بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة التاسعة : لغم تقويم تجربة حكم الحزب (2-2)

شبكة البصرة

صلاح المختار

الغائبون دائما على خطأ

مثل فرنسي

 

ظروف التقويم هل تتوفر؟

هنا نصل الى النقطة الاساسية في نقاشنا وهي : هل بالامكان الان اجراء التقويم لتجربة حكم الحزب؟ ان الجواب الدقيق والواضح هو ان ذلك مستحيل في هذه الظروف عمليا لسبب امني صرف، وليس لرغبة ذاتية، فالبعث ينفرد من بين كل القوى الوطنية وفصائل المقاومة بانه يتعرض لحملات فاشية دموية منظمة وشاملة ومستمرة من اجل اجتثاثه من الجذور، تنظيميا وبشريا وايديولوجيا وسياسيا، مبنية على قاعدة معلومات تفصيلية تشخص البعثيين بدقة غالبا لان البعث حكم 35 عاما عرف خلالها كل بعثي من درجة مؤيد الى مستوى كادر، وهذه الحالة غير موجودة لدى الاخرين من مناهضي الاحتلال الذين لا يعرفهم الاحتلال وفرق الموت غالبا مما يجعلهم اكثر أمنا وراحة وحرية في العمل والاجتماع وغيره.

ان ما قلناه هو حقيقة يلاحظها اي انسان منذ غزو العراق حيث كان اول قانون اصدره الحاكم الامريكي بول بريمير هو (قانون اجتثاث البعث)، تذكروا دائما، ولا تنسوا ابدا، من اجل احترام الحقيقة الخالصة، ظاهرة لها دلالات بعيدة جدا ومهمة جدا، ستراتيجيا وسياسيا واخلاقيا، وهي ان الاحتلال لم يصدر قانونا باجتثاث غير البعث، وهذه الخصوصية وهذا التفرد اللذان منحهما الاحتلال لاجتثاث البعث دون غيره يقدمان لنا فكرة صحيحة وعملية عن هويته الفعلية وعن خطورته من وجهة نظر الاستعمار والصهيونية والصفوية، خصوصا عن اهمية تصفية البعث كشرط مسبق لنجاح الاحتلال في البقاء والتغلب على مقاومة الشعب العراقي. واختيار البعث، بصفته الهدف الرئيسي للاحتلال، مبني على تجربة 35 عاما خاض البعث خلالها صراعات متعددة واساسية اهمها :

1- خاض البعث صراعات التحرر الوطني مع الاستعمار من اجل تحرير ثروات العراق، وكان تأميم النفط الشرارة التي اشعلت الحرب الطويلة بين البعث والاستعمار.

 

2- خاض البعث صراعات التحرر القومي مع الصهيونية من اجل تحرير فلسطين حيث بقي العراق بقيادة البعث متمسكا بتحرير فلسطين حتى بعد تخلي الكثير من القيادات الفلسطينية عن فلسطين، وكان الموقف المشرف الذي ختم به الشهيد القائد الخالد صدام حسين حياته الدنيوية عندما هتف في لحظاته الاخيرة (عاشت فلسطين حرة عربية)، دليلا مضافا على تمسك البعث بتحرير فلسطين.

 

3- خاض البعث صراعات مع الشوفينية الفارسية التي استيقظت مجددا تحت غطاء ديني صفوي وشرعت بمحاولة استعمار الوطن العربي باسم الاسلام، فخاض البعث مع ايران الصفوية صراعات دفاعية صرفة تعد الاصعب في التاريخ الحديث للعرب، من اجل منع التوسعية الاستعمارية الايرانية من تحقيق اي تقدم على حساب العرب ومن اجل تحرير الاحواز وكل شبر احتلته ايران من ارض العرب.

 

4- بالاضافة لذلك فان معاداة امريكا والصهيونية وايران للبعث مبنية على حقيقة معروفة وترعب اعداء الامة العربية وهي ان البعث هو الحزب الجماهيري الوحيد في العراق ذو الطبيعة الوطنية اي الذي يمثل لكل العراقيين ويشكل احد اهم عوامل توحيدهم - والمؤهل لخوض حرب تحرير العراق بقدرة وكفاءة وتجربة وامكانيات دولة حكمها معتمدا على جهاز حزبي ضخم الجماهيرية متنوع الكفاءات.

 

5- والاهم على مستوى حضاري هو ان البعث بنى انموذجا ناجحا للنهضة القومية للامة العربية في العراق تميز بانه حرر الشعب العراقي من الفقر والامية والتخلف وبنى جيشا عظيما من العلماء والمهندسين والخبراء بالاضافة للجيش العسكري القوي وا لمهاب، لذلك خرج العراق بقيادة البعث من اطار الوصايات والخطوط الحمر الغربية واصبح القوة الاقليمية العظمى الرئيسية بعد عام 1988، وتلك ظاهرة مرفوضة غربيا وصهيونيا وايرانيا.

هذه الحقائق تقودنا الى وضع ثابت وحقيقة من المستحيل تجاهلها وهي ان الصراع بين البعث والثالوث المعادي للامة العربية، امريكا والصهيونية وايران، هو صراع وجود وهوية وليس صراع سياسات او حدود عابر او محدود، الامر الذي يفسر لنا اسباب الاصرار على تصفية البعث دون غيره، وان كان هناك غيره مستهدفا فان البعث يأتي في الاستهداف قبل غيره بمراحل ودرجات، كما اثبتت تجربة الحربين على العراق وافغانستان.

 

أذن وفي هذا الاطار تتضح وتبرز واحدة من اهم حقائق الصراع الستراتيجي الحالي وهي ان الهدف الاساسي للاحتلال في العراق هو تدمير البعث واجتثاثه لان تقسيم العراق والاستيلاء التام على ثرواته مستحيل من دون أجتثاث البعث بالقوة، وسنوات الاحتلال السبع الماضية اكدت فشل هذا النوع من الاجتثاث القهري المباشر، وسقوط محاولات القضاء عليه فكريا وتنظيميا وبشريا، ولذلك برز البديل الاخر وهو السطو اسمه واستغلاله في الترتيبات الاقليمية والدولية القادمة بما في ذلك المشاركة باسم البعث في العملية السياسية القادمة في العراق، وهذا هو الذي يفسر لقاءات (بعثيين) طردوا من الحزب قبل اربعة عقود مع عادل عبدالمهدي وغيره والتحدث باسم البعث!

 

ما معنى هذا التوجه؟ ان معناه الاهم هو ان اجتثاث البعث يراد له ان يتم من خلال تلويث اسم الحزب بتنصيب افراد ارتدّوا عن مسيرة البعث وعقيدته القومية العفلقية ممثلين له في الترتيبات القادمة، لذلك فان مطالبة البعض بتقويم تجربة الحزب هي خطوة تأمرية تهدف الى المساهمة في تلويث سمعة الحزب اما بلصق تهم باطلة به تساعد على تقبل شيطنته اثناء ما يسمى ب (التقويم)، او عن طريق اختراق الحزب وتمزيقه من الداخل والحصول على من يتساقط من مسيرته لينضم الى موكب الجواسيس الذين جا ء بهم الاحتلال.

ان السؤال الذي يطرد ماعداه هو : هل توجد ضمانة تحمي الحزب من الاختراق او الاحتراق في هذه البيئة المعادية كليا لعقد مؤتمر قطري ليقوم بالتقويم؟

في نهاية عام 2006 وقبل اغتيال الشهيد صدام حسين بدأ بعض المتأمرين داخل الحزب بالتهيئة للتأمر جنبا الى جنب مع التهيئة لاغتيال الشهيد وكجزء من عملية شاملة كما ثبت فيما بعد، وكان من بين ما طرحوه مطلب اجراء انتخابات حزبية وعقد مؤتمر قطري لهذا الغرض، وكان من بين من نشط في طرح ذلك كادر عسكري متقدم جدا، فالتقيت به من اجل تصحيح موقفه بوضعه امام مخاطر اجراء الانتخابات علما انه كان ضابط استخبارات كبير! وكان لدينا شك عميق بان الانتخابات ليست سوى غطاء لاختراق الحزب، ولم اطيل النقاش معه سوى 20 دقيقة حتى اقتنع برايي وتراجع عن موقفه واعترف بخطأ الدعوة لاجراء انتخابات، او هكذا تظاهر. فماذا طرحت لدحض الدعوة للانتخابات ويفيد الان في تأكيد خطأ اجراء انتخابات حزبية؟

تناولت احتمالين تحكمان اجراء الانتخابات، فاذا افترضنا ان الانتخابات ستجري داخل العراق فاننا نواجه مشكلة معقدة وخطرة جدا، وهي مشكلة ان البعث هو المطلوب رقم واحد من قبل الاحتلال الامريكي وفرق الموت الايرانية والموساد كما اكدت سنوات الغزو، وهذا الاستهداف ليس (نظرية مؤامرة) بل هو واقع مأساوي تجسد في استشهاد اكثر من 120 الف بعثي اما اغتيالا او اثناء مقاتلة الاحتلال وعصاباته. وحتىى لو افترضنا ان البعض لا يقبل هذا الرقم لشهداء البعث فان انزاله حتى الى رقم مائة شهيد يبقي حقيقة بارزة وهي ان البعث يتعرض لحملات قتل وابادة جماعية واضطهاد ومطاردات عنيفة. هذه حقيقة لا يجادل فيها احد ابدا، وفي ضوءها لابد من التساؤلهل بالامكان اجراء انتخابات حزبية داخل العراق في ظل هذا الوضع الامني الخطير جدا؟ الجواب هو كلا لا يمكن ولا يجوز تعريض الحزب وكوادره لمخاطر القتل والاسر.

 

من المعروف في العالم ان هناك شيء اسمه ظروف الطوارئ والتي تفرض تعليق الدستور والقوانين وتجميد السياقات التقليدية في ادارة الدولة والمجتمع، ومن اخطر ظروف الطوارئ الحرب والغزو والعدوان المسلح، وهذه الحقيقة اجبرت الدول الديمقراطية العريقة كبريطانيا على تأجيل الانتخابات وتعليق الدستور في زمن الطوارئ وتبني قوانين طوارئ مختلفة تناسب مخاطر الحرب لحين زوال الظرف الطارئ. واذا تذكرنا ان العراق محتل وان احتلاله ادى الى اندلاع ثورة مسلحة وصراعات معقدة وخطرة وان اكثر من مليون عراقي قد استشهدوا وان ملايين العراقيين قد هجر وا من ديارهم وان الحياة صارت عبارة عن جحيم لا يطاق، واذا اخذنا بنظر الاعتبار ان البعث هو المستهدف الرئيسي من قبل كافة الاطراف المشتركة في احتلال العراق خصوصا امريكا وايران والكيان الصهيوني، يمكننا ان نتوصل الى نتيجة من المستحيل تجنبها او اهمالها وهي ان العراق في ظل الطوارئ في اخطر اشكالها لا يصلح لاي نوع من انواع الانتخابات خصوصا حينما يتعلق الامر بقوة مستهدفة وتعرضت وتتعرض لحملات ابادة جماعية كالبعث.

 

ان عقد المؤتمر في العراق المحتل يعرض الحزب لخطرين مميتين الخطر الاول هو قصف مقر المؤتمر وتدميره الامر الذي يفقد البعث حوالي 300 كادر حزبي متمرس سياسيا وجهاديا، وتلك هي القوة الاساسية التي تحرك وتقود الحزب الان وتشكل العمود الفقري للمقاومة العراقية، الخطر الثاني هو وقوع المؤتمر الانتخابي بيد العدو بمحاصرته واسر من يحضره وعند ذاك سيعمل العدو على الضغط من اجل عقد مساومة خطرة تدمر تاريخ الحزب وتلطخ هويته الوطنية والقومية، واذا رفض المساومة فان العدو سوف يصفي كوادر الحزب بالقتل او بعزلهم في السجون، وفي الحالتين فان الحزب سيتعرض لكارثة كبيرة قد تشله لعدة عقود من الزمن وهو ما يحتاج اليه الاحتلال لمواصلة احتلاله للعراق والتخلص من اخطر تحد له.

سئلت صاحبي هل هذا التحليل صحيح؟ اجاب نعم انه صحيح جدا.

ثم قلت له : اما اذا جرت الانتخابات خارج العراق وفي اي بلد كان فان من المستحيل تجنب تدخل جهاز المخابرات في البلد الذي ستجري فيه من اجل ضمان تسخير قرارات الحزب لخدمة النظام او حتى الاحتلال فهل هذا هو الامر المطلوب؟ اجاب صاحبي كل لا يجوز وضع الحزب تحت رحمة اي جهاز مخابرات مهما كان، نعم اقر بان اجراء الانتخابات مغامرة خطيرة ويجب التخلي عن المقترح.

 

ورغم تظاهره بالاقتناع زدت القول : وثمة حقيقة اخرى وهي حقيقة امنية أيضا، فاجراء انتخابات، لو افترضنا توفر ظروف الحد الادنى لاجراءها، عمل خطير جدا لان اجهزة مخابرات الاحتلال الامريكية والايرانية وغيرها عملت منذ الغزو، وربما قبله، على تحقيق اختراق مخابراتي لفرد او اكثر داخل الحزب، وهذه فرضية نكون اغبياء وسذج اذا استبعدناها، وفي هذه الحالة، أخذين بنظر الاعتبار امكانيات العدو المخابراتية المتطورة جدا الكترونيا وبشريا والتي نشرت في العراق بعد الغزو، فمن المؤكد ان العدو سيعمل على تلميع عناصره المندسة في صفوفنا وتقديمها بصورة مبهرة تسمح بانتخابها وصعودها ربما الى قيادة الحزب، وهكذا فان العدو يصبح قادرا على احصاء أنفاسنا ومعرفة ما نخطط له وفي اللحظة المناسبة سيوجه ضربته المدمرة لنا لاجهاض الثورة وتحقيق الردة. اما في حالة عدم وجود انتخابات فان صعود الكوادر لمواقع قيادية يتم وفقا لاجتهاد القيادات العليا وتقويمها الميداني للفرد وتعريضه لاختبارات امنية وغيرها قبل تنسيبه لموقع قيادي، لذلك تقل احتمالات الاختراق الامني الى درجة قد تصل الى حد الصفر.

وثمة حقيقة اخرى لابد من اخذها بنظر الاعتبار وهي ان تقويم تجربة الحزب في العراق، وهي تجربة تاريخية فذة وخطيرة تنطوي على عناصر ستراتيجية وعقائدية وغيرها، ليست مسئولية المؤتمر القطري فقط بل هي ايضا مسئولية المؤتمر القومي ايضا لانها تجربة لاتتعلق بفعالية عراقية ادارية صرفة بل تتعلق اساسا بتقويم عمل الحزب بعمومه وتتناول ستراتيجياته وخططه وعلاقة ممارسات سلطته بمبادئ الحزب وعقيدته وتقاليده النضالية والتنظيمية...الخ. من هنا فان تقويم تجربة حكم الحزب في العراق تقع في اطار تقويم عام لمسيرة الحزب مما يجعل موافقة المؤتمر القومي شرطا مسبقا لاقرار او عدم اقرار تقويم المؤتمر القطري. وهذا الامر يطلب عقد مؤتمر قومي يقوم بالتقويم ايضا وليس مؤتمر قطري فقط.

اذن، وفي ضوء ما تقدم، فان اجراء انتخابات الان مستحيل لاسباب عملية صرفة وهي الواقع الامني للعراق والمنطقة، وتلك حقيقة تحكم قرارات الحزب في هذا المجال بدليل ان الحزب قد جمد الكثير من سياقات العمل الحزبي لضمان امن الحزب ومنع اختراقه او تعرضه لحالة تسبب ثغرة امنية.

 

ما البديل؟

ربما يقول البعض ولكن ما هي ضمانة ان البعث لن يواصل (سياساته القديمة) اذا لم يقم بالتقويم؟ ان الجواب واضح جدا، فالمسألة هي مسألة بناء ثقة بين القوى الوطنية، واول خطوات بناء الثقة هي الصدق في المواقف، والبعث يمارس سلوكا واضحا منذ الغزو يقدم فكرة حقيقية عن درجة استفادته من تجربة الحكم ومن تجربة مابعد الغزو التي علمت الكثيرين كيفية ازالة الالغام التي تنسف الوحدة بين القوى الوطنية. ان الخيار العملي المتاح و المطلوب الان هو العمل المشترك وعدم تاخيره بحجة وجود خلافات حول التقويم وغيره، والبدء ببناء الثقة اثناء هذا العمل، وهذا هو خيار كل عملية تقارب مطلوبة، فليس افضل واصوب من العمل المشترك الذي يكشف اتجاهات السلوك والمواقف ويحدد هل تغيرت القوى السياسية بناء على استفادتها من تجارب الماضي ام لا.

والبعث تغيرت فيه الكثير من السلوكيات لانه حدد الكثير من اخطاءه حتى قبل اكمال التقويم، وتبنى ستراتيجية واضحة المعالم منذ ايلول سبتمبر عام 2003 تقوم على تأكيد حصول تغييرات فيه ومنها تثبيته لمبدأ تبادل السلطة وفقا لنتائج الانتخابات بعد التحرير، واكدت على هذا الموقف الستراتيجي برامج الحزب اللاحقة ومنها برنامج التحرير والاستقلال وبرنامج القيادة العليا للجهاد والتحرير، وهذا موقف ايجابي ومهم جدا يسمح بتجاوز (عقدة الانفراد بالحكم) التي كانت متحكمة بكافة القوى السياسية وليس بجماعة واحدة فقط.

وبناء الثقة يقوم على استثمار المواقف الحالية واختبار النوايا الطيبة للجميع، وبذل جهود جبارة لتصفية الارث السلبي للصراعات بين القوى الوطنية العراقية والعربية، وبذلك يمكننا ان نبدأ عملية التوحد وتجاوز ارث الماضي، اما اذا تمسكنا بشرط مسبق وهو نقد الماضي فان اي خطو ة نحو الامام لن تتحقق وستبقى ازمة الشك والتشكيك قائمة، وهذا بالضبط ما يريده الاحتلال والقوى المعادية لامتنا. وهنا لابد من التنبيه الى ان بامكان من يريد الخداع ان يكذب ويقول لقد تجاوزنا الماضي وبدأنا صفحة جديدة من اجل احتواء الاخرين ودفعهم لقبول عمل مشترك قائم على التضليل، فهل هذا هو المطلوب مع انه فخ منصوب للجميع؟ ام بناء الثقة عبر العمل المشترك حتى لو كانت فيه الغام الشك وعدم الاتفاق على الكثير من الامور؟ ان المهم الان هو مراقبة المواقف وتحليلها وتشخيص اين حصل تقدم وتطور واين بقيت الامور على حالها من اجل معالجتها بالحوار اثناء عملية اعادة بناء الثقة، فلا خيار لنا سوى بدأ عملية بناء الثقة.

 

لماذا يضغطون علينا الان؟

بعد هذا التوضيح لمسألة التقويم وملابساته وعقده من المهم ان نعرف دوافع من يطالبنا بتقويم التجربة، وهنا لابد ان نميز بين صادق مخلص وحريص على توحيد صفوف القوى الوطنية الان لمواجهة الاحتلال وتبعاته واثاره، وهو الذي يهمنا وقدمنا التوضيحات السابقة له ومن اجله، وبين لئيم مغرض يطرح موضوع التقويم من اجل تحقيق اهداف اخرى لا صلة لها بالحقيقة والبحث عنها ولا بضرورة توحيد الصفوف. اننا يجب نقف عند موقف من يريد بالنقد والتقويم الحاق الاذى بالبعث وبالحركة الوطنية العراقية عموما على اساس ان البعث الان هو العمود الفقري للحركة الوطنية العراقية.

 

ومن الواضح جدا الان ان ثمة اجهزة مخابرات معروفة اجنبية وعربية تحرك مطالبة هذا الصنف اللئيم من المطالبين بالتقويم لانها تريد من وراء ذلك تحقيق اهداف خطيرة منها :

1- ان المطالبة بالتقويم بالحاح يقصد به دفعنا الى رفض التقويم، وهو رفض يوفر فرصة للقول بان البعث لم يعترف باخطاءه وانه مصر على مواصلة نفس نهجه السابق، في ايحاء واضح الى ان حزم الاتهامات للبعث التي لفقت قبل الغزو وبعده صحيحة مادام البعث لم ينتقدها او يتخلى عنها. ان هذا التكتيك الاستخباري ذكي وينتطر منه، بالاضافة لادانة البعث بتهمة انه يرفض نقد تجربته، توريط بعض الرفاق في القيام بتكرار بعض الاتهامات غير الصحيحة والقول بان الحزب قد تجاوزها وانه تخلى عنها، مثل تهمة ان الحزب كان يؤمن بنظام حكم الحزب الواحد والان تبني الحزب مبدأ تبادل السلطة والتعددية الحزبية، فالحزبي قليل الخبرة بتجربة الحزب وقليل المعرفة عنها قد يتورط في الاعتراف بما ليس في الحزب للتخلص من الضغط النفسي المسلط عليه من قبل جهات عديدة.

ان هذه التهمة روجت على نطاق واسع لدرجة ان بعص الحزبيين صدقها مع انها غير صحيحة، فالحزب لم يكن يوما يؤمن بحكم الحزب الواحد بل كان يؤمن بحكم الحزب القائد والفرق كبير بين النظامين، فالاول يحرم القوى الاخرى من المشاركة في الحكم في حين ان الثاني يسمح بمشاركة الاخرين في الحكم ولكن تحت قيادة البعث. و مفهوم الحزب القائد كان صحيحا لان كل حزب وحركة تريد الوصول الى السلطة والانفراد بها وتاريخ العرب الحديث هو تاريخ الصراعات من اجل السلطة وتعمد اقصاء الاخرين منها، وكان البعث من بين ضحايا هذه الثقافة السائدة قبل استلامه للسلطة بل ان اسقاط نظامه في عام 1963 كان من اجل الاستيلاء على السلطة واقصاء البعث .ان هذه الحقيقة تضع نظام الحزب القائد في مرتبة متقدمة مقارنة بالنزعة للانفراد بالسلطة مادام نظام الحزب القائد يسمح بمشاركة قوى اخرى في الحكم تحت قيادة البعث، ومع ذلك فان ضرورات مرحلة تحرير العراق التي تتطلب توحيد كافة القوى مهدت الطريق لتبني الحزب لمبدأ تبادل السلطة وفقا لنتائج الانتخابات. بهذا المعنى فان حكم الحزب لم يكن حكم الحزب الواحد حتى حينما بقي وحده في السلطة لانه لم يبعد الاخرين بل الاخرين هم من رفض العمل تحت قيادة البعث فاصبح البعث مضطرا لقيادة السلطة بمفرده.

 

2- ان الضغط على الحزب للقيام بنقد التجربة الان في ظل ضغوط متعددة وخطرة وعدم توفر شروط حصول نقد هادف وموضوعي يستند على معلومات دقيقة ووثائق حاسمة تتوفر لاعضاء المؤتمر والغياب التام للاستقرار والاطمئنان في نفوس اعضاء المؤتمر، هدفه الضغط على الحزب للقيام بنقد متعجل وغير معد له بصورة كافية وغير اصولي اي لا يقوم على النظام الداخلي وتقاليد الحزب - وبذلك تتوفر الفرص لشق الحزب وتمزيقه عن طريق بروز اراء متناقضة حول التجربة، هو امر طبيعي مادام من حق كل حزبي ان يتبنى رايا يعتقد به، لكن غير الطبيعي هو ان تطرح اراء متناقضة قبل اكتمال تبلورها بساعدة التقارير والوثائق، خارج اطار الحزب او داخله في بيئة غير مناسبة مما يسمح بتحول الاراء المتناقضة الى كتل وتيارات يدافع كل منها عن موقفه ويقاتل من اجل فرضه، الامر الذي يقود حتما الى الانشقاقات وتشرذم البعث. أليس هذا، وبالضبط والدقة، احد اهم اهداف اجتثاث البعث لكنه هذه المرة ينفذ من داخل الحزب تحت غطاء النقد والتصحيح؟

 

3- ان القيام بالتقويم الان للتخلص من الضغوط والابتزاز يوفر فرصا ذهبية لاجهزة المخابرات لتوجيه ضربات مدمرة للحزب عن طريق مهاجمة مكان المؤتمر او الاجتماع الذي قد يعوض به تحت الضغط عن المؤتمر القطري كحل وسط، وعند ذاك يتحقق واحدا من اهم اهداف الاحتلال وهو اجتثاث البعث بقتل او اسر اغلب كوادره المتقدمة. هل من الذكاء والفطنة تجاهل ان اجهزة مخابرات معروفة عجزت عن قهر البعث في السنوات السابقة في ساحة الحرب لذلك تريد الان دفعنا لدخول مصيدة فئران كبيرة اسمها (مؤتمر انتخابي) من اجل انهاء البعث او تلويث تاريخه وهويته؟

 

اذن وفي ضوء ما تقدم لابد من اختتام هذا التحليل بتاكيد ان العمل السياسي لا يفرض تطابق الاراء بين القوى السياسية بل يكفي وجود عوامل مشتركة مثل التصدي للاحتلال وطرده لقيام عمل جبهوي مشترك، اما من يجعل من تصحيح هذا الطرف او ذاك لمواقفه كشرط مسبق للعمل المشترك فانه اما لا يفهم معنى العمل المشترك او انه يختار حجة للهرب من العمل المشترك. لذا فاننا نؤكد لكافة القوى الوطنية وفصائل المقاومة بان العمل المشترك، ومهما كانت الخلافات عميقة بين تلك القوى، هو الخيار الوطني والعملي الوحيد الان لمواجهة الاحتلال وطرده وتقليص معاناة الشعب العراقي. غدا سنحاسب جميعا على اي تاخير او موقف ينقصه الوعي والشعور بالمسئولية مادام من يتلقى الاذى هو الشعب.

لقد ارادت اطراف مختلفة تغييبنا لنبدو مخطئين، فالغائب كما يقول المثل الفرنسي لا يستطيع الدفاع عن نفسه وكشف الحقائق لذلك فانه مخطأ دائما! واجتثاث البعث يقوم على قاعدة عرفها الشعب الان وهي تغييب البعثيين عن مسرح السياسة والاعلام وعدم السماح لهم بالرد على الاتهامات التي وجهت لهم من اجل شيطنتهم، لكننا، ورغم خطورة وضخامة الاعلام المعادي لنا، كسرنا هذه القاعدة وبرزنا في مقدمة الحاضرين لنجيب ونوضح ونقدم الحقائق بدل الاكاذيب.

 

لكي لانصور كمخطئين، بل احيانا نصور كخطاة، ونحن لسنا كذلك بالتاكيد، علينا تجنب الغياب وجعل حضورنا السياسي والاعلامي مهمة قتالية كحضور من يحمل البندقية من ابناء الكرخ عند بوابات المنطقة الخضراء منتظرا احد جحوش الاحتلال او جنوده ليقدم له قبلة الموت العراقية، فطوبى للحاضرين دائما بالقلم وبالبندقية.

نهاية حزيران يونيو 2010

salahalmukhtar@gmail.com

شبكة البصرة

الاثنين 23 رجب 1431 / 5 تموز 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط