بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عبدالله حوراني : رحيل فارس فلسطيني واصبعه على الزناد

شبكة البصرة

صلاح المختار

بلا مقدمات رحل عبدالله حوراني وهو منهمك في اعداد مشروعه الاخير : توحيد القوى القومية العربية، في اطار جبهة واحدة على مستوى الوطن العربي، والذي بدأ العمل به منذ بضع سنوات، وهو يرى ضخامة الهجوم المعادي على الامة العربية بعد غزو العراق وتعدد الاطراف المشاركة فيه مقابل تشتت القوى القومية العربية وعدم توحدها! قبل ثلاثة سنوات وصل المناضل عبدالله حوراني الى صنعاء وهو يحمل هم الامة كلها، وكان ينزف دما وهو يركض من اجل وحدة القوى القومية، التقى بمختلف التيارات القومية ورموزها، وحاورهم بمنطق من يعرف خطورة وضع الامة وهو يحترق بنارين نار فلسطين ونار العراق، وعلى جنبه توجعه نيران توشك على الاشتعال في اقطار عربي اخرى.

كان عبدالله يتحدث بمنطق جيل الثورة والتحدي الذي امتشق سيفه في الخمسينيات وقاد الامة الى اعظم انتصاراتها، وغير مجرى التاريخ الحديث، بصعود المرحوم عبدالناصر بعد العداون الثلاثي على مصر، وتلاقي البعث وعبدالناصر على طريق بعث الامة العربية وتوحيدها وتحقيق نهضتها الحديثة. وكان عبدالله من مناضلي البعث الذين تنقلوا من قطر الى اخر وهم ينشرون الفكر القومي العربي، وفي مصر عبدالناصر كان عبدالله طالبا مع رفاق له شارك بعضهم برسم خطوات التاريخ ومنهم القائد الشهيد صدام حسين الذي كان مسئول عبدالله في الحزب، ومن ثورة الطلاب الى الثورة الفلسطينية التي شارك فيها عبدالله مناضلا صلبا متمسكا بالمبادئ القومية وبالكفاح المسلح بصفته طريق التحرير وليس المساومات والحلول السلمية.

قال لي المناضل د. قاسم سلام، الامين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، في يوم تعتلق انوار شمسه سيصل عبدالله الى صنعاء وهو يحمل مشروعا قوميا كبيرا، والتقينا وتناقشنا وتحاورنا، مجموعات من القوميين العرب بعثيين وناصريين ومستقلين، عدد كبير من رموز الحركة القومية في اليمن، وانزرع الامل في انبثاق ما حلم عبدالناصر وصدام حسين به وهو تأسيس حركة قومية موحدة تمتد من موريتانيا الى عمان في الخليج العربي، تقود الجماهير نحو النصر بعد التخلص من تشرذم الطائفية والتطرف الديني اللذان ضربا الامة في الصميم وحولا الصراعات التحررية الى صراعات طائفية وعرقية وعشائرية وجهوية. كان ومازال الحل القومي هو الخيار الناجح الوحيد لازمة امتنا وكان عبدالله من دعاته ونشطاءه، ولم تكن السنون تعطل عبدالله رغم انها اهلكت بعضا من رموز شبابه وجعلت الابيض يتسلق شعر راسه.

في يوم ما اتصل عبدالله بي هاتفيا من عمان وقال لي اقرأ مسودة المشروع التي ارسلتها لك وسأتي مرة اخرى الى صنعاء لمناقشته وقراته ووجدت انني اعيش في ايام وحدة مصر وسوريا والنهضوض القومي العظيم، رايت عبدالناصر يسير في شوارع بغداد المحررة ويده تتلاقى مع يد الشهيد صدام حسين يحيط بهما شباب المقاومة العراقية، والنسوة يزغردن وينثرن الورود على راسيهما. ورايت دمشق وبغداد تتلاقيان بعد ان نحرتا اسطرة استحالة لقاء بغداد (العباسية) مع دمشق (الاموية) والتي روجتها جهات معادية للامة. ورايت الجزائر تعانق الرباط في تحد بارز لاسطورة اخرى وهي وجود شرخ عميق وكبير يمنع توحد الرباط مع الجزائر. وقبل هذا وذاك رايت القدس وقد توحدت وتحررت وصارت عاصمة لقطر عربي كبير اسمه فلسطين تمتد حدوده من النهر الى البحر. دمدمت في دخيلتي انه ليس حلم فمن يدحر امريكا يستطيع اقامة الوحدة العربية الشاملة.

وكانت صورة عبدالله الشاب المتحمس ابن السبعين تقلب هذه الصور وتحرك المزيد من الامل بمستقبل هذه الامة العظيمة، الامة التي قهرت اعظم امبراطورية شر في التاريخ وهي الامبراطورية الامريكية على ارض العراق. وغادر عبدالله صنعاء الى ليبيا والقاهرة وعمان وغيرها يبشر بوحدة العرب ويحث طليعتها القومية على بدء مسيرة اندماج ابناء القومية العربية في حركة واحدة تعجل بالنصر في العراق وفلسطين والاحواز وغيرها.

ومؤخرا قبل ايام من رحيل عبدالله قال لي الرفيق قاسم سلام ان عبدالله قد اكمل كتابه عن الرئيس الشهيد صدام حسين وانه يبحث عن ناشر، وان رفاقنا في بيروت استلموه لطبعه لان عبدالله لا يملك مالا لطبع الكتاب، ولذلك كنت اتوقع ان اناقش عبدالله حول كتابه بعد طبعه ونحن نواصل مناقشة كيفية انقاذ الامة بوحدة طلائعها القومية، لكنني استلمت مكالمة من رفيق مناضل يقيم في دمشق هو ابو زيد قال لي فيها لقد مات عبدالله! صعقت رغم ان الموت قدر كل بشري، لانني كنت اتوقع ان يشهد عبدالله انبثاق الحركة القومية الموحدة وان يبتسم لتحقيق واحدا من اهم انجازاته ان لم يكن الانجاز الاعظم له، رحل عبدالله ونحن بحاجة لجهده وهمته وروحه التي لاتتعب ولا تيأس ولا تتراجع، خصوصا وانها همة شاب مرت عليه اكثر من سبعين عاما ومع ذلك كان يقفز بين عواصم العرب بلا ضعف او كسل، انه رمز للتجدد في رموز هذه الامة وصورة لظاهره تناسل الاجيال وتوارثها لنزوع الامة التحرري المتواصل.

رحيل عبدالله يحملنا مسئولية مضاعفة فما بدأ به عبدالله وهو توحيد التيار القومي العربي يجب ان يكون مهمة كل المناضلين الاحياء وان يتصدئ شباب اخرين مثل عبدالله لهذا الواجب ويتحملوه بهمة لاتقل عن همة الشاب السبعيني الراحل عبدالله.

امتنا امة الابداع والبطولة، في عهود التراجع سوف تستمر في انجاب رجال يواصلون المقاومة المسلحة تماما مثلما يواصلون الابداع ويزرعون العبقرية في كل مكان، محافظين على نسغ يمد الامة بغذاء روحها : همة الرجال الذين لا يتعبون وخلقوا كي يموتوا وهم شبابا في اداء الواجب.

رحلت ياعبدالله ولكنك تركت معنا سيرتك وذكراك كاجمل ما تكون السيرة والذكرى، وبهمتنا واصرارنا سنجعل غدا بغداد تعانق دمشق والجزائر تحتضن الرباط، وستكون القدس عاصمة ليس لفلسطين وحدها بل عاصمة لامة واحدة عظيمة كعظمة بندقية المقاومة العراقية، تمتد من موريتانيا الى عمان، وستكون راية الله اكبر راية قوة عظمى عالمية جديدة، وستكون روحك معنا ترفرف فوق رؤوسنا راضية هانئة بتحقق حلمها الكبير.

29/11/2010

Almukhtar44@gmail.com

شبكة البصرة

الثلاثاء 24 ذو الحجة 1431 / 30 تشرين الثاني 2010

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط