بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بغداد بين أحضان الربيع ولهيب الصيف

شبكة البصرة

شاهين محمد

في كل ربيـع تغطي الألوان الخضراء المروج، لتنقل الإنسان من زمهرير الشتاء إلى حر الصيف بسكون، إلا في بغـداد فكان الربيـع محمـلا بحمم البراكين، والمطر كان من لهيب الجان، وبدل من أن يصبح النهار كطول الليل أمسى الموت شبيه الحياة. هلال ذلك الربيع لم يكتمـل لأنه ربيع آذار 2003، ذلك ما أراد قيصر الروم بوش أن يـُكفر مسميات الفصـول من زمن أشور،، فلا ربيـع لكـم أيها القاطنون بلاد الشمـس، جئتكمـا أنـا بـوش بفصـول،، أعُلمكـم إياها وارد إليكم الحرف والقلـم. أعلمكم الخـوف ليقمع شهواتكم، وتشعروا به وتحسونه في نفوسكم ويبقى راقدا في جوانحكم. رُسـل الموت من السماء والبحار ومن دول الجوار تريد أن تستقر في أرضكم، فلا تمانعـوا فانا أمـرت ولـي يرجـع الأمر فانا فرعـون وقيصر هـذا الزمـان!!. أنا بوش.!.

 

مر الزمـن مسرعا ليس بالساعات بل بالأرواح الصاعدة إلى السماء، تركد بدل عنهـا الأهوال النازلة من فوق، حمم الكابـوي وماسون وصهيون مع ضحكـات كل الجيران، وإذا ببغداد غائبة عن الحياة لولا ما جاء في سورة الأنبياء (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ). تبدلت كل الألوان في الوجوه وفي الليل والنهار حتى مات كل الأقحوان من لهيب الجان، فظلمة الليل مزقتها نيران كروس وتوما هوك العابر للخلجان. ملايين الأطنان من النار زرعت في السهل والجبل وكل شبر من ارض أنبياء الرحمن، ادم ونوح ومن سكن بطن الحوت خائفا فنادى من ارض بلادي ربـه فنجاه. لبس ليل الربيع عباءة حمراء، والنهار يلهث يلمم أشلاء المدينـة ويصرخ عبسا بوجهه السماء،، لمُ هـذه الدماء بـدل المـاء يا أيها الربيع؟!!!. فأمطرت السماء كل أنواع الموت*، الزؤام، الأحمر،الأبيض والأسود و موت الوحي لم يغيب. فهمد النهار، وتململ باكيا بين الحطام. لقد بدء الظلام يوم احترق قصر السلام في مدينة السلام.

 

ومشت الأيام في غفلة ووصلت في نهاية العشر الأولى من نيسان 2003 و ادلهمت سماء بغداد المنصور وسكنت أرضها جيوش الغزاة، فصُـدم البشر والطيـر وكاد أن ينطـق الحجـر، فلم يكن الليل اسود ولا النهار نهـار. فتغنـت قم أبيـب بكل أغاني البهجـة والسرور، ورقص كل القادة والحكومات على أنغام موسيقى الشماتة.  فغاب الليل والنهـار بكاء على بغداد. الليل كان يأتـي إليها ليشـم رائحـة دجلـة، ويبسط ذراعية على خدود الفرات ويرسم خيوط الفجر ليرحل عن كل هذا الجمال، والنهـار يدنـوا محبا لزهو بغداد فهي أم الدنيـا  ودار السلام وقبة الإسلام وفيها كلمات السياب ونزار وصدحت لها فيروز و أنشدت لها من ارض الكنانة سيدة الأصوات. لقد دنس العلوج أجمل الكلمـات، أحاطوا دجلة بالأسوار، فلم يبقى إلى الليل فسحة بين الدخان، أما النهار رقرقت دموعه على مقلتيه فما عاد يبصر، وتوارى عن الأنظار. فإذا ببغداد دون ليل و نهار، تـُدمر شوارعها سرف آليات جند المارد الشرير، وتحطمت فيها الإقفال ويصبح السـلام في خبر كـان.

 

تسلل الخوف والعجز والظلم للعالم بعد إن بدا واقفا خالع ورقة التوت عن الضمير قبل الأجساد. من هنـا من بغـداد إليكم النـداء،، نحن من قال عنا الفاروق، هاهنا كنز الرجال و رمـح اللـه الذي لا ينكسر، وأم الدنيـا وخيرها بلغة الجاحظ والشافعي. نحن نمتشق السيوف ولن تغمد حتى يرجـع الليل والنهـار إلى بغداد ونزيـح العلوج عنها ضاربين الرقاب. نحن لها حين تدلهم الخطوب،، نحن بدائنا ها،، بسم الخالق الجبار وباسم العراق والأمة التي اجتباها الواحد لختام الأديان. لا العديد ولا العتاد ولا حتى الحصون تدفع عنكم البلاء. نحن إذا هممنا لأمر صدق فينا المورث من القول (همـم الرجـال تزيـل الجبـال). شمرنا الأذرع وحزمنا البطون وحملنا أمانة الجليل القهار على راحة الكفوف و تسابقنا على مجلس الشهداء، فأمطرنـا أبنـاء صهيون وماسـون بحجار السجيل (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). سارت نعوش العلوج تصل إلى عقر المتغطرس المارد الشرير، نعق من على سفينة النار،، انتصرنـا وانتهى النزال،، فلم تصدقه (بيزلـي)** ومن تشاركه الفراش فهن اعلم بكذب الناعق الخرفان. الأكياس السود لفلفت أشلاء المأجور والعبيد ومن حلـم ببطاقة الدخول إلى مدينة الذهب بلاد العم سام. والذهب الأسود في بغداد الذي سالت عليه لعاب المارد الخرفان، تبخر في حرائق الميدان. لقد زاد العفن في أجساد صناع العدوان كالفضلات المتروكة على قارعة الطرقات. بكت الأمهات فلذات الأكباد وتواصل النحيب ودعا المارد الشرير إخراس الأصوات، فمات موت الكفار (موت الانتحار) من استرق رحلة الوصول إلى باب مدينة الصخب. قال المارد الشرير نحن من احترمنا حقوق الحيوان فلكم يا جرذان قـم أبيـب محميـة أسميتها المنطقـة الخضراء، تعالوا صدوا عنا بعض الضربات، فخبئت خلف الأسوار تاركة المارد في حيرة وعض الأصابع وعناد الحيوان. وتوالت الضربات وتعالى الهتاف، النصـر أو النصـر.

 

وكان لنا لقـاء على أطراف مدينـة فيها الكرامـة أكثر من الرغيـف والعزة فيهـا أغزر من ميـاه الأنهار، هي العنفوان، هي الفلوجـة التي قدسناها في العنوان. بانت معادن الرجـال وولى هاربا كل جنـد المارد الخرفان، ففي الرجعة الثانية للعدوان على مدينة الإبطال تكالبت كل أدوات الشيطان وبذل كل خائن جهده لخدمة المارد الشرير، وعادت ألوان الموت لتحلق على الأرواح، ولم ينتهـي النـزال!!.

 

ومن بغـداد صـدر البيـان إن النصر آت آت. أستسلم الشرير إلى لغة الأرقام للجثث والجرحى ومن فقد الصواب ومن مات خوفا من لهيب النار، وسقوط قيمة الدولار، فترك مكان القائد العام لقرد حالك اللون تعلم في مدارس الرقص كيف يتنطط في ساحات النفاق والخذلان. فتحذلق في مسار إنقاذ سمعة أشباه الرجال الغارقين في فذلكات المعتوه رامبو والحامل الذي سقط من بين الرجال  ارنولد شوارزنيغر. قائد الجيوش الجديد خاطـب بغـداد،، أنا ارحـل خلـف الأسوار كفانا انتحار وسيكون الصيف بدايـة لإنهاء النزال، فهـل يوقف رجالـك الصولات ، نحن أصبحنا خلف الأسوار نسترق السمع والبصر عسى أن تطلب نجدتنا الجرذان.

 

أنا الظافر ابن بغداد لاحقا بك أيها الشريد، واحتشدت الصفوف خلفي، فلا أسـوار بيننا ولا جـدر، نحن نواصل الزحف ونحاصرك بأسوار الرجـال، عندنا الباطل يهـوى وتزهق روحه، عجل إن نظرت إلى الخـلاص ذلك أقل ابتـلاء، مسـح بطشـي جسدك الخوار وتعرف كيف تصارعني وعرفت إنـي لا أميـل ولا انحنـي، عجـل ولملم جراحـك وما أنا بغادر. أنا لي الربيـع والصـيف وكل فصـول الزمـان،. متلهفـا لعـودة الليـل والنهـار ليكتمـل الزمـان وينشـد التاريخ أن المـارد ولـى بعيـدا عن كـل الديـار ولم يبقـى خلف الجدار.

 

رايـة بغـداد، رايـة كـل زمـان، عاليـة راية كبريـاء القاهـر الجبـار، الله أكبـر، أللـه أكبـر.

قريب عـودة اللـيل والنهار إلى بغداد، وكم رحلـة مشتها بغداد بدون ليل ونهار، لكـل ظلمة مارد شرير تزيحه سواعد الرجال، بغـداد أمة العرب وتاج العصور، فنحن لنا الربيع والصيف وكـل فصول الزمان.

 

------------

* أسماء الموت : الزؤام/الموت السريع. الأحمر/ الأبيض/موت الفجاءة، الأسود/الموت خنقا.

** كلبـة بـوش

شبكة البصرة

الجمعة 10 رجب 1430 / 3 تموز 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس