بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هؤلاء خسروا أنفسهم فخسروا البعث

مهداة إلى القائد المجاهد الرفيق عزة ابراهيم الدوري المحترم حفظه الله

شبكة البصرة

الاستاذ الدكتور عز الدين ذياب

اعتدنا في جل دراساتنا أن نقف وقفة منهجية أمام المفهوم لأَنَّه في عرف العلم الاجتماعي، أقصد مناهجه، وحدة التحليل للقضايا التي يعنيها أو يحمل في جوانيته مضمونها ويشير إليها.

وهذه الحرفة المنهجية تجعلنا نقف وقفة متأنية أمام ما يعنيه المفهوم، وما يريده ويعبر عنه، حتى نظل في دائرته البنائية – نسبة إلى البناء الاجتماعي – نحلل ونفسر ونضع المعاني.

ووحدة المفاهيم بما تعنيه وتقصده ونعبر عنه عند المتحاورين في قضية من القضايا، تلزمهم الاقتراب منها اقتراباً سليماً وصحيحاً لا تحوير فيه ولا تشاطر في تسويف المضامين وما تعنيه.

أتينا بهذا المدخل أو التقدمة الوجيزة من أجل أن نتوقف عند كلمة أو مفهوم: «خَسِرَ» لأنه سَيُشكِّلُ وحدة التحليل لقوم أو فئة خسرت نفسها فخسرت دورها المطلوب منها. والدور هنا يأتي بمعنى الواجب أو المهمة والالتزام بكل ما يؤمن به الفرد أو القوم، وما نصت ودعت إليه العقائد. ويعني أيضاً الوظيفة التي يقوم بها الفرد أو الجماعة والمجمَّع.

وفي المعجم الوجيز يأتي مفهوم «خسر» التاجر خَسْراً، وخسارة، وخُسراناً. غَبِنَ في تجارته وهو خَسِرٌ وخَاسِرٌ [..] وفلان هلك، وضَلَّ، والشيء أضاعَهَ وأَهلَكَهُ. يُقال خَسِرَ مَالَهُ [...] ويُقال: خسِره سوءَ عَمَلِهِ.

ونُلاحظ من المعاني التي أتى بها معجم الوجيز لمفهوم «خَسِرَ» بأنها لا تعني فقط خسران المال، وإنما تعني خسران النفس والصدق والإيمانَ، كما تعنى الضلال والإضاعة، أي الانحراف عن المبدأ والسلوك الحميد، والابتعاد عن فعل الخير، بكل أبعاده ومعانيه. وكذا الابتعاد عن فعل الواجب الوطني والقومي والعقائدي والحزبي.

والخسارة في كل حالاتها، وخاصة الإيمان والولاء للوطن والأمة وفي حالتنا العربية، تعني أَنَّ يُخْسِرُه سوء عمله.

وسوء العَمَل في تلك القيم التي تشكل أحد أهم المحددات الثقافية للهوية والشخصية الاجتماعية في أبعادها المحلية والوطنية والقومية، تعني أنَّه انقلب على نفسه الُمحَصَّنَة بالإيمان فبعد عن أمته وعروبته، ابتعاداً فيه خسارة للإيمان ثم خسارة للنفس على النحو الذي يجب أن تكون عليه.

وبهذه الحالة، حالة خسران الإيمان، فإن الخاسر لم يعد يملك المحِصنَّات التي تقيه من يأتيه العيب من كل جوانبه.

غداة هذا المشوار مع المعاني التي أتينا بها عن مفهوم «خسر» ندخل في توصيف الخسارة توصيفاً منهجياً سواء كانت على مستوى الفرد أو الجماعة والمجتمع.

والتوصيف الذي نقصده هو الإشارة البينَّة إلى هؤلاء الذين أصيبوا بالخسارة، سواء كانت خسارة النفس أو الوطن أو السلوك السوي.

ولِعْمري فإنَّ خسارة النفس هي أهم وأفدح الخسارات لأَنَّها تعني بوضوح لا ليس فيه خسارة الإيمان بكل ما يحمل ويعني ويشير إليه من قيم مجتمعية إيجابية.

إذاً فإنَّ الذين يخسرون أنفسهم بخسارة الإيمان هم الذين يشكلون الظاهرة موضوع الدراسة في إطار العلاقة الجدلية بين الإيمان. ونقصد بخسارة الإيمان وخسارة النفس كل ما تدل أو تشير إليه، وما يتأتى عنها من سلوك معوج، وسوء تصرف، والضلال عن القضايا المصيرية.

وخسارة الإيمان بكل معانيها الخيرة من الإيمان بالله والوطن، إلى الإيمان بالعقيدة الحزبية.. إلى الإيمان بالواجب. نقول إنَّ خسارة الإيمان هي أكبر الخسائر. فهي تنزع عن الإنسان عصمة الخلق الحسن والسلوك الاجتماعي الصحيح والسليم، وتسوقه نحو الانحراف والضلال.

زد على ذلك أنَّ خسارة الإيمان تؤدي إلى خسارة النفس فتقوى حينئذ الفرقة، وتذهب بالوحدة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي ومحدداته البنائية. وتشع ثقافة الكراهية والبغضاء، وتشكل تربة صالحة لوازع التناحر والانقسام والتشرذم.

وكثيرة المؤشرات والدلالات التي تقول إذا ذهب الإيمان في أي مجتمع من المجتمعات ذهبت عصبيته الوطنية والقومية، ووازعها التوحيدي التضامني، الأمر الذي يقوي نقيضه، وهو وازع التحارب والبغضاء.

هيهات.. هيهات فكم من فئة فقدت إيمانها بعقيدتها السماوية أو الأرضية، فضللت ضلالاً بعيداً، وتَهَدَّمت أركانها وقواسمها المشتركة، وأصبحت عرضة لأطماع جيرانها وخصومها، فتاهت في مزالق الضعف والانحطاط، ولم يبق من هيبتها شيئاً يذكر يحفظ لها شخصيتها الحضارية، ويبعد عنها الأطماع والزلل.

وإذ نزيد في وضع المعاني على السلوك الاجتماعي والسياسي الذي يتأتى من خسارة الإيمان، لنقول قولاً واحداً: من يخسر الإيمان يفقد تدريجياً مقومات إنسانيته ومحدداتها الثقافية الاجتماعية البناءة يتحول إلى قوة من الغرائز تقود سلوكه الاجتماعي بين أقرانه ومجتمعه.

وهذا في ظني وتأويلي حال الجماعات والأحزاب والمجتمعات التي إذا خسرت إيمانها انتابتها المصائب من كل صوب وعصف بها التناحر والانقسام، وتضعف لحمتها الاجتماعية ويخترقها الأعداء، وينفذون إليها من كل جانب. ويتكاثر الأفراد والجماعات التي تحسب نفسها على الخارج، ويستعينون به على أهلهم وذويهم من أبناء الوطن أو الحزب تحت شعار من شعارات الكراهية : عليّ وعلى أعدائي.

 

خسَارة الإيمان خسارة للبعث: مقاربة أنثروبولوجية تطبيقية.

أحسب أن الولوج في شرح مُبَسَّط لمفهوم «المقاربة» فيه نفع للقارئ، ويغني الدراسة ويعصمها من التأويل المزيف وغير النزيه.

يقول المعجم الوجيز: قَرِب الشيء – قرباً وقرباناً: دنا منه. وبَشَّرَهُ. وفي القرآن الكريم: « وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ».. (قَرُبَ) الشَّيءُ – قرابةٌ، وقَرْباً ومُقْرِبةً: دنا. فهو قريب. ويقال: قَرُبَ منه، وقرُب إِلَيْهِ [...] (اقْترَب الأَمْرُ) دنا منه. وفي القرآن الكريم «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ »، وَيُقَال: اقْتَرَب مِنهُ...

والمقاربة في العمل الأنثروبولوجي تعني الاقتراب من الظاهرة الاجتماعية. أو من الفكر والفكرة، الدنو منها ومعرفة بنيانها، وتفكيك اشكالياتها إلى عناصر بسيطة ومركبة، وما بينها من علاقات وجدل اجتماعي. واعتماد متبادل، وما تشغله وتمارسه من أدوار ومهام بنائية وفكرية، وما تقوله في حالها وحال غيرها إذا تقاسمت واشتركت معها في العناصر البنائية. أي إذا كانت تنتسب إلى نسقها أو بنائها الاجتماعي، وبينهما مستويات من القربي في الوظائف البنائية.

والمقاربة أو الدنو عادة له مهمة وهو القول بشأن ما يقترب منه، والتفصيل فيه، والتحليل في جوانبه ومضامينه. ثم يأتي التفسير ووضع المعاني للظاهرة المدروسة، أو الفكرة موضوع المقاربة.

الآن وعلى ضوء ما تقدم نأتي إلى الانقسامات في حزب البعث العربي الاشتراكي التي حققنا الاقتراب منها في أكثر من عمل لنا – التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي - حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجاً – مكتبة مدبولي – القاهرة – 1993 – وقلنا فيها – كما نزعم، قولاً صحيحاً.

في هذه الدراسة – سنأتي إلى ظاهرة الانقسام على وجه التحديد من مدخل مفهوم الخسارة، ونقترب منها بناءً على محدداتها الاجتماعية/الثقافية التي أتينا على ذكرها في الصفحات السابقة، وأبرزها بل أقواها محدد «الإيمان» مشفوعاً بكل أنواعه، ومبرراً بتنوِّع مضامينه، واختلاف وجهته، وتباين معانيه وخلفياته، وما تقوله هذه المعاني بشأن بنيته، بوصفه ظاهرة ثقافية لها فِكْرَتها.

ومع أَنَّ الانقسام شكل واحدة من الظواهر البنائية التي عرفتها المجتمعات على اختلاف مستويات تطورها، فهو لا يخرج عن المألوف والسليم المعافى من العور إذا وقع أو تم بشكل صحيح، وحكمته محدداته الثقافية التي تشكل شروط وقوعه أو حدوثه. وفي هذه الحالة لا غيرها يشكل سنة اجتماعية، مثل انقسام الأسرة إلى عدة أسر، والانقسام في العمل والمادة.. إلخ.

أما الانقسام الذي يخرج عن المألوف والمعافى، فهو الذي يتَحول إلى تفكك وتشرذم وعداوة مصحوباً بوازع الكراهية، والعداوة، وعندما يفقد ضوابطه البنائية، ومشداته العقائدية وعصبيته التي تقود روابطه وعلاقاته ووظائفه. كما يخسر فكرة الإيمان.

ولا يجهل أحدٌ من الباحثين والدارسين والمنتمين أنَّ الأحزاب العربية مجتمعة ومتفرقة عرفت ظاهرة الانقسام السليمة والمْعتَلَّة، وإن تباينت مستوياتها من حزب إلى حزب آخر، أو فعلت فعلها في هذه الأحزاب.

كان وراء الانقسامات التي أخذت طابع الانشقاق والتشرذم فئات خسرت نفسها بخسارة إيمانها بحزبها، أقصد عقيدته ودوره الجهادي/النضالي، ورصيده الشعبي ومهامه الوطنية والقومية.

ونختار عن قصد وروية، وتجربة طويلة وقراءة مهمومة بمستقبل هذا الحزب لأَنَّه حزب الوحدة العربية. وهو إلى جانب هذا وذاك فصيل مهم وقيادي في التيار القومي، أو على نحو أكثر إيقاعاً في الحياة العربية، التيار العربي الوحدوي.

إذاً نختاره لأَنَّه عرف هذه الظاهرة وعاشها في بنيانه التنظيمي. وكانت أخطر الانقسامات تلك التي وُسمت با«المؤامرة» لأَنَّها استهدفت اسمه وتاريخه وهويته وفكره تحت تَعِلاَّت لا تقنع إلا أصحابها.

وتَبَّدَّتْ تلك المؤامرة بأرجوزة اليمين واليسار، وبأساطير الحزب القائد والقائد، ونزعة التشدد الطبقي الفاقدة لمبرراتها وشرعياتها البنائية، لأَنَّ المجتمع العربي لم يعرف التحولات الاجتماعية التي تؤذن بانقسامه إلى طبقات اجتماعية حاملاً لتناقضاتها وصراعها على غرار ما جرى في أوروبا، أو المجتمعات الصناعية.

تلك المغالاة والتي جابهها الحزب، عندما دعا الأستاذ العودة إلى فكر البدايات أو «نقطة البداية». لأَنَّ فيها جوهر البعث، ومَيْزَهُ العقائدي وتَفَرَّده على بقية الأحزاب العربية في الانتماء والأداء.

ولماذا «نقطة البداية» لأَنَّ فيها التأكيد على دور الشعب العربي، وتلك كانت شامة حسنه التي هواها الشعب العربي، فاقترب منه وسانده، فجاءت الكثرة من شبابه إلى تنظيم البعث. هذا بالإضافة إلى شعبيته الواسعة والعريضة في طول الوطن العربي وعرضه، حتى أن عقد الخمسينات من الألفية الثانية مَثَّلَت العصر الذهبي لحزب البعث العربي الاشتراكي، والتيار العربي الوحدوي عموماً.

وحسبي أن أؤكد أنَّ التقارير والمنطلقات التي وُسمت بالماركسية الرسمية.. شكلت فلتةً إلى الوراء، أو هروباً إلى الخلف عندما أرادت أن تكون بديلاً لفكر البدايات. وتغييراً في هوية الحزب لأَنَّ ما جاء بها من أفكار وعقائد «منطلقات» جبَّت ما قبلها مما جاء في فكر البدايات. ذلك الفكر الذي أوضح معالم شخصية البعث العقائدية والاجتماعية.

ويمكن القول إنَّ بداية الخسارة تمثلت في التشكيك بعقيدة البعث ومراهنته على دور الشعب. وتمسكه بالرسالة الخالدة. وبدوره الوحدوي، ونظرته المستقبلية إلى مستقبل الأمة العربية، ودورها الحضاري المنتظر، ومغالبته للأحزاب اليسارية على الدور القيادي، ونظرته الواقعية إلى حال الأمة، وما تتعرض له من تحديات داخلية وخارجية، منطلقاً من أَنَّ الوطن العربي بوحدته وتجمع ثرواته المادية والبشرية يشكل المحدد الموضوعي للتنمية، أو قل للنهضة العربية. وتأكيده وتمسكه بالإيمان أولاً لأن البعث قام على الإيمان، وعاش به، وناضل بهديه «ذلك الإيمان الذي لا نستطيع الاستغناء عنه في يوم من الأيام – في سبيل البعث – ج 1 – ص 52».

إذاً يمكن القول إنَّ التشكيك بالحزب ومكانته وإمكاناته شكلت المدخل إلى أن تخسر الفئة التي تعبت وشقت في إخراج البعث من ثوبه ألأصيل لنفسها، وذلك لأنها بداية خسرت الإيمان بالبعث.

وإزالة للالتباس وسوء الفهم المتعمد أو العفوي فإنَّ هذه الفئات ليست من سوية واحدة، وإنما هي مختلفة ومتباينة ومتنوعة حسب خلفياتها الثقافية، وتكوينها الفكري وأصولها العقائدية.

 

ومع ذلك فإنَّ التنوع والاختلاف بين هذه الفئات لا يلغي أو ينفي أَنَّ المؤامرة مثلت القاسم المشترك بينها جنباً إلى جنب مع مجموعة من المحددات الثقافية/الاجتماعية وأهمها:

1 – التَّخلَّف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي عاشه ويعيشه الوطن العربي منذ عقود طويلة.

2 – سيادة القيم والأعراف العشائرية والجهوية والطائفية من تغلبية ومناصرة للعصبيات الضيقة.

3 – انقسام المجتمع العربي إلى بنى أهليه قائمة على أساس اقتصاد الاكتفاء الذاتي والمقايضة.. إلخ.

4 – الغلو في الفردية، وتعاظم الأنا لأنَّها شكلت ولا تزال قوة من قوى الدفاع عن الذات في مجتمع يفتقر إلى الديمقراطية ويسوده الاستبداد.

5 – الاحتكام للقوة والغلبة وفق المبدأ العشائري «عد رجالك وورد المي/الماء».

6 – انتشار نظم الاستبداد والقمع والفساد السياسي وغياب الحربة والديمقراطية الأمر الذي أدى إلى مصادرة الشأن العام والتضييق عليه، وتهميش الأفراد والجماعات، وانتشار ظاهرة السلبية الاجتماعية/السياسية.

7 – في المجتمع العربي الذي تسوده نظم الاستبداد تنمو فيه قيم الفردية، والرق السياسي والشطارة الاجتماعية والسياسية، وتعلو قيم الشللية والتمحور على الشطار والزعار و«القبضايات».

8 – يعم السلوك الاجتماعي الانتهازي والنقاق على اختلاف مضامينه الاجتماعية والسياسية.

9 – ضعف التماسك والوحدة الاجتماعية واتساع دائرة الانقسام والتناصر والفرقة والتحارب.

ويمكن إدراج الفئات التي عنيناها بناء على المحددات الثقافية/الاجتماعية السابقة على النحو الآتي:

الفئة الأولى: جاءت إلى البعث حاملة معها موروثها الثقافي الجهوي والعائلي والعشائري والمذهبي، وما يصاحبه من ضغائن وانتقام وكراهية، ونظرة سوداوية شللية، وانئسار للوجاهة والزعامة والتحايل.

وهذه الفئة لجأت إلى البعث لا حباً فيه أو مبادئه وإنما للتورية على مواقف وانتماءات حذر منها البعث وأوضح مخاطرها، ودعا إلى محاربتها ومجابهتها لأنَّها العراقيل والصعوبات والأبواب الموصودة أمام بناء الجيل العربي الجديد، جيل الوحدة والحرية والاشتراكية.

ولذلك كان سلوكها يتصف بالتلفيق والمواربة والمداهنة والإدعاء، والباطن والظاهر، والنفاق والمسايرة واللجوء إلى السلوك الانشقاقي الشللي.

وهذه الفئة عرفت بسرعة إقدامها على التضحية بعقيدة الحزب تحت دعاوي يسراوية، ومن ثم توظيفها لصالح خلفياتها الثقافية الموروثة عندما تسنح لها الفرصة ذلك.

 

أما الفئة الثانية: فهي التي تُرهن إيمانها بعقيدة البعث لحساب مصالحها الشخصية، وإشباع دوافعها الأنانية.

ونرى هذه الفئة تبحث عن الشخص أو الزعيم القوي فتلجأ إليه، وتحسب نفسها عليه. وتغالي في ولائها له، معتمدة على المزاودة والتشاطر بالألفاظ والأسماء الحسنى ومن ثم إسقاط أخطائها وخطاياها على فكر الحزب وعقيدته وتجربته، داعية إلى تبني عقائد ماركسية أو وجودية أو بين مخدوعة بعملية التعويض التي لا تجدي نفعاً إلا أصحابها.

وهؤلاء على اختلاف مراميهم وتكوّنهم الاجتماعي/النفسي، وفي مقدمتهم صنف البخلاء الذين لا يكلون ولا يملون من الارتهان إلى الأشخاص الذين يوفرون لهم إشباع ملذاتهم، سواء كانت عن طريق المناصب، أو المراكز القيادية، أو المهمات إلى الخارج. أو إيداع الأموال في حساباتهم البنكية.

هؤلاء، أعني هذه الفئة، أول من يخسر نفسه عندما ينضوون تحت أمرة مراكز القوى، ومن يقودها.

أما الفئة الثانية، فهي صنو للأولى وإن تميزت بقدرتها على المزاودة، وإيقاع من تستهدفه في شباك الشخص الذي يقود المؤامرة. وتراها تتميز بالشطارة والمخاتلة والافتراء والدس الرخيص والفتنة.

وقد عرف البعث أصناف من هذه الفئة فقدت رشدها البعثي، فجاهرت بالعداء للبعث تحت عناوين عدة، أكثرها خطورة اقتناص اسم البعث، وتاريخه النضالي.

وكانت النهاية المحتومة لهذه الفئة أنَّها خسرت البعث، وانذوت جانباً تتحين الفرص للنيل منه بعد أن بارت بضاعتها، وارتدت عليها ألفاظها.

والحقيقة أن هذه الفئة بأشخاصها ليست على سوية واحدة، ولا تأتي بأفعال وسلوكيات متشابهة، وإنما تتباين عن بعضها بعضاً، حيث ينفرد كل عضو منها بمواقفه الشخصية، وردَّات فعله، وأسلوبه في التأويل والاجتهاد. وأخطر هؤلاء ذلك الذي يَحَوِّل خسارة نفسه إلى أنماط ومستويات من الكراهية للبعث، ومن ناصر شرعيته التاريخية.

 

أما الفئة الثالثة؛ فهي التي تمشي مع شرعية البعث التاريخية ولكن حسابات الأنا، والربح والخسارة وانشدادها إلى ثقافة العصبة والشللية يجعلها تمارس النميمة، والتشكيك بمصداقية كل من تظن أنه لا يوافق على سلوكها الاجتماعي والسياسي، أو يتقاطع مع طموحها الشخصي في الوصول إلى المراكز القيادية. أو ينتقدها إذا مارست الأخطاء والخطيئة.

وهذه الفئة خطرة على البعث بحكم استمرارها في بنيانه التنظيمي، وقدرتها على إقامة محاور للتآمر والإساءة إلى الآخرين، وموهبتها في استعمال كلمة «بس – حق الفيتو» التي تلغي كل ما قالته عن ايجابيات هذا الشخص أو ذاك حتى لا يظفر بموقعه الذي يستحقه.

ومن هذه الفئة من سكت دهراً على الأخطاء التي وقعت في تجربة البعث، ثم نطقت كفراً بعد أن أزيحت من مواقعها، أو فقدت المزايا التي كانت تحظى بِها، وجعلت من الاحتلال الإمبريالي الأمريكي للعراق فرصة للانتقام والافتراء، وحوَّلت نفسها إلى ضحية هي صانعتها.

إنَّ الدراسة في إطالتها توصيف تلك الفئات التي خسرت نفسها بخسارة الإيمان بالبعث، فإنَّها تدعو إلى إعادة النظر في هذه الفئات باعتبارها ظواهر بنائية لها دواعيها وأسبابها في الحياة العربية، ومن ثم دراستها دراسة حقلية/تطبيقية من أجل تشخيصها وتفسيرها تفسيراً سليماً تحكمه مناهج العلم الاجتماعي، بحثاً عن محدداتها الاجتماعية الثقافية الموروثة والراهنة، والعوامل البنائية الأخرى التي حكمتها في تنوعاتها المحلية والوطنية والقومية، والكيفية التي تعيد إنتاج نفسها بها تحت عناوين ومسميات جديدة.

الدعوة التي تقول بها الدراسة تريد معالجة هذه الظاهرة البنائية، أي الفئات سالفة الذكر، انطلاقاً من أنَّها ظواهر اجتماعية معتلة بكل جزئياتها، وما بينها من وحدة وتنوع في الأسباب والعوامل البنائية تمهيداً للقضاء عليها والحيلولة دون إعادة إنتاج نفسها، لأنَّ البعث كما قال عنه الأستاذ لا يحيا إلا بالبطولة، وعهد البطولة «الذي تنطوي فيه صفحة الضعفاء الذين يقابلون مصائب الوطن بالبكاء.. صفحة النفعيين الذين ملأو جيوبهم ثم قالوا: «لا داعي للعجلة..» صفحة الجبناء الذين يعترفون بفساد المجتمع إذا ما خلوا لأنفسهم حتى إذا خرجوا إلى الطريق كانوا أول من يطأطئ رأسه لهذه المفاسد... وتبدأ صفحة الذين يجابهون المعضلات العامة ببرودة العقل ولهيب الإيمان، ويجاهرون بأفكارهم ولو وقف ضدهم أهل الأرض جميعاً، ويسيرون في الحياة عراة النفوس.. هؤلاء هم الذين يفتتحون عهد البطولة. عفلق. في سبيل البعث – ج 1 – ص 15.

وقد وَجد البعث على الساحة العربية بفضل شرعياته المنهجية والنضالية والعقائدية، فإذا فقد أحدها فإنَّه يفقد أحد مبرراته. ولهذا دعا الأستاذ إلى أن يتحقق في البعث الانقلاب على النفس كلما دعت الحاجة إلى ذلك، لأنَّ هذا المستوى من الانقلاب يخلق اليقظة الحقيقية التي تحافظ على شرعيات البعث الأساس، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وترسخها في ممارساته وبنيته التنظيمية.

والقَّوْلُ بالنَّفسِ البشرية يشكل وحدة التلاقي مع الآية الكريمة: « إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ » صورة الرعد.

وأهمية هذا التلاقي تتمثل في حالة الانقلاب في فكر البعث، من أنَّه قانون حياة يحكم الأمَّة العربية في نشوئها وتطورها، وانتقالها من حال إلى حال، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى.

وهذا معناه أَنَّ الانقلاب في البعث يعني ولادة جديدة للبعثيين في العقلية والنظرة إلى الحياة العربية، والعلاقة مع الآخر.. إلخ. كما يعني كما قال عنه الأستاذ أنه «يتلخص في كلمة الانقلاب». أي البعث – ص 72 – المرجع السابق.

والانقلاب في البعث على ذلك النحو إعادة صقل للأمة العربية صقلاً جديداً يجعلها تتوافق وتتفاعل مع روح العصر. هو آلية وطريقة حياة جديدة في تنشئة الجيل العربي الجديد «... والذي يؤمن بنفسه لأنَّه يؤمن بأمته الخالدة، ويؤمن بأمته وبقدرتها على التغلب على انحطاطها [...] لتعود إلى ذاتها الأصيلة، لتعود الأمة العربية الخالدة. ولكن كل ذلك يشترط أن يكون ثمة جيل عربي جديد – عفلق – المرجع السابق – ج 1 – ص 168».

وفي اللحظة التي نأتي بها إلى أهمية تغيير النفس أي العودة إلى الإيمان الحقيقي بالحقائق الوحدوية للأمة العربية، وبقدرتها على ممارسة دورها الحضاري وبإنسانيتها العربية، فإننا نتلاقى مع الولادة الجديدة للبعث التي تمت في الأسبوع الأول من احتلال العراق، من قبل الامبريالية الأمريكية، يوم انطلقت مقاومة البعث الخلاقة لهذا الاحتلال في أيامه الأولى، مراهناً في ذلك على نهاية عصر الامبريالية من أرض العراق.

ونقطة البداية في الولادة الجديدة يوم أشهر البعث رسالته الإيمانية في كفاحه وجهاده ضد الامبريالية، وإسقاطه الأساطير الاستبدادية التي أتت بها التقارير والمنطلقات العقائدية الضالة، ومباشرة النقد الذاتي.. مرفوقة بالمقاومة البعثية المسلحة، والعودة إلى فكر البدايات وقوامها الإيمان بالقيم الروحية الإنسانية، وبقيمة الروح العربية الأصيلة ص 174 – لا يفهمنا إلا المؤمنون، المؤمنون بالله. قد لا نُرى نصلي مع المصلين، أو نصوم مع الصائمين، ولكننا نؤمن بالله لأننا في حاجة ملحة وفقر إليه عصيب – ص 15 – في سبيل البعث ج 1 – 1943.

نقطة البداية.. أي العودة إلى الإيمان العميق بدور الشعب العربي، ومبادراته الخلاقة، وترسيخ الإيمان بالديمقراطية، يوم كان البعث شريكاً فعالاً في اللعبة الديمقراطية. وفي ممارسة الشعب العربي لإرادته وشأنه العام، بعيداً عن أي تسويف وتضليل تقوده الأطروحة المضللة من أنَّ البعث «حزب البرجوازية الصغيرة».

وأحسن الكلام: هكذا عرفنا البعث فآمنا به، وناضلنا بداخله ندفع الغدم، ونرفض الغنم في كل مواقعنا النضالية. أقصد بذلك القطاع الجدي في حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قال عنه الأستاذ «... الذين يجابهون المعضلات العامة ببرودة العقل ولهيب الإيمان، ويجاهدون بأفكارهم ولو وقف ضدهم أهل الأرض جميعاً، يسيرون في الحياة عراة النفوس [...] يفصحون عن مشاعر ملايين الناس الذين قص الظلم ألسنتهم، م. عفلق المرجع السابق – ص 15».

ونشهر مقولة لابن خلدون، ونأخذ بها قاعدة منهجية لتستوي الحياة العربية وفي عمقها حزب البعث، وهي «.. إن الاجتماع إذا حصل للبشر تم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم.. فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان. المقدمة – ص 43.

ومن دواعي ذلك الإشهار الخلدوني أن نأتي إلى أولئك الذين خسروا أنفسهم فخسروا البعث... هؤلاء أصلاً خسروا الإيمان بالبعث ودوره وقدره أن يكون قدر الأمة العربية في مناضله نفسها... هؤلاء جعلوا وجهتهم الاستحواذ على المال وبناء القصور بعد أن قذفت بهم أوضاع بلدهم ونشأة البعث فيها إلى مواقع قيادية لم يحسنوا مدافعة السياسة من أجل الإيمان الذي قام البعث على أساسه وشكل رافعِته على نحو لا يستطيع الاستغناء عنه، فهو شرط استمراره وأحد مبرراته وشرعياته التاريخية.

.. هؤلاء نترك أمرهم إلى الولادة الجديدة في عراق الأمة العربية – بل عراق البعث لأنه مثَّل تفرداً به وميزاً على بقية الأقطار العربية... إلى المقاومة التي يشكل البعث فيها مبادراً خلاقاً وفصيلاً رئيساً... وإلى من يمارس المقاومة بقوة الإيمان بالعروبة والإسلام الذي مثل الحركة العربية الأولى في تاريخ الأمة العربية، وأسس للأمة العربية دورها الحضاري الجديد. ورسالتها الخالدة التي آذنت بها فتحاً جديداً للعالم.

وقد آن الأوان أن تكون المقاومة البعثية في العراق ولادَة جديدة للبعث، تباشر دورها في كشف الغطاء عن هذه الفئة التي امتهنت الإساءة إلى أحرار البعث بقوة تعنُّتها وأنانيتها، فشكلت قوة طاردة لأولئك الذين قال عنهم الأستاذ قولاً كثيراً ووصفهم بالجيل العربي الجديد.. وعوَّلت جهدها لأن يكون البعث على صورتها، فاختارت الضعفاء إلى جانبها لفعل الضلالة وخسارة النَّفس، حتى ولو لم يبق في البعث أحد من الجيل العربي الجديد. أولئك الذين دعاهم الأستاذ إلى ديمومة التوتر والصراع [...] والدفع الدائم ومحاربة كل كسل [وقال لهم] وإياكم والنظرة الجامدة التي لا تفهم سر وكنه الحياة [ووصفهم بقوله] هم الذين يصححون كلما كانت تتردى في السطحية والتقليد [يقصد البعث كحركة عربية] وهم الذين يثور ضميرهم عندما يرون الحركة قد انساقت وراء الشعارات الاصطلاحية وجعلت كل إيمانها في ترديد الكلام والألفاظ [...] فإن الأفراد الواعين الحساسين فيكم، هم المسؤولون والمطالبون بأن يعيدوا الدعوة الأولى، وأن يذكِّروا إخوانهم لكي يعود الصراع الداخلي في نفس كل فرد من أعضاء البعث، لكي يأتي هذا البعث أصيلاً [...] حركتنا هي حركة بعث بأوسع ما في هذه الكلمة عربية من معنى.. بعث في الروح والفكر والأخلاق والإنتاج والبناء، وفي كل هذه المؤهلات والكفاءات العملية – م. عفلق – في سبيل البعث ج 1 – ص 52 – 55 سنة 1955».

شبكة البصرة

الخميس 2 ربيع الثاني 1431 / 18 آذار 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط