بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة العاشرة : لغم المحاصصة المحسنة - 1

لتكن قوسك مهيأة ولكن أجَل إطلاق السهم

مثل صيني

شبكة البصرة

صلاح المختار

ثمة هاجس شعبي عام ساد، بعد الانتخابات المزورة، حركه وقواه التأخر المشبوه لتشكيل الحكومة رغم ظهور النتائج، يتنبأ بان احداثا جساما ستقع قريبا، وهذا الهاجس صحيح ومعطيات الواقع العراقي والعربي والاقليمي واتجاهات الوضع الدولي تدعمه، فما الذي يحدث في العراق وحوله؟ هل تأخير تشكيل الحكومة عفوي؟ ام انه مخطط له مسبقا ولماذا؟ وماذا تستبطن مؤامرة الاتصالات السرية والعلنية الدولية والاقليمية منذ شهور؟ ان ما يجري في العراق منذ مطلع عام 2009، وخصوصا منذ اجراء الانتخابات المزورة الاخيرة، هو عبارة عن تنفيذ متدرج ومدروس لمخطط امريكي - صهيوني - ايراني متطور ويختلف من حيث الصيغ عن المخططات السابقة، لكنه اخطر منها كلها.

ولئن كانت المخططات السابقة منذ غزو العراق عبارة عن تنفيذ لمؤامرة اطرافها الرئيسية والفاعلة هي امريكا، (وخلفها ومعها واحيانا قبلها الكيان الصهيوني) وايران، فان المخطط الجديد مدعوم من قبل جهات اكبر واوسع، وتشمل انظمة عربية مجاورة للعراق وتركيا واوساط اوربية. لكن ما يجب الانتباه اليه هو ان مشاركة الاطراف الجديدة لا تعني انها كلها تتأمر على العراق لان بعضها لا يعرف الابعاد المخفية من المخطط ويقصد من انخراطه فيما يسمى (ترتيب الوضع العراقي) خدمة استقرار العراق، ولذلك يبقى المـتامر الاصلي الذي حدد اوجه التخريب المطلوب وغير المعلن غالبا هو امريكا وايران والكيان الصهيوني، وهذه ملاحظة ارجو عدم نسيانها لتجنب تشويه مواقف اطراف معينة.

ان السؤال الذي ينجينا الجواب عليه بصواب من كوارث المحاصصة المحسنة المحتملة هو: ما هي قسمات هذا النمط من نظام المحاصصات المحسن؟ وفيما يلي الخطوط العامة لذلك المخطط، كما تبلورت وكما اعترفت بخطوطه العامة امريكا واطراف اخرى بصورة رسمية او بصورة غير رسمية :

اولا : هزيمة لامفر منها : في تأكيد للقناعة التي ظهرت في اوساط القادة العسكريين الامريكيين بعد معركتي الفلوجة الاولى والثانية تبلورت في عام 2008 فكرة طاغية لدى القوى الرئيسية التي تصنع القرار الامريكي، في الادارة والكونغرس والتي توجه ماكنة الاعلام الامريكي والصهيوني، تقول بان البقاء في العراق بصيغة دولة احتلال امر مستحيل خصوصا بعد الفشل التام للحل العسكري، بكافة تغييراته الستراتيجية وبدائله، لوجود المقاومة المسلحة، وشقيقتها الداعمة وهي المقاومة السلمية، والتي تمكنت من مواجهة واحباط الخطط الامريكية الاساسية، لذلك فان فكرة الانسحاب من العراق، حتى لو لم تهزم امريكا في معركة عسكرية كبرى و حاسمة، هي الحل العملي الذي ينقذ امريكا من توالي عواقب الاحتلال وتضخمها بنسب هندسية.

ورغم وجود معارضة قوية للانسحاب الا ان الانهيار المالي الخطير في امريكا وتوالي مسلسلاته في العالم وما قدمه ذلك من مؤشر الى ان امريكا لن تستطيع مواصلة غزو العراق الا اذا قبلت مغامرة تحول الانهيار المالي فيها الى انهيار شامل للنظام الراسمالي، نقول رغم ذلك فان الانسحاب صار انقاذا لامريكا من اكبر كارثة محتملة في تاريخها وهي كارثة بروز احتمال تفكك النظام الراسمالي الامريكي وفرض نفسه كقضية ممكنة وعملية وقريبة.

ولاجل التوفيق بين تحقيق مكاسب ستراتيجية من غزو العراق وتجنب الانهيار الداخلي الامريكي اختارت نخب صنع القرار سياسة تقوم على اجتذاب قوى اقليمية لمساعدتها على تحقيق التوجه الجديد هذا مقابل مكاسب خاصة لكل قوة اقليمية، الامر الذي ربط التنفيذ بايصال ادارة جديدة تستطيع التملص من التوجهات والالتزامات الاصلية لغزو العراق، فكان وصول اوباما نتاج تلك السياسة، وليس نتاج اجتهاده، وتم اختياره للرئاسة لانه كان من معارضي غزو العراق ليبدو الامر وكأن معارضي الحرب وصلو ا االبيت الابيض واتخذوا قرار الانسحاب تطبيقا الموقف سابق للانهيار المالي. واختارت النخب (الممثلة للشركات الكبرى) التي تحدد التوجهات الرئيسية لصناع القرار الاطراف التي تستطيع مشاركة امريكا في تنفيذ الخطة الجديدة وهي الانسحاب، وما يجب ان يقترن بها من خطط لتوفير استقرار بشكل ما، والاطراف هي كل من ايران وتركيا وسوريا والسعودية، ولذلك بدأ الحديث عن ضرورة مشاركة هذه الدول في حل ازمة العراق منذ عام 2008 وهو عام الاقرار باستحالة مواصلة غزو العراق بطريقته الاصلية.

 

ثانيا : وردة اوباما السوداء بدل خنجر بوش الاحمر. جاء اوباما وهو محمل بتلك الخطة التي لاتقل خطورة عن الخطة الاصلية لغزو العراق بل ربما تكون اخطر بكثير، كما سنرى، ولذلك كانت محطته الاولى تركيا، والتي زارها في اطار تأكيد تكتيكي على احترام الاسلام والمسلمين ، وكان خطابه في مصر ايضا متمحورا حول ذ لك، وتلك هي الوردة السوداء التي قدمها لتركيا ومصر، وجاءت خطوة زيارة مصر وتركيا (وابداء حسن نية) تجاه الاسلام والمسلمين محاولة مزدوجة، فمن جهة اراد ترويج فكرة ان امريكا لاتعادي الاسلام، ومن جهة ثانية اراد ايجاد موازن اقليمي لايران في عملية ترتيب اوضاع المنطقة العربية ومحيطها الاقليمي. هل سمعتم بوردة سوداء؟ نعم انها تنبت في امريكا فقط وتحديدا في قصر اسمه على غير مسماه وهو البيت الابيض مع انه كله سواد!

وكان البند الاول، كما وضحته الايام، الاكثر خطورة على مستقبل العراق والامة العربية، في جدول اعمال اوباما يتضمن ما يلي :

1- تفويض تركيا بالقيام باتصالات مع جهات عراقية عديدة، خصوصا اطراف محددة في المقاومة العراقية والقوى المناهضة للاحتلال، من اجل اجتذابها للعملية السياسية الجديدة.

2- تحسين، او تمتين، سريع لعلاقات تركيا مع الاطراف الاقليمية التي تريد امريكا اشراكها في تنفيذ الخطة، وهي ايران وسوريا والسعودية.

3- اصرار امريكي له دلالات بعيدة على ابعاد مصر وعدم السماح لها بلعب دور بارز في التحركات الاقليمية.

4- اعادة قطر الى حجمها الحقيقي بعد منحها دورا اكبر من حجمها وقدرتها وخبرتها في التحركات الاقليمية كما فعلت ادارة بوش الابن.

وابلغ اوباما رئيس الوزراء التركي بان هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية ستزور تركيا للبحث في تفاصيل التفويض الامريكي لتركيا. وبالفعل قامت كلنتون بتلك الزيارة وحددت الخطوط العامة لتركيا التي يجب ان تتحرك ضمنها، واهمها اجتذاب اطراف معينة في المقاومة العراقية وقوى سياسية محددة الى حلبة العمليةالسياسية الجديدة واقامة تنسيق اقليمي واسع خصوصا مع ايران وسوريا والسعودية من اجل جعل الخطة تبدو كأنها من صنع الاطراف الاقليمية وليس امريكا وحدها. كما نشطّت الادارة الامريكية صلاتها بالسعودية بعد فترة اهمال والاعتماد على قطر، وحسنت علاقاتها مع سوريا، بينما تزايدت الاتصالات الايرانية الامريكية العلنية والسرية من اجل الوصول الى حل اقليمي لازمة العراق.

 

ثالثا : تأهيل تركيا. ولم تكن قضية العراق وحدها موضوع التحرك الامريكي عبر اطراف اقليمية، فلقد كان موضوع فلسطين ايضا يقع ضمنه، ولذلك كان يجب صنع صورة لتركيا مقبولة كي تستطيع التحرك الفعال لتحقيق حلول تؤدي لالتهام ماتبقى من اشلاء القضية الفلسطينية مثل حل مشكلة الكيانين الفلسطينيين في القطاع والضفة ورفع الحصار عن غزة واعلان دولة قزمة في الضفة والقطاع...الخ، وبما انه حل ضمن الامر الواقع فقد فرض ذلك ان تكتسب تركيا صورة المدافع الشجاع عن القضية الفلسطينية، مقابل التخاذل العربي الرسمي، كي تستطيع كسب دعم بعض رافضي الحل الاستسلامي واوساط جماهيرية مهمة تحلم بموقف قوي تجاه الكبان الصهيوني، واخيرا وليس اخرا العمل التركي النشط لضبط ايقاع صراع الديوك الامريكي - الايراني ومنعه من التحول الى اطلاق نار حقيقي، ونكرر ونؤكد بان الدور الاخير لتركيا الخاص بضبط ايقاع عراك الديوك، هو مطلب امريكي واضح. ومن الضروري الانتباه الى ان النقاط الثلاثة المذكورة تؤدي الى نتيجة خطيرة جدا وهي تعظيم الدورين الايراني والتركي وتحقير الدور العربي بجعله محض اداة هامشية وتابعة ومنفذة ولا قدرة لها على التأثير الفعال، واهمال مصر بثقلها السكاني والتاريخي وبغض النظر عن موقفها السياسي الذي لا يختلف كثيرا عن مواقف الانظمة العربية عموما يقدم لنا صورة عن اصرار امريكي بالاتفاق مع اطراف اخرى على تهميش العرب في عملية ترتيب الوضع الاقليمي.

 

اذا اخذنا بنظر الاعتبار هذه الملاحظات الثلاثة فانها تكفي لتسليط الاضواء الكاشفة على ما جرى وما يجري حول العراق خصوصا كيفية اشراك الاطراف المذكورة في ترتيب الوضع العراقي :

1- ان المطلوب الان من وجهة نظر امريكية هو تطبيق نظام في العراق يقوم على تجميع كتل صغيرة على نفس الاسس التي وضعها بول بريمير : المحاصصة العنصرية الطائفية، مضافا اليها هذه المرة كتل صغيرة نشأت عقب الغزو على اسس مختلفة منها العشائرية والمناطقية والمصلحية والمالية...الخ، بعضها وطني والاخر موال للاحتلال. والهدف هو ذاته هدف بريمير : ان يبقى العراق مشرذما كما جعله الاحتلال ومفتقرا للعمود الفقري وللشرط المسبق النهضته وتعافيه واستعادة قوته، وهو وجود نظام حكم وطني ملتزم بالاسلام، بصفته المرجع الاساسي للتشريع، ولكن لا يحكمه رجال دين، وان يكون قويا ومركزيا وفعالا وقادرا على الامساك بالعراق كله من ابراهيم الخليل في شمال العراق الى جنوب البصرة، معتمدا على جماهير واسعة منظمة تتبع قيادة مركزية منسجمة وموحدة متسامية على كل اشكال الطائفية والعرقية ولها ستراتيجية و طنية واضحة، مع الاستبعاد التام لفكرة حكم حزب واحد او لون واحد.

ان اهم دروس التاريخ العراقي، القديم والحديث، هو ان نهوض وقوة العراق وتقدمه وازدهاره يتطلب، اول ما يتطلب، نظاما وطنيا مركزيا وقويا، وهذا الدرس استوعبه العراقيون القدماء منذ نبوخذ نصر. ولذلك لم تكن صدفة ابدا ان اول خطوات الاحتلال كانت الغاء الدولة وتحطيمها وحل احد اهم رموزها وهو القوات المسلحة، وقيامه بتصفية قسم كبير من (العقل العراقي) ممثلا بعلماءه وخبراءه وقادته المجربين، وفرضه نظاما يشتت القوى العراقية ويحيّدها ويمنع وحدتها، وهو نظام المحاصصة الطائفية العرقية. وهذه الخطوة الجبارة والمحورية في غزو العراق خطط لها المحافظون الجدد قبل الغزو باكثر من خمس سنوات في دراسة اصدروها في عهد بيل كلنتون عنوانها (القرن الامريكي) اكدت بوضوح تام ان العراق يجب ان يهمش اقليميا ويضعف داخليا من خلال ما يلي :

أ- جعل جيشه اقرب للشرطة المحلية من الجيش التقليدي لحرمانه من القدرة على التأثير الخارجي وبذلك يلغى او يهمش دور العراق الاقليمي.

ب- تطبيق نظام فدرالي، هو في الواقع نظام كونفدرالي، لانه يقيم ثلاثة كيانات شبه مستقلة واحد باسم الاكراد والثاني با سم الشيعة والثالث باسم السنة، وتتمتع هذه الكيانات بالسيطرة على الثروات في منطقتها، وتقيم جيوشها الخاصة (الميليشيات) وبذلك ينحدر الجيش المركزي الى مستوى شرطة فدرالية لاتعمل الابموافقة الكيان الفدرالي وتتغلب قوة ميليشيات الكيانات على قوة الجيش المركزي. كل ذلك وضع تحت غطاء ان المطلوب (منع العراق من التوسع والاعتداء على جيرانه ودول المنطقة الاخرى المقصود الكيان الصهيوني). ان هذه الصيغة تهمش الدولة المركزية وتجعلها غير قادرة حتى لو ارادت على التدخل في شؤون ما سمي ب (الكيانات الاتحادية).

ج- جعل الثروة في المقام الاول حق الكيان الفدرالي وليس الدولة المركزية، وبذلك تحرم الدولة المركزية من اهم عوامل تأثيرها داخليا وخارجيا وهو القدرة على استخدام الموارد في بناء الدولة وتسييرها وتعزيز دورها في كل القطر. ان تسليم الثروة للكيانات المنفصلة وتقديم فتات منها للمركز يجعله مضطرا لمسايرة الكيانات تلك والاعتماد عليها من اجل الحصول على نسبة من الموارد الموجودة في منطقتها.

هذه الخطة ارادت امريكا تطبيقها بعد الاحتلال، وضمنتها في الدستور الكونفدرالي الذي وضعه الصهيوني الامريكي نوح فيلدمان وفرضته بمساعدة عملاء الاحتلال، من شيعة وسنة واكراد وغيرهم، على العراق وشعبه، ونشطت القوى الانفصالية في الشمال والعملاء المزدوجون لايران وامريكا في الجنوب من اجل ذلك، وتبعتهم فيما بعد عناصر طائفية سنية طالبت بدولة سنية في الوسط والغرب. لكن التيارات الوطنية والقومية من المقاومة المسلحة احبطت هذا المخطط بدعم شعبي شامل رافض للتقسيم او لتهميش العراق، لذلك اقترنت الهزيمة العسكريةالامريكية في العراق بهزيمة مشروع تقسيم العراق او تقزيمه وتهميشه. من هنا فان خطة اوباما ادخلت تعديلات تفصيلية وليست جوهرية على خطة المحافظون الجدد، من اجل قبولها باقل معارضة ممكنة.

 

2- ان المطلوب امريكيا الان هو اسقاط صيغة المحاصصة التي جاء بها جورج بوش، المهترئة والفاشلة، والتخلص من اغلب رموزها التي دشن الاحتلال وجوده بالاعتماد عليها، والاتيان بوجوه وكتل جديدة بعضها لم يحترق بعد، وزج قوى مناهضة للاحتلال في العملية السياسية المحسنة والمجددة، بما في ذلك فصائل من المقاومة. واستنادا لذلك دعت تركيا، وبالتنسيق مع ايران وامريكا، في مطلع عام 2009 جهتان تقولان انهما تمثلان السنة والشيعة وتعارضان الاحتلال، الجهة السنية ارسلت موفدها وهو الناطق الاعلامي باسمها من الاردن سرا، والشيعية، ارسلت ممثلها من طهران علنا وهو مقتدى الصدر،، واجرت تركيا محادثات معهما حول صيغة جديدة لحل ازمة العراق تقوم على اشتراكهما في العملية السياسية المحسنة القادمة بعد انتخابات 2010، الى جانب عدد كبير جدا من الكتل الصغير الاخرى. ثم زار وفد من فصيل اسلاموي سني تركيا ورتبت تركيا له لقاء مع الامريكيين جرت خلاله عملية اطلقت عليها تسمية  (مفاوضات) وكانت في الواقع عملية مخابراتية امريكية لاحتواء منظم واعداد منظم لجهة تشترك باسم المقاومة في العملية السياسية المحسنة.

وجاء كشف تلك الاتصالات هذا العام عن طريق احدى الفضائيات مقصودا (من قبل امريكا طبعا) ليكون استفزاز للقوى الوطنية وفصائل المقاومة الوطنية والقومية والاسلامية التي رأت في تلك الخطوة جزء من محاولات منظمة اخرى لاشعال الفتن بين فصائل المقاومة من جهة، ولدفع فصائل اخرى لطلب اللقاء مع الامريكيين بواسطة تركيا بدافع الغيرة والتنافس الحزبي الطفولي من جهة ثانية.

وينبغي هنا الانتباه الى نقطة بالغة الحساسية وهي ان اتصالات تركيا قد تمت على قاعدة الوضع القائم اي على اساس طائفي عرقي وليس على اساس وطني عام، فقد دعي تيار طائفي شيعي عن طريق ايران ودعي تيار طائفي سلفي سني مباشرة، وفي ذلك مؤشر لا يخطأ الى اصرار امريكا ومن تخوله للعمل في اطار فولاذي صارم هو اطار المحاصصات الطائفية العرقية ورفض التفاوض مع قوى وفصائل وطنية غير طائفية. كما ان اطرافا عربية مخولة من امريكا ومتعاونة مع تركيا في هذا الاطار قامت بنفس الخطوات : العمل مع كتل طائفية بصفتها كتلا طائفية من اجل التوصل الى صيغة لن تكون سوى التطبيق المحسن لنظام محاصصات بوش الابن وممثله الرسمي بريمير.

اما القوى السياسية والفصائل المقاتلة ذات الهوية الوطنية والقومية، والتي تنفرد بتمثيل كل مكونات الشعب العراقي، فلم يتم تجاهلها فقط بل انها اخذت تواجه حلقة جديدة من مخططات التأمر عليها، وفي هذه الحلقة نلاحظ وجود مخطط شامل ومدروس بدقة، ويشارك فيه اكثر من طرف، لتفتيتها واشعال الفتن بينها واحتواءها بأسم االتوحيد تارة، وباسم التكفير والانفراد با لسلطة تارة اخرى! ورغم دعوة احد ممثلي تلك الفصائل الوطنية والقومية الى تركيا لحضور مؤتمر لدعم المقاومة فانه لم يقم باكثر من القاء كلمة في حين ان الاخرين من الكتل الاسلاموية دخلوا غرفا سرية للتفاوض مع تركيا حول صيغة المحاصصة الجديدة. ولتوضيح الصورة الحقيقية اكثر نقول بان السفير الامريكي في العراق حينما روجت اشاعات كاذبة بعد الانتخابات الاخيرة تقول بان (امريكا نادمة على غزو وتدمير العراق وانها تعمل من اجل المساعدة على عودة البعث للسلطة) رد بقوة وغصب على هذه الفرية : انها معلومة تافهة وسخيفة اذ كيف نضحي بالاف الجنود ومليارات الدولارات ونسمح بعودة البعث للسلطة؟ نحن من اسقط البعث وليس من المنطقي ان نعيده او نساعد على ذلك.

لكن هذه الاشاعة لم تكن صادقة الا من ناحية واحدة وهي استخدام تسمية البعث، فالادارة الامريكية واطراف عربية معروفة تريد اشراك تجمع في العملية السياسية المحسنة يتستر زورا باسم البعث، مع الافراغ التام لهذا التجمع من كل ما يمت للبعث من صلة بالمبادئ والنقاء الوطني والقومي والاشتراكي. كما ان الخطة تتطلب اشراك اكبر عدد ممكن من الاسماء والكتل حتى لو كانت مما يسمى (حزب الشخص الواحد) من اجل اضفاء طابع التنوع والجدة وطمس الرائحة العفنة لمن تعاون مع الاحتلال بالاصل من جهة، ولضمان تحقيق اكبر تشتيت وتوزيع ممكنين للولاءات الشعبية العراقية السياسية والطائفية والعرقية والايديلوجية والمالية، على ان يتم ذلك التشتيت للجماهير على حساب القوى الوطنية المترفعة على الطائفية والعرقية والفساد المالي والخيانة الوطنية بحرمانها من جماهير كان يجب ان تكون معها وتدعمها من جهة ثانية. انه العزل المنظم للقوى الوطنية وفصائل المقاومة الوطنية والقومية وغير الطائفية، سواء كانت بعثية او غير بعثية. والسؤال هنا هو ماذا نسمي ذلك؟ انه اجتثاث البعث بصيغته المعقدة والمدروسة والمحسنة والتي فرضها فشل الاجتثاث المباشر الفج والمرفوض. واجتثاث البعث في العراق هو في الواقع والتطبيق العملي اجتثاث لعروبة العراق ويبدأ ذلك بتصفية، او شيطنة، الحزب العروبي الجماهيري الوحيد في العراق.

يتبع..........

salahalmukhtar@gmail.com

منتصف اب 2010

شبكة البصرة

الخميس 9 رمضان 1431 / 19 آب 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط