بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اخطر كتاب عن الثورة الخمينية وعن الخميني في ايران

الثورة البائسة
(4-4)

شبكة البصرة

تأليف الدكتور موسى الموسوي

طبعة 1428هـ - 2007م

الخميني والشيوعية

ليس الشبه الوحيد بين السيد الخميني مرشد الثورة في إيران والسيد لينين مرشد الثورة الشيوعية في روسيا، أن كليهما بدا بالعمل لإسقاط نظام بلديهما من باريس، ودخلا بلديهما بعد أن سقطت في إيران أسرة بهلوي الملكية وفي روسيا أسرة رومانوف القيصرية، كما أن الشبه بين الرجلين ليس أن كلا منهما كانت تحركه روح الانتقام الشخصي، فالخميني أراد أن ينتقم من الشاه لأنه قتل ابنه على حدّ زعمه ولينين أراد أن ينتقم من قيصر لأنه قتل أخاه ولكن وجه الشبه الحقيقي هو :

إن الشيوعية اتخذت كلمة الفقراء (برولتراليسم) شعارا للثورة الشيوعية، وأخذ الخميني كلمة المستضعفين شعار للثورة الإسلامية الإيرانية.

النظام الشيوعي لا يؤمن بالملكية المطلقة، ولذلك صودرت أموال كبار التجار والمعامل والأراضي في ظل الشيوعية، وخلقت من الأغبياء طبقة فقيرة تضاف إلى الفقراء، والخميني ونظامه صادروا أموال التجار وأراضي الناس والمعامل الكبيرة وأضافوا طبقة فقيرة إلى الفقراء وشعارهم أن الإسلام لا يؤمن بالملكية المطلقة المحدودة كما قال كارل ماركس.

النظام الشيوعي يعتقد بأن الصحافة والإعلام يجب أن يعبر عن سياسة الحزب ويجب أن تكون في خدمة النظام الحاكم وتكون بوقا من أبواقه، ونظام الخميني صادر الصحف واستولى على الإعلام واستعمله في صالح حزبه.

الحزب الشيوعي هو الذي يحكم في النظام الشيوعي، ويحكم الحزب الجمهوري الإسلامي إيران بقيادة الخميني.

الشعب ممنوع من السفر إلى خارج البلاد في الأنظمة الشيوعية، والسفر ممنوع على شعب إيران في نظام الخميني.

الشيوعية تدعو إلى الأممية ونبذ القومية، وأول شعار نادى به الخميني هو الأممية واعتبار القومية كفرا وإلحادا.

في الأنظمة الشيوعية يؤلّه الحاكم كما إلّه ستالين في روسيا، وماوتسي تونغ في الصين وتيتو في يوغسلافيا، وفي نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألّه الخميني أكثر من أي إله آخر.

في كثير من الدول الشيوعية تتخذ كلمات الحاكم إنجيلا واجب اتباعه، ويرددها الشعب في كل مناسبة ومكان، وكلمات الخميني اعتبرت إنجيلا يرددها اتباعه وأعوانه في كل مكان.

النظام الشيوعي هو النظام القائم على القيادة الجمعية في حكم البلاد على شرط أن يكون القادة من المؤمنين بالماركسية، ونص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على القيادة الجماعية شريطة أن يكونوا من المؤمنين بالخميني، وشعارهم " حب خميني حسنة لا تضر معها سيئة ".

في النظام الشيوعية تخضع كل دائرة للجنة شيوعية تنبثق من داخل تلك الدائرة، وفي نظام الخميني تخضع كل دائرة للجنة خمينية تنبثق من داخل تلك الدائرة.

النظام الشيوعي يتخذ الفلسفة المكيافيلية (النتائج تبرر أساسا للمقدمات) دعامة للعمل السياسي، والنظام الخميني اتخذ الفلسفة نفسها أساسا للقمع الدموي.

النظام الشيوعية يرى من واجبه مساعدة الشيوعية في الدول الأخرى لاستلام السلطة بأي ثمن ونظام الخميني يرى من واجبه مساعدة أنصار (ولاية الفقيه) في أي مكان من العالم لاستلام السلطة.

النظام الشيوعي قسم الشعب إلى البرجوازية والفقراء واستغل هذا التقسيم في بسط نفوذه، والخميني قسم الشعب إلى أهل الشمال والجنوب، أي الأثرياء القاطنين في شمال طهران والفقراء الساكنين في جنوبها، واستغل هذه التفرقة لبسط سلطانه على الشعب.

النظام الشيوعي يرى التصفية الجسدية لأعدائه ضرورة في بعض الأحيان كما تعرض لها تروتسكي أحد بناة الشيوعية وقادتها عندما كان لاجئا في المكسيك، ونظام الخميني اتخذ التصفية الجسدية شعارا له وهدد به المناوئين بكل وقاحة.

في النظام الشيوعي كل حزب مكلف بأدلاء المعومات عن أعداء النظام، والخميني سن هذا القانون عندما طلب من كل أبناء الشعب أن يتجسسوا لصالح نظامه ولو على أقرب المقربين.

قال لينين اعطني مرحا أعطيك شعبا، وقال الخميني اعطني الإعلام أعطيك شعبا. وبعد هذه المقارنة، لابد من الإشارة إلى عدة حقائق، هل أن تعاون المخابرات الروسية (ك ج ب) مع المخابرات الخمينية وتعليم الحرس الثوري طرق التجسس أمرا اعتباطي؟ وهل أن مصافحة الخميني للدول الشيوعية واستخدام الخبراء من كوريا الشمالية أمر اعتباطي؟

وكيف يمكن تفسير الحرية التي يتمتع بها الحزب الشيوعي (تودة) "1" في العمل السياسي والإعلامي في إيران الأول مرة منذ تأسيسها، وفي ظل نظام يدعي أنه جاء لحماية الإسلام. وماذا يعني سكوت الخميني عن المجازر التي ترتكب بحق المسلم في أفغانستان على يد المحتلين الروس؟ وما هو معنى هذا الهجوم العنيف ليل نهار على الاستعمار الغربي فقط، وعدم ذكر الاستعمار الشرقي، بل الإصرار بعدم التعرض له؟ وكيف يبرر الخميني إعطاء المناصب الحساسة في الدولة للشيوعية، والتعاون مع الحزب الشيوعي لقتل (مجاهدي خلق)؟ ومما أن الكلمات العبارات لا تغرني أبدا، بل انظر إلى العمل كمقياس حقيقي لتقيم الأفراد والجماعات، فلذلك لا أجد صعوبة في رمي الخميني بالشيوعية مع ما عليه من الطيلسان والعمة والرداء، وتكراره اسم الله والإسلام في كل أحاديثه.

فالخميني الذي لم يتورع من الكذب وقتل الأبرياء والحرب مع الاخوة المسلمين واغتصاب أموال الناس والسطو على حقوق الشعب والتعاون مع إسرائيل لضرب المسلمين، وكل هذه القبائح لم تكن تعرف عنه قبل أن يعتلي سده الحكم بل لم يحلج بخلد أي بشر أنه سيتوغل فيها حتى قمة رأسه في يوم ما، فهل يكون من الصعب عليه أن يخفى آرائه السياسية كما أخفى دهرا أخلاقه اللئيمة؟

وسواء كان الخميني شيوعيا أم غير شيوعي، فالشيوعيون الإيرانيون يعيشون في ظل نظامه في عهد ذهبي لم يحملوا به من قبل إبداء، وأن إيران في ظل هذا النظام الفوضوي الجائر أصبحت أكثر استعدادا من أي وقت مضى لقبول السيطرة الشيوعية، وأن الشيوعيين الآن في إيران ينظرون اللحظة المناسبة للوثبة الأخيرة يساعدهم الدب القطبي من خارج البلاد والطابور الخامس من داخلها "1".

 

الخميني بين القول والفعل

لابد من المقارنة ما قاله الخميني عن الشاه وهو يقود المعارضة ضده وما فعله هو بعد أن وصل إلى السلطة وأزاح الشاه من عرشه ليكون القارئ الكريم على بينة من أمر الرجل الذي خدع أمة الإسلامية بمعول الكلام والوعود الكذبة والمستقبل المشرق.

كان الخميني يندد بالدستور الإيراني ويسخر من البند الذي كان ينص على: أن الملكية وديعة الهبة أعطاها الله للملك عن طريق إرادة الشعب التي تجلت في الاستفتاء العام.

وها هو الخميني جعل في البند بعد المائة من دستور الجمهورية الإسلامية نصا مماثلا. يقول: إن ولاية الفقيه سلطة إلهية أعطاها الله للفقيه عن طريق إرادة الشعب التي أقرها في الاستفتاء العام.

ندد الخميني في خطبة بصلاحيات الشاه كقائد أعلى للقوات المسلحة وإقالة الوزراء ونصهم وتعيين رئيس ديوان التمييز والمدعي العام وها هو حصل في البند الحادي عشر بعد المائة من الدستور الجديد هذا النص. آية الله الإمام الخميني هو القائد الأعلى المحكمة العليا والمدعي العام ورئيس ديوان التمييز وتنفيذ رئاسة الجمهورية بعد أن ينتخب الشعب الرئيس.

كان الخميني يندد بالشاه لتدخله في شؤون البلاد الكبيرة والصغيرة وكان يندد بأسرته وحاشيته ويتهمهم بالتلاعب بمقدرات البلاد والعباد واستغلال أموال الشعب وعندما وصل هو إلى الحكم سلك الطريق نفسه كما أن ابنه أحمد وزمرته من آل الخميني يسيرون على سيرة أسلافهم من آل بهلوي في التلاعب بمقدرات الأمة واستغلال موارد البلاد وسرقة أموال الشعب، ويعتقد الضالعون بشؤون آل الخميني أن أرصدة أحمد في البنوك السويس تتجاوز المئات الملايين من الدولارات.

كان الخميني يندد في خطة بالزمرة الحاكمة ويصفها بأنها المحسوبة على النظام وكان يقول أن الشرط الوحيد لتسلم كرسي الحكم هو الإخلاص والوفاء والإطاعة العمياء للشاه. وها هو جعل الشرط الأول والأخير لأشغال المناصب الحساسة في جمهوريته الولاء والعبودية لشخصه ولفكره ولاية الفقيه.

كان الخميني يسخر ويندد في خطبة بتشكيل الأحزاب الحكومية في عهد الشاه وكان يعتبرها أحزابا غير شرعية كما كان يندد بالانتخابات النيابية ويعتبرها مزورة والخميني نفسه عندما وصل إلى الحكم أمر بطانته بتشكيل الحزب الجهوري الإسلامي أي الحزب الحاكم فعلنيا وكما كان الحزب الحاكم في عهد الشاه يزور الانتخابات ويفوز بالأكثرية النيابية هكذا زور الحزب الجمهوري الإسلامي والانتخابات وفاز بالأكثرية. فما شابه الليلة بالبارحة.

كان الخميني يندد بالشاه ويتهمه بإرسال جلاوزته لإخماد المتظاهرين بالعصي والهروات وها هو نفسه تجاوز سلفه في هذا المضمار كيرا حيث أرسل جلاوزته " حزب الله " إلى الاجتماعات التي تعقد ضده لإخماد الأنفاس كما أن هؤلاء المرتزقة يستعملون الأسلحة النارية في غالب الأحيان كما فعلوا مع المجاهدين وغيرهم وقتلوا سبعن طالبا جامعيا في حرم جامعة طهران.

كان الخميني يدافع عن الجرائد التي انتقدت سياسة الشاه والتي عطلها هذا الأخير انتقاما منها. وعندما وصل هو إلى الحكم عطل العشرات من الجرائد التي كانت تنتقد سياسة بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث صادر الصحف الكبيرة مثل جريدة كيهان وجريدة إطلاعات وجعلها بوقا من أبواقه.

كان الخميني يندد بأسرة الشاه ويتهمهم الاتجار بالمخدرات وقبل بضعة أشهر اعتقل الشرطة الألمانية في مطار دوسلدوف صادق الطباطبائي صهر الخميني وهو يحمل حقيبة مليئة بالأفيون وكان وهكذا يفضح الله المنافقين والذين في قلوبهم مرض ليكونوا عبرة للناس كافة.

ندد الخميني في كثير م خطبة بإعدام المتهمين بتجارة الأفيون وكان يقول أن هذه ذريعة اتخذها الشاه لإعدام المناؤين لنظامه كما أنه كان يقول ويؤكد أن الإسلام لا يقر عقوبة الإعدام لتجّار المخدرات ولكنه عندما استلم السلطة أعدم أكثر من ألف وأربعمائة شخصا بتهمة الاتجار بالمخدرات.

كان الخميني يتهم الشاه بالهذيان في الكلام عندما كان يقول أن قوة بلاده أصبحت تخيف الدول القريبة والبعيدة لأنها القوة الرابعة في العالم أو أن اقتصاد إيران سيكون أكثرها ازدهار من الاقتصاد الياباني في عام 1980، وها هو الخميني يهذي في الكلام ما استطاع إلى الهذيان سبيلا. فتارة يزعم أنه ينظم جيشا قوامه عشرين مليون جندي يحارب به أمريكا وتارة يهدد فرنسا وضرب مصالحها في العالم وتارة يقول أنه تم في إيران بناء مائة ألف مدرسة في عام واحد كما أن العالم سمعه يهدد العراق باحتلال عاصمته في غضون أربع ساعات.

كان الخميني يندد سياسة القمعية ولا سيما تصفية المناوئين في خارج البلاد على يد بوليسه السري (السافاك) وها هو الخميني سلك نفس الطريق حيث قتل بوليسه السري محيط الطباطبائي في واشنطن وابن شقيقة الشاه المسمى شهرام في باريس. كا قام بوليسه باغتيالات فاشلة بالنسبة لكل من الدكتور شاهبور بختيار رئيس الوزراء في عهد الشاه وبني صدر أول رئيس جهورية في عهده والدكتور علي أميني رئيس الوزراء الإيراني الأسبق وغيرهم.

كان الخميني يندد بالمحاكم العسكرية التي تصدر أحكاما بالإعدام في حق المناوئين لنظام الشاه ومحاكم الخميني الثورية أعدت من مناوئي حكمه في أربعة أعوام مئات أضعفا ما فعلت محاكم الشاه في ثلاثين عاما. وبهذا الفارق أيضا هو أن المتهمين السياسيين كان يحق لهم الدفاع عن أنفسهم في محاكم الشاه وكان يحق لهم التمييز والاستئناف في الأحكام الصادرة بحقهم أما في محاكم الثورة الإسلامية فلا دفاع ولا استئناف ولا تمييز مائة إعدام في مائة دقيقة.

سخر الخميني من الشاه عندما لقبه المجلس الثوري بـ(اريامهر) أي محبوب الشعب الاري ولكنه استبشر سرورا عندما لقبه أصحابه (إمام الأمة).

كان بيت القصيدة في خطب الخميني ضد الشاه اضطهاد هذا الأخير للأقليات القومية في أنحاء البلاد وعدم الاستجابة لمطالبهم المشروعة وها هو الخميني بعد استلام السلطة قتل اباد من القوميات الإيرانية المختلفة في شرق البلاد وغربها عشرات الآلاف ولا زالت الحرب سجلات بين حرس الخميني والأكراد في غرب إيران ومع التركمان في شرق البلاد. وقد قتل الخميني من الأكراد العرب والبلوش والتركمان في غضون أربعة أعوام من حكمه مئات أضعاف ما قتل سلفه في ثلاثين عاما.

كان الخميني يسخر بالشاه عندما كان يدعي أنه يأتيه الإلهام من عالم الغيب والملكوت ويصفه بالكذب المخادع وها هو الخميني نفسه يبتسم راضيا عن أولئك الذين قالوا فيه ما ادعى سلفه بل زادوا في ذلك وقالوا أنه فعل ما لم يعله الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم. وهكذا ابتلى الشعب الإيراني المسلكين بمعتوه مجرم متعطش للدماء ولكنه ليس في لبوس الأباطرة بل في لبوس الزهاد والكهنوت.

 

انا والخميني

لقد رأيت من الضرورة بمكان إضافة هذا الفضل إلى الفصول الأخرى من الكتاب حتى لا يتوهم القارئ الكريم ولا أولئك الذين يؤرخون هذه الحقيقة من تاريخ إيران أن مؤلف هذا الكتاب طفيلي على الثورة أو كان بعيدا عنها أو أنه بعيد عن الشؤون الإسلامية ومعارفها. وها أنا أعلن لأولئك الذين بهرتهم فكرة ولاية الفقيه بأني كأحد فقهاء الإسلام أعلن بصراحة مطلقة وصريح القول أن فكرة ولاية الفقيه بدعة ابتدعها الخميني وضلال أضل به المجتمع وأنه والله كملة لا يؤمن هو بها ولا زمرته، بل اتخذها ذريعة للسلطة على رقاب المسلمين ظلما وعدوانا، وأن الله ورسوله برئ منه كل من يحكم بالباطل ويتخذ الظالمين إماما وهاديا.

لقد عشت في كنف الإمام الأكبر جدنا السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني رحمه الله سبعة عشر عاما وكان هو المرجع الأعلى للطائفة الشيعية في شرق الأرض ومغاربها حتى قال فيه الإمام كاشف الغطاء الكبير رحمه الله أن السيد أبو الحسن (أنسى من قبله واتعب من بعده) فوالله لم اسمع منه مرة واحدة كلاما كهذا، بل كان رحمه الله دوما يوصي مراجع الإسلام بالابتعاد عن السلطة الزمنية والترفع عنها وكان يقول (واجب المجتهد هو هداية النفوس وإرشاد العباد والسعي في تكوين جامعة فاضلة لا حقد فيها ولا كراهية ولا ظلم ولا عدوان). وعندما استشهد ابنه الكبير في النجف وبين صلاة المغرب والعشاء وهو أبي، الذي قتله رجل متلبس بلباس طلبة العلوم الدينية أرسله الاستعمار من مدينة قم الإيرانية إلى النجف كي ينفذ جريمته النكراء، عفى الإمام الأكبر جدنا عن القاتل وقال (لا ينبغي لإمام المسلمين أن يتقاضى أحد أفراد أمته. ولوكان قاتل أبنه ظلما وعدوانا). وكتب إلى المحكمة بخطه ((إمام المسلمين بمثابة الأب الروحي لجميع المسلمين ولا يليق به أن يتقاضى أحدا منهم وإلى الله المشتكى وهو نعم المولى ونعم النصير)).

لقد كان تصور الشعب الإيراني أن الإمام الخميني قائد المسيرة ومرشد ثورته له خصال السابقين من مراجع الإسلام ولم يمر بخلده قط أن هذا الإمام بعيد عن الرحمة قريب إلى الشر إذ قتل أسرف في القتل، وإذا أسرف في القتل لم يأبى سيفه من قطع رقاب الصغار من الفتيات والشباب من الفتان، وقد قتل في غضون ثلاثة أشهر من عمر الزمان الثلاثة آلاف شاب مسلم وشابة مسلمة لأنهم قالوا كلمة واحدة (الموت للخميني). ولست أدري كسف يلقي الخميني ربه وفي رقبته من دماء المسلمين ما لا تعد ولا تحصى. وأعود الآن إلى بيت القصيد من هذا الفصل وأذكر معرفتي بالخميني منذ كان مغمورا في مدينة قم، لا يعرفه أحدا إلى أن أصبح مشهورا يعرف اسمه كل واحد.

كنت إذا زرت مدينة قم التقيت بالخميني في قارعة الطريق أو في دار أحد الأصدقاء وكان مجلسه لطيفا لا تخلو أحاديثه من الفكاهة، وكانت له حلقه تدريس في الفلسفة الإسلامية ممزوجة بالتصوف والعرفان، وكان يقضي الصيف في مصايف طهران بعيدا عن مدينة قم وهجيرها في كل عام، وكنت إذا ما جاء إلى طهران أزوره مرة أو مرتين في بعض السنوات وأذكر إني دعوته مرة إلى طعام الغذاء في دارنا وكان بصحبه الإمام الشيخ مرتضى الحائري وهو الآن حي يرزق في مدينة قم ومن أكبر علمائها، وطبعا لم يلج ببالي آنذاك أن القدر سيسخر يوما ما بأمة إيران ويجعل من هذا الذي كنت اسقيه الماء والطعام بيدي الفاعل لما يشاء والحاكم لما يريد ومن ورائه دماء شامل وفناء عام، كان هذا في صيف عام 1955.

وتركت إيران إلى فرنسا لحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون وكنت أول مجتهد يحمل الشهادة العليا في الفقه الإسلامية يسافر لطلب المعرفة الحديثة إلى أوربا حتى يكون كالسيف ذو الحدين، وانقطعت صلتي بالخميني ولم أسمع شيئا عن أخباره طيلة السنوات الأربع التي قضيتها في أوربا، وعدت إلى إيران في عام 1959 ودخلت معامع السياسية وانتخبت من ل منطقتي نائبا في المجلس النيابي، وعندما كنت نائبا كنت أقود المعارضة ضد الحكومة والنظام، لم اسمع شيئا عن الخميني أيضا وشغلتني واجباتي عن التفكير حتى بالرجل. وتوفى الزعيم الروحي الكبير الإمام البروجردي في عام 1961 في مدينة قم وبرزت أسماء الزعماء الجدد ولم يكن في ضمنها اسم الخميني، بل كان الزعماء الجدد وكلهم إلى الآن على قيد الحياة الشريعتمداري والكلبايكاني والمرعشي.

ودارت الدوائر وإذا بالشاه يعلن تقسيم الأراضي على الدهاقين، فانبرت للشاه فئات كثيرة في ضمنها زعماء الدين والتحق الخميني تلك المجموعة، وأظهر من الحماس والجرأة في الكلام الكثير فاستقطب الجماهير وعلا يحمه واشتهرت صيته كما قلنا في موضع أخر من هذا الكتاب. وسجن الخميني بأمر الشاه وبرفقته الإمام القمي والإمام المحلاتي وزعماء دينيون آخرون وحصلت مجابهة دموية بين الشعب والنظام، ولم يدم سجن الخميني كثيرا فأطلق سراحه وبقي الخميني بعض الوقت رهين الإقامة الجبرية في طهران ثم عاد إلى قم واستأنف نشاطه ضد الشاه فسافر إلى تركيا لقيم في بورما وغادر تركيا إلى العراق، ليعيش في النجف رهطا من الزمان. ودارت الدوائر وإذا بالشاه يعلن تقسيم الأراضي على الدهاقين، فانبرت للشاه فئات كثيرة في ضمنها زعماء الدين والتحق الخميني تلك المجموعة، وأظهر من الحماس والجرأة في الكلام الكثير فاستقطب الجماهير وعلا يحمه واشتهرت صيته كما قلنا في موضع أخر من هذا الكتاب. وسجن الخميني بأمر الشاه وبرفقته الإمام القمي والإمام المحلاتي وزعماء دينيون آخرون وحصلت مجابهة دموية بين الشعب والنظام، ولم يدم سجن الخميني كثيرا فأطلق سراحه وبقي الخميني بعض الوقت رهين الإقامة الجبرية في طهران ثم عاد إلى قم واستأنف نشاطه ضد الشاه فسافر إلى تركيا لقيم في بورما وغادر تركيا إلى العراق، ليعيش في النجف رهطا من الزمان.

عندما سجن الخميني ورفقائه في طهران ذهبت إلى الشاه لعلني أستطيع التوصل إلى حل بينه وبين الزعامة الدينية التي كادت تفجر البلاد، وكان اللقاء معه ساخنا ودار حديث صريح بيننا انتهى إلى خروجي من قصر سعد آباد مأيوسا، كما كان ذلك اللقاء أحد الأسباب التي أدت إلى القطيعة الأبدية بيني وبين الشاه ومن ثم مغادرتي لإيران وما تعرضت إليه من أدى وأخيرا محاولة الاغتيال الفاشلة على يد سافاك الشاه في البصرة والتي نجوت منها بإرادة إلهية بعد أن استقرت رصاصة في ظهري واخترقت الأخرى يدي اليمنى. ولا أيريد أن أسرد هنا تفصيل الحوار مع الشاه مرة أخرى فقد نشرته في ضمن مذكراتي (إيران في ربع قرن) ولا داعي لتكراره. والمذكرات قد طبعت في عام 1972.

وفي صيف 1965وصل الخميني إلى العراق وكنت أنا في النجف الأشرف ورحبت به كل الترحيب واستقبلته في الكاظمية وذهبت بصحبته إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريين وفي الطريق كان يحدثني عن الاضطهاد الذي لاقاه في تركيا وكيف أن الأتراك أرغموه على خلق الملابس الدينية وارتداء الزي الإفرنجي إذا أراد الخروج من الدار التي كان فيها تحت الحراسة حتى لا يعرفه الناس،وجاءني انبه مصطفى بعد أيام من وصله إلى النجف يستشيرني في أمير أبيه والضيقة المالية التي يتعرض هلا، فكتبت كتابا إلى السيد عباس المهري أحد العلماء البارزين في الكويت وهو الآن حي يرزق في قم بعد أن نفته السلطات الكويتية لعلاقته بالخميني، طلبت منه مساعدة الخميني ماليا لأنه كان على صلة بالتجار الموالين للزعماء الروحيين الذين كانوا ضد الشاه، وكانت له علاقة خاصة بالخميني، وبالفعل استجاب السيد المهري لندائي ووصلت إمداداته المالية إلى الرجل، ومرة أخرى أكرر هنا أن الخميني لم يكن هو الزعيم الروحي الذي كان يعارض الشاه بل كان آخرون يسيرون في نفس الطريق، وكان نصيبهم السجن والعذاب والتشرد، وقد أشرنا إلى أسمائهم في مكان لاحق غير أن الخميني عندما استبد بالسلطة قضى على رفقاء النضال بصورة أخرى.

فالإمام الشريعتمداري شبه مسجون في داره والإمام الخلقالي مسجون في داره.

والإمام القمي الذي قضى 14 عاما في سجن الشاه يعيش نفس المأساة.

والإمام الزنجاني الذي قضى 7 سنوات في سجن الشاه، جالس في داره ولم يغادرها منذ سنين.

نعود إلى الحديث عن الخميني وما قدمته إليه من مساعدات وفي الفترة التي قضاها في النجف. كانا إذا ألمت به مشكلة طلب مني حلّها، ومرّات وكرات أنقذت جماعته من السجن أنهما كانوا يدخلون العراق خلسة وبصورة غير مشروعة فيلقى القبض عليهم، فكان يرجو مني أن أتدخل لدى السلطات لإنقاذهم وكان له ما يريد.

وطلب مني أبيه مصطفى أن أطلب من السلطات العراقية تدريب جماعة أبيه على استعمال السلاح في خارج النجف فكان ما أراد. وطلب السلاح فحصلت له على السلاح من السلطات أيضا.

وفي السنوات الأول من وجود في النجف كان الخميني يلاقي صعوبة ومعارضة داخلية من الحوزة العلمية التي كانت رئاستها مناطة بالإمام الحكيم المرجع الشيعي الأعلى في العراق آنذاك وكان الإمام الحكيم على صلة وثيقة بالشاه وكانت حاشيته وبعض أورده وأقربائه عملاء مأجورين للشاه يأخذون الأموال من هذا الأخير ويتعاونون مع سافاك الشاه ما استطاعوا إلى التعاون سبيلا. وكان الإمام الحكيم بطبيعة صلاته بالشاه وصلات بعض أولاده وحاشيته بالنظام الإيراني يقفون موقف الاستنكار من الخميني ونشاطه وأفكاره، وقد قال لي ابنه مصطفى ان جماعة الحكيم وبعض أولاده عندما يرون أبي في الطريق يصفحون بوجوههم عنه ولا يفسحون له في المجالس، كما ان الامام الحكيم لم يسمح للخميني ان يتحدث باسم النجف والحوزة الدينية عندما كان على قيد الحياة، وشكى لي مصطفى مرة أخرى مما يلاقيه أباه من جماعة الحكيم وقال لي أنهم يصفون أبي بهادم الإسلام وهدام الحوزة العلمية، وعندما زار عباس أرام وزير خارجية الشاه النجف ظهرت صورة الإمام الحكيم واقفا بجنب الوزير في الصحف الإيرانية حتى يعرف الشعب الإيراني الذي كان يرجع أغلبيته إلى الحكيم في التقليد أن الزعامة الدينية العليا من الشاه وليس كما يقول الخميني أنها ضد الشاه، بل أن الخميني شذ عن الطريق وقد طلب مصطفى مني جماعة الحكيم فهددتهم بالويل والثبور إذا لم يقلعوا عن ملاحقة الرجل وكانوا يعلمون أن مركزي في النجف والعراق وانتسابي إلى الإمام الحكيم وكانوا لا يريدون أن يصل الأمر إلى المجابهة فتركوا الخميني وشأنه.

وبدأت اكتشف الرجل ونفسيته وحبه لنفسه إلى مرحلة الجنون شيئا فشيئا أثر اللقاءات التي كانت لي معه، وقد زاد يقيني عندما صدر في كتاب إيران في ربع قرن الذي كان يحتوي على مذكراتي وكثيرا من القضايا السياسية التي عاصرتها في إيران، وقد أحدث الكتاب ضجة كبرى في وقته لأهم الأسرار التي كان يحتويها، وكان فصل (الزعامة الدينية) من أهم فصول الكتاب وكشفت فيه علاقة الإمام الحكيم وجماعته بالشاه، وفي هذا الفصل ذكرت الخميني بإجلال وإكبار، وذكرت جهاده ونضاله ضد الشاه بإسهاب. وبعد صدور الكتاب بأيام زارني أحد أقربائي ليقول لي أنه يحمل رسالة شفهية من الخميني قلت بلغ. قال يقول: بلغ الدكتور موسى إني أعرف أنك ألفت هذا الكتاب لتشويه صورتي فقط وقد كنت موثقا. لقد دهشت دهشة عظيمة عندما سمعت هذا الكلام.

وقلت لمحدّثي: هل جن الرجل؟ إن الكتاب ملئ بإجلال الرجل وإكبار دوره وعظيم منزلته في النضال، لماذا قال لك مثل هذا الكلام؟

قال يقول: إنك كلما ذكرت اسمه ذكرت الإمام الطباطبائي القمي معه ويعتبر هذا الترديف إهانة عظيمة أه فهو يرى نفسه الزعيم الكبير الذي لا يحق لأحد أن يردف اسمه به.

قلت لمحدّثي: قل له أن الإمام الطباطبائي القمي مجتهد ومرجع مثلك، ودخل السجن برفقتك وقضى معك أشهرا في زنزانة واحدة وهو لم يزل أسير السجن منذ سبع سنوات وأنت طليق حر تنتقل في إرجاء العالم الفسيح لماذا تأنف تأبى أن يذكر اسمه معك؟ النضال ليس احتكار لأحد، كما أن المرجعية ليست احتكارا لأحد، ثم أنت كنت مدرس الأخلاق في قم لسنوات طوال هلا تعلمت درسا واحدا من الدروس التي ألقيتها على طلابك؟ أليس أول درس من دروس الأخلاق (ترك الذات وحب العباد).

وحدثت بيننا فجوة بعد تلك الرسالة الجوفاء لكنها لم تصل إلى القطيعة حتى أن حل عام 1973 فقد زارني مصطفى الخميني في بغداد وقال يطلب مساعدتي في نشر مجلة شهرية باللغة الفارسية تصدر في النجف، تنطق باسم المناضلين ويريد تسميتها (النهضة الروحية) وأن صحابة أبيه سيتولون نشرها في النجف إذا ما سمعت الحكومية العراقية بذلك وأخذت مصطفى معي إلى دار الشخصية المسؤولة عن شؤون اللاجئين الإيرانيين. فطرحنا عليه الفكرة وحصلت الموافقة، وعين مصطفى المشرفين على المجلة وكلهم من صحابة والده، وانفق السيد شبيب المالكي محافظة كربلاء آنذاك من ميزانية الدولة على المشرفين في إصدار المجلة المال اللازم. وصدر عددين من المجلة أو ثلاثة وإذا بأحد المشرفين عليها يزورني في الدار ويقول أن الخميني يريد أن يراك على عجل، فذهبت إلى داره وسمعت منه حديثا غريبا..

قال أريد منك أن تغير اسم المجلة إلى آخر.

قلت : لماذا؟

قال: لأني أنا الزعيم المسؤول عن النضال الروحي، واسم المجلة يوحي بأنها الناطقة باسمي وأنا لا أريد أن تكون لي مجلة.

قلت: (أولا) هناك غيرك من الزعماء الروحيون الذين خاضوا عمار النضار ولم يزالوا يخضونها وبعضهم في السجن مثل الإمام الطباطبائي القمي وبعضهم في المنفى مثل الإمام الزنجاني قلت أنت الوحيد في الميدان، (ثانيا) ابنك مصطفى هو الذي اقترح إصدار المجلة واقترح الاسم، وصدرت المجلة بناء على طلب منه. (ثالثا) لك قناة خاصة في إذاعة بغداد اشملها النهضة الروحية، أي اسم المجلة نفسها واحد أفرادك هو الذي يشرف عليه ويبث فمنها ساعتين في كل يوم، فلماذا لم تطلب غلق القناة تلك؟

قال: الكلام عبر الفضاء هواء في شبك أما المجلة هذه فمطبوع وملموس، والفرق كبيرين الكلام والكتابة. وبعد كلام طويل دار بيننا ومثل عادته أصر على رأيه.

فقلت: لا أستطيع تغيير اسم المجلة لأنه ليس من اللائق أن تصدر مجلة لشهرين ثم يغير اسمها لأسباب ما أنز الله بها من سلطان، أن هذا مدعاة للسخرية والاستهزاء.

قال: إن كان كذلك فأصحابي لا يقولون إصدارها.

قلت: سيتولاها قوم آخرون، وكفى الله المؤمنين القتال.

وامتنع أصحابه بناء على أوامره من العمل في المجلة كما قال، وتولاها مناضلون آخرون وصدرت المجلة حتى العدد الثلاثين بنفس الاسم ونفس المنهج المرسوم لها.

ومنذ أن أشرف على المجلة آخرون لم يذكر الخميني ونضاله في صفحاتها الأولى كما كان يذكر عندما كانت تحت إشراف زمرته. وحصلت لي قناعة أن من الأصلح أن اقطع صلاتي بالرجل الذي سبب لي متاعب لا أستطيع تحملها، وحصلت القطعية التي دامت لخمس سنوات لم أر فيها الخميني من القريب اللهم إلا في بعض المجالس العامة في النجف، ولم استجب الكثير من نداءات أصحابه أو ابنه لتجديد العلاقة به. وزار السيد أبو الحسن بني صدر العراق وحل في بيتي ضيفا في بغداد وحاول جاهدا أن يعيد العلاقات بيننا، فكان آخر كلامي له (هذا الرجل مريض بجنون العظمة، وأنه يضحي العالم وما فيه في سبيل حبه لنفسه وأنانيته، والتعاون مع إنسان كهذا لا يخلوا من الخطورة على الفرد المجتمع).

قال بني صدر: أوافقك على كل ما تقوله،ولكن نحن نحتاج إلى زعم روحي يقود النضال ضد الشاه ولا يلين في جهاده بالوعد أو الوعيد وهذا هو الخميني ولا بديل له.

قلت: حتى لو صح ما تقول فإنا لم أزل عند رأيي.

ودامت القطيعة إلى عام 1967 حيث توفى ابنه مصطفى في حادث غامض لم يعرف له سبب وكنت في بغداد عندما اتصل بي هاتفيا ممثلة العام في النجف واخبرني بوفاة مصطفى وقال أن السيد الخميني يبلغك السلام ويرجو منك في هذه الساعة العصيبة أن تقف بجانبه في عرض رجائه على رئيس الجمهورية بإصدار الأمر لدفن ابنه في الروضة الحيدرية الأمر الذي كان ممنوعا بقرار مجلس قيادة الثورة، وما إني اعتقد أن محاسبة الناس في ساعات المحنة والنكبة مغاير مع الشهامة والأخلاق، ومع أنه لم يحضر فاتحة والدتي رحمة الله عليها في النجف بسبب القطيعة بيننا، وكان من حقي أن أرفض طلبه عملا بالمثل لكني قررت تلبية رجائه فاتصلت فورا بوزير الأوقاف الدكتور الجواري وأخبرته بالحادث وبرجاء الخميني، ونقل الوزير رجاء الخميني إلى الرئيس الرجاء واعلم المسؤولين في النجف بالقرار ودفن مصطفى حيثما أراد واتصل بي حسين الخميني وهو يقد الشكر والامتنان الجزيل. وذهبت إلى النجف عصر نفس اليوم لتقديم التعازي إلى الأب المنكوب بفقد أكبر أولاده وطبعا يفقد صديق لي في الوقت نفسه، فاستقبلني وهو حزين القلب يردد عبارات الشكر والحمد وكان ابنه أحمد حاضرا في الجلسة وهو يبكي ويقول لي لن ننسى أفضالك. وأسجل هنا للتاريخ أن السيد المصطفى إذا كان على قيد الحياة لم يجرأ الخميني أن يفعل كثير من الأفعال التي فعلها، فهو كان بالنسبة لأبيه صمام الأمان وكان والده يخشى منه ومن غضبه، وكانت زمرة الخميني تخشاه أكثر مما كانت تخشى الخميني نفسه. وبعد أن مات مصطفى بصورة غامضة أشيعت في النجف شائعة مفادها أن زمرة الخميني هي التي قتلت مصطفى حتى يفصح لهم المجال بحرية العمل فمصطفى كان يمنع أباه من القيام بعمل حاد يتنافي مع مقامه وشيخوخته، وبالفعل بعد موت مصطفى خلا الجو لأحمد وللزمرة الخمينية واستطاعت أن تلعب بعقل الشيخ العجوز لتجعل منه مهزلة القرن وأضحوكة الزمان، وقد سمعت من مصطفى أكثر من مرة كان يقول (أبي هدام وليس بناء)، وكان إذا أغلظ أباه في الحديث ضد الشاه في خطبه وسبه وقذف عائلته كما كانت عادته منع مصطفى من تسجيل الحديث وطبعه إلا بعد حذف تلك العبارات الشانئة وكان يقول (هذا النوع من الكلام لا يليق بمرجع دين أو زعيم أو رجل في عمر أبي)، إنه كلام (المهرجين). ولم ألتق بالخميني بعد وفاة ابنه إلا مرة واحدة أخرى في نجف، ثم سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض التفرغ العلمي في جامعة هارت فارد، وكنت في طرق العودة إلى بغداد وفي مطار أورلي في باريس صادف دخولي صالة المطار ورود الخميني صالة الداخلين، فتصافحنا وسألته خيران إن شاء الله؟

قال: الخير فيما وقع.

واجتمع نفر حوله كانوا في انتظاره،وبعد ذلك بشهرين كنت عائدا إلى أميركا ومارا بباريس حيث بقيت فيها أسبوعين ورأيت الخميني فيها عدة مرات، وأسجل هنا حوارين دار بيننا في آخر لقاء تم بيننا، أحد الحوارين يدل على أن الرجل من أهل الأحقاد العظام، والثاني يدل على أن الرجل مخادع مكار.

الحوار الأول/

قلت له: إني سأعود إلى طهران في القريب العاجل.

قال: لماذا تعود إلى طهران إذاً؟

قلت: لأداء الواجب نحو الوضع الراهن.

قال: تستطيع أن تؤدي واجبك في الخارج بعقد المؤتمرات الصحفية والعمل الإعلامي.

قلت: ولكني سأعمل داخل إيران أفضل من خارجها.

قال: لا اعتقد.

قلت: ولكني سأعود على كل حال.

وسكت الرجل ووجهه مكفهر، وانتهى الحوار.

ولما خرجت من عنده قال لي صاحبي أرأيت كيف يريد إبعادك ولا يريد عودتك إلى إيران، أن حقده عظيم عليك. وكل ما بدر منه وفاة ابنه نحوك من الرجاء والشكر والثناء كان مكرا.

قلت: لصديقي: ولا تكن في ضيقا مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

وأما الحوار الثاني/

سألته، ماذا يكون عقاب الشاه لو ظفر الشعب به؟

قال: إذا لم يثبت إنه قتل أحدا من الناس مباشرتا فلا يجوز الاقتصاص منه.

قلت: وفي رقبته دماء الآلاف من أبناء الشعب.

قال: يقتص من المباشر في القتل وليس من الأمر.

أن من أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن صاحب هذا الكلام والرأي يقتل أربعين ألف إنسان في خلال أربع أعوام من حكمه، بين فتى وفتاة والشيخ والشيخة لأنهم قالوا (لتحيى الحرية وليسقط الاستبداد)، وصاحب هذا الرأي أيضا هو الذي أمر بقتل آلاف من الأكراد والعرب والبلوش والتركمان لأنهم قالوا (نريد حقوقنا المشروعة والتي اغتصبت في عهد الشاه).

وأختم الفصل برد قضية سمعتها من ابنه مصطفى قبل بضع سنوات وأيدها الخميني عندما سألته عن صحته، قال لي مصطفى، عندما كان والدي في سجن الشاه وفي أشد الخلاف معه حكم محاكم الشاه على نفر من أنصاره بالإعدام ومنهم الطيب والحاجي رضائي لأنهما قادا التظاهرات في تأييده وقدمت جهات مختلفة التماس العفو إلى الشاه ليعفو عنهما فرض الشاه ذلك أن والدي عندما سمع ذلك قال إني مستعد أن أذهب إلى قصر الشاه وأقدم الالتماس للعفو عن هؤلاء المحكومين فيما إذا أكون على يقين بأنه يقبل التماسي ورجائي لأن فيه إنقاذ رجلين مسلمين من الموت وقد سألت الخميني عندما كان في النجف وفي مناسبة خاصة عن هذا الحديث الذي سمعته من مصطفى، فقال لقد صح ما سمعت.

هكذا كان الخميني يتظاهر بالحب والحنان نحو عباد الله وخلقه حتى إذا وصل سدة الحكم انقض عليهم كالوحش الكاسر لم يأمن من سيفه حتى الصغار من صبية والصبيان وحتى الحوامل والجرحى. لقد صدق قائل هذا البيت :

صلى وصام لأمر كان يطلبه      فلما قضى الأمر لا صلى ولا صاما.

 

 

الرعب المدمر

اغتصاب الحرس الثوري الفتيات المجاهدات قبل اعدامهن

اربعين الف سجين سياسي

300 الف قتيل ضحايا الحرب و60 الف قتيل ضحايا الحروب الاهلية

اضطهاد الامام الشر يعتمداري واعدام قطب زادة

غرفة الاغتيالات

اعتقال صهر الخميني في المانيا بسبب تهريب المخدرات

قصة مريم

الحجتية تنسف الخمينة

حاميها حراميها

التعذيب البشع في سجون الخميني

التاريخ يعيد نفسه

الخميني يرفض نداء علماء الاسلام

الخميني يقول : لاتلهيكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة

المراهقون في جبهات الحرب مع العراق

 

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً(27))

 

الرعب المدمر

لقد مضى على تأليف الثورة البائسة عام ونصف عام وبسبب المرض الذي الزمني الفراش لمدة ثلاثة اشهر ومن ثم اسفار متلاحقة لم استطع تقديم الكتاب إلى المطبعة وها هو الكتاب يأخذ طريقه إلى النور بأذن الله وارادته.

ان الشهور الثمانية عشر التي مرت على الثورة البائسة وهو بعد لم يقدم للنشر كانت شهور الاحداث الجسام في ايران فقد وصلت النكبات المتلاحقات إلى القمة وازداد عدد الضحايا بصورة مرعبة والتدمير الشامل للبلاد بلغ مبلغا عظيما لا يكاد يتصوره المرء. فكان لابد من تصحيح الارقام التي ذكرناها في الكتاب سواء تلك التي كانت تتعلق بالضحايا البشرية او الخسائر المادية. وهكذا تلك الاهوال الجسام التي مرت على الشعب الايراني المسكين في غضون هذه الفترة. لقد تم تصحيح الارقام في متن الكتاب عند مراجعتنا لتصحيحه ولكن رأينا من الافضل اضافة فصل خاص في آخر الكتاب يشمل كل الاحداث المرعبة والمدمرة التي حلت بايران في الفترة التي اشرنا اليها ولذلك جاء اسم الفصل بالرعب المدمر.

 

(1)

اغتصاب الحرس الثوري الفتيات المجاهدات قبل اعدامهن

لقد بلغ التوحش وتدمير الاخلاق اوجه في الجمهورية التي اسسها الخميني ولدى حرسه فلم يحدث حتى في العصور المظلمة والقرون الوسطى ما يحدث الان في سجون ايران وحتى المغول والتتار وما عرف عنهم من وحشية وتدمير ورعب وارهاب لم يرتكبوا ما يرتكبه حرس الامام بالنسبة لشعب ايران.

ان هذه الزمرة المتوحشة تغتصب الفتيات المنتميات إلى (حزب مجاهدي خلق) قبل تنفيذ حكم الاعدام بهن. وها انا اشهد الله ورسوله بانني سمعت بهاتي اذني من شخصية دينية مرموقة · احتفظ باسمه خوفا على حياته انه قال لي والدموع تسيل من عينيه (ان هذا الامر الرهيب والخطب الفادح يحدث في سجون ايران والخميني يعلم بما يحدث وهو صامت لا ينبس بكلمة لان الذي يهدر دماء المسلمين والمسلمات لن يأبى من هدر اعراضهم) وقد تواترت الانباء عن ابنة احد الاطباء المعروفين والتي عثرت امها بين مخلفاتها التي حملت اليها بعد اعدامها هذه العبارة التي كتبتها على قميصها بالمداد (يا ابتاه ان حرس الثورة تجاوزوا على شرفي سبع مرات وها انا اساق إلى الموت بلا ذنب او جرم).

والوقاحة الاشد والانكى هي ان حرسا ثوريا يذهب إلى ام الضحية وابيها ويقدم لهما مبلغا زهيدا يعادل عشرة دولارات ويقول لهما متبجحا ساخرا شامتا هذا مهر ابنتكم التي اعدمت وانا تزوجتها زواجا موقتا قبل الاعدام حتى لاتدخل الجنة لاننا سمعنا من كبرائنا ان الباكر لاتدخل النار فكان لابد من ازاحة هذه العقبة لدخول ابنتكم النار.

وقد حدث مرارا وتكرارا ان هذه الوحوش الكاسرة اعتدوا على اعراض المسلمات واغتصبوا الفتيات امام امهاتهن واقربائهن. ان القصة الحزينة التير يرددها الشعب الايراني في كل مناسبة هي قصة تلك الفتاة التي اعتدى اربعة حراس الثورة الاسلامية على شرفها وبحضور امها وذلك عندما داهموا بيتها لالقاء القبض على ابيها فلم يعثروا عليه وقد كانت وطأة الحادث المرعب شديد على الفتاة بحيث فقدت اتزانها واصيبت بالجنون فحملت على مغادرة ايران للعلاج ولكن العلاج لم يجد نفعا واخيرا انتحرت الفتاة بأن القت بنفسها من بناية شاهقة لكي تنسى جحيم الامام الخميني. وقد حدثني قاض الشرع في مدينة يزد الايرانية انه عندما حكم بالاعدام على احد افراد الحرس الثوري لانه داهم بيتا للسرقة واعتدى على شرف زوجة صاحب البيت خرج حراس الثورة يشيعون زميلهم المعدوم وهم يرددون بصوت واحد (ايها الاخ الشهيد اننا سنسير على دربك) وبعد يومين عزل الخميني قاض الشرع لانه اعدم حاميا من حماة الاسلام على حد تعبيره.

 

(2)

اربعون الف اعدام سياسي

لقد تجاوز عدد الذين اعدمتهم المحاكم الثورية حتى كتابة هذه السطور اربعين الف شاب وشابة وشيخ وشيخة ثلاثون الف منهم فقط من حزب مجاهدي خلق كما ان بين هذه الضحايا بضعة الاف من الفتيات والفتيان الذين لم يبلغوا سن الرشد ولكن الجلادون لم يرحموا الصغار كما لم يرحموا الكبار.

 

(3)

300 الف قتيل ضحايا الحرب و 60 الف قتيل ضحايا الحروب الاهلية

لقد تجاوز عدد ضحايا الحرب الدائرة رحاها بين ايران والعراق منذ اربع سنوات ثلاثمائة الف قتيل ونصف مليون معوق كما ان ضحايا الحروب الاهلية الدائرة رحاها في كردستان وغيرها تجاوزت الستين الفا واذا اضفنا إلى هذه الاعداد الاربعين الف شخصا الذين اعدمتهم المحاكم الثورية فيكون مجموع الاشخاص الذين لاقوا حتفهم في ايران منذ استيلاء الخميني على السلطة اربعمائة الف قتيل أي بمعدل ثلاثمائة قتيل في كل يوم وقد بدا واضحا وجليا وبعد ان رفض الخميني الصلح مع العراق اكثر من مرة ان ثلاثمائة قتيل في كل يوم لاتروى عطش الامام في اراقة الدماء فهو يطلب المزيد ثم المزيد.

 

(4)

اضطهاد الامام الشريعتمداري واعدام صادق قطب زادة

لقد كان الامام الشريعتمداري مضطهدا منذ سنتين ولكن هذا الاضطهاد بلغ اوجه وبلغ مرحلة لم تحدث لها نظير حتى الان في تاريخ المرجعية الاسلامية في ايران وفي غير ايران. فقد اتخذ الخميني مؤامرة قطب زادة الفاشلة ذريعة للبطش بالامام الشريعتمداري وازاحته تماما من الطريق. فقد اتهم الشريعتمداري بالاشتراك في المؤامرة تلك وقد بلغت الوقااحة والخسة بالجلادين المعروفين الشيخ صادق الخلخالي واللاجوردي ان ذهبا إلى دار الامام وطلبا منه ان يعترف بالاشتراك في المؤامرة وتمويله لها وعندما نهرهما الشريعتمداري بشدة صفع اللاجوردي الامام البالغ من العمر ثمانين عاما ثم قال له سنغتصب عرضك امام عينيك اذا لم تقل ما نمليه عليك وهكذا ارغم الامام ان يقول ما اثلج صدر الخميني واذاعت التلفزة والراديو اعترافات الامام حسب ادعائها ولم يقنع الخميني بكل هذا بل امر بوضع الشريعتمداري تحت الحراسة المشددة في بيته لايزور ولايزار وعندما طلب الامام الشريعتمداري السماح له بالسفر إلى خارج ايران للعلاج من مرض السرطان رفض الخميني ذلك قائلا فليعالج داخل ايران.

اما قطب زادة فقد اعدمه الخميني ولم يرع فيه السنوات العشرين التي افناها في خدمته وقد ابنه الرئيس ابو الحسن بني صدر بقوله "هنيئا له فقد لاقى حتفه على يد اشقى اهل زمانه " حقا لقد صدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم " من اعان ظالما سلطه الله عليه. "

 

(5)

غرفة الاغتيالات

لقد اسست غرفة الاغتيالات في دائرة ساواما التي حلت محل السافاك القديم. ويشرف على اعمال هذه الغرفة احمد الخميني ابن الامام الخميني والشيخ صادق الخلخالي واللاجوردي المعروفين ومهمة هذه الغرفة اغتيال المناوئين السياسيين للنظام في خارج ايران. ولهذه الدائرة ميزانية خاصة لا علاقة لها بميزانية الدولة بل تتصل مباشرة بميزانية الخميني الخاصة حتى تبقى اسرارها واعمالها سرية لايعرف بها احد الا الله والاشخاص الثلاثة المشرفين عليها.

رحم الله قائل هذا البيت

افضل من افضلهم صخرة *** لاتظلم الناس ولاتكذب

 

(6)

اعتقال صهر الخميني في المانيا بسبب تهريب المخدرات

لقد شاء الله ان يفضح هذا النظام الفاجر الذي اعدم اكثر من الف واربعمائة شخصا حتى الان بتهمة الاتجار بالمخدرات امام الاجيال الحاضرة والقادمة. فقد اعتقلت في اذار هذا العام (1983) الشرطة الالمانية في دوسلدرف صادق الطباطبائي وهو صهر الخميني واقرب المقربين اليه ومرشحه لرئاسة الدولة وهو يحمل في حقيبته اليدوية كيلوغراما وستمائة غرام من الافيوان. ولم يخجل النظام الحاكم في ايران من هذه الفضيحة بل بذل قصارى الجهد للافراج عنه وهدد النظام الايراني الحكومة الالمانية بقطع العلاقات السياسية معها اذ لم يفرج عن السجين الجبيب واخيرا رضخت الحكومة الالمانية إلى طلب ايران وافرجت عن الطباطبائي حيث طار إلى طهران واستقبله الخميني مباركا له الخلاص من سجن الالمان وفي صباح اليوم التالي اعلنت الحكومة الايرانية في نشرات اخبارها هذا النبأ. " لقد تم تنفيذ حكم الاعدام بحق احد عشر متهما بتهريب المخدرات في فجر هذا اليوم ".

 

(7)

قصة مريم

انها القصة التي ترددها الالسن في كل مكان من ايران ومريم هي ابنة مصطفى ابن الخميني الذي وافاه الاجل في النجف (العراق) وعمرها لم يتجاوز السادسة عشر لقد جاءت الحفيدة إلى جدها وقالت له ماذا يكون الجواب يا جداه اذا قال مجتهد ورع عادل بأنك لست مسلما بسبب الاعمال التي ارتكبتها وتقليدك حرام في هذه الحالة وهنا سألها الجد بمكر ودهاء من الذي يقول هذا الكلام يا ابنتاه؟ فأجابت الفتاة ببرائة الفتاة الساذجة المراهقة انه جدي لامي الامام الشيخ الحائري. فاكفهر وجهه الجد العجوز وقاله لها ناهرا اياها اخرجي من عندي ولاتعودي إلى داري ابدا. ولم يسمح الجد منذ ذلك اليوم ان تدخل عليه حفيدته اما الشيخ الحائري فهو الشيخ مرتضى اليزدي الرجل الذي يستسقى الغمام بوجهه ولا يختلف اثنان في علمه وورعه واجتهاده وتقواه وليس الامام الحائري هو الوحيد بين علماء الاسلام في ايران والذي قال في الخميني ما كدر صفو حياته بل هناك اعلام اخرون قالوا في الخميني المقالة نفسها ولكنهم لم يعلنوا ذلك خوفا من بطش الرجل بهم ولقد قال احد هؤلاء انه لايخشى من الخميني على نفسه ولكنه يخشى على عرضه فالامام الشريعتمداري خير نموذج لكل من اراد النيل من الخميني.

 

(8)

الحجتية تنسف الخمينية

الحجتيون قوة دينية تسير في شريان الشعب الايراني ومن الصعب القضاء عليها مهما حاول الخميني. وليست الحجتية ظاهرة جديدة في ايران ولكنها ظهرت على مسرح الأحداث بعد ان ملأ الخميني البلاد فسادا وشرا ونكرا باسم الدين وتحت غطاء ولاية الفقيه.

وتطلق على هذه الجماعة (الحجتية) تبركا باسم الحجة محمد ابن الحسن المهدي وهو الامام الثاني عشر للامامية في كل مكان. وعلماء الامامية قاطبة يعتقدون ان ولي امر المسلمين الذي يحق له ان يتصرف في شؤون الامة انما هو الامام المهدي الذي سيظهر بارادة الله ليملأ الارض قسطا وعدلا بعد ان ملئت جورا وظلما وليس لاحد غيره ان يتصدر هذا المنصب ولذلك فان ولاية الفقيه التي اتى بها الخميني انما هي بدعة وضلال. وقبل ايام قليلة خطب الامام الطباطبائي القمي في جمع حاشد بمشهد الرضا عليه السلام واعلن هذا الرأي بجرأة وندد بولاية الفقيه وندد باستمرار الحرب مع العراق وقال ان الدماء التي تراق في ساحات القتال كلها برقبة الخميني وهو المسؤول عنها امام الله كما ان رفض الصلح الذي اقترحه العراق اكثر من مرة انما هو خروج على دستور الاسلام.

وقد اراد الخمينيون ان يبطشوا بالامام الطباطبائي بعد هذا الموقف الشجاع ولكنهم لم يستطيعوا لما يتمتع به من شعبية عظيمة في البلاد ثم ان الامام الطباطبائي كان زميلا وندا للخميني في نضاله ضد الشاه وسجن معه في زنزانة واحدة اربعين يوما وبعد ذلك حمل الخميني على مغادرة ايران ليسرح ويمرح في ارض الله الواسعة قرابة خمسة عشر عاما اما الامام الطباطبائي فقد قضى كل هذه الفترة في سجن الشاه او قيد الاقامة الجبرية في مناطق نائية من ايران ولذلك لم يكن من السهل اخماد صوت الامام الطباطبائي القمي كما اخمدوا صوت الآخرين من الشخصيات الدينية الكبيرة.

 

(9)

حاميها حراميها

لقد وصل الاستهتار في سلب اموال الشعب وممتلكاته في ظل النظام الحاكم إلى مرحلة خطيرة لابد من تسجيلها للتاريخ. فاللجان الثورية والمحاكم الثورية ليستا الوحيدتان في سرقة اموال الشعب وممتلكاته.

ويبدو واضحا وجليا ان تلك الطبقة التي كانت تمد يدها إلى هذا وذاك بالامس القريب لملء بطنها لم تقنع بمئات الملايين التي سرقتها من اموال الشعب باسم حماية المستضعفين بل ابتكرت اسلوبا بشعا آخر لسرقة اموال الامة.

فالقابضون على السلاح في ايران يرسلون المسلحين في اناء الليل إلى دور الاغنياء ليسرقوا النفيس والغال منها واذا ذهب احدهم إلى السلطة يشكو مما حل به اصابه من الاذى والشر ما جعله يردد قائلا رضينا من نوالك بالرحيل.

واما قصة العمولات التي يقبضها احمد الخميني وصهره صادق الطباطبائي من الشركات الاجنبية التي يستوردون منها الاسلحة والاغذية والحاجات الاخرى فانها تفوق الخيال.

ان الضالعين بشؤون ايران الداخلية يعتقدون ان الاموال التي سرقها احمد الخميني وبطانته وصهره في اربعة اعوام من عمر الزمان يفوق ما استولى عليه الشاه واسرته في ثلاثين عاما من حكمه باضعاف مضاعفة.

 

(10)

التعذيب البشع في سجون الخميني ابشع من سجون السافاك

ان انين السجناء السياسيين تحت التعذيب في سجون الامام الخميني يسمع الصم وينطق البكم. ان الاعمال الوحشية والربرية التي ترتكب بحق السجناء تفوق كثيرا على ما كانت تحدث في سجون السافاك بل حتى في سجون بوكاسا في افريقيا الوسطى. ان حديث الناس في مجالسهم ونواديهم تدور غالبا على اولئك الذين اصابتهم لوثة عقلية بسبب التعذيب الذي تعرضوا له على يد الحرس الثوري وقد اصبح شفائهم متعذرا لهول العذاب الذي لاقوة من حراس الاسلام على حد تعبير الامام الخميني.

ان قلع الاظافر وحرق الجسد بالسيجار والجلد حتى الاغماء وهكذا التجويع والتعطيش امر رائج في سجون الخميني ولكن الابشع والانكى هو تعذيب الاطفال الرضع امام امهاتهن لاخذ الاعتراف منهن اما ما يلاقيه افراد حزب مجاهدي الخلق على يد هذه الوحوش الكاسرة فقد تفوق الخيال.

ان الشرط الاول والاخير لمن اراد من افراد هذا الحزب ان يظهر الندم وينجي نفسه من الاعدام هو ان يعرف اثنان من افراد حزبه للسلطة وان يطلق النار بنفسه على واحد من افراد الحزب عندما يحكم عليه بالاعدام. واخيرا افتى الخميني بتوقيعه على سحب دم المحكومين بالاعدام في محاكمه الثورية حتى يستفاد منه جرحى الحرب مع العراق. انه امر لم يحدث حتى في سجون هيتلر بالمانيا ولا في سجون ستالين في روسيا.

 

(11)

التاريخ يعيد نفسه

ارى من الضرورة بمكان ان اسرد هنا حديثا دار بيني وبين الخميني عندما كان لاجئا في العراق دخلت عليه في غرفته في النجف الاشرف فرأيته مهموما مغموما حزينا كئيبا فسالته عن سبب حزنه وهمومه فاجابين انه يلاقي من ايادي الشاه الامرين وان انصار هذا الاخير بين رجال الدين الايرانيين ولا سيما انصار الامام الحكيم اقوياء يشلون كلما يريد القيام به واضاف ان امله في ازاحة الشاه اصبح ضعيفا لان الشعب الايراني بدا وكانه مل من القيام بعمل حاد ضده ولاسيما المرجعية العامة المتمثلة بالامام الحكيم تساند الشاه وتؤيده وهذا سند عظيم للنظام الايراني. قلت له ليست العبرة بما تسمعه وتراه هنا بقوة الشاه الظاهرية فانها قوة السيف التي اذا التقي باقوى منه انهار وسقط ان مايحدث الان في داخل ايران يحكي بوضوح ان النظام منهار معنويا وقد وصلت الحالة بالشاه الذي كان الشعب يحبه ويحترمه ويجله انه يتسكع من هذا وذاك كلاما في مدحه ومآثره ان الشاه الذي كان يخاطبه الامام البروجردي العظيم بالشاه نشاه وخلد الله ملكه وصل إلى مرحلة من الضياع بحيث يأبى اصغر رجال الدين منزلة ان يجيب على تحيته وانا واثق تماما ان أي نظام يسقط معنويا لابد وان يسقط عمليا ايضا ولكن الامر بحاجة إلى بعض الوقت.

فكر الخميني مليا ثم قال لي ان ما تقوله صحيح تماما ولكن من المؤسف ان اكثر الناس لايدركون مغزى هذا الواقع اني اخشى ان يدب اليأس إلى نفوس الناس.

قلت له لاتخشى ولا تحزن فلا يسقط حق ورائه مطالب.

كان هذا الحوار في عام 1971

وبعد اثنتي عشرة سنة من ذلك اليوم يعيد التاريخ نفسه واذا بالخميني الذي حل محل الشاه بعد اللتيا والتي وكان في بداية ايامه مظهرا من مظاهر الوحدة الوطنية وحب الشعب والتفاني في سبيله يصبح مظهرا من مظاهر القسوة والتوحش والفرقة وسفك الدماء. ويصل حقد الشعب عليه وعلى نظامه واركانه إلى مرحلة لم يحدث لها مثله نظير في تاريخ ايران حديثا وقديما. فاذا به سجين الشعب في جحره بقصبة جماران واركان نظامه بين مقتول ومعوق على يد الشعب الثائر وما بقى منهم لائذون في جحورهم من غضب الشعب واذا ساروا في الشوارع ساروا بسيارات الاسعاف لتمويه هوياتهم.

وفي خلال اربعة اعوام فقط من عمر هذا النظام استطاع ابطال من ابناء الشعب البررة الصامدين ان يرسلوا إلى الدرك الاسفل من النار اكثر من مائة وخميسن رأسا من رؤوسهم الكبيرة والماكرة.

ولم يحدث قط في تاريخ اية امة من الامم في حاضرها وغابرها ان تصل ضحايا اركان النظام الحاكم على يد الشعب إلى هذه الضخامة. انه ايذان بانهيار النظام الذي سقط معنويا وسينهار بكامله في يوم قريب لا مناص منه.

 

(12)

الخميني يرفض نداء علماء الاسلام

لقد اجتمع في بغداد اربعمائة عالما من علماء الاسلام في منتصف شهر نيسان من هذا العام (1983) وكانوا يمثلون اثنين واربعين بلدا فكان اضخم مؤتمر اسلامي عام يعقد في بغداد. وقد وجه المؤتمرون إلى الخميني نداء يطلبون منه ان يستقبل الوفد الذي انتخبه المؤتمر من كبار علماء الاسلام ليبحثوا معه سبل الاصلاح بين البلدين المسلمين.

وقد كان المؤتمرون من علماء الاسلام متفائلين بنتائج جهودهم الخيرة وذلك لان الرئيس العراقي صدام حسين الذي حضر جلسة من جلسات المؤتمر خاطب العلماء المسلمين بهذه العبارات التي نسجلها هنا وبنصها للتاريخ.

" لقد علمت بانكم قررتم ان ترسلوا دعوة إلى ايران وحسنا فعلتم "

" فالواجب الشرعي عندما تتهيأ الظروف يقتضي ان يستمع المسلمون "

" إلى الطرفين لكي يعرفوا الحق واين الحقيقة ونحن من جانبنا ليس"

" لدينا تعصب تجاه اية فكرة منطقية واسلامية وانسانية، ونحن نعتبر "

" قراركم هذا يحتوي على كل المعاني التي اشرنا اليها.. ورغم اننا في "

" حالة حرب وقد يكون خلافا للمقاييس الدولية ولكناه ليست "

" نقيضة لمقاييسنا الاسلامية والعربية عندما نقول باننا نوافق "

" ونستضيف حتى الخميني نفسه في ان يحضر إلى هذا المكان مثلما"

" سبق لهذا الشعب ولهذه الارض ان استضفته 14 عام اذ ربما في"

" استضافته مرة اخرى ما يذكره بالاستضافة الاولى وما يفتح امام "

" الجميع فرص الخير والسلام والمحبة واكثر من هذا وايضا ربما خلافا "

" للمقاييس المتعارف عليها في العرف الدولي ومسئولية الدول والحكام "

" في الدول اقول مسبقا باننا نوافق على كل قرار تتخذونه في هذا "

" المؤتمر، ومن الان نعطي الموافقة من اعلى سلطة في الدولة مع الاعتذار "

" لشعب العراق ولفقهاء القانون الدولي والعاملين في السياسة "

" والقوانين اذ ربما ينتقدون صدام حسين ويقولون كيف يجوز لرئيس"

" دولة ان يعطي قرارا مسبقا بالموافقة على امر لايقره ولا يراه ولا"

" يعرفه.. فاقول تعليقا على هذا بأن هذه الصفوة الخيرة التي جاءت"

" من كل بطاح الارض من المسلمين اذا ما اجتمعوا عل رأي فهو "

" الرأي الصواب وحتى لو كان لنا رأي آخر فلا نعتقد بأن رأينا هو "

" اصوب من رأي هذه الجماعة. واذا كل واحد منا اعتبر اجتهاده بانه "

" بديل عن الكل فليس بمقدور أي منا ان يلتقي ويتفاعل مع "

" الاخرين ولنا من تاريخ المسلمين ومن علاقات زعمائها ومفكريهم"

" وقادتهم الاوائل بما في ذلك العلاقة بين قادة المسلمين وبين الرسول "

" الكريم (r) ما يجعلنا نهتدي إلى الطريق الصحيح ".

لقد زعم كثير من اعضاء المؤتمر الاسلامي ان هذا التسامح الكبير في خطاب الرئيس العراقي سيعطي للخميني فرصة ذهبية لقبول الصلح وايقاف النزيف الدموي الذي لايرضى به الله ولا رسوله ولكن الامر المؤسف المحزن هو ان رد الخميني جاء مخيبا للآمال ورفض استقبال قادة المسلمين وفوت على نظامه وعلى نفسه خير الدنيا والاخرة ولم يقنع الخميني برفض نداء الصلح الذي وجهه اليه علماء المسلمين باسم الاسلام ومصلحة المسلمين بل اخذ يشتم ويسب العلماء الذين حضروا بغداد استجابة لنداء القرآن الكريم والواجب الديني وعبر عن المؤتمر بمؤتمر الشياطين.

لقد وجهت إلى الخميني خطابا عبر الاثير بعد ان سمعت مقالته في علماء الاسلام ختمته بهذه العبارة " واما قولك ان مؤتمر علماء المسلمين "1" كان مؤتمر الشياطين فاقول لك وكل اناء بالذي فيه ينضح ".

 

(13)

الخميني يقول : (لاتلهيكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة)

جمع الخميني خطباء المساجد واجهزة اعلام نظامه واركان حكومته وخطب فيهم قائلا : " ان مايحدث في لبنان ولا سيما بعد احتلال اسرائيل لتلك البلاد انما هي مؤامرة لصرف انظاركم إلى تلك المنطقة المنكوبة والتقليل من شأن الحرب مع العراق. ان الحرب الكبيرة هي الحرب مع العراق واما الحرب مع اسرائيل فانها الحرب الصغيرة فلذلك لاتلهيكم الحرب الكبيرة عن الصغيرة ". هكذا ساند الخميني بيغن في احتلاله للبنان وهذا هو المنطلق الذي ينطلق الخميني منه لحفظ مصالح الاسلام والمسلمين والامة العربية.

اما السبب الذي حدا بالخميني ان يخطب هذا الخطاب هو ان احداث لبنان بعد الاحتلال الاسرائيلي لها احدث رد فعل عنيف في ايران ولدى الشعب الايراني الذي بدأ يتسائل لماذا رفض الخميني اقتراح وقف اطلاق النار الذي اقترحه العراق في تلك الايام كي يكرس جهوده لمساعدة اللبنانيين في محنتهم كما انه ظهر شعور عام لدى الايرانيين بمساعدة لبنان. وجاءت تصريحات كبار المسؤولين في الدولة دليلا على اهتمام اركان النظام بما يحدث في لبنان. والخميني على عادته المألوفة ينتظر حتى يقول كل كلمته ثم يدلي برأيه ليحسم الموقف نهائيا وهكذا فعل في احداث لبنان فحسم الموقف في صالح اسرائيل. وبعد ذلك الخطاب لم يسمع احد من المسئولين اية كلمة بالنسبة للبنان ولا الصحف اشارت اليها باهتمام ولا سمح للشعب الايراني ان يبدي شعورا نحو المحنة الكبيرة التي كانت تمر بالشعب اللبناني والمقاومة الفلسطينية. وهنا لابد من تقديم الشكر الجزيل إلى الامام الخميني وذلك باسم بيغن وشارون ومن ورائهما الكسندر هيغ وزير الخارجية الامريكية المعزول والذي خطط لهذا الاحتلال.

 

(14)

المراهقون في جبهات الحرب مع العراق

قبل انهيار المانيا بشهور قليلة امر ادولف هيتلر بارسال الشباب المراهقين إلى جبهات القتال حتى يسد الفراغ الذي احدثه ضخامة الضحايا بين جنوده. وامر الخميني ان يسد الفراغ الموجود بين جنوده بالشباب الذين لم يبلغوا الحلم ولكن اضاف الخميني مهمة اخرى إلى مهمة المراهقين الذين يساقون إلى جبهات القتال وهي القيام باعمال انتحارية انها السير على الالغام وتفجيرها. ويبدو واضحا ان هذه المهمة التي تناط بالاغنام في اماكن اخرى من العالم لتفجير الالغام تناط في ايران الخميني وفي نظام الجمهورية الاسلامية بالشباب المراهقين السذج الذين تلتقطهم اجهزة الامام من ساحات الابتدائية والثانوية او من الشوارع ليلقوا حتفهم في المناطق الملغومة.

وهكذا نرى بوضوح ان قيمة الانسان في الفلسفة الخمينية ارخص بكثير من قيمة الحيوان. حقا ان مايحدث اليوم في ايران يجسد لنا مأساة الانتحار الاجتماعي الذي حدث في غويانا قبل خمسة اعوام ولكن بصورة اكبر واكبر ولايستبعد ابدا ان يكون القس جونس هو الذي الهم الامام الخميني ان يسير على طريقته في الطرف الاخر من الكرة الارضية ولكن بفارق واحد الا وهو ان القس قد انتحر بعد ان اباد التسعمائة شخصا الذين كانوا من مريديه وتابعيه ولكن الامام الخميني لم ينتحر بل ينتظر بفارغ الصبر ان يرى ابادة الامة الايرانية عن بكرة ابيها ليتنفس بعد ذلك الصعداء ويشكر الله على ذلك ويحمده لانه ادخل إلى الجنة امة وشعبا على حد زعمه.

لقد كان اعتراض الآباء والامهات شديدا وعنيفا حيث خرجوا في تظاهرة.

يرددون " اذا كانت هذه شهادة ومن ورائها الجنة فلماذا لم يرسل الخميني ابنه احمد او احد افراد عائلته إلى الجنة " ولكن الحرس الثوري اباد المتظاهرين باسلوبه العنيف واصدر الخميني فتوى يقول فيها " ان الاطفال الذين لم يبلغوا سن الرشد يستطيعون الذهاب إلى جبهات الحرب مع العراق بدون موافقة ابائهم وامهاتهم " وهكذا افتى الخميني بما يتناقض ودستور الاسلام ونصوصه الواضحة. انها بدعة واضحة في الدين وخروج على اجماع الامة الاسلامية وفقائها.

 

 

المطاف الاخير

نداء إلى الشباب الذين يسطرون التاريخ بدمائهم الزكية.

إلى المناضلين في كل مكان.

إلى الذين زعزعت اعمال النظام الحاكم باسم الاسلام معتقداتهم الدينية.

إلى علماء الاسلام في كل مكان.

 

(ان الذين قالو ربنا الله ثم استقموا تتنزل عليهم الملئكة الا تخافوا ولاتحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون)

 

المطاف الاخير

لقد حان الوقت والكتاب بلغ نهايته ان اصارح جهات عديدة تهددهم اخطار النظام الحاكم في ايران بالحقائق التالية :

1- النظام الارهابي الحاكم في ايران لايستطيع الصمود امام التيارات المختلفة التي بدأت تعصف به من كل جانب، ولكن المشكلة الاساسية هي عدم اتفاق المعارضة فيما بينها في تعيين الطريقة التي يجب وينبغي أن تسلك لاسقاط النظام، لقد قلت لابو الحسن بني صدر في باريس ان المعارضة في اوربا وامريكا وغيرهما لاتستطيع اسقاط الخميني وزمرته، ان النظام يجب ان يسقط على يد المعارضة الداخلية وكان هذا هو رأيه ايضا، وفي لقاء مع شخصيات عسكرية وسياسية في اوربا اكدت على هذه النظرية وكنت اسمع تأييدا مطلقا لرأيي، ومع كل هذا لم يتحرك احد من اقطاب المعارضة من مكانه ليترك كرسيه الوثير قاصدا الحدود الايرانية ليبدأوا مسيرة الحرية والشرف، ولذلك فاني اكرر هنا ماقلته اكثر من مرة، وهو ان اسقاط الخميني وزمرته لا يمكن ان يتحقق الا بمجابهة داخلية مع اركان نظامه، وهذه المجابهة يجب ان تبدأ من الحدود وتنتهي في العمق، ان سقوط مدينة من المدن الكبيرة مثل كرمنشاه او شيراز في يد الثوار يضمن سقوط المدن التي تليها وحتى ان تصل رايات الحرية إلى طهران، واني لا اشك ان مدينة واحدة اذا سقطت فان الجبهة الداخلية التي تنتظر الفرج العاجل ستلتحق بتلك القوى الثائرة وتوحد صفوفها وتتعاون معها للقضاء على الزمرة الحاكمة. ان فيدل كاستروا اسقاط باتيستا بهذه الطريقة، وان أي شعب يريد الحياة يجب ان يتحرك على هذا النمط المعقول.

ان الوضع الداخلي في ايران الان مهدد بالانفجار، فقد بلغ الوضع إلى مرحلة من السوء لايمكن تصويره، ولكن لعدم وجود قوة منظمة تثبت وجودها وتستطيع استقطاب الملايين من الشعب الذين ينتظرون ساعة الخلاص بفارغ الصبر يستمر الخمينيون على كراسي الحكم شاهري سلاح الابادة والقمع، ان من السذاجة ان نتصور احتمال وقوع انقلاب عسكري يطيح بالنظام القائم في الوقت الراهن بسبب التصفية الشاملة التي تعرض لها القادة العسكريين الكبار وحتى الضباط منهم، ثم ان الحرس الثوري الذي اسسه الخميني على غرار أي أي النازي والحساسية الموجودة بين القوتين يجعل من الصعب ان يقوم العسكر بانقلاب ناجح، اما الثورة الداخلية على غرار ما حدث ضد الشاه فهذا ايضا صعب لسببين اساسيين، (اولهما) الارهاب الحاكم على البلاد والذي يفوق الارهاب الذي شهده الشعب الكمبودي في ظل نظام الخمر الحمر وزعيمهم بل بت، (والثاني) ان الشعب لايلتف بسهولة بعد الان حول اية شخصية سياسية تريد قيادته بسبب الخدعة الخمينية الكبرى، فاذا كان مرجعا دينيا مثل الخميني وهو يحمل على رأسه شعار الانتساب إلى رسول الله وبعد نضال طويل وحياة قضاها في العلم والتقوى والزهد يجسد بين عشية وضحاها قصة الشيطان ويخرج من جلده مشمرا ذراعيه لقتل العباد وافناء البلاد، ويخون ثقة الشعب وحسن ظنه به وبلبوسه وبمواعيده وهواليه مطمئن البال.

فهل يستطيع شعب بعد هذا ان يلتف حول قائد ديني او سياسي او عسكري؟ كلا.

اني اعتقد ان اكبر خيانة ارتكبها الخميني وزمرته، انهم افسدوا ثقة الشعب وايمانهم بالثورة والقائد والنضال، فلذلك ليس من السهل تحريك الجماهير حول قائد جديد يقود الثورة المضادة، اللهم الا اذا كان ذلك القائد فذا يضع الامور في نصابها ويعيد الامن والاستقرار إلى البلاد ويقضي على هذه الفوضى السائدة، وتعدد مراكز القوى، ويسحب الاسلحة النارية من ايدي الناس، ويعيد إلى البلاد الامان والاستقرار والاطمئنان والكرامة المهدورة، فحينئذ يكسب ثقة الشعب لانه قدم اليهم مايرضيهم وماكانوا بحاجة ملحة اليه، والقائد الفذ لن ينتخب انتخابا بل يفرض نفسه على الشعب فرضا ويستقطب الجماهير من كل صوب وحدب.

وهنا اود اشير إلى موضوع خطير جدا ارجو ان لا يساء فهمه، وهو ان خلافنا مع الخميني وزمرته الحاكمين المعممين ليس ابدا لانهم رجال دين في ظاهر الاحوال يحكمون البلاد، فانا اول المؤمنين بسيادة الشعب على مصيره والسيادة الشعبية تعني ان الشعب حر في ان ينتخب من يشاء للحكم وتسير دفة البلاد، والسيادة الشعبية لا تتقيد بقيد، والديمقراطية لاتتجزأ ابدا، ورجل الدين الوطني المخلص كسائر الرجال يستطيع ان يتبوأ أي مقعد يقدمه اليه الشعب ويختاره لملثه، ونحن عاصرنا الاسقف مكاريوس رئيسا لجمهورية قبرص ووزراء معممين في دولة الرئيس عبدالناصر بمصر، ووزيرا وعالما فذا هو الشيخ محمد رضا الشبيبي في العراق، وفي ايران انتخب الامام الكاشاني رئيسا لمجلس الشورى وقبله توزر الامام السيد حسن المدرس، اذن المشكلة القصوى ليست المهنة والتخصص العلمي في الحاكمين ولا لبوسهم، بل المشكلة الخطيرة التي يعاني منها الشعب الايراني ونحن لها بالمرصاد هي ان الحكام الايرانيين معممين وغير معممين اغتصبوا الحكم بالتزوير والتزييف وهم يحكمون البلاد بالنار والحديد، وكل جرم وجريرة وفساد يرتكبونها ينسبونها إلى الاسلام تشويها لسمعته وخداعا للشعب.

ان الخميني وزمرته اذا كانو يحكمون ايران بالديمقراطية السليمة وكانوا يمثلون الشعب تمثيلا ديمقراطيا صحيحا لم يكن من حق احج ان يعترض على الشعب في انتخاب ممثليه، ولكن كما يعلم الجميع ان هؤلاء استولوا على الحكم بالخدعة والمكر ونصبوا انفسهم ولاة على الشعب في ظل دستور مزيف مهين، واستولوا على الحكم بفضل انتخابات مزيفة ومزورة بيضت وجه النظام الملكي المقبور، وعندما وجدوا ضالتهم اخذوا يستبدون بالامور كابشع طغاة التاريخ، واتخذوا القمع الدموي الرهيب الاداة الوحيدة لبسط سلطانهم على الشعب الذي كان يطالب بحقوقه المغتصبة، ولذلك فنحن نقول بصراحة اننا لسنا من انصار الرهبانية، فلا رهبانية في الاسلام بل اننا من انصار الحرية السليمة التي هي جزء لايتجزأ من الاسلام.

واذا قلنا على الزعامة الروحية ان تترفع عن المناصب الزمنية فهذا لا يعني انه حرام عليها ولكننا نود القول ان من الاليق والاولى على الزعيم الروحي ورجل الدين ان لايشغل نفسه الا بمهامه الروحية العليا التي هي اهم من اية مهمة اخرى. وبما اننا نؤمن بالازدواجية في هذا الكون، ونعتقد ان الانسان يتألف من روح وجسد ولكل منهما شأن خاص به، فكما يحتاج الانسان للرعاية الجسدية المادية يحتاج للرعاية الوحية، والرعاية الروحية اهم بكثير من اختها الجسدية، والمشاكل البشرية كلها تنمو من اهمال الجانب الروحي في الانسان، والانسان اذا ضمن سعادة الروح ضمن سعادة الجسد ايضا ولاعكس فيه اطلاقا.

ان عدد المنتحرين في السويد سنويا يتجاوز اعلى الارقام في العالم بالمقارنة مع البلاد الاخرى والشعب السويدي اسعد شعوب العالم من الناحية الاقتصادية والسياسية ومع ذلك ينتحر آلاف من هذا الشعب لانه يريد الخلاص من الفراغ الذي يعيش فيه، وهذا الفراغ نتيجة لاهمال الجانب الروحي في الانسان والذي يفقد في اثره الثقة والاطمئنان الداخلي الذي شرط الاستمرار في الحياة بنفس راضية مرضية. اذن العناية بالجانب الروحي في الحياة اهم بكثير من العناية بالجانب المادي، وقد يكون من الاليق بالرجل الذي اتخذ المهام الروحية مهنة لنفسه وسراج منيرا يمشي على ضوئه ان لا يبالي بالجانب الاوضع من الحياة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " اخر ما يخرج من رأس الصديقين حب الجاه " ولكن اذا شاء احد ان يجمع بينهما فله الحق ان يكون كما شاء ولكن بشرط ان يسلك طريق الحق والعدل والانصاف لا طريق القرصنة والخداع والظلم والامام علي عليه السلام يقول " والله ان دنياكم هذي عندي كعفطة عنزالا ان اقيم حقا او ابطل باطلا." والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ".

 

3- اعرج من هنا إلى موضوع اخر، هو من الاهمية بمكان لقد التقيت بكثير من ابناء الشعب الايراني وقد ضعف ايمانهم بالاسلام بل ارتد بعضهم على اعقابهم لانهم يزعمون ان الاسلام هو هذا الذي يمثله الخميني وزمرته كما التقيت باناس كانوا عبادا اتقياء صالحين قبل الثورة، اما بعدها فقد تركوا صلواتهم وصيامهم وكل شعائرهم الدينية واصبحوا تائهين في خضم هذه الدنيا وقد ارتابوا في الاسلام كل الريب بعد ان زعموا ان اعمال الحاكمين في ايران تمثل واقع الاسلام وحقيقته.

اني ابدأ كلامي مع هؤلاء الذين وقعوا فريسة للعدوان الديني باية من القرآن الكريم " يمنون عليك ان اسلموا قُل لاتمنوا عَليَّ اسلامكم بَل الله يَمنّ عليكم ان هَداكم للايمان ان كُنتم صدقين ". ثم اقول لهم ليس هذه اول مرة يحكم حاكم مجتمعا اسلاميا وهو يقترف باسم الاسلام ما الاسلام منه براء، ولاسيما انتم معاشر المسلمين الايرانيين عرفتم بحبكم الجارف للامام الحسين عليه السلام واقامة الشعائر في كل سنة من محرم في طول البلاد وعرضها تخليدا لذكرى شهادته.

 

من الذي قتل الحسين؟

ولماذا استشهد سيد الشهداء في كربلاء؟

الذي قتل الحسين هو يزيد بن معاوية الخليفة الذي كان يحكم العالم الاسلامي باسم رسول الله وكان يعتلي المنبر ويخطب باسم الله ورسوله وكان معمما يلبس الجلباب والطيلسان. وقد قتل الحسين بذريعة الخروج على امام الزمان وشق عصا الطاعة. اذن الامام الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله وولده واصحابه قتلوا جميعا باسم الاسلام وسبيت عائلة، رسول الله باسم الحفاظ على دين رسول الله فهل يجوز للمسلم ان يرتاب في دينه لان يزيدا وهو خليفة المسلمين الحاكم باسم الاسلام قتل ابن رسول الله.

وليس يزيد هو الحاكم الاول والاخير في الاسلام الذي اقترف باسم الاسلام ماهو الاسلام منه براء فحجاج بن يوسف الثقفي كان واليا من ولاة الاسلام وكان يتعمم بالسواد وهو القائل متى اضع العمامة تعرفوني وكن سجل اعماله يحتوي على مئة الف شخص قتلهم صبرا، وتيمورلنك كان معمما يلبس الجلباب والطيلسان وكنه خرب البلاد الاسلامية وقتل نصف مليون من ابناء الاسلام، والخلفاء العثمانيون ارتكبوا طيلة خلافتهم التي دامت سبعة قرون باسم الاسلام ماتندى منها الجباه، فهل يعني ان ما فعله هؤلاء الطغاة كان يمثل واقع الاسلام وهل ينبغي للمسلم ان يرتاب في عقيدته. ان الاسلام شيء وما يفعله الطغاة باسمه شيء آخر، ان الواجب يملي على المرتاب في عقيدته ودينه ان يضع كتاب الله الحكيم امامه ويقارن بين ما فعله الطغاة باسمه وبين ما يأمر به كتاب الله. كما ان الواجب عليه ان يمعن النظر في سيرة الرسول العظيم والامام علي عليه السلام ويقارنهما بما فعلته الخمينية التي تدعي ان حكومة امامها امتداد لحكومة الرسول العظيم والامام علي عليه السلام، وحينئذ تنجلي الغبرة ويتميز الحق من الباطل ويصبح المرتاب على هدى وبينة من دينه. لا اريد ان اطيل البحث في هذا الموضوع اكثر من هذا فاكثرية المسلمين والحمد لله على هدى وبينة من امر دينهم.

وهنا اود ان اوجه نداء إلى علماء الاسلام في كل الارض واكرر على مسامعهم ما قاله الرسول العظيم " الساكت عن الحق شيطان اخرس " واحثهم على تشكيل محكمة اسلامية عليا تتألف من علماء الاسلام من مختلف المذاهب لينظروا في ما فعله الخميني باسم الاسلام وليقولوا كلمتهم فيه وفي اعماله والبدع التي ابتدعها في الدين، ولا شك ان مثل هذا الموقف دفاع عن الاسلام ومبادئه الانسانية العظيمة وقيمه الروحية امام العالم والتاريخ والاجيال الحاضرة والقادمة من ابناء الامة الاسلامية.

صورة من الكتاب الاصلي (الثورة البائسة) للشهادة العليا في الفقه الاسلامي (الاجتهاد) التي نالها المؤلف قبل ثلاثين عاما.......

 

سيرة المؤلف الدكتور حسين الموسوي:

هو حفيد الامام الاكبر السيد أبو الحسن الموسوي الاصبهاني.

ولد في النجف الاشرف 1930م واكمل الدراسات التقليدية في جامعتها الكبرى وحصل على الشهادة العليا في الفقه الاسلامي (الاجتهاد).

حصل على شهادة الدكتوراة في التشريع الاسلامي من جامعة طهران عام 1955م.

حصل على شهادة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة باريس (السوربون) عام 1959م.

عمل استاذا للاقتصاد الاسلامي في جامعة طهران 1963-1963م.

انتخب نائبا عن مقاطعة اصفهان مرتين عام 1960-1963م.

تعرض لحادث اغتيال في البصرة عام 1968م دبرته سافاك الشاه وقد انقذت العناية الالهية حياته بعد ان اصيب بجروح بالغة.

عمل استاذا للفلسفة الاسلامية في جامعة بغداد 1968-1978م.

انتخب رئيسا للمجلس الاسلامي الاعلى في غرب امريكا منذ 1979م.

قضى بعض الوقت كاستاذ زائر في جامعة هالة بالمانيا الديمقراطية واستاذا معارا بجامعة طرابلس بليبيا عام 1973-1974م.

واستاذا باحثا في جامعة هارفارد بالولايات المنحدة الامريكية عام 1975-1976م.

واستاذا موفدا إلى جامعة لوس انجلوس في عام 1978م.

 

مؤلفاته المطبوعة:

1. من الكندي إلى ابن رشد            عام 1972م    طبعة بيروت

2. من السهروردي إلى صدر الدين            عام1980م طبعة بيروت.

3. فلاسفة اوروبيون عام 1980م طبعة بيروت.

4. قواعد فلسفية عام 1977م طبعة النجف الاشرف.

5. ايران في ربع قرن عام 1972م طبعة بيروت.

6. الجديد في فلسفة صدر الدين عام 1978م طبعة بغداد.

7. الامام السيد أبو الحسن الموسوي عام 1981م طبعة بيروت.

 

"1" راجع فصل الرعب المدمر.

"1" قبل عام اعتقلت السلطات الإيرانية زعماء الحزب الشيوعي في إيران بعد أن اتهمتهم بمحاولة انقلابية فاشلة واعتقلت أيضا بعض القادة العسكريين بتهمة التعاون مع الحزب الشيوعي وفي ضمن المعتقلين العقيد بهرام أفضلي قائد القوات البحرية.

· هذه الشخصية الدينية هو الامام المجاهد الكبير السيد رضا الزتجاني الذي التقينا به هنا عندما كان في سفر للعلاج وقد وافته المنية عندما كان هذا الكتاب تحت الطبع. فلذلك رأينا الأفصاح عن اسمه.

"1" لقد حضرت هذا المؤتمر على رأس وفد من المجلس الاسلامي في غرب امريكا.

شبكة البصرة

الاحد 15 رجب 1431 / 27 حزيران 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر والاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط