|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
قرائة نقدية في ثقاقة المقاومة وثقافة الاستسلام الاحوازية... |
|
شبكة البصرة |
| معمر الاحوازي |
|
مقدمة: حفلت تجارب التحرر الوطني بمفارقة تاريخية تتعلق بثقافتين عملتا جنباً إلى جنب: ثقافة المقاومة ورفض الخنوع، وثقافة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع. فالتيار الأول يرفع شعاراته الثورية، ويتخذ من الفعل المقاوم طريقا لتحقيق التحرير والاستقلال، يقابله تيار آخر يرفع شعاراته السلمية ويسلك طريق التفاوض والقبول بالمحتل (جزئياً أو كلياً)، ويعتبره طريقاً للاستقلال والتنمية. وقد أثبت التاريخ أن طريق التيار الثاني نادرا ما أوصل البلدان والشعوب إلى أهدافها في التحرر والسيادة والاستقلال فضلاً عن التنمية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي، بل أثبت التاريخ أن هذا الطريق لم يقد إلا نحو الهزيمة وضياع الأوطان ومستقبل الأمم، لأنه في الأساس بُني على ثقافة الهزيمة والرضوخ لمعايير القوة وحسابات الربح والخسارة من منظور فئوي ضيق، يتعلق بجماعة حزبية أو إثنية أو طائفية.. لكنه لم يتعلق في وقت من الأوقات بمنظور تاريخي لمصلحة الشعب وحقه في تقرير مصيره، وبالتالي حصوله على سيادته واستقلاله. وتجربتنا العربية في مقاومة الاحتلال عموماً، والاحوازية خصوصاً، وقعت في نفس المفارقة والتناقض بين ثقافتين: ثقافة المقاومة وثقافة الاستسلام. ثقافة المقاومة وثقافة الاستسلام... قبل ان ندخل في التعريفات نشير بداية إلى مفهوم الثقافة عموماً هي " ما تراكم في الذاكرة واختزنته دونما قصد من علوم ومعارف وخبرات وعادات وتقاليد وأخلاقيات شكلت وعي الفرد وقناعاته وأرائه، ووجهات نظره ومواقفه في الحياة والمجتمع والكون". وكما ينطبق هذا التعريف على الذاكرة الفردية ينطبق أيضاً على الذاكرة الجماعية. أما "المقاومة" فهي "رد فعل طبيعي مشروع، وأحيانا غريزي، على خطر يتعرض له الفرد أو تتعرض له الجماعة يمكن أن يؤذي أو يضر بالمصالح العائدة لهذا الفرد أو هذه الجماعة. فيمكن للإنسان أن يقاوم المرض، أو الرغبة في النوم، كما يقاوم الظلم والاضطهاد والاستعمار والاحتلال. وعندما تذكر كلمة "المقاومة" فإننا نقصد هنا "المقاومة المسلحة" على وجه التحديد، مع أن هناك أشكال عدة يمكن أن تتجلى من خلالها المقاومة، فهناك المقاومة السياسية، والمقاومة الاقتصادية، والمقاطعة وغيرها. ومن هنا يمكننا تعريف " ثقافة المقاومة " بأنها حالة وخبرة تحياها الأمم النبيلة الحية، التي تتصدى للبغي والعدوان، ولذلك فهي تنهض في وجه التحديات عبر مختلف وسائل ومستويات المواجهة، من أبسط آليات وأدوات الكفاح، إلى التحليل الإستراتيجي الثاقب الذي يعطي كفاح الأمم مساراً ورؤية ومعنى، وبالتالي فان ثقافة المقاومة هي حالة استنهاض إنساني تتوجه ضد كل اعتداء على الإنسانية؛ ضد الاحتلال والاستيطان... وهذا التعريف يقودنا إلى نقطة لا يدركها الكثيرون، أن شعارات الأمة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية، ليست من قبيل المكابرة أو (الجعجعة) الشعاراتية، وإنما هي الطموحات الراسخة داخل الوجدان الشعبي، التي لا يجوز القفز عنها أو التلاعب بها، لأنها أكبر من المتغيرات التكتيكية أوالمؤقتة التي تتعرض لها الأمة. في حين لو أردنا تعريف ثقافة الاستسلام أو الهزيمة لقلنا إنها ثقافة القبول بالأمر الواقع، وثقافة السعي إلى مكاسب تكتيكية ومباشرة على حساب مكاسب الأمة الإستراتيجية وعلى حساب مصير أبنائها وأجيالها القادمة، وهي الثقافة القائمة على الفصل في تاريخ الاحواز بين ماضيه وحاضره، وبالتالي جعل المستقبل في مهب الريح، ومهب المتغيرات الدولية والإقليمية، ولا شك أنها الثقافة التي يقودها تيار يدعو إلى التفاوض والسلام دون النظر إلى ماهية هذا السلام. ومن المعلوم أن الفرس ومن يسير في ركبهم من يعمل على نشر هذه الثقافة لدى الشعب العربي الاحوازي الفقير والمضطهد واللذي تعرض للاحتلال وسلبت أراضيه وحقوقه، كما تبذل قصارى جهدها لتعميم ثقافة الهزيمة، وجعلها هي الثقافة السائدة، وتستخدم في سبيل تحقيق هذا الهدف وسائل الاغراء بالمال والمناصب والدعم السياسي وغسيل الدماغ.
كيف نشأت ثقافة المقاومة: لقد ولدت أجيال عديدة من الاحوازيين وتربت وعاشت وعايشت بشكل يومي ولعقود طويلة صنوفا من التآمر والعدوان، ورأت بأم عينها كيف كانت تنفذ مؤامرة اغتصاب الوطن، وعاش معظم شعبنا مرارة التهجير والطرد، وجزء آخر عاش تجربة الشتات والغربة وما زال، وجزء ثالث عاش تجربة الخضوع للاحتلال ومورست عليه كل أشكال الظلم والقتل والاعتقال ولا يزال. وكل ذلك تحقق للمغتصب والمحتل بالقوة المسلحة وبكل أشكال القوة الأخرى، وبالتالي من الطبيعي أن يكون للشعب الاحوازي في هذه الفترة الطويلة ردود فعل متوقعة، فكانت الانتفاضات والثورات المتتالية سمة بارزة في حياة شعبنا حتى أصبحت المقاومة والفعل الجهادي جزءا من ثقافته العامة. وبالتالي يمكن القول أن سلوك العدو الفارسي حتى قبل توسعه على أرضنا في نيسان 1925 وعلى مدى السنوات الماضية تعتبر أسبابا كافية لترسيخ القناعة لدى أبناء الشعب الاحوازي بأن "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ". وهكذا نشأت المقاومة في ضمير الشعب وثقافته منذ تدنيس ارضنا باول قدم فارسي، فمن انتفاضة الغلمان 1925 إلى انتفاضة 1928 المعروفة بانتفاضة الحويزة، إلى انتفاضات 1936 و1940 وصولا إلى 1948 ثورة الشيخ يونس عاصي الطرفي، إلى جبهة تحرير عربستان، إلى عمليات المقاومة المسلحة في فترة 1969-1975. الجبهة الشعبية ولم تتوقف كذلك عمليات المقاومة المسلحة بعد 1979، بل توسعت بعد مجزرة الاربعاء الاسود حتى أنه سجلت الجبهة العربية لتحرير الاحواز النقلة النوعية في مسيرة المقاومة الاحوازية عندما بدائت بتاسيس المؤسسة العسكرية الاحوازية لتبدا مرحلة جديديدة ومتطورة في تاريخ المقاومة حيث نفذ مقاتليها الابطال أكثر من 1500 عملية فدائية شارك فيها الاف الفدائيين الاحوازيين غطت واخترقت العمق الفارسي حتى وصلت مدينة الاحواز وسقط فيها مئات الشهداء. ولم تنقطع العمليات الفدائية حتى بالرغم من توقف الحرب العراقية الايرانية عام 1988. ثم أخذت المقاومة منحى مختلفاً وظهرت أطرافاً جديدة دخلت الى ساحة النزال مع انطلاقة الانتفاضة في العام 2005. هكذا يمكن القول أنه على مدى قرن كامل لم تتوقف المقاومة الاحوازية بكل أشكال المقاومة، ولم تتخلف فئة اجتماعية واحدة من فئات الشعب الاحوازي عن المشاركة في شكل أو أكثر من أشكالها. أما الانتفاضة في العام 2005 فكانت مؤشر على أن معين الشعب لا ينضب. فكيف يستقيم قول البعض بأن المقاومة ليست جزءا من ثقافة الشعب الاحوازي؟! |
|
شبكة البصرة |
|
الاحد 26 رمضان 1431 / 5 أيلول 2010 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |