بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة السابعة لغم ( توحيد البعث) 4 - 4

شبكة البصرة

صلاح المختار

أولى لك أن تتألم لأجل الصدق من أن تكافأ لأجل الكذب

مثل غربي

 

المرجعية العقائدية : الحزب الثوري يتميز عن الحزب التقليدي بانه تحكمه عقيدة نشأ على اساسها وبها تميز وعرف، فتبلورت قاعدة ثابتة وهي انه لايمكن ان يكون هناك بعثي بلا عقيدة البعث، واستنادا لما تقدم لابد من البحث في عقيدة البعث عما تتميز به عن غيرها من العقائد.

 

ما هي عقيدة البعث؟ ربما يبدو هذا التساؤل غريبا لكنه ضروري لان البعض، كما اثبتت تجربة ما بعد الغزو، حيث رأينا بعض من كان بعثيا يتصرف خارج اطار عقيدة البعث لانه اما لا يعرفها جيدا او انه لا يعرفها بالمرة! وتخلفهم الفكري والسياسي هذا نتاج تربية السلطة التي افسدت الكثيرين وليس الحزب. لقد عرفت رفاقا كانوا اعضاء قيادة شعبة لكنهم لا يفهمون عقيدة الحزب وعندما يسألون عنها يجيبون بمنطق من قرأ جريدة فنية! ان جهلهم بابسط مفاهيم الحزب يؤكد انهم عملوا في الحزب دون اكتساب اي صفة بعثية حقيقية سوى التسمية. ان البعثي لا يصبح بعثيا الا اذا تمسك بوعي واضح بعقيدة الحزب والتي تقوم على الاسس التالية :

1 البعث حزب قومي عربي يناضل من اجل تحقيق الوحدة العربية من ا لمحيط الاطلسي الى الخليج العربي، على اسا س ان هذه الوحدة هي، في ان واحدة، تصحيح لاخطاء تاريخية ادت الى تجزئة الامة وضرورة عصرية من غير الممكن من دونها نجاح العرب في تحقيق اي تقدم وبناء مجتمع ودولة عصرية تسود فيها العدالة وتختفي الامية والفقر والتخلف وتكتسب القوة. ان عالم اليوم هو عالم الكتل الكبيرة فالقوميات الاوربية، رغم انها قوميات مختلفة، ورغم ان كل منها متقدمة وقوية ورغم خوضها حروبا دامية فيما بينها لعقود من الزمن، اضطرت للاتحاد في منظومة اقليمية اسمها الاتحاد الاوربي من اجل امتلاك القدرة المطلوبة على التعامل الندي والمتكافأ مع القوة العظمى التي انفردت بممارسة التأثير الاكبر وهي امريكا، وهذه الظاهرة اصبحت من ضرورات العصر بعد ان ثبت بان الكبير يلتهم الصغير.

ان الامة العربية لا تتشكل من قوميات مختلفة بل من قومية واحدة وتعد اعرق واقدم بكثير من كل القوميات الاوربية وبلا استثناء، ومع ذلك فانها مقسمة الى دول واقطار صغيرة وضعيفة ومتخلفة، وهي حالة شجعت على احتلالها او فرض الوصاية عليها ونهب ثرواتها ومنعها من تحقيق اي تقدم حقيقي، وعجزها عن لعب دور مهم في عالم جديد يتقدم ويتوحد في اطارات اقليمية وقارية. والسبب الرئيسي في هذا الوضع المتخلف والضعيف هو عدم تحقيق وحدة شاملة لكافة الاقطار العربية، تضمن الاستخدام الامثل لطاقاتها البشرية والمادية بصورة منظمة من اجل حل مشاكل العرب المتعددة، كالفقر والامية والتخلف وتشتت الجهود، فالرد الوحيد على ذلك هو تحقيق الوحدة العربية على اسس عصرية.

بهذا المعنى فان البعثي بلا الايمان بالوحدة العربية والنضال الجاد من اجلها ليس بعثيا حقيقيا، وفي هذا الاطار فان البعثي يتمسك بالدفاع عن اي ارض عربية محتلة، مثل فلسطين والعراق والاحواز والجزر العربية الاماراتية، ويقاتل المحتل بغض النظر عن هويته الاجنبية الدينية والعرقية والايديولوجية، ولا يصطف مع الاجنبي ضد العربي مهما كانت الظروف غامضة والتعقيدات مربكة.

 

2 البعث حزب يناضل من اجل الحرية بكافة اوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية...الخ، ويعدها الشرط الحاسم لاطلاق عبقرية الانسان العربي وتعزيز قدرته على تغيير واقعه الفاسد. ولذلك لا يمكن للبعثي الا ان يكون مناضلا من اجل الحرية الحقيقية. نعم لقد كان من الصعب تحقيق الحرية،كما تصورها وفهمها الحزب وقائده المؤسس المرحوم احمد ميشيل عفلق، وذلك لوجود اوضاع بالغة التعقيد ولبروز تحديات وصراعات متعددة الاطراف والمصادر حولت الوضع العربي الى وضع طوارئ استبعد امكانية تحقيق الحرية الكاملة حتى في قطر يحكمه   الحزب، وهذا الواقع لا يتحمله الحزب وحده بل كافة الاطراف التي مارست سياسات الاقصاء والتأمر من اجل تصفية الاطراف الاخرى. ورغم ذلك فان البعثي يبقى مناضلا من اجل الحرية خصوصا مناضلا من اجل ازالة حالات الطوارئ وبناء نظام سياسي ديمقراطي لا اقصاء او تأمر فيه.

 

3 البعثي بطل اشتراكي يناضل من اجل ازالة الفقر والتمييز الطبقي لانهما مصدر الشرور الاساسية في اي مجتمع انساني، والاشتراكية البعثية لها خصوصيتها القومية التي تعبر عن هوية الامة العربية وثقافتها، لذلك لا يمكن ان يكون البعثي بورجوازيا يستغل السلطة من اجل الاثراء الشخصي ولا ان يقيم سلطة فيها استغلال وفساد.

 

4 البعثي انقلابي وبدون الانقلابية لا يوجد بعثي حقيقي. والانقلابية ليست ا لانقلاب العسكر ي بل الانقلاب على الذات المتأثرة بواقع فاسد جعلها ضحية له، لذلك لا يوجد بعثي حقيقي الا اذا انقلب على ذاته واعاد بناءها على اسس اخلاقية صحيحة تجعله مؤهلا للنضال بصفته طليعة الامة المستوعب لحالتها والعارف لطريق تحريرها اقتصاديا وثقافيا وسياسيا. حينما استلم السلطة ولم يتقيد بالانقلابية بدقة بترك الكثير من الحزبيين على حالتهم غير السوية التي بلورها المجتمع فيهم، مع ان الواجب الاول للحزب هو اعادة تربية الحزبي ليصبح بعثيا، ضعف الحزب وتدنت مواصفاته كطليعي يجب ان يكون انموذجا جذابا، وكانت احد اهم اسباب عثراته ونقاط ضعفه والمصدر الاول لاخطاءه، لذلك فان البعثي الحقيقي هو الفرد الانقلابي الذي يبدأ بتحرير نفسه من شرور المجتمع قبل ان يعمل على تحرير المجتمع. ان هذه الصفة تعد البوصلة التي تمكن البعثي من العمل وفقا لاهداف ومبادئ الحزب وتحصنه ضد الانحرافات المختلفة خصوصا اغراء السلطة اللعينة.

 

5- البعثي مناضل من اجل تحرير الاراضي العربية المحتلة اينما وجدت، ولذلك كان من مميزات البعثي التطوع للقتال من اجل تحرير الاراضي العربية المحتلة، وكانت الساحة الفلسطينية اول ساحة تطوع للبعثيين العرب من خارج فلسطين، تبع ذلك انفراد البعثيين من بين كل العرب بالتطوع للقتال في الجزائر ضد الاحتلال الفر نسي، وتلك كانت من مفاخر البعث. ان هذه الظاهرة ميزت البعث منذ نشوءه، وتجلت فيما بعد في مشاركة البعث عندما استلم السلطة في معارك العرب مع الكيان الصهيوني حتى في الحالات التي لم يبلغ فيها العراق بوجود حرب مسبقا، كما هي الحال في حرب اكتوبر عام 1973. لذلك لا يو جد بعثي حقيقي تخلى عن تحرير الارض خصوصا في فلسطين وبقي متمسكا بتحريرها من النهر الى البحر رغم كل التراجعات التي حصلت حتى ضمن فصائل فلسطينية.

هذه بعض وليس كل مميزات البعثي العقائدية والتي تدخل في صلب تكوينه الفكري والنفسي وتقرر مساراته السياسية والتي يشكل غيابها او تغييبها نفيا للصفة البعثية.

المرجعية الستراتيجية : بما ان الستراتيجية هي خطة طويلة المدى هدفها تحقيق هدف جوهري، عسكري او ثقافي او تربوي...الخ، فانها محكومة بعقيدة نظام الحكم، وبهذا المعنى فان المرجعية الستراتيجية تبنى على اساس العقيدة والمبادئ ولا يجوز ان تتناقض معهما، فالستراتيجات التي يعتمدها الحزب، في كافة اوجه الحياة، يجب ان تكون منسجمة ومتطابقة مع عقيدته، فلا يجوز تبني ستراتيجية سياسية تقوم على التخلي عن فلسطين، ولا يجوز ان يتبنى الحزب في المجال الاجتماعي استراتيجية يتخلى فيها عن الاشتراكية من خلال تدمير القطاع العام الذي يجب ان يبقى قائدا للقطاع الخاص وليس العكس، كما يجب ان لا يتبنى الحزب ستراتيجية في المجال السياسي تقوم على الديمقراطية الليبيرالية بل عليه تبني سترايجية سياسية تقوم على الديمقراطية الشعبية، ولا يجوز في المجال الثقافي تبني ستراتيجية ثقافية تقوم على الطلاق مع ثقافة الامة ووعيها التاريخي وتبني ثقافة غربية او غريبة عن الامة بل يجب ان تكون الستراتيجية الثقافية مستلة من ثقافة وخصوصية الامة وخادمة لهويتها ومعززة لها.

ان البعثي هو نتاج هذه المرجعيات الثلاثة وهي المرجعية التنظيمية والمرجعية العقائدية والمرجعية السترتايجية -- وبدونها يكف عن كونه بعثيا، مع ملاحظة ان الصراع الصعب والمعقد الذي انخرط فيه الحزب بعد ان عرفت هويته واهدافه ومبادئه انتج بيئة حرب مستمرة ومعقدة كانت الاختبار الحقيقي لتمسك مناضليه وكوادره بمرجعيات البعث الثلاثة، فالصراع فرز البعثي الحقيقي والاصيل عن الحزبي الذي انتمى للحزب لاسباب غير عقائدية فلم يستوعب مبادئ الحزب، وتلك ظاهرة رايناها في مختلف مراحل نضال الحزب المعقدة والصعبة، خصوصا بعد غزو العراق الذي كشف هشاشة من انتمى للحزب تحت تأثير اغراءت السلطة فتساقط بعد الغزو ولم يبقى الا البعثي العقائدي الذي تحكمه المرجعيات الثلاثة.

 

اجتثاث البعث باسم البعث!

هنا نصل الى جوهر الموضوع وهو الذي يتجسد في السؤال التالي : ما الهدف من أثارة موضوع ( توحيد الحزب) الان؟ هل هو لاجل توحيده فعلا؟ ام انه خطوة من خطوات ( الاجتثاث الحريري) للبعث؟

من الاخطاء الشائعة الاعتقاد بان اجتثاث البعث يقتصر على استخدام اساليب العنف الجسدي والعزل السياسي ضد البعثيين، فهذا هو الاجتثاث المكشوف والمباشر والعنيف، اما الشكل الاخطر والاهم للاجتثاث فهو الاجتثاث الحريري المموه والمزوق والذي لا يقوم على التصفيات الجسدية للبعثيين بل على الاصطفاف معهم في خندق واحد، هو اسم البعث، ثم العمل على تمزيق الحزب تحت اغطية عديدة، منها توحيد الحزب او نقد سياساته او التشكيك بشرعيته والطعن برموزه التاريخيين... الخ. انه تسلل جراثيم متلونة بلون الحزب الى داخلنا وقيامها ببث سمومها في شرايينا، وابرزها زرع الشك بالقيادة الشرعية والفعلية والطعن بالشرعية الحزبية وبقيمة النظام الداخلي وأثارة الشكوك حول سلامة مواقف ونهج الحزب واستغلال اخطاء وقعت في ترويج هذه الاطروحات المشبوهة، والقيام بذلك عبر الاعلام! ومن قبل من؟ من قبل اشخاص لا يملكون الحق الشرعي ولا التأهيل النضالي ولا المستوى الحزبي، و يتميزون بالسذاجة والتخلف الفكري والسياسي كما عرف عنهم عندما كانوا داخل الحزب، لانهم نتاج تربية السلطة وليس الحزب، ومن ابرز مميزاتهم الجبن والانهيار بعد الغزو والانزواء في زوايا مظلمة تهربا من الواجب الوطني، والافتقار المريع لفهم واستيعاب عقيدة البعث، والاهم سعيهم الانتهازي للعودة الى الحكم باي ثمن وصيغة لدرجة ان التعاون مع حكومة المالكي التابعة للاحتلال كان هدفا لهم تبنوه بصورة صريحة.

ان الاجتثاث الحريري للبعث هو، بتعبير دقيق، الوجه الاخر لعملة الاجتثاث، وهو شيطنة البعث والتي بدونها لا يمكن اجتثاثه، ولكن الشيطنة هنا تبدأ، كما يراد بطرح توحيد الحزب، من داخل الحزب وليس من خارجه كما هي حال الشيطنة التي يقوم بها اعداء الحزب. وتتم الشيطنة هذه بتقديم نماذج سيئة عن البعث، اما حقيقية او مزورة، بشكل ممارسات ومواقف تتناقض كليا مع البعث الاصيل. ان شيطنة البعث هذه المرة تأتي من الداخل اذا تسلل البعض الى داخله باسم التوحيد - وتتولى اثبات طروحات الاعداء الخارجيين مثل انه حزب فاشل لم ينجح طوال ستين عاما في تحقيق اي انجاز! وسيكون أجتثاث البعث باستخدام غطاء النقد لتجربة الحزب وهو غطاء مهلهل لان النقد تحكمه ضوابط منها واهمها ان لا يمارس الا بعد قيام الحزب بتقييم التجربة داخله وضمن اطره، ولذلك فان النقد خارج الحزب وبدون تحقيق الشرط المسبق لذلك، وهو قيام مؤتمر منتخب بهذا النقد، هو عمل تخريبي دون ادنى شك.

انا نؤكد بلا غموض، وكما قلنا منذ سنوات، بان نقد تجربة حكمنا ضرورة وطنية وقومية وحزبية لان تقاليد الحزب وصحة مسيرته وتصويبها وسلامته واحترامه لجماهيره تتطلب ذلك، لكننا نرفض بشدة استخدام ورقة النقد للتشهير بالحزب ومحاولة تمزيقه، او لاحراجه ووضعه في الزاوية.

ان حلقة الاجتثاث تكتمل استدارتها بتوفر عاملين : فمن الخارج يشيطن من قبل الاعداء بنسب اعمال اجرامية له، ومن الداخل اذا تسلل دعاة التوحيد الى داخل الحزب لا سامح الله - يقوم حزبيون برفع معول الهدم تحت شعار نقد التجربة السابقة وممارسته بصورة فوضوية متعمدة، لتقديم الادلة من داخل الحزب على انه فاشل وتكرر فشله في عدة تجارب وهذا بحد ذاته دعم للمتامرين في الخارج دون ادنى شك، وهكذا يتوفر الشرط المسبق حتما لاجتثاثه.

وهنا يجب ان نؤكد بان الاجتثاث الحريري هذا بدأ بعد ان فشل الاجتثاث الدموي في القضاء على الحزب، وان اول واهم بنود الاجتثاث الحريري هو بند الاستخفاف بالنظام الداخلي وبعقيدة الحزب واصالته وتحقير الشرعية الحزبية والركون للاهداف العابرة وجعلها محور العمل وهدفه الكبير، لان ذلك هو الضمانة الاساسية لتذويب الروادع الحزبية وتشجيع النزعات الفردية وتغليبها على مصلحة الامة والحزب. ويتم تنفيذ ذلك الهدف التخريبي عن طريق استغلال ظاهرة تخلف العناصر المرشحة لممارسة الاجتثاث الحريري وضعف ثقافتها وعدم خضوعها لتربية حزبية عقائدية سليمة وهيمنة ثقافة السلطة على سلوكها.

وحينما يفقد الحزب الثوري بوصلته الاساسية وهي عقيدته واصالة هذه العقيدة تتداعى مواقفه السياسية المنسجمة مع العقيدة ويتحول تدريجيا الى حزب تابع لسلطة وليس حزب قائد لسلطة، هدفه تحدده قيادات غير مؤهلة عقائديا بصورة صحيحة الامر ا الذي يجعله يتبنى ستراتيجيات انتهازية تتناقض مع العقيدة وتنسفها من الجذور، وتلك هي نهاية الحزب الثوري العقائدي ونشوء حزب سلطوي انتهازي لا رادع له ولا محدد لمواقفه العامة سوى نزعة حب السلطة لقادته. وهذا بالضبط ما تريده القوى التي تبنت سياسة اجتثاث البعث : حزب اسمه البعث لكنه غريب كليا عن عقيدة البعث الاصلية.

 

الخاتمة

بعد هذه التحليلات والملاحظات ما الذي نستنتجه؟ وما هي الحقائق التي تبلورت وفرض نفسها؟

1 اذا استبعدنا بعض المخلصين والطيبين الذين تحدثوا عن توحيد الحزب او وحدته فان بقية من يدعون لوحدة الحزب انما هم عبارة ادوات مخابراتية واضحة وضوح الشمس، فبمهاجمة تجربة حكم الحزب في العراق بالطريقة التي اتبعوها يحملون واقعيا وعمليا معول هدم الحزب وليس وحدته فقط، انظروا مجددا لبعض ما يرويج من افكار مشبوهة لا يطرحها بعثي مخلص يريد وحدة الحزب حقا وهي محاولة تدنيس كل ما هو مقدس وتقبيح كل ماهو جميل في مسيرة ثورة 17 30 تموز المجيدة والعظيمة. ان وصفها بالفشل ومحاولة اثبات ان الاخطاء والانحرافات فيها هي الطابع الغالب وليس الانجازات ا لعظمى، التي كانت السبب في اضطرار اكبر القوى الاستعمارية الدولية، مثل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، واكبر القوى الاستعمارية الاقليمية وهي ايران والكيان الصهيوني، على التلاقي ستراتيجيا وتعريض سمعتها ومصالحها للخطر وتقديمها لخسائر مادية وبشرية كبيرة جدا من اجل تدمير تجربة البعث في العراق لانها كانت تجربة ناجحة وعظيمة بكل المقاييس.

اذن ما معنى وصف تجربة حكم الحزب بالفشل رغم انها ناجحة؟ ان وصفها بالفشل هو دليل حاسم على امرين : فاما ان من وصفها غبي وساذج وجاهل لان العالم كله يعرف ان نظاما فاشلا لا يستحق شن حرب عا لمية ثالثة بكل اثارها المدمرة، كما اثبتت التجربة الواقعية للحرب المستمرة منذ عام 1991 وحتى الان، او انه عارف انها كانت ناجحة وعظيمة لكنه محرف عمدا للحقائق من اجل التوصل الى شيطنة البعث وتجربته في العراق. وفي هذه الحالة فان ما يسمى ( نقد التجربة) ليس سوى غطاء للتنكيل بها، والتنكيل بالعراق وبالبعث، كما عرف الان، كان ومازال جوهر الموقف المشترك الامريكي - الصهيوني الايراني.

 

2- هذه الطروحات، رغم تنوعها واحيانا تناقضها، ليست دعوة للتوحيد ابدا لانها تشكل في مجملها هجوما مباشرا على البعث وتشكيكا به وبدوره وطعنا بمناضليه وانكارا لشرعيته وتجاوزا على الطريقة السليمة في النقد والتوحيد واعتماد طريقة استفزازية مباشرة لكل مناضل يقاتل الاحتلال سواء بالبندقية او بالموقف السياسي. كما انها اذا اعتمدت - تنسف القاعدة التي قام عليها تماسك الحزب ومنها استمد قوته وانتصاراته وهي قاعدة الالتزام التنظيمي الحديدي، والتي نظمت طريقة النقد والنقد الذاتي وابعدت الفوضى عن الحزب وصانته من عبث الصبيان او المخربين. اذن لو كانت الدعو ة لتوحيد الحزب صادقة كان يجب ان تبدأ بطريقة صحيحة وهي تجنب استفزاز الحزب وقيادته ومناضليه واحترام نظامه وتجنب انكار شرعيته باي شكل من الاشكال، والاكتفاء بالدعوة للتوحيد مع عدم تقديم فرشة ضخمة من الاكاذيب والتشويهات الوسخة، والبدء با لاتصالات الهادئة بعيدا عن الاعلام.

وبالنظر لعدم اللجوء لهذه الطرق الصحيحة والوحيدة لنقد الحزب وتصحيح اخطاءه او تعزيز مسيرته فانها دعوة تقع في اطار المشبوه من المواقف المحاطة بالف علامة استفهام، وهي تقدم دليلا انموذجيا على ان من يدعو لتوحيد الحزب هو في الواقع يريد تفجيره الان وتمزيقه بمجرد طلبه تنحية قيادته المنتخبة وتحميلها مسئولية الجرائم التي ارتكبتها القوى المعادية للامة والبعث، والتنكر لمبادئ وعقيدة البعث واتهامه بشتى الاتهامات الظالمة والكاذبة والتي، ان ادعى احد ايا كان صحتها، فانها لا تثبت او تدحض الا وفقا للضوابط الحزبية. انها وصفة كاملة اعدتها وتحركها وتقدمها القوى المعادية للبعث وليس فرد او كتلة تنتمي للبعث.

3- وهنا يجب تذكر حقيقة لا يتجاهلها الا طفل ساذج وهي ان من يريد التوحيد يجب عليه اولا وقبل كل شيء معرفة موقعه ودوره الحقيقي، فالعراق محتل وهناك حركة تحرير مسلحة تقودها فصائل عديدة اكبرها البعث وحلفاءه يقودها الرفيق عزة ابراهيم الامين العام للبعث، ولذلك فان من يريد نقد المجاهد بالبندقية داخل العراق عليه، وقبل نطق حرف واحد من نقده، العودة الى داخل العراق وممارسة الجهاد ليتأهل للارتقاء لمستوى شرف البندقية وليصل الى ركبة المقاتل، وعندها، وبعد ان تؤهله البندقية يمكن الاستماع الى نقده، اما ان يناضل في دمشق وهو امن ويتمتع بحلاوة الشام فانه يحلم، ولا يتجاوز تفكيره وطموحاته منطقة احلام الظهيرة، هذه الاحلام التي ان وقع في جاذبيتها شخص يكون قد اصيب بلعنة منحوسة وخرج من دائرة الرحمن ودخل دائرة الشيطان. وهنا يجب التذكير بقاعدة شرعية معروفة وهي ان القاعد لا يفتي لمجاهد.

ان التجنب الكامل والتام للمس بقدس اقداسنا، اي حملة البندقية في الداخل، هو اول شروط اثبات حسن النية وسلامة الموقف، لانهم هم وليس غيرهم المرجعية الشرعية والوحيدة للبعث وكل ما عداهم في الخارج، بما في ذلك كاتب هذه السطور، خدم للبندقية ولحملتها في الداخل. بدون الاعتراف التام والكامل بان الشرعية العراقية والبعثية هي لمن يقاتل الاحتلال الان وفي طليعتهم قائد الجهاد والمجاهدين عزة ابراهيم فان كل الطروحات تصبح لغوا فارغا ويجب ان توضع تحت مجهر دقيق لمعرفة الاهداف الحقيقية وراء كل دعوة.

 

4 ان التوحيد، كما هو معروف، لا يتم الا بين متشابهين ومنسجمين، وهذه قاعدة بداهة معروفة يعرفها حتى ضابط سكير عوقب لانه اساء للعمل الحزبي بسبب ادمانه على السكر، وهي تعني امرا واحدا وهو انه لا يمكن التوحيد بين متناقضين فحتى طفل شرع بالتأتأة لتوه يدرك ان الابيض غير الاسود، لذلك فان وحدة الحزب لا يمكن ان تتم الا بتوفر الشروط المعروفة للبعثي والتي اشرنا اليها سابقا

هل هذا يعني رفض الدعوة للتوحيد؟ كلا ابدا بل هو يؤكد المعنى الوحيد للتوحيد وهو تعزيز قوة الحزب الحالية وهي القوة الرئيسية في الوطن العربي، عن طريق عودة البعثيين السابقين الى حزبهم عن طريق واحد لا غير ابدا وهو تقديم طلب رسمي بذلك الى قيادة الحزب، والعودة هي عودة افراد وليس عودة كتل، لان من المستحيل الاعتراف باي كتلة انشقت في السابق حتى لو بقي لها انفار - مادام الحزب يحترم تقاليده الثورية ونظامه الداخلي التي تجعله يعاقب من يخالف، لمنع تحويله الى فندق، او ناد، فيه خمر وسكر وعربدة يدخله من يشاء ويخرج متى شاء، بل انه حتى النوادي والفنادق فيها ضوابط وعقوبات لمن يخالف، لذلك لا عودة لاحد بدون النقد الذاتي وبصورة فردية.

ان هذا الحل هو الحل الوحيد لانه يضمن لنا ما يلي :

أ- سلامة الحزب امنيا، بحمايته من تسلل المشبوهين وهم كثر دون ادنى شك.

ب- وصيانته عقائديا، بحمايته من تسلل من لم يهضم عقيدة البعث وهم كثر بسبب سياسة التبعيث او تغلب السلطة على الحزب.

ج- والمحافظة على نقاوته ستراتيجيا، بحمايته ممن لا يفهم الفرق بين تحرير فلسطين وعقد سلام معها.

د- ويبعده عن الفوضى والشللية، الناجمتين عن جمع كم من الافراد فقط دون اشتراط النوعية.

هـ -  ويبقيه حزبا جهاديا طليعيا، بحمايته من دعاة مصالحة عملاء الاحتلال في بغداد.

و- ويضمن قيامه بنقد ذاتي سليم للاخطاء التي ارتكبت اثناء حكم الحزب، بعدم السماح بتحويل عملية النقد الى تخريب منظم للحزب ووحدته تحت غطاء الديمقراطية ومما رسة حق النقد.

 

5 واخيرا نأتي الى قضية حساسة : يمكن لكل من لديه حد ولو وبسيط من الوعي الامني والتجربة السياسية ان يتوقع ان تعمل القوى المعادية على محاولة شرذمة البعث واجتثاثه من داخله عبر عناصر او جهات قريبة من البعث او كانت جزء منه في السابق، متبعة طريقة الدفاع الشكلي عن البعث وادعاء الانتماء اليه من اجل تسهيل ضربه من الداخل، وتلك هي الخطوة الاكثر خطورة على البعث من الاجتثاث من خارجه وبواسطة قوى معادية له رسميا وعمليا. لذلك لابد من طرح سؤال منطقي ومهم وهو : من هم الاشخاص الذين كلفوا باختراق البعث من محيطه او من داخله من اجل اجتثاثه وتدميره؟ حتى الان لم يكشف عن شخص او اكثر كلفوا بلعب دور البعثي الحريص على حزبه لكنه ينفذ مخطط الاعداء القائم على انهاء الحزب، والسبب هو ان الجميع يدعون الاخلاص للبعث والدفاع عنه.

ولكن هذا الوضع بذاته يؤكد ان الاعداء يعملون على محاولة اختراق البعث بواسطة عناصر لم تسلط الاضواء عليها بعد كعناصر خائنة وعميلة، لانها مازالت تتستر بالشعارات الوطنية ومناهضة الاحتلال وحب البعث، وهنا تكمن خطورة هذه الحالة بالنسبة لمن لا يعرف اللعب الاستخبارية. ان السؤال الاخر الذي لابد ان يطرق الذهن هو هل من المعقول ان الاعداء ليس لديهم جواسيس يحاولون اختراقنا بشعارات حبيبة على قلوبنا؟ اذا كان جوابنا ان الاعداء ليس لديهم جواسيس يعملون على اختراقنا بطرح شعارات صحيحة ومغرية نكون كمن يدس قنبلة موقوتة في حلقه!

اذن من هم الجواسيس الذين يريدون اختراق حصون البعث وتدميرها من الداخل؟ الجواب، بدون ادنى شك، له صلة بحملة انفار اصابتهم مؤخرا هستيريا توحيد الحزب دون مسوغ زمني لان التوحيد كان يجب ان تثار الدعوة له منذ سنوات بعد الاحتلال مباشرة وليس الان، اما ان تبدأ الان حملة انفار بهذا الاتجاه فانها والله حملة ابي رغال لا غير، ويجب ان ننبه الى انها حملة تشويه وكذب تتزامن مع بدء اوسع حملة فاشية ضد الحزب وقيادته داخل العراق بحثا عن القائد المجاهد عزة ابراهيم ورفاقه ونشرت اخبار كثيرة عن هذا الامر، وكأن من يقوم بالدعوة للتوحيد الان يريد ان يضيف الى مصاعب الحزب مشكلة خلق اضطراب داخله بدغدغة مشاعر نبيلة في نفس كل بعثي صادق.

لا تراجع، لا مساومات، البعث او الموت، الله اكبر وليخسأ الخاسئون.

مايس ما يو 2010

salahalmukhtar@gmail.com

 

ملاحظة مضافة : لتسليط الضوء على الطابع اللااخلاقي لهستيريا التشكيك بالبعث وقيادته في العراق لاحظنا ان شخصا ما كتب مقالين مؤخرا الاول تحت عنوان ( رهينة المحبسين) والثاني عن مذكرات الرفيق المناضل طاهر جليل الحبوش، واستخدم اسما مزيفا هو فائز، وكانت مقالتان تنزان حقدا على قيادة الحزب، وقلنا من حق كل انسان ان يكتب باسم مستعار اذا كان لا يتحمل التضحية، وقلنا ايضا من حق كل انسان ان يعتقد بما يشاء. اين المشكلة اذن؟ المشكلة التي برزت هي ان كاتب هذين المقالين لم يكن يفتقر للشجاعة البعثية فقط بل انه يفتقر الى الامانة الاخلاقية ايضا، اذ انه زور وغير! فقد اكد في مقاليه انه داخل الحزب وانه لذلك ينتقد اخطاء الحزب والرفاق في الحزب فجلد، ولم ينقد، قيادة الحزب ولم يسلم من نقده المشيطن حتى مخابرات الدولة العراقية! ولكن ماذا تبين؟ لقد تبين انه من اولئك المنشقين منذ اربعين عاما وانه لم تعد له صلة بالحزب في العراق منذ ذلك التاريخ وعمل مع كتلة صغيرة تحت اسم اخر غير البعث هو حزب الاصلاح! فما معنى ذلك؟ انه يعني امر ثابتا وهو ان هناك حملة مشبوهة بكل المقاييس على الحزب هدفها ارباك مناضليه وتشويش صورته بالكذب والتمثيل، ولو كان هناك نية حسنة لكان بامكان هذا الشخص ان يكرمنا بان يكون راويا صادقا وشجاعا.

شبكة البصرة

الاحد 23 جماد الثاني 1431 / 6 حزيران 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط