بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة التاسعة : لغم تقويم تجربة حكم الحزب (1-2)

شبكة البصرة

صلاح المختار

الغائبون دائما على خطأ

مثل الفرنسي

 

بعد غزو العراق برزت ظاهرة ملفتة للنظر وهي قيام جهات وافراد كثيرين بمطالبة البعث بنقد تجربة حكمه الذي دام 35 عاما وربط البعض تلك المطالبة بادانة سياساته! لذلك رفضنا حتى الرد على هذا البعض وتعمدنا اهمال الموضوع، لان الطلب فيه استفزاز واضح ومقصود كما ان سوء النية كان واضحا جدا لان الامر لايتم بهذه الطريقة التي تطلب الادانة قبل المطالبة بالتقويم، وتفترض ان البعث اخطأ مسبقا استنادا الى موقفها هي وتصورها هي وليس استنادا الى مجرى الاحداث الواقعي. ورغم تراجع المطالبات بقيام البعث بنقد او تقويم تجربة حكمه، فان اصواتا ترتفع بين فترة واخرى تثير الموضوع بصور مختلفة تبدو احيانا دعوة صادقة ونزيهة ومشروعة.

ونحن، ومن منطلق الحرص على تنقية الاجواء وتهيئة البيئة المناسبة للعمل الوطني المشترك خصوصا الخادم لهدف التحرير وما بعد التحرير، نرى ضرورة توضيح موقفنا من هذه المسألة من اجل توفير المناخ الصحي للتقارب وتوحيد الصفوف بازالة اخطاء فهم مسألة التقويم لدى البعض الذين قد لا يعرفون ضوابط العمل الحزبي وسياقاته داخل البعث من جهة، ولتجنب حصول اخطاء من قبل بعض رفاقنا نتيجة حرصهم على طمأنة قوى معينة قلقة منا نتيجة تجربة الحكم فتقوم بنقد ذاتي غير مدروس للتجربة يتضمن نقدا لاخطاء مفترضة لكننا لم نرتكبها فعلا مثل القول باننا تخلينا عن نظام لحزب الواحد مع اننا لم نختار ذلك النظام ولم يكن جزء من سياسات الحزب بالاصل، كما سنوضح بدقة وصراحة!

ان الاسئلة الواجب طرحها هي : هل تقويم تلك التجربة ضروري؟ واذا كان الجواب نعم انه ضروري فان السؤال التالي يفرض نفسه : هل يجب القيام بذلك الان؟ ام يمكن او يجب ان تتم في ظرف اخر؟ ولماذا؟

 

التقويم سر الحياة السليمة

مما لاشك فيه ان تقويم الفعالية الانسانية بعمومها امر ضروري اذا كان المطلوب هو النجاح وتحقيق التقدم. فالانسان يحتاج بصورة دورية لتقويم صحته بمراقبة اداء جسمه لوظائفه فاذا شعر بوجود خلل لابد ان يذهب الى الطبيب ليقوم بتقويم الحالة ووصف علاجها، فالطبيب هنا هو المختص بتقويم حالة الانسان ا لصحية وليس الانسان ذاته، وفي المجال الاقتصادي فان المشروع يتطلب تقويما دوريا لاداءه ونجاحه واخفاقاته فتغير الخطط الانتاجية او الخدمية وفقا لضرورات النجاح. ان الحياة لا تكون طبيعية ولا تستمر بصورة مناسبة من دون تقويم دوري لمجراها وتحولاتها. والحزب السياسي مخلوق حي يتعرض لنفس امراض الفرد والمجتمع ويواجه نفس حالات النجاح والاخفاق لذلك فان عملية التقويم والنقد يجب ان تكون دورية وثابتة.

وفي البعث فان تقويم عمل الحزب يتم كل دورة انتخابية فحينما تجري الانتخابات الحزبية كل اربع سنوات لاختيار قيادات بطرق ديمقراطية يسبق ذلك اعداد تقارير تقويم متخصصة لما جرى في الاربع سنوات السابقة للانتخابات تحدد فيها كيفية اداء القيادات لعملها وهل نجحت ام اخفقت واين، وتقوم باعداد هذه التقارير لجان حزبية متخصصة تقدمها للمؤتمر القطري المنتخب وهو اعلى سلطة حزبية في القطر وهو بمثاية برلمان الحزب - لتكون اساس النقاش والتقويم، فاذا اقرها المؤتمر بعد التعديل او الاضافات، او حتى بعد تغييرها كليا حسب توجه المؤتمر، فانها تصبح تقويما شاملا لاداء الحزب في المرحلة السابقة والمقدمة الضرورية لمواقف الحزب الجديدة في المرحلة الجديدة.

هذه هي القاعدة الثابتة في العمل الحزبي والتي تقوم على حتمية القيام بتقويم ونقد اداء الحزب بصورة دورية في الحالات العادية، ولكن هل تزداد اهمية النقد والتقويم في مراحل الازمات؟ نعم بالتأكيد فان خطورة ازمة ما تستلزم مواقف مناسبة لتلك الخطورة ا لامر الذي يجعل تقويم المواقف بعد ا تخاذها ضرورة من اجل بقاء الحزب محافظا على مكونات عقيدته او خطه الستراتيجي، او سلامة نهجه التنظيمي، تماما مثلما يحتاج الجسد الذي يتعرض لازمة صحية لعلاج طارئ وجديد يقوم الطبيب بتقويم اثره على المريض. ان المريض اذا لم ينتبه لنصائح الطبيب يتعرض للخطر وربما الموت، ولذلك لابد من متابعة الحالة الصحيحة مع مختص ومجرب.

اذن تقويم عمل البعث وسياساته ليس مطلبا خارجيا بل هو ضرورة حزبية ملزمة تعد الضمانة الاساسية لتصويب نهج الحزب وابقاءه على سكة المبادئ والعقيدة وتقاليد الحزب. وتزداد اهمية التقويم حينما تكون احداثا جساما قد وقعت وانتجت اثارا خطيرة تتطلب دراسة سياسة الحزب لتحديد فيما اذا كان قد اخطأ او اصاب وفيما اذا كان ضروريا تغيير سياسة الحزب او تطويرها او ابقاءها كما هي. و تجربة الحزب في الحكم ليست بسيطة ولا عابرة بل هي مرحلة تاريخية خطيرة جدا، ومعقدة جدا بنفس الوقت، استمرت 35 عاما زخرت بالاحداث الخطيرة والتحولات العظمى، في العراق والمنطقة والعالم، لذلك فان مصلحة الحزب ومصلحة العراق والامة العربية تفرض على الحزب القيام بتقويم تجربة حكمه بصورة موضوعية وكاملة وشاملة.

ان منطلقنا في تثبيت هذه الضرورة مزدوج، فمن جهة يحتاج الحزب الى توفير اقصى درجات الصواب في ممارساته الحالية والقادمة لانه يخوض صراعا مصيريا سيتحدد مصير الامة العربية في ضوء نتائجه العملية والميدانية، ومن جهة ثانية فان بشرية الحزب تجعله معرضا لارتكاب اخطاء مادام كل بشري خطاء، لذلك فان التقويم الدوري هو وصفة طبية حتمية اذا كان المطلوب هو ضمان سلامة النهج والمواقف والسياسات العامة وتصويبها بصورة دورية ومنتظمة عن طريق المؤسسة الحزبية وليس خارجها.

 

كيفية التقويم وشروطه

نصل الى نقطة مهمة جدا وهي كيف يتم التقويم؟ ومن يقوم به؟ يحدد النظام الداخلي للحزب طريقة التقويم بدقة متناهية، فالتقويم يجب ان تقوم به هيئة حزبية منتخبة وفقا لطرق الانتخابات الحزبية الرسمية، وهذه الهيئة هي المؤتمر القطري والذي يمثل كوادر الحزب التي انتخبت من القواعد في مؤتمرات الفرق والشعب والفروع - وصعدت الى المؤتمر، مما يجعل الاهلية القانونية متوفرة فيمن يقوّم. وقبل هذا تجري في كافة المؤتمرات الانتخابية الحزبية من مؤتمر الفرقة فما فوق عملية نقد وتقويم للمرحلة السابقة من العمل الحزبي ونقدا لاداء الرفاق الذين تولوا مسئولية حزبية من اجل تحديد من فشل ومن نجح في تنفيذ خطط الحزب الحزبية والرسمية اي على صعيد الدولة.

يقوم المؤتمر القطري وقبل انتخاب القيادة الجديدة وبعد نقاش شامل وحر ونقدي باقرار التقارير المقدمة له التي تغطي كافة جوانب الحياة وهي عبارة عن تقويم شامل للمرحلة السابقة ويتبنى خططا جديدة للمرحلة القادمة، من هنا فان عملية التقويم هي جزء عضوي من الحياة الحزبية ومقوم اساسي لها ولديمومتها، اي استمرارها، ولصيرورتها، اي تحولاتها. ان التقويم كي يكون شرعيا وصحيحا وديمقراطيا يمثل الحزب حقا ينبغي ان يتم عبر الاصولية التنظيمية التي شرحناها وبدونها لايصبح تقويما حزبيا، ولذلك فثمة فرق جوهري بين راي رفاق حزبيين يطرحونه في اجتماعات الحزب الدورية او الاستثنائية، او في مكاتب الحزب حول اي امر، وهو حق اساسي من حقوقهم، وبين تقويم الحزب، فالاول راي رفيق او اكثر من حقه طرحه ولكنه لا يمثل راي الحزب، وهذا الراي لاي رفيق او مجموعة رفاق لا يتحول الى راي يمثل الحزب الا اذا اقر بالاغلبية الحزبية وفق السياقات واصبح موقفا للحزب بعد اقراره من قبل اعلى قيادة وليس الخلية الحزبية فقط، وقبل ذلك غير مسموح لمن يتبناه طرحه خارج الحزب لان ذلك خرق تنظمي يعاقب عليه.

وهذه القاعدة تنطبق على النقاشات التي جرت وتجري منذ الغزو حول تجربتنا في الحكم واعدت لهذا الغرض تقارير ودراسات استعدادا للتقويم لكن ما يجب الانتباه اليه هو ان هذه التقارير والدراسات لم تصبح بعد وثائق حزبية ملزمة بل هي مشاريع ومسودات، وطرحت وتطرح فيها اراء مختلفة ومتناقضة ونقدية للتجربة لكنها لم تصبح بعد راي الحزب الرسمي لان التقويم لم يتم بعد مادام الشرط الحاسم والجوهري لم يتوفر بعد وهو اجراء انتخابات وعقد مؤتمر قطري يحسم الامر بالقيام بالتقويم وتبني موقف رسمي مدروس. من هنا فان التقويم الرسمي للتجربة مشروط باجراء انتخابات حزبية واقرار المؤتمر القطري للدراسات والتقارير المعدة لهذا الغرض.

 

ان هذه الضوابط التنظيمية وضعت لتجنب تحويل الحزب الى ناد او منتدى ليبرالي تجري فيه عمليات ثرثرة او نقد غير مسئول خارج الحزب، لان الحزب حزب ثوري و يتعرض لحملات قمع وتصفيات دورية قبل استلامه الحكم، وعند استلامه الحكم يتعرض لحملات ضخمة من دول في الاقليم والوطن العربي والعالم تستهدف تدميره لمنعه من تطبيق برامجه الثورية التي تقوم على احداث تغييرات جذرية في الواقع العربي تمهد لبناء الاشتراكية والوحدة العربية واقامة نظام ديمقراطي. ان تاريخ الحزب الواقعي، وكما راه العالم خصوصا منذ عام 1972 حينما امم النفط وبدأت الحرب الشاملة عليه، هو تاريخ الصراع الوجودي وليس الصراع السياسي او الستراتيجي فقط، فبرامج الحزب وسترايجياته ليست مثل برامج او ستراتيجيات احزاب تقليدية تتعايش مع الواقع العربي والعالمي وتقبله وتتكيف معه وتخدمه، بل هي برامج اي برامج الحزب - ترفضه وتعمل على تغييره وتعبيد طريق خاص لتحقيق اهداف امتنا العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية.

وبناء عليه فان حالة الطوارئ التي اقترنت بكل الحروب في العالم تقترن بعمل الحزب مادام يعمل على احداث تغييرات جذرية في الواقع العربي والاقليمي تضمن مصالح الامة وحقوقها في الثروة والارض والحرية والكرامة والعدالة، وهي حالة رايناها في الواقع ولم تفترض افتراضا، بدليل ان حكم الحزب منذ امم النفط تعرض لسلسلة اعمال عدائية وتأمرية انتهت بحروب وغزو شامل كما نعلم. وهذه الحقيقة وبغض النظر عن قبولنا او رفضنا لها، تفرض سياقات انضباطية وتنظيمية، بالاضافة للسياقات الاخرى، من اجل حماية المشروع القومي النهضوي ومنع اجهاضه عبر تبني اساليب تخربه دون قصد ومنها عدم الانضباط الحزبي، بما في ذلك في موضوع تقويم عمل الحزب الذي يمكن ان يصبح عامل تخريب حين يطرح خارج السياقات التنظيمية والانضباطية.

 

هل في تجربتنا اخطاء؟

ربما يبدو طرح هذا السؤال فيه نوع من السذاجة مادام كل عمل بشري ينطوي على اخطاء بهذا القدر او ذاك، لكن ما جرى ويجري حول تقويم الحزب لتجربة حكمه خصوصا المطالبات المتعددة ومن جهات مختلفة ومتناقضة الاهداف والنوايا، يجعلنا ملزمين بمعالجة هذا الامر بموضوعية وهدوء وبعيدا عن النزعات الذاتية، سواء تلك التي ترفض الا عتراف باننا ارتكبنا اخطاء او تلك التي تتهمنا بارتكاب اخطاء لم نرتكبها في الواقع بل روجت بناء على خلافات سياسية. نعم ارتكبنا اخطاء وبعضها اخطاء كبيرة،ء ونعم اتهمنا بارتكاب اخطاء وبعضها اخطاء شنيعة لكننا لم نرتكبها، لذلك فان من مصلحة الحزب ومصلحة الامة اجراء تقويم نقدي لتجربتنا يوصلنا الى تحديد وتشخيص الاخطا التي ارتكبت فعلا وتمييزها عن الاخطاء التي لم ترتكب ونسبت لنا من جهة، كمايجب بصورة شرطية تحديد الانجازات العظمى التي تحققت في ظل حكم البعث وكانت مفخرة له وللامة من جهة ثانية مادام التقويم في جوهره هو عملية شمولية تتناول كل جوانب التجربة الايجابية والسلبية.

 

هل هذا كل شيء؟ كلا طبعا فالتقويم عملية ليست احادية الجانب مادام البعث عمل في مجتمع وتفاعل مع غيره ولم يكن يتحرك في فراغ، الامر الذي يفرض، لجعل عملية التقويم موضوعية وصحيحة وتخدم المصلحة الوطنية والقومية للعراق والامة العربية، ان تشمل مواقف الاخرين من قوى سياسية وكتل واشخاص والتي كانت بسلبيتها وعدوانيتها احد اهم اسباب اقدام البعث على مواقف معينة كرد فعل قاصر. ان النقد والتقويم كي يكونا موضوعيين ومفيدين ونمنع تحولهما الى تنكيل مقصود بهذا الطرف او ذاك يجب ان يشملا كل القوى والكتل والشخصيات التي كان لها دور في الصراعات التي خاضها البعث معها بعد عام 1958 ونتج عنها اخطاء كبيرة وخطيرة الحقت الضرر الفادح بالمصلحة الوطنية العراقية وبالمصلحة القومية العربية.

ولكن هل هذه الاخطاء كانت اخطاء طرف واحد فقط؟ ام انها كانت اخطاء مشتركة او انها اخطاء متبادلة وقع فيها كل من ساهم بدور فعال في العمل السياسي العراقي والعربي في العقود الماضية؟ ان تجربة البعث لم تنشأ في فراغ او في وسط محايد وسهل بل نشأت في بيئة عدائية حادة ومتوترة جدا وكانت احيانا دموية، لذلك فان الفعل ورد الفعل كانا من اهم عوامل تعقد الصراعات خصوصا وانهما كانا يحركان الجميع غالبا، او احيانا على الاقل، لذلك لا يمكن تقويم تجربة البعث بمعزل عن مواقف الاخرين منه.

وهنا لابد من تأكيد اننا نملك الادلة والحقائق التي تثبت بان البعث في الاطار العام كان مدافعا ولم يكن مهاجما لاي قوة او شخصية وطنية منذ عام 1958 وحتى غزو العراق في عام 2003، بدليل ان العنف والاقصاء وابادة الاخر بدأت في عامي 1958 و1959 في العراق وكان البعث من بين اهم ضحاياها، ولم يكن انذاك في السلطة. اذن ما معنى ذلك؟ وما الذي يفرضه من التزامات؟ يترتب على الفكرة السابقة امران أساسيان :

الامر الاول هو ان التقويم يجب ان لا يقتصر على البعث فعلى كل قو ة او حزب او كتلة او شخصية ساهمت في تلك الصراعات ان تقوم بتقويم دورها وتجربتها وتحديد اين اخطأت واين اصابت.

والامر الثاني هو ضرورة الانتباه الى كيفية وقوع اخطاء البعث وتحديد فيما اذا كان للاطراف الاخرى دور في دفع البعث الى ارتكابها من خلال الضغط الشديد عليه ووضعه في زاوية كان عليه الخروج منها لتجنب الخنق حتى لو اتبع اساليب لم يكن يريد استخدامها.

ان تحقق ذلك سوف يوفر الشروط الموضوعية للوصول الى تقويم دقيق وصحيح وشامل وموضوعي وبعيد عن الانانية السياسية والحزبية ويخدم مصلحة القطر والامة. اما اذا اصر البعض على ان البعث فقط هو من يجب ان يقوم بالتقويم فان ذلك الاصرار مؤشر لا يخطأ لوجود موقف سلبي مسبق من البعث، يدفع البعثيين لرفض اي مقترح للتقويم ويجبرهم على محاولة معرفة الدوافع الحقيقية لهذا الموقف.

يتبع

نهاية حزيران يونيو 2010

salahalmukhtar@gmail.com

شبكة البصرة

الاحد 22 رجب 1431 / 4 تموز 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط