بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الطقوس الشيعية.. صناعة إيرانية

شبكة البصرة

د. فرست مرعي

المقدمة:

قبل الدخول في الموضوع لا بدَّ من تحديد بعض المصطلحات؛ كالشعائر والطقوس. فالشعائر مفردها شعيرة وهي ما ندب الشرع إليه وأمر بالقيام به[1]. وللشعائر أهمية كبيرة في الإسلام من النواحي التعبدية والاجتماعية والاقتصادية؛ حيث ترتبط بها أهمُّ أركان الإسلام؛ كما في الصلاة والصوم والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام. وقد جعل الإسلام من الشعائر معالم للعبادة والتقوى والأعمال الصالحة؛ كما جاء ذلك في الآية الكريمة: ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج: 23].

أما الطقوس فمفردها طقس، فهي رموز لا تحمل دوماًَ دلالات دينية، وإنما تصطبغ بها في أكثر الأحيان، وترتبط غالباً بالعادات والتقاليد والقصص والأساطير، وتختلط بالشعائر الدينية حيث ترتفع إلى مستوى العقيدة، كما أن من أهمِّ خصائصها أنها تميل إلى التكرار والاستمرارية شأنها في ذلك شأن الشعائر؛ من أجل تكريس ديمومة الطقس وإعادته في كل مناسبة كما كان في الماضي[2].

 

والطقوس فعاليات وأعمال تقليدية لها في الأغلب علاقة بالدين وبالسحر، ويحدد العرف أسبابها وأغراضها. والطقوس مشتقة دائماً من حياة الشعب الذي يمارسها، وتعتقد الشعوب البدائية أن أداءها يرضي الآلهة والقوى فوق الطبيعية، وعدمه يسبِّب غضبها ويجلب نقمتها.

وتجري في الطقوس فعاليات مختلفة؛ كالرقص وتقريب القرابين وترديد التراتيل. وتتعلق الطقوس بكثير من فعاليات الإنسان الاقتصادية، وترتبط بالبناء الاجتماعي لمجتمعه أو بيئته، وبما يشعر به من أحاسيس، وما يرنو إليه من آمال[3].

وغالباً ما يكون أداء الطقوس غير منفصل عما هو مقدَّس، الذي هو الحافز المسيطر على جميع الشعائر والطقوس، وهو ما يولِّد علاقة حميمة بين الحياة الاجتماعية العادية وبين ما هو مقدَّس. وبمعنى آخر: إنها إحياء لتجربة مقدَّسة والتقرب بواسطتها إلى العالم المقدَّس؛ بهدف إعادة التوازن الداخلي للإنسان الحائر والمضطرب والمشوش، فهي بهذا طريقة لتهدئة قلق الإنسان وشكوكه حين يقف حائراً أمام تساؤلاته المصيرية التي قد لا يجد لها جواباً شافياً. ومن هنا تكون الطقوس - بحسب علم النفس الاجتماعي - طرائق للدفاع يلجأ إليها الإنسان ليتقي المحرم، أو ليتخلص منه، أو يأتي بطقس بديل يعتقد بإمكانيته تعويض ما قام به من ذنوب، وبهذا تصبح الطقوس أدوات لتطهير النفس من تلك التهديدات الوجودية[4].

ومهما تكن الدوافع التي تختفي وراء الطقوس؛ فهناك أيضاً دافع نفسي له أثر فعال في توجيه السلوك واستمرارية الطقوس، وتحديداً في أوقات الكوارث والمحن والأزمات الاجتماعية والنفسية. وقد تطرق عالم النفس الاجتماعي (إرك فروم Erick Fromm) إلى الجذور النفسية للطقس الذي هو في النهاية تعبير رمزي عن الأفكار والمشاعر التي تظهر في طريق السلوك، ومهما تكن الأسباب دينية أو اجتماعية فهناك أسباب أخرى لا واعية تتداخل معها[5].

والزاوية الأخرى المتميزة التي انطلق منها بعض الباحثين تتعلق بكون الطقوس تمثِّل قناة مهمة يلجأ إليها الأفراد في ظروف الاستغلال والكبت الاجتماعي؛ كما هي الحال في أوساط جماعات الأقلية أو المنبوذة أو المهمشة، ويتم ذلك - كما يرى هؤلاء الباحثون - بفضل دور هذه الطقوس في ترقية الوضع النفسي للأفراد إلى مستوى واقع[6] مركزهم الاجتماعي المتدني في بعض الدول العربية سواء كان ذلك في العراق أو لبنان أو البحرين أو الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية من منظورهم الفكري والاجتماعي. وهذا يرجع بنا القهقرى إلى التاريخ الذي يسبق هذه الحقبة؛ فهذه الدول كانت تابعة للخلافة الإسلامية العثمانية التي حكمت غالبية أجزاء الوطن العربي لأربعة قرون ابتداء من عام 1516 - 1517م وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1917 - 1918م، فكان الشيعة لا يعترفون بهذه الخلافة ولا بالتي سبقتها من الخلافة الراشدة - ما عدا خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما لم يعترفوا بالخلافة الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية والمغولية وغيرها؛ لذا كانت هذه الدول تعدُّهم من المعارضين لسياستها ولنهجها، كما كانت تعدُّهم - على أقل تقدير - من أهل القبلة ولكن من أهل البدع (المبتدعة). وقد تفاقم هذا الأمر مع بداية ظهور الدولة الصفوية عام (907 هـ - 1501م) وسيطرتها على مقاليد الأمور في الهضبة الإيرانية وفرضها مذهب الشيعة بالقوة على السكان في إيران والمناطق المتاخمة لها؛ مثل: الأناضول الشرقي وأجزاء من أفغانستان والعراق رغم وجود الغالبية السنية في هذه المناطق.

 

كل ذلك أدَّى إلى حصول تنافس وصراع وحرب بين الخلافة العثمانية التي عدَّت نفسها حامية لمذهب أهل السنة والجماعة؛ والدولة الصفوية حامية المذهب الشيعي الإثني عشري[7]؛ لذا عُدَّ الشيعة الساكنون في جنوب العراق ووسطه وجنوب لبنان وفي البحرين؛ عملاءَ للدولة الصفوية؛ على أساس التقارب المذهبي الذي يولد وحدة المشاعر والعواطف والأفكار، وهذا ما أدَّى إلى عزلتهم والانشغال بأمورهم الخاصة، لا سيما في المجالات الدينية المذهبية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فكانوا في عزلة عمن سواهم من أفراد المجتمع، فسَرَتْ فيهم روح الانكماش والشعور بالغبن الذي طالما حرَّك مشاعرهم نحو اتجاهات معاكسة أثَّرت فيما بعد على فئات أخرى في المجتمع عندما سنحت الفرصة لهم بتسلُّم مقاليد الأمور، وهذا ما يظهر الآن في الساحة العراقية، حيث يحاول الشيعة باتجاهاتهم الفكرية وأحزابهم السياسية كافة القيامَ بعمليات تطهير طائفية لأهل السنة والجماعة في بغداد وضواحيها ومناطق وسط العراق وجنوبه؛ عن طريق التهديد والخطف والتعذيب والتهجير والتصفية والقيام بكل ما من شأنه إضعاف البنية الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأهل السنة والجماعة وتدميرها؛ كي تخلو الساحة لهم ولا يبقى لهم معارض، وقد ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) أن القوات الأمريكية عثرت أثناء هجوم على مقرِّ مسؤول إيراني في بغداد على خرائط لأحياء في العاصمة في خطة تستهدف تهجير أهل السنة من بغداد، ونقلت الصحيفة عن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كوندوليزا رايس) قولها: إن العمليات الأمريكية في العراق ضد مصالح إيرانية (تقصد به الهجوم على مكتب ارتباط إيران في إربيل عاصمة إقليم كردستان) جاءت بأمر من الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أصدره قبل عدة أشهر، ويقضي بشنِّ هجوم واسع النطاق على مثل هذه المصالح في العراق بعد ملاحظة الزيادة في نشاط الإيرانيين في العراق والزيادة في عدد القتلى من أهل السنة.

 

أما بخصوص أهل السنة والجماعة فإنهم كانوا عماد الدولة العثمانية والمشاركين الأساسيين في تثبيت أركانها خلال حقبة ليست بالقصيرة، على أساس أن الدولة العثمانية كانت تعدُّ نفسها حامية المذهب السني، واستطاعت في الوقت نفسه أن تقف في وجه المخططات الأوروبية الصليبية لمدة تقارب أربعة قرون؛ رغم ظهور بعض علامات الدَّخَن والممارسات غير السوية لبعض سلاطينها وقادتها وولاتها من بعض النواحي الاجتماعية والإدارية، ودعمها لبعض الحركات الصوفية المتطرفة الغالية الممزوجة بالتشيع كالبكتاشية وغيرها التي يخالف نهجها إلى حدٍّ بعيد منهج أهل السنة والجماعة.

وبظهور الأفكار الجديدة (القومية) بدأت عوامل الضعف والانحلال تدبُّ في أوصال الدولة العثمانية وجسَّدتها تطلعات وأفكار جمعية الاتحاد والترقي (جون ترك) التي كسبت فئات مختلفة من القوميات في بداية ظهورها وقبل أن تتحول إلى النهج القومي (الطوراني) المتطرف.

 

الدول الشيعية المتعاقبة واستحداث الطقوس:

مما لا شك فيه أن الخلاف بين غالبية المسلمين والشيعة في بداية ظهورهم فكرةً وحركةً في النصف الثاني من القرن الأول الهجري؛ لم يكن يتجاوز الخلاف السياسي حول أحقية أبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب ونسله - رضي الله عنهم - في الخلافة من عدمها. وبقي هذا الخلاف ضمن هذا الإطار طيلة حقبة طويلة تتجاوز القرنين، إلى أن تمكَّن العُبَيْدِيُّون - الذين هم من نسل القَدَّاح الإيراني - من تأسيس الدولة العبيدية (الفاطمية) في شمال إفريقيا عام 296 هـ، ومن ثم سيطروا على مصر وأجزاء من بلاد الشام، وفي أيامهم ابتُكرت طقوس عديدة سنذكرها لاحقاً.

وفي عام 334 هـ تمكَّن البويهيون الديالمة من السيطرة على مقاليد الأمور في إيران والعراق، وتمكنوا من إخضاع الخلافة العباسية لسطوتهم، ولما كان هؤلاء شيعة على مذهب الزيدية فقد استحدثوا وابتكروا في زمانهم طقوساً عديدة؛ وإذا أضفنا إليها طقوس العهد العبيدي (الفاطمي) والصفوي والقاجاري الذين حكموا بعدهم؛ لرأينا منظومة متكاملة من الطقوس المصنَّعة بوصفها ركيزة للبنية التنظيمية للتشيع الصفوي؛ على حدِّ تعبير المفكر الإيراني علي شريعتي.

وعملاً بمنهج البحث التاريخي سيتم تقسيم فترة استحداث الطقوس الشيعية إلى مراحل تاريخية أربع تبعاً لظهور الدول الشيعية المتعاقبة على دَسْتِ الحكم[8] تبعاً للتسلسل التاريخي.

أما بخصوص عنوان المقال وهو أن هذه الطقوس صنعها للشيعة أناسٌ إيرانيون؛ فهذا ما لا يخالف منهج البحث العلمي والتاريخي؛ فالدول التي قامت بابتكار هذه الطقوس منشؤها - في حقيقة الأمر - إيراني؛ فالعبيديون (الفاطميون) أصولهم إيرانية، والبويهيون ديالمة إيرانيون، والصفويون والقاجاريون وغيرهم من القبائل التركمانية المتحدة تحت لواء الطريقة الصفوية الشيعية الغالية (المتطرفة)؛ ظهروا في الهضبة الإيرانية وتحديداً في إقليم أذربيجان، واستطاعوا عن طريق الطرق الصوفية الإيرانية التي لها صلة بالتشيع مضافاً إليها التقاليد الثقافية الإيرانية القديمة؛ بناء مرتكزات دولتهم على أسسٍ شيعية في الظاهر ولكنها تحمل بصمات مجوسية زرداشتية مزدكية مثرائية، أي: ألوان الطيف الإيراني الآري القديم كافة.

 

أولاً: الطقوس في الدولة العبيدية (الفاطمية):

قبل بيان طقوس هذه الدولة لا بدَّ من القول: إن مؤسس هذه الدولة (عبيد الله المهدي) لا ينتسب إلى العترة النبوية الشريفة، ولكنه ينتسب -في الحقيقة- إلى ميمون بن دَيصان الثنوي المذهب الذي ينتسب إليه الثنوية القائلون بوجود إلهين: إله النور، وإله الظلمة.

وقد خلف القداح ابنه عبد الله، ووصفه المقريزي فقال: إنه كان عالماً بجميع الشرائع والسنن والمذاهب، وقد اعتنق عبد الله مذهب الشيعة لا للدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق أو إلى ابنه محمد، بل لحيلة اتخذها ليجمع حوله أتباعاً، بمعنى: أنه اتخذ من هذه الدعوة وسيلة لتنفيذ أغراضه، وهي تكوين دولة فارسية. وذهب المستشرق الإنكليزي (نيكلسون) إلى القول: إن تأسيس الدولة الفاطمية كان أقصى ما وصلت إليه هذه المؤامرة قوية الدعائم، والتي تم تنظيمها بمهارة فائقة، والتي شرع عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي الفارسي الأصل يروج لها قبل ذلك بنصف قرن، وقد تملكت نفسه الكراهة في أبشع صورها للعرب، والاحتقار للإسلام والمسلمين مدفوعاً إلى ذلك بما يدعيه من حرية الفكر والعقيدة. وقد عمل على إيجاد جمعية سرية كبيرة تلقن الناس جميعاً مبادئها؛ كلاًّ على قدر عقله واستعداده، وتعبث بأشدِّ الميول وأقواها، وتغرر بعوامل الضعف الكامنة في الطبيعة البشرية؛ للجمع بين كل الساخطين في صورة مؤامرة ترمي إلى قلب النظام الحاضر.

 

ومن أبرز الطقوس التي ابتكرها العبيديون:

1- إضافة (حيَّ على خير العمل) إلى الأذان[9].

2- السجود للبشر، فكان الخليفة العبيدي الحاكم بأمره (أي بأمر الله) ابن المعز بن عبيد الله القداح أول من أمر الناس بالسجود له، فإذا ذكر الخطيب اسمه على المنبر وجب قيام الناس، وإذا وقفوا خروا سجداً له؛ حتى ليسجد بسجودهم من في السوق من الرعاع[10].

3- الكتابة على المرافق العامة (محمد وعلي خير البشر)، ولعن الخلفاء الثلاثة: أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ابن عفان، رضي الله عنهم وأرضاهم[11].

4- الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ومولد الأئمة السبعة[12].

أ - علي بن أبي طالب.

ب - الحسن بن علي بن أبي طالب.

ج - الحسين بن علي بن أبي طالب.

د - علي بن الحسين (زين العابدين).

هـ - محمد بن علي (الباقر).

و - جعفر بن محمد (الصادق).

ز - إسماعيل بن جعفر.

 

ثانياً : الطقوس في الدولة البويهية:

حكم البويهيون - وهم قبائل ديلمية إيرانية تعيش في الجنوب الغربي من بحر قزوين - الدولة العباسية من 334 إلى 447هـ، أي: أكثر من قرن من الزمن، وصنعوا في عهدهم طقوساً عديدة، من أبرزها:

1- في سنة 352هـ أمر معز الدولة (أحمد بن بويه) بإغلاق الأسواق في العاشر من شهر محرم، وأمر بلبس النساء المسوح من الشعر والخروج في الأسواق حاسرات عن وجوههن ناشرات شعورهن يلطمْنَ وجوههن وينحْنَ على الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قُتل في 10 محرم 61هـ[13].

ومما تجدر الإشارة إليه أن البلداني والجغرافي المسلم (المقدسي) أشار إلى حالة غريبة تنتاب المجتمع الديلمي الذي تُعدُّ الأسرة البويهية جزءاً منه وهي أن البكاء يحل عندهم محل الضحك والفرح عندما ينتابهم -أشخاصاً أو مجتمعاً - ما يستحق الفرح، كما أن مجتمع جنوب العراق حسب المؤرخين والباحثين لديهم شعور غامر بالحزن، وهذه الحالة في اعتقادهم ترجع إلى أسلافهم من السومريين والأكديين الذين كانوا ينوحون على الإله (تموز) عندما كان ينزل إلى العالم السفلي (حالة الموت) في الأساطير العراقية القديمة، فلا عجب أن تلاقت الحالات الثلاث وخرج منها ظاهرة البكاء الجماعي عند الشيعة في العصر الحديث.

2- في سنة 352هـ أمر معز الدولة (أحمد بن بويه) بإظهار الزينة في الثامن عشر من شهر ذي الحجة وفتح الأسواق ليلاً وضرب الدبادب (الطبول) والوقات وإشعال النيران فرحاً بعيد غدير خم[14].

3- في سنة 372هـ تم لأول مرة دفن شخصية كبيرة عند القبر المنسوب إلى علي بن أبي طالب في النجف وهو عضد الدولة البويهي، حيث يُعدُّ أول ملك دُفن هناك[15].

 

ثالثاً : الطقوس في الدولة الصفوية:

الصفويون قبائل تركية سبع حكموا الهضبة الإيرانية من عام 1501 إلى 1724م. ومؤسس دولتهم هو إسماعيل ابن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الأردبيلي الذي تبنى التشيع في إيران رسمياً عام 1502م وعمل على نشره بشتى الوسائل، وشخصيته تجمع بين النقائض. يقول المستشرق الإنكليزي إدوارد براون: (هو من جهة قاسٍ متعطش للدماء إلى حدٍّ لا يكاد يُصدَّق، بينما كان من الجهة الأخرى وسيماً ذا أخلاق رقيقة محبوباً من جنوده)[16]. كان يعلن أنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر الأئمة؛ لذلك فهو معصوم وليس بينه وبين (المهدي المنتظر) فاصل، ووصف ولايته بأنها صادرة من (ختم النبوة وكمال الولاية)، وزعم أنه المقصود بالآية ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسْمَاعِيلَ...)) [مريم: 45]، وأوصلوا ظهوره بنبوءة لعلي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - فكان من الغلاة في علي بن أبي طالب، ثم غلا فيه أصحابه حتى العبادة وسجدوا له.

وعندما سيطر الشاه إسماعيل الصفوي على (تبريز) وأراد فرض التشيع على أهلها بالقوة نصحه مستشاروه أن لا يفعل؛ لأن ثلثي سكانها من أهل السنة، فأجاب قائلاً: (أنا مكلَّف بذلك، وإن الله والأئمة المعصومين معي، وإني لا أخاف أحداً، فإذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فيهم فلا أبقي على أحد منهم حياً)[17].

 

وأهم الطقوس التي اخترعوها هي:

1- السجود على التربة الحسينية. ومخترع هذا الطقس هو العالم الشيعي (علي بن عبد العالي الكركي) من أهالي جبل عامل في جنوب لبنان[18].

2- السجود للعبد (أي: لإسماعيل الصفوي) والملوك من ذريته، وصانع هذا الطقس هو العالم الشيعي (علي بن عبد العالي الكركي) الذي لُقِّب بـ: مخترع الشيعة [19].

3- تغيير اتجاه القبلة في مساجد إيران وجوامعها[20].

4- تنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين بن علي في بداية السنة الهجرية (شهر محرم)، وإضافة مجالس التعزية وتطويرها، حيث تمت الاستفادة من الطقوس النصرانية التي كانت تُمارس في أوروبا وتحديداً في إيطاليا حول ما يسمى بالآلام التي عانى منها السيد المسيح - عليه السلام - أثناء ما يسمى بحادثة صلبه ومعاناته للآلام على الصليب[21].

5- إضافة (حيَّ على خير العمل) إلى الأذان[22].

6- الأخذ بالشهادة الثالثة (علي ولي الله)، ويذكر العالم الشيعي (ابن بابويه القمي) أن المفوِّضة وهم طائفة من الشيعة الغلاة زادوا في الأذان (أشهد أن علياً ولي الله - أو أشهد أن علياً أمير المؤمنين)[23].

7- ضرورة الدفن في النجف بجنب الإمام علي بن أبي طالب[24].

 

رابعاً: الطقوس في الدولة القاجارية:

القاجاريون قبيلة تركية كانت ضمن القبائل التركية السبع التي حكمت الهضبة الإيرانية ضمن إطار الدولة الصفوية. وبعد سقوط الصفويين تمكَّن نادر الإفشاري من حكم إيران إلى أن قُتل عام 1747م حيث عمت الاضطرابات إيران، إلى أن تمكن القاجاريون من حكم إيران للفترة من 1779 إلى 1926م. وفي عهدهم اخترعت طقوس أخرى عديدة، من أبرزها:

1- اختراع لقب (آية الله).

2- استحداث أول حسينية تسمى بالحسينية الحيدرية في مدينة الكاظمية في بغداد في عام 1876م.

3- إضافة عبارة (أشهد أن علياً أمير المؤمنين) إلى الأذان عام 1870م في العراق بناء على أوامر الشاه القاجاري (ناصر الدين شاه) عند زيارته مدينة كربلاء؛ حيث طلب من مؤذن الحضرة العباسية إضافة العبارة المذكورة إلى الأذان، وأصبحت هذه الصيغة متَّبعة عند الشيعة في جميع أنحاء العالم بعد ذلك[25]، علماً بأن هذه الصيغة كانت متبعة في إيران منذ سيطرة الصفويين وفرضهم مذهب التشيع بالقوة عليها.

4- إضافة زيادات على تنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين بن علي في العاشر من محرم عن طريق الضرب بالسلاسل الحديدية على الظهر، والسكاكين على الرأس، حيث كان للتركمان الآذريين إسهام كبير في هذا الصدد[26].

مما تقدم يظهر أن تلك الطقوس التي اخترعها علماء الشيعة - بدءاً من العبيديين والبويهيين وانتهاءً بالصفويين والقاجاريين - أصبحت بمنزلة البنية التحتية للفكر الشيعي المعاصر، ومن ثَمَّ أبعدت - إلى حدٍّ كبير - عوامل الحوار والتقارب بين الشيعة وبين بقية المسلمين.

 

لذا؛ فإن الأمل قائم بيأن يعكف علماء الشيعة المعاصرون على تنقية التشيع مما علق به من التشيع الصفوي الغالي (المتطرف) وغير الصفوي عبر السنين؛ على حدِّ تعبير المفكر الإيراني الشيعي (علي شريعتي) الذي شنَّ حملة شعواء على قنوات التشيع الصفوي كافة في كتابه القيم (التشيع العلوي والتشيع الصفوي).


[1] د. فوزية دياب: القيم والعادات الاجتماعية، القاهرة 1980م، ص176.

[2] د. إبراهيم الحيدري: تراجيديا كربلاء، دار الساقي، لندن 1999م، ص83.

[3] د. شاكر مصطفى سليم: قاموس الانثروبولوجيا، الكويت، الطبعة الأولى، 1981م، ص824.

[4] نور الدين طوالبة: الدين والطقوس والتغيرات، بيروت 1988م، ص34ـ40.

[5] إبراهيم الحيدري: المرجع السابق، ص84، نقلاً عن العالم الفرنسي إرك فروم.

[6] د. فيس النوري: الأساطير وعلم الأجناس، وزارة التعليم والبحث العلمي العراقية، 1980م، ص95 - 96

[7] د. كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1982م، 373.

[8] دَسْت الحكم: منصب الحكم.

[9] ابن كثير: البداية والنهاية، 11/266ـ270.

[10] ابن كثير: البداية والنهاية، 12/9ـ10.

[11] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك، 7/15.

[12] د. حسن إبراهيم حسن : تاريخ الدولة الفاطمية، ص59-60.

[13] ابن كثير: البداية والنهاية، 11/24.

[14] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 8/549. وابن كثير: البداية والنهاية، 11/243.

[15] ابن مسكويه : تجارب الأمم، 2/281.

[16] د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، 1/56.

[17] د. علي الوردي: المرجع السابق، 1/57.

[18] د. كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع، بيروت، دار الأندلس، ص273.

[19] المرجع نفسه، ص273.

[20] محمد البنداري: التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي، دار عمار، الأردن، ص77.

[21] د. علي شريعتي: التشيع العلوي والتشيع الصفوي، ترجمة: د. إبراهيم دشتا دسوقي، ص132ـ134.

[22] ابن بابويه القمي: التوحيد، ص238ـ241.

[23] ابن بابويه القمي: من لا يحضره الفقيه، ص133ـ134.

[24] محمد البنداري: مرجع سابق، ص77.

[25] د. إبراهيم الحيدري: تراجيديا كربلاء، ص384.

[26] إسحاق النقاش: شيعة العراق، ص87.

 

البرهان 21/8/2009

شبكة البصرة

الثلاثاء 8 محرم 1432 / 14 كانون الاول 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط