بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة العاشرة : لغم المحاصصة المحسنة - 3

لتكن قوسك مهيأة ولكن أجَل إطلاق السهم

مثل صيني

شبكة البصرة

صلاح المختار

ومما يزيد من اصرار امريكا والصهيونية وايران وانظمة عربية، خليجية وغير خليجية، على ابقاء العراق مقزما ما حصل بعد عام 1991، فلقد شهدت الفترة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال ردعه وضغطه محاولة امريكية رسمية لاقامة نظامين في منطقتنا احدهما النظام الاقتصادي الاقليمي لكي يكون جزء من (منظمة التجارة العالمية) وظاهرة العولمة، تقرأ عمليا الامركة، وثانيهما نظام اقليمي سياسي يضم الاطراف التي ذكرناها مدعوما بمنظومة عسكرية شاملة، على جثة الجامعة العربية والهوية العربية. ولكن لا النظام الاقتصادي الاقليمي قام ولا النظام السياسي الاقليمي انبثق، فما السبب؟

هناك حقيقة معروفة لدى الساسة ورجال الاعمال وهي ان راس المال لا يأتي الا بتوفر الاستقرار والامن، وكان الاستقرار الاقليمي مفقودا تماما بعد العدوان الثلاثيني على العراق (1991) واحتدام الصراع، بين حركة التحرر الوطني العربية وطليعتها العراق مقابل امريكا والصهيونية ومن معهما، بدل زواله او تراجعه نتيجة الحرب على العراق وتدميره في عام 1991، والتي صممت لانهاء معارضة العراق ومقاومته للمشاريع الاستعمارية والصهيونية.

ان راس المال اي راسمال - جبان لا يعمل الا في ظل الاستقرار وضمان ماله ومصالحه، وبما ان اكمال الانبطاح العربي للكيان الصهيوني وامريكا، وهما الشرطان الاساسيان لقيام نظام بديل عن الجامعة العربية يتخلى عن الهوية العربية والوجود العربي ويقوم على هوية اقليمية تتجاوز القومية العربية، كان مستبعدا في ظل وجود عراق قوي كان مازال متمسكا بتحرير فلسطين ورافضا للحلول الاستسلامية ومواصلة سياسته الاقتصادية التحررية المستقلة خصوصا في مجال النفط، فان امكانية اقامة نظامين جديدين اقليميين اقتصادي وسياسي كانت معدومة. لذلك فان جوهر المخططات الامريكية والصهيونية والايرانية قام على قاعدة ثابتة وهي ان تدمير العراق وتفتيت مصادر قوته واهمها هويته العربية ومفهوم ونظام الدولة المركزية والقوية هو الشرط الحاسم والمسبق الذي يمهد لاقامة نظام اقليمي جديد تماما لا مكان للعرب فيه الا كتوابع مهمشين بينما تلعب الاطراف غير العربية الدور الفعال فيه تحت الزعامة الامريكية.

7 ان تهميش العراق وتسييد مصطنع لليبرالية والفدرالية فيه يراد به التذويب التدريجي لهوية العراق بصفته قطرا عربيا فيه اقليات قومية ودينية، بتحويل القومية العربية من قومية تشكل اكثر من 85 % من سكانه الى مكون واحد من بين مكونات اخرى بحجمه او قريبة منه، لذلك فان الاحتلال الامريكي وافق، بل وشجع، على قيام ايران بادخال ملايين الفرس والاكراد من ايران وتركيا ومنح ابراهيم الجعفري باعترافه حينما كان رئيسا للوزراء الجنسية العراقية ل 5 ,2 مليون غير عراقي، بالاضافة للذين دخلوا عن طريق الزعامات الكردية الى شمال العراق من ايران وتركيا وسوريا ولبنان واوربا وغيرها لزيادة عدد الاكراد. ان الهدف الرئيسي لهذه التغييرات السكانية هو تذويب الهوية العربية للعراق تنفيذا للمخطط الاصلي للاحتلال. وعزز ذلك بمحاولة تقسيم العرب الى سنة وشيعة كي تنخفض نسبة العرب وتصبح 20 % بدل 85 %، كما ادعى الاحتلال الايراني ودعمته امريكا والكيان الصهيوني بقوة، وهو هدف واضح في عراق ما بعد الغزو.

لقد قسم الشعب الى ثلاثة كتل : اكراد وشيعة وسنة، واختفت تسمية العرب من قاموس العراق المحتل! وتكررت كذبة غير مدعومة باي احصاء ببساطة لانه لم يحصل اي احصاء على اساس طائفي - تقول بان العرب السنة يمثلون بين 20% و40 % من المسلمين في العراق في حين رفع اسم العرب عن الشيعة وصارت تسميتهم تنسب للطائفة بدل قوميتهم، وهم عرب اصلاء كانوا عربا قبل الاسلام وما زالوا عربا وسيبقون عربا رغم انف امريكا وايران.

 

ما معنى هذا؟ انه يعني امرا رئيسيا خطير وهو ان الطائفية تستخدم كاهم سلاح في تقسيم العراق لان وحدة عرب العراق تحّيد تلقائيا وبصورة حتمية الجيب الصهيوني الانفصالي في شمال العراق وتشكل السد الاعظم الذي تتكسر عليه موجات التقسيم والشرذمة، ومن ثم فان الكتل الطائفية من مختلف الطوائف تعد الاحتياطي الستراتيجي الاكثر اهمية لامريكا والصهيونية وايران حتى من الجيب الصهيوني في شمال العراق. وهذه الحقيقة تترتب عليها حقيقة اخرى وهي ان الجهد الرئيسي للتحالف الشرير الامريكي الصهيوني الايراني ينصب على اختراق الكتل الطائفية والامساك بها بقوة وعدم السماح لاي معتدل فيها بالبروز ودفع المتطرفين من الطرفين لاحتلال موقع صنع القرار لضمان وجود فتن طائفية في العراق تفجر مقومات قوته وتبددها بصورة دورية ومنتظمة.

وهنا لابد من التأكيد على ان استخدام الكتل الطائفية لا يقتصر على الكتل التابعة للاحتلال بل هو يشمل، ويتركز اكثر، منذ عام 2006 على من يعارض الاحتلال منها، لانها اخطر من عملاء الاحتلال اذا تمسكت هذه الكتل الوطنية بطائفيتها وبقيت عبدة لها تحركها بقوة لا تضاهيها قوة الوطنية والقومية.

8 هنا نصل لحقيقة خطيرة ومركزية وهي ان المال العربي بالنيابة عن امريكا قد لعب دورا خطير وتخريبيا في افساد عناصر كثيرة في المقاومة العراقية، فهذه المقاومة الفريدة التي انطلقت من رحم الشعب ومناضليه الاوفياء بعد اعداد طويل عسكريا ووطنيا وقوميا واسلاميا قامت به قيادة البعث، خصوصا منذ عام 1991، فوصفت ب(اليتيمة) لانها اعتمدت على مواردها الذاتية في البداية، لكن شيطان المال العربي والامريكي تدخل بقوة ليس لشراء شيوخ وكتل شكلت الصحوات فقط، بل ايضا، وقبل واهم مما سبق، لاجتذاب عناصر وبعض الفصائل في المقاومة الى مائدة المال!

لقد ردت انظمة عربية معروفة على تصاعد المقاومة المسلحة وتبلور دورها كقوة قادرة على تحرير العراق بتنفيذ مخطط امريكي خطير وهو تقديم دعم مالي لعناصر من فصائل اسلاموية فقط، واغراقها بالمال لدرجة ان (المجاهد) من هؤلاء كان لديه مال فائض كان يوزعه على من يريد، وتدريجيا بدا التحول الخطير، فالمجاهد الفقير ماديا والذي كان يعتمد على تبرعات شحيحة للقيام بعملياته، وكان يتقدم للاستشهاد والجنة هي محركه الوحيد، اخذ يعتاد على المال والرفاهية، ولم يعد يبذل جهدا كبيرا في البحث عن متبرعين عاديين بالمال بل زاد اعتماده على المال الخليجي حتى جاء يوم اصبح الاعتماد عليه كليا، وهنا وصلت امريكا الى ماكانت تريده وهو رهن هذه العناصر، وليس الفصائل، لمن يدفع المال لان هذه العناصر لم تعد قادرة على الاستغناء عنه.

عندها تبلورت ظاهرتين خطيرتين، الظاهرة الاولى ان المجاهد القديم المحب للاستشهاد صار يحب الحياة ويتجنب تنفيذ عمليات جهادية كما كان يفعل، وهذه الحالة انسحبت على المتطوعين الجدد الذين وجدوا المال بانتظارهم فاعتمدوا عليه اولا بصفته عاملا يسهل العمل الجهادي لكنه بمرور الزمن تسربت اليه الرفاهية فاصبحت لدى مجاهدين سيارات وزوجات وبيوت واطفال واقارب واتباع يجب ان يصرف عليهم من مال المقاومة! والظاهرة الثانية انه بفضل المال غطي نقص او انعدام عمليات نتيجة تراخى وترف وتبطر فلجأ هذا النوع من المجاهدين الى طريقة شيطانية لاخفاء تركه للجهاد وهي شراء افلام تصور عمليات ضد قوات الاحتلال قامت بها فصائل اخرى فقيرة، وهي فصائل وطنية وقومية واسلامية غير تكفيرية، ولا تملك مالا لان الانظمة العربية تحاربها وترفض دعمها، فاخذ التزوير ينتشر لدرجة ان احدى العواصم العربية تتحدث علنا عن قصة مؤلمة جدا وهي ان المخابرات في ذلك القطر استدعت ممثل احد الفصائل وسألته عن مصدر فيلم لعملية ضد الاحتلال بث باسم فصيله مع بيان، فقال انه فيلم صوره فصيله، فما كان من ضابط المخابرات الا ان يقول له اذن شاهد ما يلي، فعرض نفس الفيلم ولكن بدون اسم الفصيل الذي بثه، وقال له اليس عيبا ان تنسبوا هذا الفيلم لكم وهو من اعمال فصيل اخر باعه لكم!؟

اننا اذ نكشف عن ذلك الحال المدمر لبعض الفصائل فلكي نوضح، ولا نشهر بدليل اننا تجنبنا ذكر اسماء وهي لدينا، مخاطر الاعتماد على مال انظمة عربية كانت اداة غزو وتدمير العراق وهي عملت وماتزال تعمل تحت امرة امريكا على تفتيت العراق، وهذه حقيقة تعرفها العناصر التي تقبض المال من تلك الجهات ولكنها تتناساها لان اثر المال اصبح اقوى من الجهاد ومقاومة الاحتلال. بل ان تلك العناصر دخلت في صراعات داخلية عنيفة فيما بينها وحصلت انشقاقات كثيرة وكان السبب الحقيقي ليس الخلافات الايديولوجية او السياسية بل الاختلاف حول توزيع المال والحصص!

لا تقلقوا من الصحوات فهي نتاج مباشر ورسمي للاحتلال وهي تحتضر نتيجة انتهاء دورها في توجيه ضربات مؤلمة للمقاومة، وتجاوز المقاومة لتلك الضربات بقوة واقتدار، بل اقلقوا من (مجاهدين) افسدهم مال انظمة خليجية لدرجة انهم لم يعودوا يهتمون باخفاء مصادرهم المالية، وتخلوا عن الحذر والحيطة وصارت لهم فلل وسيارات فارهة وحراس وحضور افراح واتراح في موكب لا يرافق الا مسئولين كبار في دول، واخذوا يقدمون المال لصحفيين وكتاب من اجل امتداحهم ومهاجمة من يريدون، وكثرت مقارهم العلنية في اكثر من عاصمة وبلد، وتضاعفت جولاتهم المكوكية وغير المكوكية في العالم، كل هذا وهم كانوا بسطاء جدا من الناحية المالية قبل الغزو! ان ابرز مثال مؤلم لهذه الحالة هو احد قادة فصيل اسلاموي، وكان منظّره الاول ومفتيه ومرجعه الفقهي، لكنه صار جزء من العملية السياسية ومن ابرز المتعاونين مع الاحتلال الامريكي ومع الاحتلال الايراني بنفس الوقت بعد ان اصبح همه الرئيسي شراء الفلل والعمارات علنا.

هذا هو الانتصار والاختراق الحقيقيين اللذين حقتتهما امريكا من خلال انظمة عربية قدمت بسخاء المال لفصائل وافراد محسوبين على المقاومة فصاروا عبئا عليها ثم تحولوا الى اداة لشرذمتها من خلال تكفيرهم للاخرين وتسخير مالهم لمهاجمة من بقي يجاهد معتمدا على مال شحيح هو تبرعات ابناء الشعب العراقي. وطبعا امريكا حاضرة بقوة في كل ذلك رغم ان المال يقدم مرة باسم رجل اعمال بخيل لا يقدم دولارا واحدا لمحتاج، ومرة اخرى من حكومة خليجية همها الاول هو مواصلة تدمير العراق بكافة الطرق.

ان السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو : هل يمكن تصور قيام نظام بدعم المقاومة وهو من سخر ارضه وسماءه ومياهه وماله لتدمير العراق؟

9- ولضمان تكريس التفتيت وتحوله الى ظاهرة دائمة فان الخطة الامريكية الصهيونية الايرانية المشتركة تقتضي ربط الكتل العراقية المتناثرة والصغيرة، الاسلاموية والعلمانية او تلك التي تمثل راس المال العراقي المنهوب من العراق، ليس فقط بمصالح ذاتية داخل العراق بل ايضا ربطها بمصالح علاقات تجارية قوية مع انظمة عربية ومع ايران وتركيا والاتحاد الاوربي وامريكا، وهكذا تكون الكتل الصغيرة تابعة بقوة وبصلات عضوية لقوى خارجية ومتمتعة بقدرات مالية كبيرة كافية لتحقيق الافساد المنظم للناس الذين سيتعرضون للتجويع المخطط والمنظم لضمان ابتزازهم وجرهم الى الارتهان لسباق الحياة والموت في ظل الافقار المنظم والازمات الدورية المنضبطة.

ان العراق بهذا الترتيب سوف يتحول الى ساحة لتصارع مصالح متنافرة واحيانا متقاتلة بين دول المنطقة والعالم، وسيكون لكل كتلة داخل العراق داعم خارجي ماليا وسياسيا وربما عسكريا، وتلك هي بداية انتحار العراق وزواله من الخارطة اقليمية. اليست تلك النهاية مطابقة لنهاية بابل كما رسمتها الادبيات الصهيونية؟ اليس ذلك هو تحقيقا لقسم النخب القومية الفارسية بالانتقام من العراق الذي حطم امبراطورية فارس؟

يتبع........

salahalmukhtar@gmail.com

منتصف اب 2010

شبكة البصرة

الخميس 16 رمضان 1431 / 26 آب 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط