بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسائل التبصير : كشف الغام التحرير

الرسالة العاشرة : لغم المحاصصة المحسنة - 4

لتكن قوسك مهيأة ولكن أجَل إطلاق السهم

مثل صيني

شبكة البصرة

صلاح المختار

استنتاجات ودروس ثمينة

ان وظيفة الكتابة الملتزمة هي التوصل، من خلال التحليل والمعلومات والمواقف العملية والسياسات الرسمية والفعلية، الى دروس وعبر وافكار متبلورة تفيد في انارة الطريق للعاملين من اجل تحرير العراق، وفيما يلي اهم ما توصلنا اليه عبر تحليل معطيات الواقع العراقي والعربي والاقليمي والعالمي:

1 ان تقزيم ثم تقسيم العراق، كانا ومازالا وسيبقيان، يقومان على شرذمة وتجزئة القوى السياسية، والكبرى منها بشكل خاص، سواء كانت وطنية او متعاونة مع الاحتلال، لان ذلك وحده هو الذي يحول القوى العراقية من قوى مؤثرة، خصوصا اثناء الازمات الكبرى والحسم، الى تكتلات وجماعات مهمشة وضعيفة ان كانت تستطيع المناورة فانها عاجزة عن تقرير مسار التطورات. وتلك هي اهم مقدمات التقسيم بعد اكمال ضرورة التقزيم لفئات متناحرة عاجزة عن التحكم بسلوكها ومواقفها، والاهم والاخطر انها لا تستطيع تحقيق اي نوع من انواع الوحدة الفعلية والفعالة فيما بينها حتى حينما تدرك ضرورتها.

 

2 ان اشاعة روح الصراع والتنافس، تحت اي ذريعة او سبب منطقي او غير منطقي وعلى اسس غير وطنية، بين هذه الكتل الصغيرة، تغذيها ليبرالية زائفة مزروعة باصطناع واضح جدا وفدرالية مصممة للتقسيم، هو احد اهم تكتيكات اجهزة مخابرات الاحتلال الامريكي الايراني، ولذلك نرى هذه الاجهزة تدعم وتشجع كتل متناقضة كليا، وبعضها يبدو بصورة علنية ورسمية مناهضا للاحتلال بقوة.

 

3 لا يقتصر الجهد المخابراتي على دعم العملاء فقط بل ان الجهد الرئيسي للمخابرات انتقل منذ هزيمة الاحتلال في الفلوجة في عام 2004 من دعم العملاء بشكل اساسي واستخدام القوات المسلحة ضد المقاومة الى دعم وتنفيذ خطة مخابراتية تقوم على اختراق وشرذمة من تستطيع من المقاومة والقوى الوطنية وشيوخ عشائر ورجال دين وشخصيات معروفة، عن طريق استدراج هؤلاء، عبر وسطاء عرب او عراقيين غالبا، لقبول الدعم المالي من الوسطاء في المرحلة الاولى لتجنب استفزازهم بدعوتهم للتعاون مع المخابرات الامريكية او الايرانية مباشرة. وذلك الدعم يقدم بلا شروط واضحة في البداية ويتم تحت تسميات متعددة منها (المساعدة على تخليص العراق من الكارثة)، لكن ما ان يتعود شخص او كتلة على المال العربي ويصبج جزء اساسيا من عناصر قوته حتى تبدأ عملية فرض شروط او تقديم اوامر بصيغة (مقترحات) تتعلق كلها بصورة العراق المنتظر وبالموقف من فصائل المقاومة والقوى الوطنية الاخرى.

ويتم ذلك بتنمية الانا الحزبية او الكتلوية او الشخصية وجرها لطرح نفسها كبديل عن الجميع سواء مباشرة او سرا، واغراءها بوعود معسولة لكنها كاذبة بتسليمها السلطة او جزء منها، وهكذا تتحول عناصر وطنية وربما مقاومة للاحتلال الى عناصر تحركها المصالح والانانية الفردية والحزبية، ويتحول الدعم (غير المشروط) في البداية الى دعم مشروط في النهاية. ان النتيجة المنتظرة من هذا العمل المخابراتي هي زرع الشكوك وروح العدواة وربما الصراع بين وطنيين ومقاومين.

 

4- ان قرار المخابرات الامريكية والبريطانية والفرنسية دعم خميني قبل اسقاط الشاه تبلور بعد دراسات طويلة لشخصيته واكتشاف عيوبه الذاتية واستغلالها للتأثير غير المباشر عليه، مثل :

أ- تطرفه الطائفي، واحد اخطر مظاهره تكفير من لا يؤمن بالامامة واخراجه من ملة المسلمين وتبشيره بان النار مثواه الدائم مع ان من لا يؤمن بها هم الاغلبية الساحقة من المسلمين، هذا التطرف الطائفي يضمن اشعال حروب طائفية بين المسلمين تحول الصراع الرئيسي والطبيعي من صراع تحرري الى صراع طائفي.

ب- ونزعته الديكتاتورية واعتقاده الراسخ بانه القائد الوحيد القادر على تحقيق التغيير ليس في ايران فقط بل في العالم كله، وهذا ما سيجعله يصطدم بقادة اقوياء داخل وخارج ايران، وهو امر مطلوب امريكيا وبريطانيا وقتها.

ج- اصابته بمرض التمحور حول الذات وعدم الاعتراف بغيرها، وهو مرض من امراض تثبيت مرحلة الطفولة وعقليتها وسلوكها لدى كبار السن ولذلك فانه مرض خطير جدا عندما يصاب به الكبار لانه يجعل المريض يعتدي ويبادر بالعدوان لكنه يصرخ : لقد تم الاعتداء علي! ويرفض الاعتراف بانه من بادر واعتدى رغم كل الشواهد.

د- طبعه الحقود ولؤمه تجاه من يختلفون معه مما يجعله اسيرا لعواطفه السلبية عند تقرير مواقفه السياسية وهو امر اخر مطلوب من قبل نفس الجهتين لضمان زج العمل السياسي في ازقة ضيقة وخانقة لان الحقد واللؤم صفتان تستبعدان اي تعاون مع اخر يختلف معه او كان لديه معه خلافات سابقة.

ه- كرهه الشديد للعرب وهو امر مطلوب بشدة لانه يؤدي الى اشعال صراعات وحروب مع العرب واشغالهم بخميني وتهديداته بدل التفرغ للكيان الصهيوني والامبريالية الامريكية داعمه الرئيسي.

و- سهولة التأثير عليه من قبل من يثق بهم، وهو امر مطلوب لدفع خميني لاتخاذ قرارات تخدم الغرب والصهيونية دون ان يقصد ذلك....الخ.

هذه الطباع الشخصية نمتها وشجعتها المخابرات الاجنبية لدى خميني عن طريق مساعديه وليس مباشرة، لان خميني وبحكم تكوينه الشخصيي النرجسي غير صالح ليكون عميلا، فكان ذلك هو البوابة التي دخلت المنطقة كلها منها الى ساحات الحروب والازمات بدل ان تتجه الثورة الايرانية الى شن حروب فعليه ضد امريكا والغرب والصهيونية كما ادعت في البداية.

وابرز اعوان خميني الذين نفذوا خطة التأثير عليه كان صادق قطب زادة الذي كان اقرب مساعديه وعينه بعد اسقاط الشاه وزيرا للخارجية وكان اهم قنواته لمعرفة العالم والمواقف وعن طريقه تم تحديد الكثير من خياراته واتجاهاته، ثم اعدمه خميني فيما بعد بتهمة العمالة للمخابرات الامريكية في تأكيد رسمي لحقيقة ان المخابرات الغربية لاتشترط عمالة من تدعمه بل يكفيها قناعتها بانه جاهز لتحقيق اهداف جوهرية لها بحكم طباعه ونزعاته الفردية.

ومعرفة طباع خميني من قبل المخابرات الغربية كان احد اهم اسباب دعم ما سمي ب (الثورة الاسلامية) في ايران من اجل جر المسلمين الى حروب طاحنة واجهاض مشروع الثورة الايرانية بتحويل الثورة من ثورة ضد الغرب والصهيونية الى حروب ضد العرب وفتن عدوانية بين المسلمين، وهكذا اصبحت شعارات خميني (الموت للشيطان الاكبر)، اي امريكا و (الموت للشيطان الاصغر) اي الكيان الصهيوني، شعارات فارغة تخفي التعاون التسليحي بين نظام خميني وهذين الطرفين من اجل غزو العراق.

ولذلك يجب ان ننتبه الان الى الجهد المخابراتي الامريكي والايراني الذي يبذل منذ سنوات لاستغلال عيوب شخصية ونزعات سلبية لدى عناصر قيادية (وطنية) عراقية، مثل حب السلطة والتسلط ونزعة التزعم المتطرفة ومرض اقصاء الاخرين والحقد على من يختلف معهم بطريقة تمنع التعاون حتى لو كانت المصلحة الوطنية العراقية تحتم ذلك. وتلعب خطة تنمية وتشجيع بروز مرض تثبيت الطفولة لدى من اصيب به دورا مهما جدا في عمل تلك المخابرات لاجل استغلاله في اشعال مهاترات وخلافات من المستحيل حلها نتيجة تمسك (الطفل الكبير) باعتقاده (الصادق) بانه معتدى عليه وعلى الاخر الذي رد على عدوانه الاعتذار منه! كل ذلك من اجل بث الفرقة وابقاء الصراعات بين القوى الوطنية الوطنية وفصائل المقاومة بدل توحيدها، وصولا لتحويل الثورة العراقية من ثورة تحررية الى نزاعات بين زعماء او فتنة طائفية.

ولكن لحسن الحظ فان تلك الشخصيات العراقية لا تملك مواصفات خميني التأثيرية لانها ضعيفة ولا تملك مقومات القيادة الحقيقية، وهذه الحقيقة تجعل وظيفة تنمية طباعها السلبية محدودة الاثر مقارنة بما قام خميني من اعمال خطيرة ومدمرة.

 

5 تركز المخابرات الاجنبية والعربية في عملها، بالاضافة للعناصر التكتيكية الاخرى التي ذكرناها، على العمل المخطط والمستمر والستراتيجي الطبيعة على ابراز الهويات السابقة للوطنية والقومية مثل العشائرية والطائفية والعرقية والنزعات الفردية والمصالح المادية الفئوية واحياء وتعزيز ثقافاتها لتصبح المحرك الرئيسي لهذه الكتل وترك المحرك الطبيعي والاصيل، وهو الهوية الوطنية والقومية المتسامية فوق علاقات ماقبل الامة والضامنة لوحدة الشعب على اسس فولاذية. واذا نجحت هذه الخطة كما يخطط الاحتلالين الامريكي والايراني فان العراق لا يقزم فقط بل سيتحول التقزيم الى المسار الطبيعي للتقسيم. ان فرض الانتساب لعلاقات ما قبل الامة والوطنية واستمراره لفترة ما، في بيئة الكارثة المسيطر على تطورها، يخلق قاعدة فكرية ونفسية جديدة تنقلب فيها القيم السائدة ويصبح ماكان مرفوضا مقبولا.

وثمة حادثة تعبر عن خطورة ايقاظ علاقات ما قبل الوطنية لفتت انتباهي وهي ان احد حملة الدكتوراه من اصدقائي الاكاديميين كان يرتدي ملابس عصرية ويفتخر بشهادته وعلمه وانتماءه لامة ووطن ويتظاهر كما ثبت فيما بعد برفض العشائرية وقيمها وتقاليدها لكنه بعد الغزو اخذ يلبس اللباس العربي التقليدي ويستخدم لقب (الشيخ) ويفضله على لقب دكتور، لان الموجة التي اجتاحت العراق المحتل هي الاحياء المبرمج لعلاقات ما قبل الامة والوطنية ومنها العشائرية، وفي اطار التقاليد العشائرية فان لقب (شيخ) اهم وارجح بكثير من لقب دكتور لان الشيخ نظريا يتزعم كل ابناء عشيرته بما في ذلك حملة الشهادات العليا. وبسبب عقدة النقص التي ركبت الكثيرين قبل الغزو تجاه سمو اللقب العلمي بفضل مكونات عصر الوطنية والقومية والحرص على امتلاك ثقافة العصر الحديث ومنها التقدم العلمي والتكنولوجي، اخذ كثير من الشيوخ وغير الشيوخ يشترون الشهادة غالبا من سوق مريدي، الذي يزور الشهادات العراقية وغير العراقية ويبيعها لمن يريد ومن جامعات تجارية تبيع الشهادة، لتغطية النقص التقليدي، وللجمع بين وجاهة العشيرة وابهة اللقب العلمي وقام بعضهم باضافة لقب دكتور للقب الشيخ لسد الشعور النقص.

هذا الصديق لم يعد يستخدم لقب الشيخ منذ عام 2009 وعاد للاكتفاء بلقب دكتور وحينما سألته لم فعل ذلك؟ قال ان كل من هب ودب حتى الشحاتين اخذوا يستخدمون لقب شيخ دون وجود جهة تنظم هذا الامر، فكيف احمل لقب يحمله شحاذ او شخص تافه؟! ويجب ان ننتبه الى ان هذا التغيير الايجابي، وهو رفض اللقب العشائري، حصل بعد تراجع المد العشائري وعودة الروح الوطنية والقومية، كما يجب ان نلاحظ بان الاحتلال شجع افراد العشيرة على التمرد على الشيخ الحقيقي للعشيرة اذا لم يتعاون معه، ودفع شحاتين واشخاص تافهين لحمل اللقب وقدم لهم المال من اجل شق العشيرة على اساس ان من بين شروط المشيخة امتلاك المال الذي به يفتح المضيف ويستقبل افراد العشيرة وغيرهم.

ان الاستخدام المفرط للقب شيخ من قبل كل من هب ودب ودون اسس او مشروعية يعكس ويجسد المحاولات الخطيرة للاحتلال لاعادة العراق الى عصر ما قبل الامة والوطنية، وهي محاولة حدد مسارها بقوة وهو مسار الغاء الهوية القومية العربية واحلال علاقات متخلفة ورجعية محلها كالعشائرية، كي تقوم بالتفتيت التدريجي لهويتنا الوطنية والقومية وهما مصدر تلاحمنا العضوي وقوتنا ووحدتنا وتقدمنا.

 

6 من وضع هذا المخطط؟ ومن يقوم بتنفيذه؟ انه التلاقي الستراتيجي، وليس التكتيكي كما يظن او يقول بعض السذج، بين امريكا والكيان الصهيوني من جهة وايران من جهة ثانية حول هدف مشترك وهو تذويب الهوية القومية العربية وانهاء الوجود العربي. فامريكا لها مطامع امبريالية في الارض والثروات العربية وفي مقدمتها النفط، وعند وصول (المحافظون الجدد) لمركز صنع القرار اضافوا للهدف الامريكي الامبريالي هدفا توراتيا قديما وهو الانتقام من بابل وابادة اولاد اسماعيل، وهو هدف تبناه بوش الابن، وذلك بفرض ازالة او اضعاف الرابط الارقى والاقوى والانسب للعصر وروحه، لكونه رابطا عضويا وليس رابطا سياسيا او عاطفيا، وهو القومية العربية، والذي ضمن ديمومة الهوية العربي عبر الاف السنين رغم محاولات محوها من قبل الفرس بشكل خاص. ومن هذه الحقيقة التاريخية نفهم اسرار التلاقي الستراتيجي الامريكي الصهيوني مع ايران حاليا، لان ايران لها ثأرات مع العرب اقدم من ثأرات الصهاينة وتبلورت قبل قيام امريكا بالاف السنين وقبل خروج اوربا من غابات الهمجية والعزلة بمئات السنين، ان المثال البارز على ذلك التلاقي الستراتيجي اليهودي الفارسي تاريخيا هو قيام كورش امبراطور الفرس بتدمير بابل لانقاذ اليهود من الاسر فيها.

وهنا يجب التنبيه لخطأ شائع بين مثقفين كثر وهو تبعية المادية التاريخية للمادية الجدلية وترجمة هذه التبعية تقول بان التاريخ يحركه الاقتصاد، ان ذلك خطأ كبير ومضلل في واقع الحال لانه يتجاهل حقيقة واقعية وهي ان المكونات الحضارية - النفسية والثقافية - اقدم واعمق في النفوس من ظهور الرأسمالية والنظام الامبريالي الغربي الذي كان ومازال هدفه الاساسي هو نهب الثروات بالغزو، وما جرى ويجري في العراق المحتل اكد ان تلك المكونات الحضارية والتاريخية تلعب دورا رئيسيا في الحروب بين الامم، وليس الاقتصاد فقط. فقد كان بامكان امريكا ان تنهب العراق دون تدمير الدولة ومحاولة تدمير المجتمع ومحو الهوية كما نرى الان، لكن اصبع (المحافظون الجدد) كان موجودا بجوهره الصهيوني التوراتي فدفع الى تدمير (بابل الحديثة) اي العراق - واعدام من صورت التوراة وغيرها من الكتب اليهودية انه (مدمر اسرائيل الجديد المنتظر) ، اي الرئيس الشهيد صدام حسين، وذلك ليس سرا بل نشر علنا.

والتحالف او التلاقي بين هذه القوى الثلاثة (الامبريالية الامريكية والصهيونية العالمية والامبريالية الايرانية) كانت له مصلحة قبل النهب في تدمير العراق، كقوة حضارية لها هوية قومية مميزة، اما لازالة (خطر بابل الجديدة) ونهب الثروات، او للانتقام من العرب الذين دمروا الامبراطورية الفارسية ونشروا الاسلام فيها على انقاض الامبراطورية والديانة الزردشتية. انه مزيج (خلاق) من النهب الامبريالي والانتقام التاريخي الصهيوني والفارسي ذلك الذي كان وراء قرار تدمير العراق.

يتبع............

salahalmukhtar@gmail.com

منتصف اب 2010

شبكة البصرة

السبت 18 رمضان 1431 / 28 آب 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط