بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنتخب العراقيون.. ماذا بعد..؟

شبكة البصرة

د. فارس الخطاب

خرجت جموع العراقيين للمشاركة في الأنتخابات البرلمانية الأخيرة وهم يتطلعون إلى تحقيق أهداف لم توفّق حكومة المالكي في تحقيقها، ربما يكون الأمن وإنهاء حالة البطالة وتوفير الخدمات وحفظ كرامة ووحدة العراق من بين أهم هذه الأهداف. ولعلنا جميعا تابعنا وسنبقى نتابع لإيام أخر ماراثون الفرز اليدوي والإلكتروني لإصوات العراقيين حتى باتت المنافسة على أشدها بين كتلتين وربما شخصيتين رئيسيتين في هذه الأنتخابات هما رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي ورئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، وقد يتفاعل اهل العراق في الداخل والخارج مع هذا الرجل أو ذاك لإسباب هم يعتقدونها ذات جدوى ولكن علينا أن نتوقف قليلا لنستعرض ما ينتظر ألفائز النهائي في ماراثون الأنتخابات العراقية من مهام وتحديات.

صحيفة لوس انجلوس تايمز أوردت تحليلا لأحد المراكز الاستراتيجية العالمية يفيد ان نوري المالكي تعول عليه بعض الدول الأوروبية والشركات النفطية وتتمنى له ولاية ثانية له، وتقول الصحيفة أن هذه الدول قدمت له ما يقارب نصف مليار دولار دعما لحملته الانتخابية !!، ولكن الصحيفة ترى أن المالكي لن يكون بإمكانه تحقيق فوز يكفي لتأهيله لدورة ثانية في رئاسة الوزارة وذلك لأن جميع الكيانات الأخرى تحالفت على ابعاده وعدم اعطائه فرصة ثانية لتولي الحكومة العراقية. ولعل ما اتفقت عليه الكيانات السياسية العراقية ضمنا من أجل إبعاد المالكي سيكون لها سجال طويل وخلافات شتى حول تشكيل الحكومة المقبلة التي قيل وعبر الدعايات الأنتخابية أنها ستكون بعيدة عن المحاصصة الطائفية والقبلية !!.

إذن العراق مقبل على مخاض عسير لحكومة باتت قلوب العراقيين معلقة بآمال إعادتها للكثير من الأمور الى نصابها، بعد سبع سنوات عجاف ملئتها جهات وقوى كثيرة بالدم والتهجير والحرمان وفقدان الكرامة الشخصية والوطنية، وإذا كان المالكي قد حسبت له حسنات كثيرة خلال فترة تسنمه الحكومة العراقية المنتهية صلاحيتها كمحاولات حفاظه على أوضاع كركوك وسعيه للإبقاء على قوة المركز وعدم فتح مصاريع أبواب موضوع الأقاليم وغيرها، فإن هناك سيئات أكثر قد تكرّست في نفوس العراقيين نتيجة إخفاقه في تحقيق الوعود الجميلة التي كان يطلقها خلال كلماته وخطبه. أما علاوي فقد قاد حملته الانتخابيةعلى أساس تحقيق هدفين رئيسيين، الأول هو المصادقة على العملية السياسية وإعادة الاتزان لها، والآخر هو بناء الدولة ومؤسساتها على أساس الحرفية والتكامل والولاء للدولة، وهذه بالطبع مهمتين صعبتين وإن كانت تتمناها من قبله سلطة الاحتلال الأميركي التي تريد تنفيذ برنامج انسحابها بهدوء من العراق.

أنتخب العراقيون ولكن هل سيتحقق شيئا لهم على أرض الواقع في حال تغير رئيس الوزراء وجاء إياد علاوي ليقود الوزارة لإربع سنوات مقبلة ؟ سؤال تبدو الإجابة عليه صعبة جدا، فمن جهة لا يزال قانون النفط العراقي والذي يتعلق بكيفية تقسيم عائدات النفط العراقي حبيس البرلمان العراقي المنحل والذي رحلّه إلى البرلمان المقبل، كما أن قضية كركوك، المتنازع عليها بين العرب والأكراد عصية على الحل خاصة في ظل حاجة كتلة علاوي للتحالف مع الكتلة الكردية في البرلمان من أجل الفوز بالأغلبية المطلقة سواء في قضية تشكيل الحكومة أو في قضايا وتشريعات أخرى تنتظر الحسم، والقيادة الكردية لن تتحالف مع هذه الكتلة أو تلك بالمجان. لكن من جهة أخرى يبقى أمام علاوي بوابات نجاح إن ولجها نجى ونجا من معه من العراقيين، فعليه أولا أن يباشر ببناء جيش قوي وطني، ثم جهاز شرطة وأمن ومخابرات يرصد الجريمة والجريمة المنظمة وحالات التجسس، وبعدها أو معها إطلاق العنان لحملات إعمار العراق بشكل فوري غير قابل للمد والجزر يستقطب من خلالها ملايين العاطلين عن العمل من الشباب والنساء ويجعل من العراقي قيمة عليا في مجتمعه، وهذا أيضا لا يتأتى إلا من خلال علاقات دولية ممتازة وعلاقات عربية أكثر تميزا ودونما أي مساس بثوابت وهواجس دول الجوار وخاصة دول الخليج العربي.

الكاتبة الأمريكية ميجان أوسيلفان العاملة في مجلس الأمن القومي الأمريكي ترى وبحسب "الواشنطن بوست" أن فرحة العراقيين الغامرة ربما بفوز كتلة علاوي بالأنتخابات قد تتحول فيما بعد إلى استياء شديد، إذا ما طالت المدة التي تستغرقها تشكيل الحكومة العراقية وشابتها العديد من الشكاوى والاحتجاجات المتبادلة بين الأطراف المتنافسة. وهي ترى أنه وعلى الرغم من أن تشكيل الحكومة مسألة عراقية بحتة، فإن للولايات المتحدة مصلحة في الشخصية التي ستكون عليها هذه الحكومة، لأن الأخيرة ستكون في السلطة خلال الفترة التي سيتم فيها سحب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية2011، وهي أيضا التي ستحدد طبيعة العلاقات الثنائية بين الدولتين خلال السنوات القادمة، كما أن هذه الحكومة بشكل من الأشكال، ستختار الطريق الذي سيسير فيه العراق خلال المواجهة المحتملة بين المجتمع الدولي وبين جارته إيران، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة يجب عليها أن تقرر أين تقف بالضبط في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية. أما الفائز وهو بحسب النتائج الأولية وخارطة التحالفات العراقية قد يكون الدكتور إياد علاوي فإن عليه أن يحافظ على علاقات طيبة مع واشنطن من أجل الحصول على احتياجات العراق من المعدات والتدريب كما ورد ضمن اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعّة بين الدولتين خاصة في مجال التعليم والاستثمار والتقنية والزراعة بالإضافة إلى إبقاء وتفعيل عقدة الذنب لدى الإدارات الأمريكية تجاه غزو وتدمير العراق.

جانب آخر يتميز بإهمية خاصة تستحق أن يفرد لها حقل خاص يتعلق النفوذ الإيراني في العراق وطريقة التعامل مع نتائج الانتخابات، ولعل المحلل السياسي غسان العطية يصيب كثيرا بقوله أن "المعركة التي يشهدها العراق الآن هي معركة النفوذ الإيراني مقابل النفوذ الأمريكي فإذا لم تكن إيران راضية عن هذه الانتخابات وعن النتائج التي سيحققها حلفاؤها فإنها قادرة على أن تخلق مشاكل في العراق، وبالتالي ستدخل البلاد في أتون معركة مؤلمة"، نعم معركة طائفية أو عرقية أو سمها ما تريد الهدف الأساس منها هو أفشال عمل ومهمات أي حكومة عراقية مقبلة لا تتكأ على إيران، ولهذا ركزنا في القول أن من أهم أولويات مهام الحكومة العراقية المقبلة (إن لم تكن ضمن الفلك الإيراني)، هو تعزيز قدرات الجيش العراقي العقائدية والتسليحية بحيث يعود كما كان دائما جيش لكل الوطن والمهمات القومية، فهو وحده القادر على منح الحكومة المقبلة القدرة على مواجهة تطلعات إيران الغير شرعية في العراق.

العراقيون أنتخبوا، وتبقى روح الأمل في التقدم خطوة إلى أمام خاصة في موضوع المصالحة الوطنية وإلغاء كل القوانين المستهجنة والباطلة تجاه هذا الفصيل أو ذاك والشروع في ماراثون جديد وطويل ربما، لكنه هذه المرة لصالح بناء العراق، كل العراق وبكل طاقات أبناءه، عليها أن تستبدل الأجتثات، بإجتثاث العداوة والبغضاء والريبة بين القوى السياسية وغير السياسية، أجتثاث الماضي المؤلم مهما امتدت سنواته ومأساته، هذا ما يريده العراقيون الذين أنتخبوا، فهل من سيفوز بهذه الأنتخابات قادر على تحقيقه ؟

شبكة البصرة

السبت 4 ربيع الثاني 1431 / 20 آذار 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط