بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

النص المكتوب للحوار الهام مع سفير جمهورية العراق

الأستاذ صلاح المختار

وموضوع الحوار

تحليل لخطاب الرئيس المجاهد عزة ابراهيم الدوري حفظه الله

(2)

شبكة البصرة

ابن تونس

 إذاعة صوت الرافدين: نحن نتحدث عن الشرعية و الشرعية مخالفة للاحتلال الأمريكي البغيض الذي جاء لضرب الشرعية، فصدام حسين عند آخر يوم قبل استشهاده كان رئيس الجمهورية العراقية و من باب الشرعية ينوب الرئيس نائبه. هل يمكننا أن نقول أن الرفيق عزة ابراهيم الدوري هو رئيس جمهورية العراق لأنه يمثل الشرعية و ما بني على باطل فهو باطل أي أن الاحتلال باطل و الشرعية تتمثل الآن في الرفاق الذين يمثلون الجمهورية العراقية و على رأسهم سيادة الرئيس عزة ابراهيم الدوري. نريد توضيح من حضرتكم لأن هنالك أناس يقولون أن الدوري ليس رئيسا للجمهورية لأنه لم ينتخبه أحد. نريد منكم أن توضحوا. هل إن الرفيق عزة ابراهيم الدوري هو رئيس جمهورية العراق الشرعي أم لا؟

 صلاح المختار: شكرا جزيلا على هذا السؤال. من الواضح و الأكيد على مستوى القانون و الشرعية أن الرفيق عزة ابراهيم الدوري هو رئيس العراق الشرعي لأن الرئيس صدام حسين رحمه الله كان رئيسا شرعيا للعراق لعدة عقود من الزمن و كان حزب البعث حاكما للعراق لمدة 35 عاما،كان عضوا في الجامعة العربية و منظمة الأمم المتحدة و منظمة المؤتمر الاسلامي و معترف به من قبل جميع دول العالم، لهذا فإن الشرعية العراقية كانت و مازالت ممثلة في قيادة العراق الشرعية. الرئيس الشهيد صدام حسين تم اغتياله لذلك يصبح تلقائيا رئيسا نائبه، و نائبه الشرعي هو الرفيق عزة ابراهيم الدوري. أما من يقول بأنه لم تجرى انتخابات لانتخاب الرفيق عزة ابراهيم فهذا كلام فيه كثير من السذاجة أو التساذج لأن الفترة التي تولى فيها الرفيق عزة ابراهيم الدوري المسؤولية الأولى أي رئيس الدولة هي بعد الاحتلال و بعد اغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين فكيف يمكن أن تجرى انتخابات حرة في ظل الاحتلال لأجل انتخاب رئيس جديد؟ أنتم تعرفون أن الاحتلال يلغي كل امكانية لإجراء انتخابات و رأينا في السنوات السابقة كيف أن الانتخابات التي جرت في ظل الاحتلال بالإضافة إلى كونها غير شرعية و غير مقبولة على المستوى القانوني فإنها تميزت بتدخلات فظّة و بمحاولات لتحديد نتيجة الانتخابات.

من يطالب بإجراء الانتخابات الآن غير واقعي لأن المطلوب في هذه الحالة هو أن يواصل رئيس الدولة و نائب رئيس الدولة حينما يستلم رئاسة الدولة بعد ذهاب رئيس الدولة أن يواصل العمل من أجل تحرير البلد تحت قيادته و زعامته و ليس أن يجري انتخابات تخلق البلبلة و تحدث انقسام في صفوف الناس بين مؤيد و معارض لهذه الخطوة. هذا مطلب غير صحيح و غير منطقي و غير واقعي. و لكن حينما تأتي إلى حزب البعث منذ عام 2003 و حتى الآن و أثناء حياة الرئيس الشهيد صدام حسين نرى أن الحزب لم يكن متمسّكا بالبقاء على رأس الدولة أي أن موضوع رئاسة الرفيق الشهيد صدام حسين للدولة كان يأتي في الدرجة الثانية بعد تحرير العراق، بعد القدرة على طرد الاحتلال. و حينما استلم الرفيق عزة الدوري بعد استشهاد الرفيق صدام حسين فإنه واصل نفس النهج و لم يسمّ نفسه رئيسا للجمهورية رغم أنه من الناحية الشرعية رئيسا للعراق و إنما أبقى على صفة القائد العام للقوات المسلحة، وهذه لفتة مهمة، لفتة قانونية على اعتبار أن الجيش هو الممثل الشرعي للدولة العراقية التي دمرت و لفتة سياسية لأنه يعرف بأن القوات المسلحة هي الضمانة الأساسية للتحرير و هي الضمانة الأساسية لضمان الأمن بعد التحرير.

وضع القوات المسلحة تحت امرته شرط من شروط التحرير و هو أمر لا يمكن التنازل عنه. و إن كان بالإمكان التنازل عن رئاسة الجمهورية فمن غير الممكن التنازل عن القيادة العامة للقوات المسلحة، و هذا الأمر هو الحاصل الآن. الآن في الواقع حزب البعث بقيادة أمينه العام الرفيق عزة ابراهيم الدوري لا يصرّ على أن يبقى رئيسا للجمهورية من أجل أن يسهل مهمة تحرير العراق و توافق جميع القوى السياسية. نعم هناك بعض القوى لا تريد أن تعترف بأن رئاسة الجمهورية يتم توارثها شرعيا، أي ان النائب يحل محل الرئيس، لاعتبارات سياسية لرفضهم حزب البعث سواء كان الرئيس صدام باقيا أو اغتيل، ولو افترضنا أن الرئيس صدام لازال باقيا لكانت هذه الفئات أيضا ترفض القبول برئاسة الشهيد صدام حسين للعراق رغم أنه الرئيس الشرعي للعراق.

فتجنبا لهذه المشاكل و لمنع انشقاق المقاومة و تحوّل موضوع من يكون رئيس الجمهورية موضوعا للصراع، تبنى البعث استراتيجية تقوم على أنه بعد تحرير العراق ستقوم حكومة ائتلافية تمثل جميع فصائل المقاومة تحكم لمدة سنتين تعيد الأمن وتعيد الخدمات وتهيئ لانتخابات بعد سنتين، وفي الانتخابات من يتم اختياره رئيسا للجمهورية حلال عليه و على الآخرين دعمه بغض النظر عن المواقف السياسية. إذن البعث أقدم على تضحية كبرى بالتنازل عن حقه في رئاسة الجمهورية حرصا على لمّ الصفوف و توحيدها. أكرر القول لو أراد حزب البعث في هذه اللحظة أن يقول بأن الرئيس هو الرفيق عزة ابراهيم الدوري فمن حقه أن يقول ذلك ولا يعترض أحد من الفاهمين للقانون ومن العقلاء و المجردين من الدوافع السياسية أو الدوافع غير الموضوعية.

من أجل العراق و من أجل تحرير العراق قرر الحزب أن لا يسمي الرفيق عزة ابراهيم الدوري رئيسا للجمهورية وإنما قائدا عاما للقوات المسلحة و قائد المجاهدين و خادم المجاهدين. و هذه الحقيقة تعرفونها من خلال البيانات و الخطب و اللقب الذي يستخدمه الرفيق عزة ابراهيم الدوري. إذا نحن تسامينا على بعض الأمور الخاصة بنا وهي رئاسة الجمهورية. تنازلنا عنها من أجل أن نوحد الصفوف، من أجل أن نغلق أبواب المشاكل والاعتراضات، من أجل أن نصفي القلوب و نثبت للآخرين أننا غير طامحين بالسلطة و لا نريد العودة للسلطة كحزب إنما نريد تحرير العراق وما بعد تحرير العراق الحقيقي لا يهم من يكون في السلطة البعث أو غير البعث. من سيقرر ذلك هو صناديق الاقتراع و الانتخابات.

 

إذاعة صوت الرافدين: هناك من يقول أن حزب البعث يكون أقوى عندما يكون بعيدا عن السلطة وهنالك من يقول أن حزب البعث الآن في العراق هو أقوى مما كان قبل الاحتلال هل تتفقون مع هذا الكلام؟

صلاح المختار: هذا صحيح و خطا في نفس الوقت، صحيح إذا نظرنا إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بعد الاحتلال نجد أنه أصبح أقوى كثيرا من فترة قبل الاحتلال، نعم عدد المنخرطين في صفوفه الآن أقل بكثير من العدد السابق. كان لدينا قبل الاحتلال خمسة ملايين ونصف المليون بعثي ما بين نصير و عضو و بقية المستويات الحزبية، وبطبيعة الحال كان ذلك تضخما مرضيا و كان خطأ تنظيميا وسياسيا أن يفتح الحزب أبوابه لهذا العدد الكبير جدا من الذين انتموا إلى الحزب في ظل السلطة، و قسم كبير منهم جاء إلى الحزب من أجل الحصول على امتيازات السلطة و التمتع بها. و لكن بعد الغزو أصبحت عملية الانتقاء مبنية على الموقف الجهادي. من يجاهد و من يبادر بالجهاد يعاد إلى الحزب و من يبقى خارج الجهاد لا يعاد إلى الحزب. لذلك تم انتقاء حوالي نصف مليون بعثي من خمسة ملايين و نصف المليون ليكونوا ضمن التنظيمات الحالية لحزب البعث العربي الاشتراكي. هذا النصف مليون هو أقوى و أفضل من الخمس ملايين ونصف مليون الذين كانوا قبل الغزو. لأن النصف مليون مبني على الانتقاء النوعي و ليس الكمي. في السابق كان معيار الكمية هو المتحكم أما الآن فان معيار النوعية هو المتحكم. و المقصود هنا بمعيار النوعية أن البعثي الآن يجب أن يكون بعثيا حقيقيا صاحب مبادئ و صاحب رؤية وطنية و قومية و إسلامية صحيحة ونقية  ومستعد للتضحية بحياته وبكل شيء من أجل الوطن و من أجل الأمة العربية، من أجل تحرير العراق من أجل تحرير فلسطين، من أجل تحرير الأحواز من أجل رفض المساومة مع الاحتلال ومع الأنظمة التابعة للاحتلال في الوطن العربي.

هذا هو البعثي الآن، لذلك فإن نظرة الناس إلى البعثي الحالي المجاهد أفضل بكثير من البعثي في ظل السلطة. كان الناس يرون نوعين من الحزبيين أثناء حكمنا، كانوا يرون حزبيا انتهازيا وكانوا يرون بعثيا صاحب مبادئ، بعثيا أصيلا يناضل نضالا حقيقيا. أما الآن فلا يرى المواطن العراقي و العربي إلا البعثي المجاهد، البعثي الذي يحمل روحه على يده من أجل تحرير العراق وتحقيق الأهداف الوطنية و القومية. لذلك نفتخر بأن نقول بأننا قد خرجنا من هذه المحنة و هذه الكارثة ونحن أقوى، و نحن أفضل، و نحن أنقى بفعل الدور الجهادي للبعث الذي نظف الحزب من الأخطاء و نظف الحزب من المتطفلين عليه والمندسين في صفوفه لأغراض انتهازية.

 

إذاعة صوت الرافدين: في جميع خطابات الرئيس عزة ابراهيم الدوري كان يوضح أن عدونا هو الاحتلال الأمريكي والإيراني. الرئيس عزة الدوري لم يتطرق لأي نظام عربي لأي قطر عربي ورفيقنا المناضل الأستاذ صلاح المختار كان دائما يوضح أن عدونا هو الاحتلال وليس الأنظمة العربية، لكن تعرضتم للانتقاد عندما قلتم أن العرب ليسوا أعداءنا. فبالنسبة للمناضل العربي هل مطلوب منه أن يتبرأ من حكومته و نظام بلده من أجل أن يكون وطنيا؟ هل هذا المطلوب أم نكتفي بموقفه الداعم حتى و لو معنويا؟ هل نثقل عليهم و نطلب منهم التبرأ من أنظمتهم لكي يكونوا وطنيين؟ سبب سؤالي وجود ظاهرة وهي أنه عليك أن تشتم نظامك لكي تثبت أنك وطني و مؤيد للعراق. نريد توضيح من سعادتكم لهذه النقطة لأنه حصل لغط كثير في هذا الأمر.

صلاح المختار: علينا قبل كل شيء أن نميّز بين الثرثرة و الكلام الجاد. بين أولئك الذين يساهمون بصنع الحدث و يتحملون نتائج المشاركة في صلب الحدث، وهي التضحية، وبين من يتفرج من بعيد و هو يجلس في بلدان لا صلة لها بالجهاد والنضال داخل العراق. علينا أن نميّز بين فرد أو نفر أو كتلة صغيرة من الأفراد تتجول في المقاهي وتلوك الكلام وتطرح النظريات و تنتقد هذا وذاك و بين من يريدون أن يحرروا وطن محتل ويعيدون بناء دولة وينفذون مشروعا قوميا ووطنيا عظيما و كبيرا. الأوائل الذين قلنا عنهم أنهم يتفرجون و يتحدثون لا يفهمون العقبات و المصاعب التي تواجه الطرف الثاني وهم الذين يريدون البناء و التحرير، يريدون بناء دولة من جديد وإعادة الاستقرار وإعادة الخدمات للناس وبناء عراق قوي مجددا، وبناء هذا العراق القوي مجددا ليس مرتبطا بقرار عراقي فقط و إنما مرتبط بمؤثرات الظروف الإقليمية و الدولية.

فهناك من يستطيع أن يبيعنا السلاح وهناك من يرفض أن يبيعنا السلاح، وهناك من يعترف بالدولة الجديدة بعد التحرير وهناك من يرفض الاعتراف بالدولة الجديدة بعد التحرير، طبقا للهوية التي ستظهر بها هذه الدولة. إذن نحن أمام ثرثرة وأمام كلام مسئول. الثرثرة تقول افتحوا جبهات الحرب مع الجميع، هاجموا الجميع. الأنظمة العربية بما أنها ساهمت في غزو العراق وتدمير العراق، وبما أنها تدعم الولايات المتحدة علينا أن نفتح الحرب مع جميع الأنظمة العربية من أجل إسقاطها. هذا كلام غير مسئول. لا يدل على أن من يقول هذا الكلام يعرف ما يقول إذا كان حقا يريد البناء ويريد التحرير ويريد التغيير في العراق، هذا الكلام يبعده كليا عن هذا الهدف. قد يصلح هذا الكلام لمن يجلس في مقهى في فيينا أو في ستوكهولم أو في لندن و لكنه لا يصلح لمن يجلس في العراق و يريد تحرير العراق بأقل الخسائر ومن خلال استثمار طاقات وقوى موجودة بما فيها قوى وطاقات قد لا يرغب في استخدامها لأسباب كثيرة.

إذن نحن أمام كلام وثرثرة غير مسئولة. كلام و ثرثرة لا تنطبق حتى على تجارب الآخرين. نأخذ مثلا ثورة الجزائر لنأخذ الثورة الفلسطينية أو الثورة الفيتنامية، هذه الثورات عاصرناها جميعا. هل كان أي من هذه الثورات في حالة صراع مع الأنظمة أم كانت في حالة صراع مع الاحتلال؟ الثورة الجزائرية كانت في صراع مع المحتل الفرنسي، لم تدخل الثورة الجزائرية في صراعات مع أنظمة عربية أخرى. الثورة الفلسطينية وإن كانت حصلت لها مشاكل مع بعض الأنظمة إلا أن من فرض المشاكل هي الأنظمة وليست الثورة الفلسطينية وكان المبادر الاول لحل المشاكل مع الانظمة هي المقاومة الفلسطينية. وكانت الثورة الفلسطينية تتحمل الاعتداءات والتجاوزات وتتصالح فيما بعد لأنها تدرك أنها لا يجوز أن تدخل في صراعات مع الأنظمة العربية وفي نفس الوقت تخوض صراعا مع الصهيونية. وكذلك الثورة الفيتنامية لم يكن لها من عدو غير الاحتلال الأمريكي حتى حلفاء أمريكا كانت فيتنام تتعامل معهم بإيجابية من أجل ان تقلل الأعداء وتقلص نطاق العداوة. فلماذا في العراق فقط يريدون من القيادة العراقية أن تشن الحرب على الجميع؟ هل هذا فيه منطق؟ هل هذا فيه نضج؟ هل هذا فيه وعي لمتطلبات التحرير؟ التحرير ليس عملية أكل آيس كريم في مقهى في بلد أوروبي، التحرير عملية دم يصل للركب، عملية تغيير احتلال تصفية عملاء الاحتلال، عملية مواجهة تدخل إقليمي واضح من قبل إيران في العراق. أنت لا تستطيع أن تحرر العراق بعقلية من يفتح الجبهات مع الجميع و يحارب الجميع. إن الذي يقول هذا الكلام لا يعرف هذه الحقائق. أو إذا كان يعرفها فهو لئيم ولديه أهداف خبيثة يريد من خلالها الطعن والتشكيك في الثورة المسلحة و في المقاومة العراقية.

هذا الموقف لا يعني على الإطلاق أن المناضلين العرب في أقطارهم يجب أن يسكتوا، هذا غير صحيح، نحن لم نقل هذا الكلام. هذا الكلام قلناه قدر تعلق الأمر بحزب البعث في العراق وبالمقاومة في العراق. لا يجوز لمقاومة في العراق أن تفتح معارك مع غير الاحتلال الامريكي والإيراني لأنهما من يحتلان العراق. أما الأنظمة العربية فهي أنظمة تابعة بغالبيتها لأمريكا، هم أذناب و ليسوا رؤوس. لماذا أفتح معارك مع الأذناب، حين أضرب الرأس و أدمّر الرأس سوف تنتهي الأذناب تلقائيا، وهذه حقيقة عسكرية ومنطقية.

أيضا هناك ملاحظة أخرى لماذا ينتقدون البعث على هذا الموضوع فقط في حين أن جميع فصائل المقاومة تتبنى نفس الموقف؟ هل سمعتم في يوم من الأيام أي فصيل من فصائل المقاومة العراقية يهاجم الأنظمة العربية؟ أذكروا لي اسم فصيل واحد يهاجم الأنظمة العربية بسبب مواقفها من العراق. بالعكس هناك فصائل لديها علاقات ممتازة مع أنظمة عربية حاربت العراق وساهمت في غزو العراق وبعض الفصائل تستلم دعما ماديا من هذه الأنظمة ومع ذلك لم نقل شيئا لأن هذا هو الوضع الطبيعي. في حالة الحرب وحالة الاحتلال يجب أن نمسك بالعدو الرئيسي ونقاتل العدو الرئيسي، وحينما يهزم العدو الرئيسي يهزم الأعداء الثانويين تلقائيا بعد ذلك.

من هذا المنطلق نرى أن من ينتقد البعث على موقفه من الأنظمة العربية ليس مخطئا فقط وإنما إذا كان وطنيا يرتكب جناية كبيرة في حق الأمة وفي حق النضال العراقي الذي يحتاج إلى الدعم بدل أن نقف بهذه الطريقة. نقطة أخرى مميزة تختلف فيها الأمة العربية عن الأمة الفيتنامية وعن بقية الأمم التي حاربت الاحتلال. الأمة العربية مجزأة وتجزئتها كما تعلمون حصلت في سايكس بيكو الأولى في بداية القرن العشرين. و لكن لم تنته عملية التقسيم والشرذمة، جاءت الحركة الصهيونية العالمية لتطرح مشروعا أطلقنا عليه تسمية (سايكس بيكو رقم 2) وهو مشروع يقوم على تقسيم و شرذمة الأقطار العربية. لم يكتفوا بشرذمة الأمة، الخطوة الثانية هي شرذمة الأقطار العربية. و ما حصل منذ زيارة السادات للقدس ومنذ وصول خميني للسلطة إلى الآن هو عبارة عن تطبيق لسايكس بيكو 2 والتي هي خطة تقسيم الأقطار العربية على أسس عرقية و طائفية. هذا هو المخطط الصهيوني القديم و المعروف ومن المؤسف ومن الخطورة بمكان أن يصبح هذا المخطط ليس مخططا صهيونيا فقط وإنما انضم إلى هذا المخطط طرفان لتنفيذه، انضمت الولايات المتحدة الأمريكية وتبنت هذا المخطط، وانضمت إيران إلى هذا المخطط لأن لها مخططها الخاص الذي يقوم على استعباد واستعمار الأقطار العربية، وهذا لا يتم إلا بتفتيت الأقطار العربية على أسس طائفية.

 لذلك نحن الآن في عصر جديد بعد السادات و بعد خميني، هذا العصر هو عصر الصراعات الطائفية - العرقية المفتعلة من أجل تفكيك الأمة العربية و تقسيم الأقطار العربية و تحويل الأقطار العربية إلى كيانات ما قبل الامة تقوم على الطائفة وعلى العرق و العائلة، على المصلحة الاقتصادية ولا تقوم على الرابطة الوطنية ولا على الرابطة القومية. هذا المخطط هو الذي يجرى تنفيذه. و إذا درسنا هدف غزو العراق ستدركون خطورة ما أقول.

وهناك حقيقة لابد من الانتباه لخطورتها الشديدة وهي إن إسقاط الأنظمة العربية الحالية لن يكون على يد القوى الوطنية العربية بل سيكون على يد قوى خارجية أجنبية، كما حصل في العراق. إن النظام الوطني في العراق ليس هو الوحيد المستهدف لأن المستهدف هو الأمة، الأمة بكامل أقطارها حتى الأقطار التي تحكمها أنظمة موالية للغرب واعترفت بإسرائيل مستهدفة الآن، و أنتم ترون ما يجري في مصر من أحداث تقف الولايات المتحدة و "اسرائيل" خلفها تحركها تدعمها و تشعلها. إذن نحن الآن لسنا مثل الستينات والسبعينات عندما كان النظام العميل أو النظام الفاسد يسقط من قبل ضباط وطنيين أحرار او من قبل قوى وطنية، الآن إسقاط الأنظمة لن يكون إلا على يد الولايات المتحدة الأمريكية و"اسرائيل" وإيران، وهذه الأطراف لم تأت لتغيير نظام فاسد وتنصيب نظام وطني صالح. ستأتي لتغيير الهوية و تقسيم الأقطار العربية وإنهاء الهوية العربية وفرض أنظمة عميلة وفاسدة وتابعة كما يجري في العراق، أنتم ترون ما يجري في العراق. هل المطلوب الآن ونحن نقاتل لتحرير العراق ليكون العراق المنطلق والقاعدة التي تنطلق منها حركة التحرر الوطني العربية لتحرير الأقطار العربية، هل المطلوب هو أن تتحول صراعات التحرر إلى صراعات عربية - عربية، الى صراعات سنية - شيعية، الى صراعات عربية - كردية، الى صراعات قبطية - اسلامية، الى صراعات بربرية - عربية فنضيع؟

هذا هو المخطط الاسرائيلي الذي لخصه عوديد ينون في دراسته التي كتبها في عام 1981 تحت عنوان "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" والتي ترجمت إلى الانجليزية من قبل البروفسور الاسرائيلي اسرائيل شاهاك و ترجمت إلى العربية وهي موجودة. إذا كانت هذه هي الحقائق، وإذا كان أي تغيير للأنظمة العربية يعني تغيير الهوية العربية بعد تقسيم الأقطار العربية كما حصل في العراق ولدينا دروس ما حصل في العراق ولدينا بوادر ما يحصل في لبنان وفي مصر و السعودية و سوريا والجزائر والمغرب من فتن طائفية وعرقية تثار من أجل تقسيم الأمة، اذا كانت هذه هي الحقائق العيانية الملموسة هل نأت نحن حركات التحرر الوطني العربية و نضع بندقيتنا إلى جانب البندقية الأمريكية الـ"اسرائيلية" الإيرانية لتقسيم الأقطار العربية بحجة (تحريرها) من الانظمة العربية على طريقة أحمد الجلبي؟ هذا هو الموضوع الذي يجب أن يناقش الآن بدقة و موضوعية.

نحن قلنا ما يلي : بتحرير العراق، بتحويل العراق إلى قاعدة انطلاق لتحرير الأقطار العربية من الاستعمار الأمريكي و"الاسرائيلي" و الإيراني نضمن حياة الأمة ونحافظ على هوية الأمة وأصالة الأمة وحقوق الأمة ومصالح الأمة، ونستطيع أن نبني هذه الأمة مجددا. أما إذا ضيّعنا قاعدة العراق المحررة فإننا لن نستطيع أن نحرر شيئا وسوف تتكرر التجربة العراقية في كل الأقطار العربية لاسامح الله إذا فشلت المقاومة.

أذكّر أخيرا بما قاله ريتشارد بيرل، الذي يلقب بأمير الظلام وهو أحد المخططين لغزو العراق، حينما سئل بعد أسبوع تقريبا أو أسبوعين من غزو العراق، هل ستقدمون على غزو سوريا لتنفيذ مخططكم الاقليمي؟ أجاب " لن نقدم على غزو سوريا عسكريا لأن حكام سوريا عندما رأوا ما جرى في العراق سوف يستسلمون بلا قتال ". لكن المقاومة العراقية حرمت أمريكا من تحقيق ذلك وقلبت المعادلة كليا في المنطقة وحولت أمريكا من قوة تتقدم و تنتصر إلى دولة مهزومة و مرغ أنفها في وحل العراق وأنقذت سوريا ومصر والأردن و السعودية والجزائر كأقطار عربية عزيزة علينا لا تختلف عن العراق ولا تختلف عن فلسطين لأن جميع الاقطار العربية متساوية القيمة. نحن ندافع عن الأمة العربية كلها وعن هوية الأمة ومن يريد أن يدافع عن هوية الأمة عليه أن يحافظ على هذه الهوية، لا أن يدمر هذه الهوية بألفاظ و مواقف غير ناضجة وغير مسئولة وتمثل نزعة طفولية في السياسة لا تفهم ما يجري، أو إنها مدفوعة بدوافع أخرى غير موضوعية وغير سليمة.

 

إذاعة صوت الرافدين: حزب البعث يصنع الرجال و رفاق البعث هم فرسان، و كان الرئيس الشهيد الفارس صدام حسين يتحلّى بأخلاق الفرسان. كان يترحم على أعدائه حتى لو كانوا أعداءه، فقد كان يترحم على الخميني، فما الضير إذا قام الرئيس عزة ابراهيم الدوري في خطابه بالترحم على الخميني أو إذا خاطب مسعود البرزاني بكلمة أخي؟ هناك من انتقد. ونريد توضيح من حضرتكم لماذا هذا الانتقاد طالما إنه بلغة الفرسان وبلغة القادة يجوز للانسان أن يترحم على الميت فلماذا انتقدوا الترحم على الخميني مع العلم أن الخميني تمت هزيمته على أيدي العراقيين الأشاوس الأبطال. فلماذا هذا الانتقاد؟

 صلاح المختار: هنا نعود مرة أخرى إلى الدوافع. قبل أن أحدد هذه الدوافع أذكّر كما قلت أخي أبو سامي الترحم واللغة المؤدبة هي لغة أبناء العراق الأصلاء الذين يمشون في جنازة شخص كان عدوا لهم في حياته ولكن بعد مماته يقومون جميعا ويمشون في جنازته ويحضرون فاتحته ويقرأون الفاتحة على روحه ويترحمون عليه. هذه أخلاق العرب ونحن في العراق متمسكون بها. فحينما يتعامل رئيس دولة أو مسؤول عن مصير العراق و مصير الأمة مع أطراف مهمّة في الإقليم و في داخل العراق فيجب ان تكون لغته بمستوى وظيفته التاريخية كصانع تاريخ وباني امة ومجدها. إن اللغة اللطيفة و اللغة التي تحترم التقاليد هي اللغة المطلوبة وهذه اللغة لم تكن لغة الرفيق عزة ابراهيم فقط بل كانت أيضا قبله لغة الرئيس صدام حسين رحمه الله، وأول من استخدم عبارة رحمه الله هو الرئيس صدام حسين في وصف خميني عندما مات. وأنا أذكر حادثة معروفة، فحين أعلنت وفاة خميني أطلق الرصاص في الهواء في بعض الأماكن في العراق ابتهاجا، فأصدر الرئيس الشهيد أوامر فورية بإيقاف ذلك وعدم إظهار أي ابتهاج بوفاة خميني ومنع الإعلام العراقي من التشفي بموت خميني مع أن خميني كان سببا في موت مئات الآلاف من العراقيين وفي تدمير العراق وعرقلة تقدم العراق وكان سببا في أهم المشاكل التي تعرض لها العراق الحديث.

وإذا كان الرفيق عزة ابراهيم يصف مسعود بالأخ فإنه يفكر في مستقبل العراق، العراق الكبير المحرر الواحد، إنه يريد أن يفهم مسعود البرزاني بلغة فيها التهديد وفيها الوعد، وعد بإعادة الحكم الذاتي وحقوق الأكراد التي منحهم البعث اياها، وتهديد بأن ما اخذه مسعود وجلال بالقوة في ظل الاحتلال سوف يسترجع بالقوة عند التحرير. من يريد أن يفهم معنى" أخي" التي استخدمها الرفيق القائد عزة ابراهيم لوصف مسعود يجب عليه أن يقرأ الجزء الآخر الذي فيه تهديد لمسعود بأنكم في وضعكم الحالي استثمرتم حالة الاحتلال وأسأتم للعراق وانفصلتم عن العراق ولكننا سنعيد العراق بتحريره وسنعيد المنطقة الكردية بالقوة لأن ما أخذ تحت ظل الاحتلال بالقوة سيعاد بالقوة. هؤلاء لا يتذكرون هذا الجانب ويتذكرون كلمة أخي فقط. هؤلاء لا يتذكرون الموقف من خميني ومن هزمه واطاح بمشروعه الامبراطوري الفارسي، لكنهم يتذكرون كلمة (رحمه الله) وكأن هؤلاء مصممين على معاقبة البعثيين بمراقبة أنفاسهم وكلماتهم وتعابير وجوههم للعثور على ما يستطيعون من خلاله انتقاد البعثيين و نسب أخطاء للبعثيين.

أقولها بكل صراحة هذا ليس خطأ، هذا سمو أخلاقي لدى البعثيين، سمو أخلاقي لدى الرفيق عزة ابراهيم الدوري حين يصف خميني بالمرحوم وحين يصف مسعود بالأخ. أنا شخصيا يزداد إعجابي بالرفيق عزة الدوري حين يقول هذا الكلام وهو في العراق ويمكن أن يموت ويستشهد في أي لحظة، يمكن ان يغتاله أحد البيشمركة أو أحد العملاء أو أحد الجنود الأمريكان، و لكنه يتحدث بلغة القائد المسئول عن كل العراق بما فيه شمال العراق. يتحدث بلغة القائد المسئول عن كل الإقليم بما في ذلك التفكير المبكر بتطبيع العلاقات مع إيران وعدم نسف الجسور جميعها مع إيران وإبقاء ما يؤدي إلى الحوار والتفاوض مع إيران من أجل التعايش السلمي مع إيران. نحن لا نستطيع أن نتجاهل الآخر مهما كان الآخر سواء داخل العراق أو خارج العراق وعلينا حينما نعترف بالآخر أن نمد الجسور التي توصلنا إليه.

في هذه المحنة الكبيرة لا يمكننا إلا أن نستخدم البندقية للوصول إلى الهدف ولكن البندقية يجب أن تدعم بلسان طيّب وبلغة طيبة وبمحاورات طيبة لإقناع الأطراف الأخرى وخصوصا حينما نتحدث من موقع قوة. هذا الكلام الذي يقال في نقدنا او التهجم علينا بسبب لغتنا الراقية هو عبارة عن كلام لأشخاص - أقولها على مسؤوليتي الخاصة لديهم أغراض دنيئة مشبوهة مدفوعين من قبل جهات استخبارية لأجل شيطنة البعث. وإلا قل لي بربك من هم هؤلاء الذين يشيطنون البعث؟ أحمد الجلبي انتهى، المالكي يقولها علنا يوميا يشيطن البعث، إذن من بقى يشيطن البعث؟ الذي يشيطن البعث الآن، وبعض الناس تنتبه إليه، هو من ادعى تأييد المقاومة. هؤلاء هم الجواسيس الذين كانوا مخبئين لهذه اللحظة، صوروا بمظهر الوطنيين المؤيدين للمقاومة وحين حانت اللحظة وانتهى أحمد الجلبي وأمثال أحمد الجلبي ولم يعد أحد يستمع إلى كلامه جاء دور هؤلاء في محاولة شيطنة البعث، ولكن لم يجدوا شيئا. لم يجدوا خيانة عظمى لا سامح الله، لم يجدوا ثغرة كبيرة لا سامح الله فأخذوا يترصدون الكلمة هنا والابتسامة هناك والنصيحة الخيرة لأجل التشكيك بالبعث.
وهؤلاء لا يهموننا على الإطلاق، ما يهمنا هو شعبنا في الداخل، ما يهمنا هم الشرفاء العرب الذين يعرفون أن من يقاتل الاحتلال لا يمكن أن يحاسب على كلمة أو على ابتسامة. من يدعم المقاومة يتحمل أخطاء المقاومة والمقاومة لديها أخطاء. و الحمد لله لحد الآن أخطاؤنا أقل من القليل لأننا حريصون على متابعة سلوكنا و محاسبة أنفسنا في كل لحظة وفي كل خطوة وقبل ان يحاسبنا الاخرون. هؤلاء إذن لا يهموننا على الإطلاق وهم عبارة عن الطابور الخامس الجديد الذي جاء بعد انتهاء أحمد الجلبي وإياد علاوي وعزلهما عن الشعب العراقي، جاء هؤلاء الذين كانوا يتظاهرون بدعم المقاومة ليقوموا بدور أحمد الجلبي و توجيه نفس اتهامات أحمد الجلبي ونفس اتهامات إياد علاوي للبعث، ويكررون نفس الأقوال حرفيا و بلا نقصان على الإطلاق، يترصدون ما يصدر من أجل التقاط كلمة هنا أو لفتة هناك يعتبرونها خطأ. و نحن سائرون في هذا الطريق ولن نلتفت إلى الخلف على الإطلاق لأننا اجتزنا المحنة الأعظم والأكبر ونحن الآن في عظمة عزنا وفي ذروة قوتنا وفي قمة تألقنا أمام شعبنا وهذا هو الذي يهمنا

شبكة البصرة

السبت 14 شوال 1430 / 3 تشرين الاول 2009

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس