بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

العلاقة الجدلية بين مشروع الإصلاح وطلب الحكم عند الإمام الحسين

شبكة البصرة

صباح الموسوي

كاتب وباحث من الأحواز

في كل عام تتكرر الاحتفالات بذكرى واقعة كربلاء الأليمة التي سجلت نقطة سوداء في تاريخ الأمة الإسلامية، وذلك لِما خلفّته تلك الواقعة من جرح في أعماق الأمة لم يلتئم بعد بسبب نكشه كل عام من قِبل الذين وجدوا في هذا الجرح الغائر ضالتهم لزرع الفتن والأحقاد الطائفية بين أبناء الأمة لتحقيق غايتهم الخبيثة حيث راحوا يعتمدون الغيبيات والأحلام طريقة لتفسير حركة الإمام الحسين بهدف ممارسة غسل الأدمغة وبث ثقافة الخرافة و رفض قبول أي رأي يدعو الى أعادة قرأت حركة الإمام الحسين قراءة واقعية تتلاءم مع مشروعه الاصلاحي الذي أعلنه و سار عليه حتى استشهد في سبيله.

 

لقد وضع قراء المآتِم او ممن يطلق عليهم (الروزه خونية) تحليلاتهم وتفسيراتهم لحركة الإمام الحسين الإصلاحية التاريخية وفق رؤيتهم الخرافية مدعين ان الإمام الحسين (سلام الله عليه) ما خرج من المدينة إلا ليستشهد وكل ما كان يريده هو تحقيق رواية لجده رسول الله (محمد صلى الله عليه وسلم) قال فيها ان جبرائيل عليه السلام اخبره ان الحسين يقتل بأرض كربلاء، ويزعمون ان الحسين قتل ليبقى الشيعة!. وهذا التفسير السطحي قد افرغ الحركة الحسينية من مضمونها الاصلاحي وجعلها مجرد حركة عاطفية بحتة تفسر بالأحلام والغيبيات.

 

لقد أتاح لي الإخوة القائمين على "الجمعية الثقافية العراقية - الكندية" في مدينة هاملتون بمقاطعة انتاريو، مساء يوم الثامن من شهر محرم الحرام، الـ 13 من الشهر ديسمبر الجاري، الفرصة مشكورين للحديث عن موضوع حركة الإمام الحسين وكان عنوان المحاضرة (العلاقة الجدلية بين مشروع الإصلاح وطلب الحكم عند الإمام الحسين) وقد بينا في تلك الندوة ان مسيرة الحسين إذا أردنا ان مناقشتها أكاديميا (عقليا) فلا بد ان نبتعد فيها عن موضوع الغيبيات ونعتمد الوقائع التاريخية للوصول الى قراءة علمية وواقعية لهذه الحركة. علما حين نقول بتنحية الغيبيات في هذا الموضوع لا يعني ذلك أننا نرفض الغيبيات ولكن نعتقد انها لا تصلح ان تكون سندا في قراءة القضايا العلمية او التاريخية. فنحن نعتقد ان مشروع إصلاح الذي نادى به الإمام الحسين لا يمكن تطبيقه من دون وجود وسيلة أو آلية تساعده على هذا الأمر، وقدمنا أمثلة عديدة على ذلك.

 

وهنا سوف نعرض بعض الأمثلة التي قدمناها في تلك الندوة والتي قلنا فيها إننا لا نطرح فرضيات مسبقة حول الموضوع ولكن لندع الأمثلة هي التي تٌجيب على عنوان موضوعنا لهذه الندوة. وكانت الأمثلة على النحو التالي :

اولا- لماذا قال الإمام الحسين "اني لم اخرج أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت من أجل الإصلاح في امة جدي رسول الله لآمر بالمعروف وانهي عن المنكر"؟.

الجواب، كانت هناك مدرستان، مدرسة أرادت الانقلاب على المبادئ والقيم الإسلامية الأصيلة ومدرسة أرادت تثبيت تلك القيم التي جاهد من أجلها رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) و السلف الصالح من الأئمة والصحابة الكرام، فما كان من الحسين إلا أن يخرج رافضا مفاهيم تلك المدرسة الانقلابية وكان ثمن ذلك الخروج التضحية بحياته.

ثانيا- فأذن الإمام الحسين صاحب مشروع كما أعلن هو ذاته عن ذلك، ولكن هل يمكن تطبيق هذا المشروع من دون سلطة؟ وهل هناك من تعارض بين السعي الى طلب الحكم وعملية الإصلاح طالما ان الغاية من الحكم عنده هي لإغراض دينية وليس دنيوية؟.

ثالثا - إلا يستلهم من الوقائع التاريخية والبيانات والشعارات التي أطلقها الإمام الحسين منذ خروجه وحتى استشهاده، من انه كان يسعى الى الحكم؟.

رابعا - ماذا يستلهم من رسائل أهل الكوفة الى الحسين؟، الم تكن دعوة صريحة منهم لتولي الحسين الحكم؟. فلو افترضنا جدلا ان الإمام الحسين لم يستجيب لهم ورفض تلك دعوة، إلا يشكل ذلك حجة عليه وتحرجه كأهم شخصية إسلامية تستحق ان تتولي الحكم والرفض كان سيفقده تلك الصفة بين المسلمين ولهذا استجاب لتلك الدعوة وأرسل ابن عمه مسلم ابن عقيل الى الكوفة لتهيئة الأمر والتحضير لقدومه؟.

خامسا - لو لم يقتل الحسين وانهزم جيش عبيدالله بن زياد ماذا كان سوف يحدث بعد ذلك؟ هل كان الحسين سوف يذهب الى الكوفة ليصبح مؤذنا او إمام جماعة في مسجدها ويرفض الحكم؟ ام يقوم الناس بمبايعته ويستلم يحكم؟.

سادسا- لماذا يرفض البعض فكرة ان الحسين خرج راغبا بالحكم؟ فهل طلب الحكم بالطريقة المشروعة لغرض الإصلاح وتطبيق العدالة أمر معيب ومخالف للإسلام؟، الم يقبل علي بن أبي طالب بالحكم ودافع عنه حين استلمه، وقد فعل ابنه الإمام الحسن ذلك أيضا، وكل الثورات الشيعية التي جاءت بعد واقعة كربلاء طالبت بالحكم، أذن لماذا لا يكون الحسين كأبيه وأخيه ويطلب الحكم؟.

سابعا - ولكن قد يقول قائل، لماذا لم يتحرك الإمام الحسين أيام معاوية وتحرك أيام يزيد؟.

والجواب، كان هناك اتفاق بين الطرفين لا يسمح له المطالبة بالحكم آنذاك لالتزامه بالعهد الذي وقعه أخوه الإمام الحسن في المصالحة التي جرت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان في ربيع الاول من سنة 41هـ حيث حددت تلك الاتفاقية ان الحكم للحسن بعد معاوية وان توفي الحسن قبل ذلك فهي للذي يليه، والحسين كان هو الذي يلي الحسن ولكن معاوية بعد وفات الحسن اخل بالاتفاق وعهد بالأمر الى ابنه يزيد من بعده ولهذا حين جرى تنصيب يزيد حاكما على المسلمين رفض الحسين البيعة لأنه أفضل من يزيد وانه اولى بالحكم منه ولهذا قال "ان مثلي لا يبايع مثله" وبناء على ذلك بدأ الحسين تحركه وأعلن عن مشروعه الاصلاحي.

ثامنا - ان التجارب التي مرت عبر التاريخ تأكد ان المذهب الشيعي لم يطبق في بعض البلاد والمناطق الإسلامية إلا بواسطة السلطة وهنا نورد بعض الأمثلة على ذلك.

لم يطبق المذهب الشيعي الاسماعيلي في افريقية ومصر إلا بعد استلام الفاطميون السلطة، ولم يصبح المذهب الشيعي الزيدي مذهبا رسميا في اليمن إلا بعد تولى الشيعة الزيديون حكم اليمن. ولم تصبح إيران شيعية بعد ان تولى الشاه اسماعيل الصفوي الحكم في بلاد فارس في القرن التاسع الهجري وفرض التشيع الاثنى عشري مذهبا رسميا في إيران. وهناك أمثلة عديدة أخرى.

 

وبعد ذلك نتساءل، الآ نستلهم من هذه المعطيات ان الإمام الحسين كان يريد الحكم وسيلة لتطبيق مشروعه الاصلاحي ولكن استشهاده حال دون تحقيق ذلك؟.

أما الذين سعوا الى ربط الحركة الحسينية بالغيبيات فأنهم في الواقع سعوا الى أفراغ هذه الحركة من مضمونها وأخرجوها من سياقاتها التاريخية، فإذا كانوا يعتقدون حقا ان الإمام الحسين لم يكن يريد الحكم، وان الحكم لا يشكل وسيلة لتطبيق المشروع الاصلاحي عند الحسين، فلماذا لا يقتدون بالإمام ويتركوا المطالبة بالسلطة ويكتفوا بالحسينيات ومواكب اللطم لتطبيق مشروعهم الذي يؤمنون به؟.

علما ان الأنظمة والحكومات التي مارست الحكم باسم التشيع للحسين قد كرست الظلم وإشاعة الفساد بين الناس وكانت الأبعد عن مشروع الإصلاح الذي نادى به الإمام الحسين من اجل دحر الفساد والظلم.

‏19‏/12‏/2010

شبكة البصرة

الثلاثاء 15 محرم 1432 / 21 كانون الاول 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط