارج بحثا عن الرزق، والازمة الثانية هي ان الارض الصالحة للزارعة في ايران لا تتجاوز نسبتها 13 15 % من مساحة بلاد فارس الكلية، لذلك فان الجوع والفقر كانا من اهم سمات بلاد فارس، حينما لا تقوم بغزوات خارجية كان دافعها الاساسي هو التعويض عن الخلل الجيوبولتيكي فيها والمتمثل في نقص المياه والارض الزراعية. لذلك كانت بلاد فارس تتجه غالبا الى الغرب في غزواتها وليس الى الشرق او الشمال او الجنوب، والغرب هو العراق، الذي يوجد فيه كل ما تحتاجه ايران : المياه الوفيرة والارض الخصبة. ان من لا يفهم هذه الحقائق الجيوبولتيكية لن يستطيع فهم اسباب الحروب الكثيرة والطويلة عبر الاف السنين بين العراق وبلاد فارس.

وفي ضوء ما تقدم حصل الاقتران الشرطي بين قيام امبراطورية فارسية عظمى وتوفير موارد من الخارج، اي بالغزو. والغزو المتجه غربا يصطدم بالعراق الذي يعد الممر الرئيسي لبلاد فارس نحو الغرب، خصوصا في العصور القديمة حيث لم تكن هناك طائرات او نقل سريع. ان العراق كان ومازال هو البوابة الرئيسية لتدفق الفرس الى الغرب، منه اتجهت جيوش الاستعمار الفارسي لتغزو بلدانا كثيرة كانت اليونان من ضمنها قبل الاسلام. ان العراق هو الممر الامبراطوري الايراني الرئيس وبدونه لا مجال لقيام امبراطورية فارسية جديدة، واستنادا لهذه الحقيقة التاريخية فان السيطرة على العراق تعد المهمة الاساسية في اي مشروع امبراطوري، سواء طرح تحت نظام الشاه او نظام الملالي، ففي عهد الشاه كان غزو العراق هو الهدف رقم واحد في المشروع الامبراطوري، وفي عهد خميني تعززت هذه الفكرة وترسخت، واتخذت تسمية مضللة : نشر (الثورة الاسلامية).

 

ونتيجة لذلك نشأت نظريتان خطيرتان لدى النخب الفارسية قديما وحديثا :

النظرية الاولى تقول بان وجود عراق قوي يعد نفيا ونقضا ومنعا لاي مشروع امبراطوري فارسي مادام العراق هو المصدر الاساسي لحل ازمات ايران الجيوبولوتيكية (الحاجة للماء والارض الزراعية)، لذلك فان منع قيام عراق قوي هو القاعدة الاساسية في الستراتيجية الفارسية العظمى قديما وحديثا، او تدمير العراق القوي ان قام رغما عن ايران باي طريقة ووسيلة وبالتعاون مع اي طرف وبغض النظر عن طبيعة علاقة ايران به، مادام العدو الرئيسي لايران هو العراق القوي.

والنظرية الثانية هي العمل على تحييد العرب البعيدين عن ايران وكسبهم الى جانبها اثناء العمل على تدمير العراق او استنزافه او منع نهوضه وتعزيز قوته. ولعل خير من عبر عن هذه الحقيقة هو القائد الكبير طارق عزيز فك الله اسره حينما قال ان ايران تعادي العرب الاقربين وتصادق العرب الابعدين. عهد الشاه محمد رضا عادى العراق وصادق انظمة عربية معروفة من بينها نظام السادات، وفي عهد خميني تواصلت سياسة معاداة العراق وبشكل اشد من معاداة الشاه لكنها اقترنت، كما هو متوقع، بالتظاهر بدعم فلسطين واقامة علاقات قوية بسوريا، وليبيا في وقتها. والهدف في كل الاحوال يبقى محاصرة وعزل العراق وتسهيل تفتيته وتدميره. ان ما جرى بعد وصول خميني للسلطة يؤكد بلا شك ما ذكرناه : ففي الوقت الذي ارتفعت شعارات مناهضة اسرائيل وامريكا كان رصاص ايران خميني يوجه للعراق ولم يوجه اطلاقا الى امريكا او الكيان الصهيوني! ولم تقم الحرب بين ايران خميني وامريكا واسرائيل بل فرض خميني الحرب على العراق، في ممارسة تقليدية للنخب القومية الفارسية.

في عهد الشاه كانت ايران تريد ضم الخليج العربي لها وجزء من العراق وفرض الهيمنة على باقي الوطن العربي بقوة ايران، اما في عهد خميني فان الشهية القومية الفارسية توسعت واصبح كل الوطن العربي وكل العالم الاسلامي مطمعا ايرانيا معلنا ولكن تحت شعار مضلل وهو نشر ما سمي ب(الثورة الاسلامية)، لذلك فان اهمية السيطرة الفارسية على العراق اصبحت اكبر في عهد خميني وتلامذته الحاليين مما كانت في عهد الشاه، وتبعا لذلك فان السعي لكسب العرب الابعدين اصبحت اكثر ضرورة، خصوصا استغلال اسم فلسطين لضمان صمت بعض العرب على ذبح العراق!

ان دعم منظمات فلسطينية بالمال والاعلام، ومهما كان مكلفا لايران، لا يعادل جزء من مليارات مما ستكسبه ايران من السيطرة على العراق او تدميره وهو اقامة امبراطورية فارسية عظمى تبدأ من العراق وتعتمد على طاقاته البشرية والمادية. كما ان العراق التابع لايران يصبح اهم قوة تنشر الفكر الصفوي الفارسي في الاقطار العربية، والذي يمهد لتفتيت الاقطار العربية طائفيا ويضعف القوى الوطنية، نتيجة تحويل الصراع من صراع تحرري بين قوى التحرر والعدوين التقليديين للامة العربية، وهما الكيان الصهيوني وامريكا، الى صراعات طائفية دموية ومدمرة بين ابنا العروبة انفسهم. وهذا التفتيت الذي تقوم به ايران والمقترن بدعم ايران لمنظمات فلسطينية وسوريا، يضعف بروز رد فعل عربي مناهض للمشروع الاستعماري الفارسي، من جهة، ويسمح بجعل بعض العرب ادوات طيعة في يد القوميين الفرس من جهة ثانية.

من هنا فان السلاح الاخطر في يد ايران الان والذي يمكنها من تحطيم اهم عوائق التوسع غربا هو الفتن الطائفية في العراق والاقطار العربية، وهذه الحقيقة هي التي جسدها الشعار الايراني الذي اطلقه خميني والذي يقول (ان تحرير القدس يمر عبر تحرير بغداد)، وهو شعار فتح ابواب جهنم على العرب والمسلمين وتجسدت نيران جهنم هذه بظاهرتين :

الاولى تفجير ايران لحرب دائمة ومستمرة منذ عام 1980 وحتى الان بين العرب كامة وبين النخب الفارسية التي تقود ايران، وكانت اهم مظاهرها الحرب التوسعية الاستعمارية التي فرضتها ايران على العراق بين عامي 1980 و1988 (من يظن ان الحرب التي فرضتها ايران على العراق انتهت في عام 1988 واهم)، وما عقبها من حروب مختلفة الحدة (ارهابية ودعائية وسياسية وافسادية) شنتها ايران وماتزال تشنها ضد كل الاقطار العربية من اجل نشر الفتن الطائفية وكسب ايران لمواطأ قدم في كل قطر عربي تستند عليه في عملها على تفتيت الاقطار العربية على اسس طائفية مصطنعة.

الثانية تحول الحروب والصراعات من صراعات عربية صهيونية الى صراعات عربية عربية او عربية - ايرانية، او اسلامية اسلامية. ان الفضل الاول والاهم في فتح ابواب جهنم يعود باستحقاق تام الى الحركة القومية العنصرية الفارسية الحديثة التي تطلق على نفسها تسمية (الخمينية). لقد دفعت الخمينية الصراع مع الصهاينة الى الخلف تماما، من الناحية الواقعية وعلى صعيد الستراتيجيات العظمى، في تلاق واضح عملي ورسمي مع الجهد الصهيو امريكي لتحرير الكيان الصهيوني من مخاطر واعباء الصراع الدائم مع العرب، من جهة، وقيام الخمينية باستنزاف الاقطار العربية بازمات متعددة طائفية وصراعات على الارض وعلى غيرها، مما يجعل الخوف من امريكا يتراجع ويحل محله الخوف من ايران، التي تطالب بالبحرين وتوسع نفوذها في كافة الاقطار العربية، وتلك هي اهم خدمة للمخطط الامريكي - الصهيوني، من جهة ثانية.

وهنا يجب ان ننتبه الى حقيقة معروفة وهي : في الستراتيجية العظمى لا تحسب المكاسب والخسائر في ضوء ستراتيجية فرعية بل وفقا لاهداف الستراتيجية العظمى، حيث يمكن ان تخسر الدولة في الستراتيجيات الفرعية مقابل ضمان تحقيق مكسب كبير في الستراتيجية العظمى، وامريكا والكيان الصهيوني يكسبان في اطار الستراتيجية العظمى من النهج الايراني كما نرى في واقع حال المنطقة كلها.

salahalmukhtar@gmail. com

20/3/2009

شبكة البصرة

الاثنين 26 ربيع الاول 1430 / 23 آذار 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس