بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لا مصالحة فلسطنية دون سوريا

شبكة البصرة

بقلم المحامي حسن بيان

تكاد لا توازي الساحة اللبنانية في تعددية قواها السياسية وعوامل التأثير بها، سوى الساحة الفلسطينية التي رغم التحديات الكبيرة التي تواجه معطى الوضع الفلسطيني، فإن الانشطار السياسي ما يزال يرخي ظلاله الثقيلة ومعه تتعثر المحاولات الرامية لصياغة ميثاقية سياسية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار كل المعطى السياسي لساحة الفعل الفلسطيني، سواء الذي يستمد مشروعية من ارث نضالي متراكم ووصل رصيده حافة النضوب، أو الذي يستمد مشروعية من انبعاث متجدد لحركة النضال الوطني الفلسطيني بعدما عاد هذا الفعل يتمركز بشكل أساسي في الأراضي المحتلة بعد اندلاع الانتفاضة على تعاقب مراحلها.

ان الارث النضالي المتراكم والمتجدد، والذي كان يجب أن يكون كافياً لإعادة تجديد الشخصية النضالية الفلسطينية وصياغة برنامج متكامل يخاطب معطيات المرحلة الراهنة بموازي قواها وتلك التي تشكل أهدافاً استراتيجية، لكن السائد على ساحة الفعل الفلسطيني لا يرتقي إلى الحد الأدنى من الطموح الجماهيري ببعديه السياسي والوطني. وهذا ما بدا واضحاً من استمرار الانشطار السياسي عامودياً وأفقياً، والذي أدلى ويؤدي إلى استمرار النزف في دم الجسم الفلسطيني، والذي اوصله إلى حالة انهاك لم تعد الرافعات الداخلية قادرة على الاستنهاض به وهو المقيد بتعقيدات الداخل ومحاصرات الخارج. وما يؤكد بأن الانشطار الفلسطيني بلغ من الخطورة وضعاً باتت تهدد معه كل المكتسبات الوطنية الفلسطينية التي تراكمت أو التي تجددت، هذا العجز عن بلورة وحدة وطنية فلسطينية كانت فرصتها متاحة بعد العدوان الصهيوني على غزة ولم تقتنص.

وإذا كانت أسباب كثيرة حالت وتحول أو أعاقت وتعيق دون توحد وطني فلسطيني على قاعدة برنامج الحد الأدنى الوطني كتوازن القوى الداخلي وعدم وجود المركز الوطني الجاذب وتغليب الفئوية السياسية عل الوطنية الجامعة فضلاً عن الاعاقات الناتجة عن الاحتلال والحصار وسوء الإدارة والفاسد، فإن أسباباً أخرى لا يمكن التقليل من تأثيراتها على معطى الوضع الفلسطيني.

من هذه الأسباب أن ميزان القوى السياسي والعسكري في معطى الصراع العربي الصهيوني ودائرته الفلسطينية مختل بشكل كبير لمصلحة العدو، وأن هذا الميزان لا يمكن تعديله بالاستناد إلى المرتكز الفلسطيني وحسب، بل يحتاج الأمر إلى مرتكزة العربي وبعده الدولي.

وإذا كان البعد الدولي يختصر بشكل رئيسي بالفعل الأميركي الذي وأن غير من لهجته السياسية إلا أنه لم يغير حتى الآن في صلب خياراته الاستراتيجية وبالتالي لا يراهن عليه فإن الرهان يبقى على الدور المرتكز العربي.

هذا المرتكز الذي سجل تراجعاً ملحوظاً في حضوره مع التعامل مع الأزمات الكبرى وبما أفسح المجال لانتفاخ أدوار اقليمية على حساب الدور العربي يجب إعادة استحضاره كعامل أساسي من عوامل تقرير وتحديد الخيارات السياسية الكبرى التي تهدد المنطقة –العربية وتحديداً القضية الفلسطينية.

وهذا الاستحضار للمرتكز العربي يجب أن ينطلق التحضير بداية من المواقع الأكثر أهمية والأكثر تأثيراً في الحياة السياسية العربية ونقصد بذلك الموقع المصري، فهذا الموقع هو الأكبر وهو الأهم وهو الأقدر على إعادة ملء الفراغ الذي نتج عن تنازله عن دوره الوطني ببعده القومي بعدما قيدته اتفاقيات كمب دافيد بقيود حدت من دوره وفعله ونقلته من مصاف إلى آخر.

هذا الموقع الذي أعطته الجغرافيا السياسية ميزتين اولى خاصة بفلسطين وثانية عامة بالوطن العربي، لا توظف تأثيراته توظيفاً وطنياً كما ترغب مصر جماهيراً وارثاً وتاريخاً، والأمة العربية، التي تنشد دوراً لمصر يتلاءم وواجب المسؤولية الملقاة على عاتقها.

ولهذا فإن مصر التي تقوم بدور في المساعدة على تحقيق مصالحة سياسية فلسطينية وصولاً إلى بلورة برنامج سياسي موحد، لم تستطع حتى الآن رغم امكاناتهاا وقدراتها على الوصول إلى هذه الغاية ومرد ذلك ليس حدة الانشطارات الفلسطينية وحسب، بل وبسبب عوامل اخرى فلسطنية ومصرية وعربية

 

وكي تصل المبادرة المصرية الى غاياتها في تحقيق مصالحة فلسطنية فإنها تحتاج إلى توفر ثلاثة عوامل:

العامل الأول: مصري وهي أن مصر التي تقدم نفسها وسيطاً بين الأطراف الفلسطينية، يجب أن لا تكون هكذا في التعامل مع الحالة الصراعية مع العدو الصهيوني، وبعبارة أخرى أن لا تكون في موقع الوسيط بين فلسطين وكيان العدو بل في الموقع الطبيعي الذي يميله الواجب والمسؤولية القومية وعنده يبطل أن يكون الموقع المصري موقعاً ضاغطاً على الفلسطينيين لدفعهم لتقديم التنازلات السياسية بل موقعاً داعماً وحاضناً لمشروعهم الوطني يبعديه المرحلي والاستراتيجي وبالتالي عامل اطمئنان لهم.

 

العامل الثاني: ان تعي مصر أن ساحة فلسطين ليست مفتوحة على عامل تأثير واحد، بل هي مفتوحة على عوامل أخرى ولعل أهم موقع عربي في التأثير على ساحة فلسطين بعد موقع مصر هو موقع سوريا ولذلك على مصر أن تبادر إلى دعوة سوريا أولاً واستحضار كل دور عربي آخر للمساعدة على بلورة مشروع سياسي للوحدة الوطنية الفلسطينية. وبدون دعوة سوريا بشكل خاص عبثاً يجري البحث على حلول لصياغات سياسية وطنية فلسطينية وعلى قاعدة أن لا مصالحة وطنية فلسطينية دون رعاية عربية ودور سوري بشكل خاص ولا يكفي ان يزور الرئيس عباس دمشق بل الامر يتطلب مبادرة مصرية نحو سوريا.

 

العامل الثالث: ان تكون لدى الأطراف الفلسطينية وخاصة الأساسية منها الجرأة لاتخاذ مواقف تحاكي المرحلة الراهنة بمعطياتها وموازين قواها. وهذا لا تستطيعه إلا القوة التي تحوز على مشروعية سياسية ونضالية كما نهجه المرحوم ياسر عرفات في مراحل سابقة، وان ما أعلنه مشعل مؤخراً يعتبر خطوة ايجابية مندرجة ضمن هذا السياق، وهذا من شأنه أن يساعد على بلورة المشروع الوطني المرحلي الذي يحفظ الحقوق الوطنية دون التفريط بالأهداف الإستراتيجية.

إن توفر هذه العوامل الثلاث وتقاطعها بشكل إيجابي يؤسس لبداية عمل وطني فلسطيني محكوم بوحدة الرؤية المرحلية والاستراتيجية ومحمي برعاية عربية،وهذا ما يشكل ضمن حدود الإمكانات المتاحة رداً على الخطاب السياسي الصهيوني ويفتح معطى الصراع العربي –الصهيوني على بدايات جديدة فيها المدخل لتعديل جدي في ميزان القوى وعامل ضغط على الموقع الاميركي لان يكون على قدر مقبول من التوزان.

في 3/7/2009

شبكة البصرة

الجمعة 10 رجب 1430 / 3 تموز 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس