بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حقيقة أحداث 17/3/1999 (ماتسمى بإنتفاضة البصرة)

شبكة البصرة

بلال الهاشمي

الكثيرون لم يسمعوا بأحداث 17/3/1999،، أو ماتسمى بـ (إنتفاضة البصرة) كما يطلق عليها بعض المأجورون،، وحتى الذين سمعوا بها لابد أن تكون بعض من تفاصيلها غائبة عنهم،، ولهذا أصبح من الضروري أن نسلط الضوء على تلك الأحداث ونتناول تفاصيلها الدقيقة لنرد على من يحاول تصويرها كإنتفاضة شعبية أو حركة وطنية.

 

سعت المخابرات الإيرانية لضرب ثلاث عصافير بحجر واحد،، فكرست جهدها للعمل على ثلاث محاور،، (الأول) التخلص من محمد محمد صادق الصدر (لأسباب يطول شرحها)،، (الثاني) تأجيج أتباع الصدر ودفعهم للتمرد ضد الحكومة العراقية بتوجيه أصابع الاتهام للأجهزة الأمنية،، (الثالث) الأستغلال الإعلامي لتداعيات الأحداث المتمثلة برد فعل السلطة العراقية ضد اتباع الصدر بعد تمردهم.

 

نفذت المرحلة الأولى بإغتيال الصدر يوم 19/2/1999 من قبل عناصر من قوات بدر وبمعاونة رجل دين يدعى حسن الكوفي (أعتقل ونفذ فيه حكم الأعدام) قدم الدعم اللوجستي لفريق الأغتيال،، ومن الجدير بالذكر أن أتباع الصدر في إيران أقاموا مجلس عزاء في مسجد أعظم في قم حضره محمد باقر الحكيم الذي خرج منه بعد أن ضُرب بالاحذية من قبل الصدريين،، مما تعرض أتباع الصدر على خلفية هذا العمل إلى موجة أعتقالات كبيرة من قبل السلطات الإيرانية،، ثم بدأ الإعلام الإيراني بتوجيه الأتهام للأجهزة الأمنية العراقية بإغتيال الصدر،، وبث الاشاعات والترويج للحدث وتهيئة الحالة النفسية لأتباع الصدر بالتمرد على الحكومة العراقية والمطالبة بالثأر،، وعلى هذا الأساس بدأ التحضير لعمل مسلح يستهدف المؤسسات الأمنية والحكومية في البصرة،، ووضعت المخابرات الإيرانية مخططاً كامل للعملية وحددت الأهداف التي سيهاجمها المنفذون،، وأوكلت القيادة إلى ثلاث معممين من أتباع الصدر هم،، عبد الستار البهادلي،، أحمد المالكي،، صالح الجيزاني،، والمرجح أن هؤلاء لم يكن لهم علم بالاهداف المحددة أو ساعة الصفر،، وهذه هي المرحلة الثانية من المخطط الإيراني.

 

الخطة الموضوعة من قبل المخابرات الإيرانية تتلخص بخروج مجاميع من اتباع الصدر مزودين بالسلاح والعتاد لمهاجمة أهداف محددة في ساعة محددة من المساء،، وتقوم الحسينيات بالتكبير وتوجيه نداء لحث الناس على الخروج والمشاركة،، ثم ترسل إيران قوات للمساندة والدعم،، وفعلا باشر العمل حسب المخطط،، وتم تجهيز الأسلحة والعتاد وأخفيت في بعض الحسينيات،، وأكبر تلك الأكداس وجد في جامع الجمهورية.

 

في الساعة الحادية عشر من ليلة 17/3/1999 بدأت المجاميع المرتزقة بالهجوم على مقرات الحزب ودوائر الأمن ومراكز الشرطة،، بينما جالت بعض من تلك المجاميع في الشارع لاغتيال الرفاق والعاملين بالمؤسسات الأمنية ممن هرعوا للألتحاق بمقراتهم،، وبدأت بعض الحسينيات بالتكبير وحث الناس على الخروج لكنها لم تجد أذان صاغية،، في نفس الوقت نقلت أذاعة طهران العربية خبر مقتل مدير أمن البصرة في منطقة شط العرب،، وطبعاً كان الخبر غير صحيح لان المقصود شخص أخر يمتلك نفس سيارة مدير الامن وقد نجى من الموت بأعجوبة،، وقد أستمرت تلك الأحداث لغاية الساعة الثانية صباحاً (أي استمرت لثلاث ساعات فقط) حيث أعتقلت السلطات تسعون بالمائة من المشتركين بينهم صالح الجيزاني الذي أعتقل على الحدود الإيرانية بعد أن حلق لحيته ورمى العمامة في سلة القمامة،، والمفاجأة أن معظم المعتقلين من المشاركين كانوا بحالة من الخدر نتيجة تعاطيهم حبوب مخدرة يحملون بعض منها في جيوبهم،، وهي مصنوعة في إيران.

 

المرحلة الثالثة من المخطط تبدأ بعد أنتهاء العمليات وأعتقال المشتركين،، فقد وضعت المخابرات الإيرانية خطة التنفيذ بشكل يسهل عملية أعتقال المشتركين،، فالأهداف التي حددتها لهم كانت أهداف مغلقة يصعب على المهاجمين الأنسحاب منها والهرب،، مما سهل هذا عملية أعتقالهم بسرعة كبيرة،، كما أن إيران لم ترسل مساندة ودعم كما كان مخطط له،، ثم هناك أمر بالغ الأهمية،، فقد سربت المخابرات الإيرانية معلومة للمخابرات العراقية عن ساعة الصفر التي حددتها مساء يوم 15/3/1999 أي قبل الموعد المحدد بيومين،، مما أعلنت المؤسسات الأمنية حالة الأنذار القصوى،، ثم خفف إلى خمسون في المائة في اليوم الثاني،، وكذلك،، تعمدت المخابرات الإيرانية أن تشرك عبد الستار البهادلي بالعملية رغم أنه عنصر مكشوف لديهم بعمله كوكيل لمدير أمن البصرة اللواء عباس،، والذي قام بدوره بنقل مايمتلكه من معلومات لمدير الأمن.

 

التجربة الفاشلة لأحداث 2/3/1991 (صفحة الخيانة والغدر) دفعت الإيرانيون على عدم تكرارها والدخول في مغامرة أخرى سيكتب لها الفشل بكل تأكيد،، لذا كانت غايتهم من أحداث 17/3/1999 هي،، أبعاد الشبهة عن دورهم في أغتيال الصدر وأتهام المؤسسات الأمنية العراقية بالحادث،، أستغلال رد فعل السلطة في العراق ضد المشتركين بالعمل الأجرامي إعلامياً وربطه بالأستهداف الطائفي،، رسالة ضغط موجهة للحكومة العراقية الوطنية،، محاولة اعادة اتباع الصدر إلى أحضان المرجعية الفارسية المتمثلة بالسيستاني،، زرع هوة بين الحكومة واتباع الصدر.

 

أما بخصوص عبد الستار البهادلي فقد أعتقل وحكم عليه بالسجن ستة أشهر (للتمويه) ثم أطلق سراحه،، وبعد الحادثة التي تعرض لها مدير الأمن اللواء عباس (حادث سير) ومنح أجازة على خلفيتها،، تسلم الأمن في البصرة اللواء مهدي الذي أمر بإعادة التحقيق مع عبد الستار البهادلي،، على أساس أنه أخفى بعض المعلومات متعمداً،، وقد حكم عليه بالسجن ثم أطلق سراحه بعد أن شمله العفو العام عام 2003،، ليبدأ صفحة دموية جديدة بعد الأحتلال من خلال جيش المهدي الذي أصبح قيادياً فيه،، وبالمناسبة فأن عبد الستار البهادلي كان يعمل بفرقة الفنون الشعبية في البصرة ومثل على المسرح مسرحيات هزلية على الخميني قبل أن يدخل الحوزة ويتعمم ويترك (الدك والرقص).

 

باحث في الشؤون الإيرانية والتاريخ الصفوي

9/كانون أول/2010

شبكة البصرة

الاربعاء 2 محرم 1432 / 8 كانون الاول 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط