بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

زلزلت الأرض تحت أقدام الغزاة، وحولت وجودهم على ثرى أرض العراق الى غاية لا تُدرك، وأمنية لا يمكن لها ان تتحقق، بل وجعلته حلماً مستحيلاً لن يقع أو يحدث يوماً.. معاركها مستمرة ليل نهار، وفوق كل أرض وتحت كل سماء في بلاد الرافدين، وكيف لها أن تتوقف، فهي من جعلت الغازي الطامع يتنفس قيحاً، وألماً، وندماً يوم أرتكب حماقته الكبيرة، وسوأته الشريرة في قرار غزوه وإحتلاله لشعب، شهد له التاريخ بانه لا ينام على ضيم، ويرفض أن يستكين وفي شوارعه ظلم الطغاة.. تلك هي من سطرت البطولات، وأرتجت لها شرفات البيت الأسود الأميركي تماماً مثلما ارتج إيوان كسرى يوماً إيذاناً بقرب نهاية ظلم امبراطورية فارس، إنها المقاومة العراقية والجهاد الإسلامي في أرض الأنبياء.

ورداً على من يردد كالببغاء، ويظن ان مقاومتنا وجهادنا طارئين وضعت هذه الشوكة (مقالي هذا) في عيون من يحاولون وأد الحقيقة خابوا وخسئوا، فكيف للشمس أن يحجبها غربال!؟

حسين المعاضيدي

 

أفيقوا.. لسنا طارئين!

شبكة البصرة

حسين المعاضيدي

غريب أمرنا نحن معاشر البشر، وغريب تصنيفنا لمن يحمل السلاح، ويبيع روحه، ويرخص دمه من أجلنا!

 غريب أمرنا ونحن نقسم حملة السلاح بحسب أمزجتنا، وهوانا، وامتلاء جيوبنا، فجهاد المسلمين ليس بجهاد، ومقاومة الاحتلال بغض النظر عن توجه المقاوم الديني، أو العقائدي، أو الفكري، ليس مقاومة، مع أن الجهاد كُتبَ علينا، والمقاومة ذودٌ وصدٌ عنا.

غريب ما يدور حولنا، فمن يقف بباب داره شارياً الموت من أجل حياة أهله وحماية داره يعده عالم اليوم طارئا على معاشر المقاومين، ومن يفدي دينه بدمه وروحه وكل ما يملك دخيلا على عالم لا يعرف سوى لغة القتل، وانتهاك الحرمات، واغتصاب الأعراض، وسلب الأراضي وإقامة المستعمرات بين بيوتاتنا!

أن كل من حمل السلاح، ورفع راية الحرب، ليس عدواناً، وإنما دفاعاً عن أرضه كعراقي، وعن دينه كمسلم، وعن نفسه كآدمي، يستحق ان تُسلط على بطولاته الأضواء، وأن يتم دعمه إعلامياً وينال حقوقه كمجاهد، وكمقاوم، لا مادياً كما قد يظن البعض، وكيف لمن يبحثون عن جنان الله أن يهتموا لمال، أو متاع حياة، وإنما دعمهم إعلامياً، بعدما تم التخلي عنهم مادياً، ولم يحصلوا على مستلزمات جهادهم ومقاومتهم، فراحوا يعملون يوماً ليشتروا الأسلحة والمعدات بما يكسبونه من عملهم، فيضربوا بها أعداء الله دفاعاً عنا، لكنهم ورغم ذلك يتعرضون إلى حرب ضروس لم تتعرض إليها أية مقاومة على مر العصور، حرب شُنت على المجاهدين والمقاومين، إعلامياً ومادياً، داخلياً وخارجياً، عربياً ودولياً، وقبل ذلك إسلامياً.

فالتعتيم الإعلامي على مجاهدي ومقاومة العراق كان هو السمة الغالبة على الإعلام العربي والدولي في كل زمان ومكان، رغم أنهم الأكثر تأثيراً في عالم اليوم الذي يخضع بشكل شبه كامل للهيمنة الأميركية، التي وقف بوجهها مجاهدو ومقاومو العراق حتى مرغوا أنفها في التراب، وأذهبوا هيبتها أدراج الرياح.

خطوة على المسار الصحيح في طريق كسر الحصار الإعلامي الجائر والظالم على ما يقوم به مجاهدونا البواسل ومقاومتنا في أرض العراق حينما كان لهم حضور في آخر مؤتمرين عقدا على مستوى العالم العربي والإسلامي، رغم التحفظ على بعض ممن شاركوا في تلك المؤتمرات، التي يراد أن يُعد لها مسبقاً بشكل أكثر واقعية، لتكون بالتالي أكثر تأثيراً، ففي مؤتمر سابق للأحزاب العربية التي ترفع شعار المقاومة، ألتزمت الصمت وفضلت حينها عدم الكتابة عن هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات التي سبقته، لما يحمله الوضع العربي الواهن والمريض من تناقضات كبيرة، بين السلب والإيجاب، ومتاهات أضاعت علي خارطة بقايا العقل الذي أذهبه جحيم ما يتعرض له العراق.

عدم كتابتي عنها يعود إلى مواقف بعض ممن يحضرون تلك التجمعات والمؤتمرات ممن يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته، فبعض ممن حضروا في السابق كانوا يضعون إحدى أيديهم بيد حكومة الاحتلال المنصبة في بغداد، ويؤيدونها حد النخاع، ويحاولون وضع يدهم الأخرى في خانة الضد، مدعين ممارسة العمل المقاوم، وهو ما يوجب على القائمين على إقامة مثل هذه المؤتمرات التي تبشر بأن الأمة لا تزال بخير، وأن هناك بارقة أمل في المستقبل، أن يتأكدوا من هوية المدعوين، وحقيقة ادعائهم المقاومة حتى لا يتم استغفال الشعوب العربية والإسلامية، فيحضر من لا ناقة له ولا جمل في المقاومة التي يدعونها!

نعم ألتزمت الصمت حينها، ولم أكتب حرفاً، لأن الجرح كان عميقاً وكبيراً، ولم يكن له أن يعالج بالكلام، حتى جاء زمن الملتقى العربي الدولي للمقاومة الذي عقد في العاصمة اللبنانية بيروت، والذي كان بداية للتحول في مجال الموقف من المقاومة العراقية، رغم تكرر دعوة من يدّعون المقاومة، لكن ما غير وجه خريطة المؤتمر حضور المقاومة العراقية، فبعد حضورها في المؤتمرات السابقة كضيف شرف لا أكثر، حضرت في بيروت كقطب ثالث، إلى جانب أقطاب أخرى، وفي ذلك نجاح حققته المقاومة العراقية في تسجيل هذا الحضور، الذي وأن كان لا يزال دون الطموح، إلا أنها كانت نقطة تحول في عملية كسر الحصار الإعلامي والتعتيم الكبير الذي تتعرض إليه هذه المقاومة، التي تمكنت وبفضل الله، وفي سنوات قليلة من عمرها من كسر شوكة الجيش الكوني، ومن خلفه خيرة جيوش العالم ممن تحالفوا وانضموا إلى خندقه الباطل.

توقفت عند كلمتي الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ حارث الضاري في مؤتمر سابق، وفي ملتقى بيروت، ففي كلمة ألقاها في مؤتمر سابق للمقاومة عقد قبل أشهر عرّى، وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، الأنظمة العربية والشعوب التي طال سباتها حول موقفها من قضية العراق، ليتعمد العرب والمسلمون تجاهل ذكر العراق، هذا أن قرروا التطرق إليه وذكره، نزولاً عند رغبة ممن لا يريدون لمقاومة العراق ومجاهديه أن يذكروا، فهؤلاء ورغم أنهم أهلنا من العرب، وإخوتنا من المسلمين، إلا إنهم من باع العراق في سوق الخردة، إلا من رحم ربي، من أمة المليار ونصف المليار، مع أن هذا البلد يدافع عن كل فرد من هذه الأمة الكبيرة التعداد، وهو المبتلى بتعدد الاحتلالات، من خلف البحار البعيدة، ومن الشرق، ومن الجنوب، وأخيراً من الشمال، فهو كبش الفداء على الدوام، والأسد الذي تَكثُر سكاكينه كلما مر بنائبة، كالتي هو فيها اليوم!

في آخر مؤتمر للمقاومة والذي حضرته قوى المقاومة العراقية أثار حفيظتي حضور بعض الجهات التي ناقشت، وفغرت فاها، وعلا صوتها فوق أصوات الآخرين، في الوقت الذي تدعم، وتقف، وتساند، وتعاضد المحتلين وأقزامهم وصنائعهم، وتبارك ما يقوم به المحتل في بلاد العرب والإسلام، بل ووصل الحال ببعضها إلى تركها لقاعة المؤتمر، كما حدث في ملتقى بيروت، احتجاجاً على حضور المقاومة العراقية في هكذا مؤتمرات، والمقاومة العراقية ومجاهدونا الأشداء هم من رفعوا هامة كل مسلم، ورأس كل عربي فوق السحاب نتيجة ما سطروه، وما حققوه في أرض التاريخ، أرض الخلافة، أرض الأمجاد أرض الرافدين!

نقطة أخرى تثير حفيظتي في مثل هذه المؤتمرات، وهو أن أحداً لم يتحدث عن أسلحة المقاومة، التي يكثر الحديث عنها بين الحين والحين، باستثناء كلمة المقاومة العراقية، التي أشارت إلى أن السلاح سيظل مرفوعاً بوجه الاحتلال الأميركي حتى خروج آخر جندي من أرض الفراتين، في الوقت الذي أخذت أحاديث الآخرين تتطرق إلى تغيرات في وجه المنطقة، وعن شرق أوسط جديد، لا أعرف ان كان متمماً ومكملاً للشرق الأوسط الجديد الذي تدعو إليه أميركا، أم أن الكلام كان عرضياً ولا علاقة له بشرق أوسط الآخرين.

حينما أستعيد لحظات الخذلان التي عشناها في آخر مؤتمرات المقاومة قبل أشهر، وكيف تجاهلوا بشكل كامل مقاومتنا ومجاهدينا البواسل، يصيبني الألم، وتنتابني الحسرة على شعب عربي تخلى عنا، وحكومات بعضها ناصب مقاومتنا العداء، وهو ما دفع الشيخ الضاري في أحد تلك المؤتمرات للحديث عن هذا التجاهل وتلك الحرب التي تتعرض لها مقاومتنا، حتى من مخابرات بعض دولنا العربية قبل الغربية!

كلمات بعض ممن حسبوا أنفسهم، زوراً وبهتاناً، على جانب المقاومة، متمثلة في جارة الشرق كانت مضحكة مبكية، فهي أحد أبرز أسباب المشاكل التي تصيب العراق، أن لم تكن أساس البلاء الذي يتعرض له بلد الرافدين، فتحتل أباره النفطية من جهة، وتتحدث على المنابر باسم المقاومة، تعمل على وأد المقاومة داخل الساحة العراقية، وتتجاهلها في كلماتها وخطبها، تنافق سياسياً وتدّعي أن نَفْسُها وجُهدها مع مقاومة الاحتلال، ممارسة سياسة (حية من تحت تبن)، كما يقال، مع القضية العراقية، والتي تحاول جعلها مطية للوصول إلى مكاسب طائفية، واقتصادية، وسياسية! تتحدث عن المقاومة وترفع شعاراتها وهي غارقة حد العظم، ومنغمسة حد الجنون في عملية ذبح أبناء الشعب العراقي، وبكل طوائفهم، من الوريد إلى الوريد، فكان ذلك الحضور لتلك الدولة الإقليمية، المفضوح إجرامها في العراق، هو أحد النقاط السوداء الرئيسية في ذلك المؤتمر!

ليست دولة الشرق هي فقط من كانت طارئة على الملتقى المقاوم، ونقطة سوداء في جبينه، بل ودولة الشمال هي الأخرى، والتي كان لها حضور بكلمة رسمية، وكأنها تحاول أن تقف بالند من جارتها، على اعتبار أن (عثمانية الأمس) هي الأكثر قبولاً بالنسبة للعرب والمسلمين، بعد تكشف دور إيران الحقيقي في المنطقة، وهو ما كنا نأمله ونتمناه منها والتي يعدها البعض حجر الزاوية في معادلة التحالفات الجديدة في المنطقة، لكن دورها السلبي في القضية العراقية، بعدما أدارت ظهرها للمقاومة، وراحت تعقد الاتفاقيات التي لم يعرف أحد طبيعتها، أو فحواها إلا الضالعون في لعبة العملية السياسية في المنطقة الخضراء، سوّد الله وجهها ذلاً، وحمّره دماً!

صحيح أن البعض ترك قاعة المؤتمر احتجاجاً على حضور المقاومة العراقية لملتقى أقيم لنصرة المقاومة، فكيف لا تحضر مقاومة، هي أحق من يَحضر في مؤتمرات كهذه، بحكم بأسها وشدتها، وأستمراريتها وديمومتها، وصحيح أن ذكر سيرة المقاومة العراقية جاء في مراتب متأخرة، مع أنها الأولى على أرض الواقع، وصحيح أن هذا الملتقى شابه بعض الخذلان من حيث التغطيات الإعلامية التي أخذت تفرد مساحات واسعة من صفحاتها للحديث عن مقاومتين فقط، تاركة الإشارة إلى المقاومة العراقية إلا من بعيد، وصحيح أن عدداً من المتحدثين تجاهلوا مجاهدينا ومقاومينا ولم يتطرقوا إليهما في خطبهما، لكن كثيرا منهم، شاء أم أبى، لم يستطع تجاوزهما، وكيف له أن يتجاوز الرقم الصعب لجهاد لم، ولن يهدأ أو يتوقف حتى تطهير الأرض من كلاب الاحتلال وأذنابهم، ومقاومة فتية جذورها تمتد إلى أعماق باطن التاريخ، سامت المحتلين اليوم ألوان الهلاك، حتى أصبحت أرقام خسائرها الحقيقية تدق ناقوس الخطر في قلب أميركا، وفي عقر مقرات البنتاغون، حتى اضطروا صاغرين إلى وضع جداول للانسحاب من بئر العراق السحيق القرار!

قد ينظر البعض إلى هذا المؤتمر على أنه ناقص الأهلية نتيجة حضور أطراف لا علاقة لها بالمقاومة، ودورها سلبي في الشأن العراق، كجارة السوء الشرقية، لكننا نعده البداية، بداية كسر الحصار العربي أولاً، والإعلامي ثانياً، والدولي ثالثاً، بداية نصر جديد للمقاومة العراقية، يضاف إلى سجلها الزاخر بالبطولات، بداية أجبرت الأوساط العربية على الاعتراف بوجودها، وهي الحاضرة منذ سنوات سبع عجاف مرت على المسلمين في العراق، والغائبة عن الإعلام العربي والإسلامي والعالمي، فبعد مؤتمر بيروت أرى بارقة أمل قد أخذت تلوح عن أفق جديد لمقاومتنا، إعلامياً وسياسياً، والذي مهما علا فأنه بالتأكيد لن يصل إلى حجمها العسكري الحقيقي على الأرض.

طفرة بين مؤتمرات الأمس وملتقى اليوم تحقق في معادلة المقاومة العراقية، وقفزة من تلك المؤتمرات إلى هذا الملتقى، ونجم أخذ يسطع في سماء العالم، إعلامياً وسياسياً، للمقاومة العراقية، وأن جاء تسلسلها في الملتقى بالمرتبة الثالثة، رغم تقاعد الآخرين، وتواصلها ودوامها هي، لكن العالم من حولنا يعلم، والمحتلون قبل غيرهم يدركون، أي المقاومات أشد عليهم من غيرها، مقاومة محدودة ومتقطعة أم مقاومة وجهاد يطال كل دار وكل شارع، وجهاً بوجه، كر وفر، سماء وأرض، أسلحة مختلفة، بيضاء وسوداء، قنص وصواريخ، مفخخات وعبوات، إسقاط طائرات، إحراق آليات، تدمير أرتال، اشتباكات، مواجهات، في الليل، في النهار، صبح ومساء، نساء ورجال، كهول وصغار، قاتل ومقتول، مقاوم وغازي، مجاهد ومحتل!

وأنا أتابع نتائج مسيرة الجهاد والمقاومة في بلاد الرافدين، منذ يوم الاحتلال ولغاية الساعة، حضرني قول للزعيم الهندي، صاحب ثورة الملح، (غاندي) يقول فيه:

(يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر)، تماماً كحال مقاومتنا العراقية ومجاهدينا الأفذاذ الذين يتعرضون لحرب على جبهات شتى، حاولوا تجاهلهم، فهالتهم ضرباتهم، وسخروا منهم، فازدادوا قوة وصلابة، فحاربوهم، ولينتظر الطغاة والبغاة والأعداء اليوم هزيمتهم، لأن شجعاننا وحدهم من سينتصرون، بإذن الله، فكيف للصخرة ان يضرها نطح الوعل!؟

hussein.almaadidi@gmail.com

شبكة البصرة

الجمعة 13 صفر 1431 / 29 كانون الثاني 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط