بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنسحاب أمريكي حقيقي.. أم إعادة إنتشار؟ 

شبكة البصرة

د عادل البياتي

كاتب اكاديمي عراقي  

دعا نوري المالكي العراقيين للأحتفال والإبتهاج بما أسماه (يوم السيادة)، لأن القوات الامريكية اعلنت انسحابها الى خارج المدن السكنية، وتمركزها في العديد من القواعد والمعسكرات خارج تلك المدن، بناء على الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن، التي تنص على انسحاب جزئي من المدن في 30 حزيران 2009 ثم انسحاب كلي من العراق في نهاية عام 2011، مع بقاء ما يقارب 50 ألف جندي في العراق، قيل ان بقاءهم لأغراض التدريب والمساعدة الفنية في تأهيل القوات العراقية. ولإنعاش ذاكرة المالكي ومن معه نقول أنه في يوم 30 حزيران 2004 (أيضا!!!) إحتفل العراقيون بما سمي يوم (إعادة السيادة)، يوم غادر الحاكم الامريكي بول بريمر العراق بلا رجعة بعد انتهاء مهامه وسلم السيادة في حفل رسمي منقول على الفضائيات الى حكومة مؤقتة برئاسة أياد علاوي، عقب صدور قرار من مجلس الأمن، يقضي بتغيير تسمية (قوات الإحتلال) إلى (القوات متعددة الجنسية!!)، لكن الواقع لم يكن كذلك، بل بقيت الكلمة الأولى والسيادة الفعلية للامريكان في الارض والسماء، واستمر طائراتهم تقصف مدن المقاومة وتدمرها، وكذلك منعت امريكا، تجهيز الجيش الجديد باسلحة متطورة او طائرات مقاتلة – وحتى اليوم-!!

لقد تضاربت وجهات النظر حول (المناسبة) وحول (الانسحاب)، فالمالكي يريد تسجيله (إنجازاً) له ولحزبه، يستخدمه في حملته لإقناع العراقيين بإعادة إنتخابه في الانتخابات النيابية اواخر العام الحالي، ولهذا وجهت الاتهامات الى حكومة المالكي بالمبالغة في الادعاء بالنصر، لأغراض سياسية حزبية انتخابية ليس إلا!!!

اما الأكراد (واقصد تحديدا جلال الطالباني ومسعود البارزاني) فقد امتعضا من قرار الحكومة المركزية بتصعيد (الاحتفالات والابتهاج واعطاء عطلة للموظفين)، فقد رفض البارزاني رئيس اقليم كردستان تنفيذ امر المالكي بمنح الموظفين الكرد (عطلة)، وكان البارزاني والطالباني يريدان أن تتوجه الاحتفالات نحو (تمجيد) القوات الامريكية والتعبير عن الشكر والامتنان لها لما قامت به من دور في (تحرير) العراق!!

 (المقاومة العراقية)، من جانبها، ومعها كل العراقيين المناوئين للاحتلال، اعتبروا هذا الإنسحاب (نصراً للمقاومة العراقية) وتتويجا لجهادها المتواصل ضد الاحتلال منذ 2003 والتي اوقعت فيه مايزيد عن 4500 قتيل امريكي.

آخرون، التزموا الصمت، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!، بل اعتبروا المسألة مجرد (تكتيك أمريكي)، بالتنسيق مع حكومة المالكي، بدليل ان الجيش الامريكي سيظل يحتفظ بأكثر من 135 ألف جنديا في معسكرات قريبة جدا من مدينة بغداد وسائر محافظات العراق، وهذه المعسكرات لا تبعد سوى مسافات قصيرة من مراكز المدن. والاتفاقية خولت الحكومة العراقية حق استدعاء القوات الامريكية والاستعانة بها عندما تقتضي الظروف الأمنية ذلك!! أما (الصحوة) التي أسسها الأمريكان من أجل مقاتلة القاعدة، واعادوا ربطها بالحكومة العراقية، بالرغم من تهرب المالكي من مسؤولياته تجاهها، لأنه يراها عقبة في طريقه الطائفي، قال أحد قادتها ان هذا الانسحاب ليس انسحابا تاما بل هو اقرب مايكون الى خطة اعادة انتشار، وتصحيح لأخطاء امريكية سابقة، نتيجة الاحتكاك المباشر بالمواطن العراقي!

ويبقى الحديث عن (الفراغ) الذي يحدثه الانسحاب الامريكي من شوارع المدن؟ فالكل يعلم أن تدخل قوات الاحتلال بين صفوف العراقيين منذ مطلع عام 2003 لم يجلب لهم سوى المزيد من عوامل الفرقة، والدم، وتدمير الممتلكات، ولم يكن بوسعهم التفرغ لإعادة إعمار ما دمرته الحملة العسكرية التي جاءت تحت شعار توفيـر مقومات الرخاء الاقتصادي والبناء الديمقراطي. في حين يعلم العالم أن الأجندات الحقيقية للغزو تكمن في تدمير قدرات العراق، وتحييد دوره عن ساحة الصراع العربي الصهيوني، بعد ان كان العراق يشكل بقوة أبنائه وموقعه الجغرافي وما يكتنزه من مصادر دخل قومي، عمقاً استراتيجيا لأمته العربية، وكان على الدوام، الشوكة التي تدمي أنف الجيش الصهيوني. كما أن الحرب على العراق، بالمعايير السياسية والعسكرية، فشلت لأنها لم توفر الاستقرار وتسبّبت بتدمير البنية التحتية للمجتمع العراقي، وأشاعت الفتن، وعممت ثقافة الفوضى الخلاقة، ولهذا تقتضي أدوات اللعبة، أن يخرج جنود الاحتلال بماء وجوههم، ومن هنا يكون الحذر الشديد فيما سيأتي من الأيام، إذ يتوقع أن يلجأ عملاء الصهيونية ووكلائها، إلى افتعال العديد من الأزمات، بقصد التغطية على عيوب الاحتلال، أو خلق مسوغات جديدة لاستمرار بقائه.

وزير الداخلية جواد البولاني كتب في الواشنطن بوست صبيحة 30/6 مقالة بعنوان (المهمة لم تنته بعد) محذرا بالقول: «إن الفساد والعنف هما تهديد يتعين على العراق أن يكافحه كل يوم، وإن الفساد ألحق دمارًا ماحقًا بالبلد». وأشار البولاني إلى أن وزارته طردت أكثر من 60 ألف شرطي بتهمة الفساد وأن زهاء 40 ضابط شرطة يواجهون تهمًا بارتكاب خروقات في السجون. كما لمّح البولاني إلى «أن إيران مازالت تتدخل في شؤون العراق وسيادتنا الداخلية لصالحها وإن بقاء نظام الحكم في إيران يعني استمرار الدعم لجماعات وجهات متعاطفة معه في العراق».

على صعيد مماثل وفي مجال التاثير الايراني على الوضع العراقي، تكشفت انباء تؤكد سعي ايران لتشكيل «تحالف ثلاثي تابع لها، مكون من حزب الدعوة، والتيار الصدري، وتيار الحكيم»، وان المهندس والمايسترو لهذا التحالف، هو قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الذي يأتمر مباشرة من المرشد الأعلى في إيران». وكثير من المصادر الأميركية والعراقية تؤكد على أن لسليماني تأثيرا كبيرا في العراق وهو يُعجل في يناء هذا التحالف لافشال مهمة جو بايدن ممثل الرئيس باراك اوباما الذي كلفه أخيراً بمهمة تنسيق جهود المصالحة السياسية في العراق، وهذا ما سوف يُعَجّل بمواجهة سياسية صعبة بين واشنطن وطهران في بغداد، قد يكون نجومها جو بايدن مفوض الرئيس اوباما، وقاسم سليماني مفوض المرشد الاعلى.

ما من عراقي إلا ويفرح بانسحاب الاميركان، لكنه يريده انسحابا حقيقيا وليس مناورة او اعادة انتشار، لان العراقيين انهكهم العنف والاقتتال ويتطلعون لاعادة بناء بلدهم، ولأن هناك قوى ترى في الانسحاب الأمريكي تهديدا لمصالحها ولبقائها، لذلك ليس غريبا ان تتصاعد وتيرة العنف المجهول في العراق خلال الايام المقبلة، والذي يقف ورائه من لهم مصلحة في إبقاء الأمريكان لأنهم يعتقدون جزما أنهم بدون الامريكان يخسرون سندا حاميا لهم من غضبة الشعب العراقي!!.

شبكة البصرة

الجمعة 10 رجب 1430 / 3 تموز 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس