|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
الخروج من بوابة صفوان... والعودة من نافذة بلاك ووتر |
|
شبكة البصرة |
|
الذين جاءوا مع الاحتلال أو بعده بقليل، فقدوا بوصلتهم الوطنية وأطلقوا لألسنتهم العنان لتقول منكرا وصل حد اعتبار يوم احتلال بغداد عيدا وطنيا ويوما للتحرير، وعلى الرغم من أن هذه الدعاوى البائسة بدأت تنحسر حتى من قبل من أطلقها في لحظة انعدام وزن سياسي مشين وحاول مطلقوها التنصل منها، إلا أنها رسخت في الذاكرة الجمعية للشعب العراقي بأسماء من أطلقها وأقام الاحتفالات والموائد لقادة الغزو وخاصة بول بريمر الحاكم الأمريكي المطلق اليد في العراق. هؤلاء جميعا يحاولون أن ينسبوا لأنفسهم فضل الانسحاب القسري الذي اضطرت عليه القوات الأمريكية، وذلك بتقديم افتراضات خاطئة لا تستطيع البرهنة عليها أية مصداقية على الأرض، فالولايات المتحدة التي جاءت عبر البحار والمحيطات والقواعد المنتشرة حول الكرة الأرضية، ما كانت لتفكر يوما أنها ستنسحب وتترك العراق بموارده الهائلة وموقعه الجغرافي الإستراتيجي بعد ما قدمته من خسائر مادية وبشرية، لمجرد أن حفنة من السياسيين الفاشلين طلبوا منها ذلك بعد أن زينوا لها الغزو ومن ثم الاحتلال نزهة أهون بكثير من المناورات العسكرية بالذخيرة الحية التي تجريها قواتها، فقد توقع القادة السياسيون والعسكريون الأمريكيون الذين بنوا توقعاتهم وحساباتهم على أساس الأكاذيب التي نقلت إليهم من رموز ما تسمى بالمعارضة العراقية، أن العراقيين سينحرون الذبائح تحت سرف الدبابات الزاحفة نحو بغداد، وأن الجنود من فرط الترحيب بهم وإلقاء الزهور عليهم من حشود العراقيين الذين سيصطفون على جوانب الطرقات، لن يتمكنوا من مغالبة مشاعرهم التي ستطفح على الوجوه دون سيطرة أو تحكم، ولكن الشعب العراقي قلب الطاولة على اللاعبين الكبار والصغار، وحينها وعندما أصبح الثمن أكبر من الغنيمة بدأت الإدارة الأمريكية بالتفكير الجدي بإستراتيجية الهرب من العراق. الولايات المتحدة التي خسرت في عدوانها على العراق وبأرقامها الرسمية نتيجة بروز أسرع حركة مقاومة مسلحة في العالم 4420 عسكريا بخلاف الآلاف من الجنود الذين لم يكتسبوا الجنسية الأمريكية فلم تثبت أسماؤهم في الإحصائيات الرسمية للخسائر من قبل البنتاغون، وأضعاف هذه الأرقام من الجرحى، وخروج نصف المعدات التي شاركت في العدوان من الخدمة، ودخول النصف الآخر في سن الشيخوخة من حيث صلاحية القتال، هذه الأرقام على ضخامتها ليست إلا محاولة من الإدارتين السياسية والعسكرية في واشنطن للتهرب من إعطاء الأرقام الحقيقية الهائلة التي تكبدتها قوات العدوان، فقد ذكر تقرير لوزارة قدامى المحاربين في الولايات المتحدة أن مجمل الخسائر الأمريكية في العراق حتى نهاية عام 2008، وصل إلى 226 ألف جريح من بينهم حوالي الثلث مصابون بلوثة عقلية وأمراض نفسية مستعصية أو بترت أعضاء من أجسامهم أو فقدوا إحدى العينين أو كليهما فأصبحوا شواهد شاخصة عن هول الهزيمة الأمريكية في العراق، وهذا ما يلزم وزارة الدفاع بمواصلة الإنفاق عليهم على الرغم من أن هؤلاء تقدموا بشكاوى ضد البنتاغون لأنها تقاعست عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه جنودها، وقد فضحت الجهات الصحية العسكرية الأمريكية حقيقة المأساة التي عانت منها الولايات المتحدة حينما أقرت بالعجز عن تغطية مثل هذا الحجم الذي فاق التصورات بحجم الخسائر بين الأفراد وتم تعديل وضع العجلات القتالية بزيادة تدريعها لمواجهة الفعل المقاوم المسلح في العراق مما أضاف أعباء مالية كبرى على تخصيصات الحرب العدوانية على العراق، وإذا أخذنا أرقام الجرحى كقياس لمعرفة عدد القتلى كقياس عسكري مهني وعلمي فإننا سنجد أن عدد القتلى تجاوز 33 ألف قتيل وحتى نهاية عام 2008، وهذا ما دفع بأركان الإدارة الأمريكية إلى نبذ الكثير من رموز ما يسمى بالمعارضة العراقية الذين زودوا المخابرات المركزية ووزارة الدفاع بمعلومات كاذبة عن حقيقة موقف الشعب العراقي من الاحتلال. أما التكاليف المالية التي تكبدتها الولايات المتحدة لتغطية نفقات الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية في مجال معالجة الجنود الجرحى، فقد تصل إلى حوالي ثلاثة تريليونات دولار على وفق ما ذكره ستك ليتز الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد كما ورد في كتابه (حرب الثلاثة تريليون دولار) ولا يشك أحد أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عاشتها الولايات المتحدة والتي صدرت جانبا منها إلى العالم، كانت أصلا بسبب سياسة العدوان التي اعتمدها الرئيس الأمريكي جورج بوش، أكثر الرؤساء الأمريكان حماقة في تاريخ البلاد.
فماذا حققت الولايات المتحدة من شنها العدوان على العراق واحتلاله؟ ربما يقع على رأس جدول أولويات صانعي الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط عموما وفي العراق بشكل خاص، رؤية العراق على الحالة التي هو عليها الآن، فتدمير منظومة الدولة واقتلاعها من ركائزها، وإزالة البنية الاقتصادية وخاصة في مجالات الصناعة والعلوم والتكنولوجيا ظلت تمثل هاجسا كبيرا أمام الإدارة الأمريكية بكل مراكزها بدءا من البيت الأبيض وانتهاء بمجلس الأمن القومي والكونغرس ووزارات الخارجية والدفاع ووكالة المخابرات وأصغر مركز للدراسات الإستراتيجية، غير أن الانسحاب الذي تم بالصورة المعروفة، كان هزيمة حقيقية لأكبر إمبراطورية عرفها تاريخ الأمم والشعوب، وبمقابل الطرف المهزوم لابد أن يكون هناك طرف منتصر، وهنا يبرز دور المقاومة الوطنية المسلحة والتي قاتلت دون مظلة خارجية، بل ربما واجهت ضغوطا خارجية لا تقل في آثارها التدميرية عن الصعوبات التي واجهتها المقاومة في ميادين القتال. ولأن الاحتلالات في بداية الألفية الثالثة، هي غير صيغ الاحتلال في كل حروب العالم السابقة التي كانت تحتم وصول جندي المشاة إلى مواضع العدو كي يتم الإعلان عن حسم المعركة، ولأن تطور أسلحة الفتك الإستراتيجية مع وجود الصواريخ العابرة للقارات والطائرات من أحدث وأكبر النوعيات، ووجود البوارج الحربية على مقربة من مناطق العمليات، كل ذلك يعطي مزية إستراتيجية نادرة لردع العدو وكل الأطراف التي تفكر بتقديم الدعم للطرف أو الأطراف المشاركة في الجهد الحربي، لذلك فإن انسحاب القوات الأمريكية من العراق مع وجود الأساطيل الأمريكية في مياه الخليج العربي والبحر العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ووجود قوات في مشيخة الكويت والبحرين وقطر وتركيا وبقاء خمسين ألف جندي في أكثر من تسعين قاعدة عسكرية أمريكية، يفوق بكثير احتياجات العراق لمجرد تدريب القوات العراقية، فهو رقم إذا نظر إليه بشكل مجرد فإنه كان يكافئ حجم قوات الجيش العراقي حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي، وبالتالي فإن هذا الواقع يلغي عمليا تأثير الانسحاب المزعوم. وبمجرد الإعلان عن الانسحاب الجزئي الأمريكي الذي لا يعدو عن كونه إعادة انتشار لتقليص الخسائر في سنة الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي وكذلك تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان، فقد أعلن عن تعاقد الخارجية الأمريكية مع سبعة آلاف مرتزق لينضموا إلى شركات المقاولات الأمنية مثل بلاك ووتر التي غيرت اسمها ولم تغير شيئا من أساليبها والتي تمتلك حوالي 100 ألف متعاقد من المرتزقة ومن جنسيات مختلفة وذلك لحماية المنشئات والموظفين الأمريكيين، فقواعد الاشتباك المعتمدة لدى هذه الشركة وسواها من قوات المرتزقة أنها تبادر بفتح النار لمجرد الشعور بخطر حتى إذا كان ناجما عن إحساس خاطئ بالهلع، ومن البديهي أن القوات المسلحة التي لا تزيد فيها القوة القتالية على ثلث حجم القوة النظامية، لكن المتعاقدين لا يمتلكون ذيلا إداريا فكل واحد منهم هو كتلة من التحفز للقتل دون سبب من أجل إثارة أكبر قدر من الرعب في المجتمع، لذلك فإن الولايات وهي تتظاهر بالانسحاب فإنها في واقع الحال تعزز من وجودها العسكري بعد أن استكملت وجودا سياسيا عن طريق اتفاقية بوش المالكي واقتصاديا عبر عقود تراخيص النفط، وهذا معناه أن أرتال القوات الأمريكية التي عبرت صفوان إلى الكويت، عادت عمليا إلى العراق عن طريق نافذة بلاك ووتر وشقيقاتها، وهذا الأمر هو الذي يعطي الحق وفقا للقانون الدولي للمقاومة الوطنية المسلحة بمواصلة قتالها حتى خروج آخر جندي أو مرتزق أجنبي، وربما ستقود التجارب المرة مع المتعاقدين حافزا أقوى لمواجهة الاحتلال الجديد المقال الافتتاحي لجريدة راية العرب العدد 148 |
|
شبكة البصرة |
|
الجمعة 24 رمضان 1431 / 3 أيلول 2010 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |