|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
انتخابات القشة التي قصمت ظهر البعير |
|
شبكة البصرة |
| حمدان حمدان |
|
التقاط عملية التزوير في انتخابات ما وفي بلد شمولي، مسألة عصية على التحقق، لكن الناس يدركون مهارة هذه الأنظمة وباعها الطويل في الخبرة والتخصص، ولأنهم لا يرغبون باكتشاف ما يعرفون، أو أنهم لا يريدون ايقاع أنفسهم بما لا يشتهون، فإن الصمت مملكة الحكمة في ايثار السلامة والراحة!.. في ايران الوضع مختلف تماماً، فالنظام لاجتهادات دينيّة يعتصم بولاية الفقيه، لكنه لا يعترف بطبيعته الشمولية، إذ أن ذلك من قبيل الجحود إلى درجة الكفر والإلحاد. وعلى الرغم من اعترافه بحدوث اختراقات انتخابية غير قانونية إلا أن مجلس صيانة الدستور صاحب الاختصاص، اعتبرها من الاختراقات الصغيرة التي لا تستدعي إعادة الانتخابات أو إعادة فرز الأصوات في عموم إيران. والمسألة هنا ليست كهنوتية في دير على رأس جبل، فالمجلس أفاد بوصف لكنه لم يُفدِ بعدد، فالأصوات أعداد وليست بأوصاف، فالصغير يُردّ إلى أشياء ومساحات أو أحجام... وهي من المسائل النسبية، والعدد يعطي الدقة في الحساب، وفي هذا اغماط أول لحقيقة لا يراد نشرها، وعلى جوانب المشهد مفترضات يمكن لنا أن نسمعها : 1- ليس ثمة حقيقة مؤكدة أن تعداد الناخبين وصل إلى رقم أربعين مليوناً حسب اعلام رسمي، ذلك أن مجموع أصوات الفائز والخاسرين لم يبلغ هذا الرقم، وأن التساهل في الفرق بين ما نُشر وما أحصي فعلاً، أشبه ما يكون بالصغيرة إلى الكبيرة في قاموس صيانة الدستور. 2- إن احصاء السكان في عالمنا الثاث، هو آخر ما تهتم به حكوماتنا، فالاحصاء لدينا غالباً ما يعود لقضية سياسية مناسباتية، وليس ضرورة اجتماعية وتخطيطية ومعيشية دائمة، فقد سبق للاحصاء العراقي أن قال بتسعة ملايين مصوّت على الدستور (المقدس)، فيما مرجعية التعداد تعود إلى البطاقة التموينية، أو إلى أشتات كشوفات ملصوقة لهذه المحافظة أو تلك وكلها متناسبة مع أعمار أحفادنا في الدراسة الثانوية!.. فليس مثل أرقامنا الاحصائية قابلية للرقص، إذ من المستحيل أن تجد رقماً مطابقاً لآخر في أي جهة حكومية ذات صلة. 3ـ إن القبض على عملية التزوير في ظل أنظمة شمولية كما أسلفنا أقرب للامساك بشعاع الشمس إذ بدلاً من أن تصل إلى الحقيقة فإنك تصل إلى السجن، فالانتخابات من متطلبات التسويق العالمي، وليس لها أن تكون تعبيراً عن ارادة شعبية، قدر ما هي مناسبة للتعبير عن إعادة إنتاج الرضا بالنظام، وأن سعادة غامرة تجتاج المجتمع في ظل نعيم مشترك يصل بين سائق الحافلة إلى صاحب القرار الأول فوق سدّة العرش، ومع هذه الخلاصة فإن إثبات عملية التزوير لا يمكن أن تكون إلا في الاستنتاج، فهناك إشارات دالة على حدوثها، مما يتفق هنا مع مقولة (قناعة القاضي)، وهي واقعة فعلاً في الانتخابات الرئاسية الايرانية، فبصورة موضوعية وحيادية، نستطيع القول بأن المكوّن الأذري في المجتمع الايراني، يأتي ثانياً بعد المكوّن الفارسي، وليس بعيداً عن الحقيقة، أن التجافي بين القومية الأذرية والفارسية لأسباب تميزّية، إنما هو من وقائع التاريخ الذي لا ينكره أحد.. فكيف لنجاد غير الأذري أن يجتاح موسوي الأذري في سلالته وأهل دياره وذويه؟ وكما يقول أهل القضاء(ليس ثمة جريمة كاملة) إذ هناك ما يسعف في الوصول إلى دليل، فالذكاء كان يفترض اعطاء أرجحية لموسوي في مواطن الأذريين لا أن ننتهي إلى (صفعة قاسية) تتلقاها أمريكا والغرب على لسان الفائز نجاد، ففي هذا الغضب مراهقة سياسية، أشبه ما تكون بانكار الهولوكست (بدفاع مبطن عن النازية)، وليس لنا في ذلك (حق للسائل والمعلوم)، وأن الهولوكست ليست ذنبنا، بل هي ذنب أوروبيين متذابحين على المجالات الحيوية التي هي بلادنا!.. 4- هناك سباق محموم على اعلان النتائج قبل فتح صناديق الاقتراع، فوكالة الأنباء الايرانية الحكومية، مع وكالة أنباء فارس، أعلنتا فوز نجاد ولم يمضي على إغلاق الصناديق ثلاث ساعات، وهكذا كانت ردة فعل الموسوي بإعلانه عن الفوز، فيما لم يجر فرز الأصوات بعد، مما يشي باستخفاف في الشفافية والصدقية، فقد كان على إيران الدولة الإقليمية في المنطقة، ألا تقع في منطق الدول الأشد تخلفاً في العالم، بإعلان النتائج مع اغلاق الصناديق، ففي فلسطين المحتلة (التي هي أقل مساحة من محافظة طهران) فازت حماس وصدعت فتح، دون استباقات عبثية نحو النتائج، فيما لم يلهج لسان بكلمة تتهم بالتزوير، فكيف بوكالات رسمية حكومية، تسارع إلى إعلان النتيجة قبل أوانها، وهل يمكن أن يحدث ذلك دون موافقة المرشد الأعلى الذي هو ذاته، القائد العام للقوات المسلحة كما أنه القائد العام (للثقافة والاعلام)؟!. حسب نص صريح في الدستور الإيراني. وكاستنتاج موازٍ، فإن التصويت الأذري واللهفة في استباق إعلان النتائج، يوحيان بإمكانية (افتاء) التزوير بحكم الضرورة، فالضرورة بحكم الفلسفة الفقهية الخمينية، عامل حاسم في إجازة ولاية الفقيه، إذ ليس من المعقول أن يبقى المظلومون في حالة انتظار لموعد مجيء المهدي، وهم يسامون سوء العذاب لدهور. 5- لم تكن المرجعية العليا كما عليها أن تكون، على مسافة واحدة من المرشحين، فقد كان واضحاً أن المرشد الروحي يقف إلى جانب نجاد بانحياز صريح، وما قوله أن نجاح نجاد (هو اعجاز إلهي) إلا واحدة من خليطة دينية وسياسية، فما أسهل استحضار الإعجاز حين يراد له أن يكون كشفاً ذاتياً لإظهار ماتتمنى النفس وتخفي الصدور. 6- يمكن رد الهيجان الدموي اثر إعلان النتائج إلى اعتبارات تراكمية وتاريخية لا علاقة لها بالأثر الآني للحدث... ففريق النظام يَطلي المعركة بألوان المصير والوجود، وفريق المنافسة يراها معركة تجاه داخلها أي تجاه نفسها، ففريق السلطة يريد أن يردها إلى الخارج ومؤامراته، وفريق الاعتراض يراها مسيرة داخلية قد تودي بإيران دون حاجة إلى مؤامرات خارجية، فالثورة الاسلامية انتهت إلى الاتكاء على الحرس والأمن والباسيج بديلاً عما يقرره الشعب بمصاحبة الفتوى والحجة والبرهان كما هو دستور الامام الخميني، صار البون شاسعاً بين المأمول والمحمول، فالبطالة وصلت إلى أربعين بالمئة في قوة العمل، ونسبة التضخم من بداية نجاد إلى انتهاء ولايته ارتفعت من 18 بالمئة إلى ثلاثين بالمئة وهناك 800 ألف طالب عمل يقرعون أبواب الحكومة والمؤسسات سنوياً، الطبقة العليا تلعب الغولف وتلبس (لانفان) ونظارات (برادا) وأحذية (بالي) وساعات (رولكس) فيما الطبقة الوسطى تخرج من مصادر عملها متظاهرةً إلى الشوارع.. الحرس الثوري يحتكر ماكان يعرف بحقوق المؤسسات ورجال الأعمال، فتنمية حقل فارس للغاز الطبيعي بعقود وصلت إلى ثلاثة مليارات دولار، بات من أعمال الحرس، وهناك عقد بتكلفة مليار دولار ونصف المليار من الدولارات لمدّ انبوب غاز (من قبل الحرس) إلى الموانئ في الجنوب الشرقي من البلاد، وهناك أكثر من ثلاثمئة مشروع نفطي وصناعي وتكنولوجي وزراعي.. يعمل بها الحرس الثوري بعيداً عن المتعهدين والشركات ذات الصلة الاقتصادية. مصباح يزدي الذي هو المرشد الروحي لنجاد، يتأهب كي يصبح خليفة المرشد الأعلى خامنئي، ويقف الحرس الثوري وراء هذا الاقتراح، خاصة بعد ازدياد مرض خامنئي وعدم قدرته على ممارسة أعبائه. وفي العد والحساب، فإن عوائد النفط الايراني تصل إلى 75 مليار دولار سنوياً، وهي لا تذهب كما وعد الرئيس نجاد إلى موائد الإيرانيين بل إلى مقارعي (الشيطان الأكبر) في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. النشاط النووي يبهظ الخزينة الإيرانية وغالباً ما تُطالَب روسيا بتأجيل مواعيد الدفع، النظام السياسي يريد إيران قوية وإقليمية، وهذا حقه دون ريب، لكن ثمة أولويات معيشية – اجتماعية لا يمكن تجاهلها، فالشعب يريد دولة قوية، لكنه يريد أن يحيا العصر أيضاً.. إنها افتراضات تقترب من الوقائع، فجدلية الدولة القوية مع اقتصاد ضعيف، تشي بتجربة ملموسة لا جدال فيها، فالإتحاد السوفيتي صاحب (العشرين ألف) صاروخ نووي، سقط دون رصاصة واحدة... كان مكر التاريخ يختفي وراء أكمة اسمها الاقتصاد ولا شيء غيره. |
|
شبكة البصرة |
|
الخميس 9 رجب 1430 / 2 تموز 2009 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |