بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسالة مفتوحة إلى زعماء القمة

شبكة البصرة

الأستاذ الدكتور كاظم عبدالحسين عباس

من أكاديمي عراقي مقاوم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

لا نريد أن نقول من جديد إنه كان لمعظمكم أدوارا معلنة وأخرى سرية في السعي المحموم لإسقاط النظام الوطني القومي العراقي بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي. لكل مَن تعاون مع خطة إسقاط النظام الوطني العراقي غاياته وأهدافه ومراميه، ولكل منكم ظروفه التي دعته أو أجبرته على الانخراط في مخططات اشتركت بها قوى تقليدية وسافرة العداء للعراق ونهجه القومي التحرري وللأمة العربية وإرادة الحياة والحرية والكرامة لابناءها، أنتم اعرف وأقدر مني على تعريفها والإحاطة بتدابيرها المعلنة والسرية.

أنا لست هنا لمحاكمة مواقف سلفت وأدت إلى ما أدت إليه من نتائج كارثية لبلد وشعب شقيق لكم على أهمية وخطورة، بل وضرورة هكذا مراجعة، بل أنا في باب نقل صورة واضحة وجلية عن جوانب من أحوال العراق الذي تريدون عقد القمة فيه ولا مصلحة لي بنقلها غير حبي للعراق وللأمة وغيرتي العراقية التي أحسبكم جميعا على دراية بمضامينها. عليكم كأخوة عرب وكقادة للأمة.. منطلقي هو الفهم والوعي التام بضرورة أن لا ينجر المرء منكم تحت طائلة أخذ العزة بالإثم ولا التمادي في الخطأ باعتقاد واهم إن هذا التمادي قد يقود إلى إصلاح ذات بين أو العبور على الجرح بطريقة لا تستند ولا تقف على أي معيار ولا مقياس واقعي، بل بقفز غير موضوعي على الوقائع ومجريات الأحداث اليومية في العراق المحتل.

 

هذا هو العراق بعد الغزو أيها السادة:

تحكمه المحاصصة العرقية والطائفية، وهي بدعة جاءت بها أميركا لبلدنا كي تضعه على حافات الهلاك بالحرب الأهلية، وقد وصل فعلا إلى مواقع ومواضع مقننة من هذه الحرب وجربها في بغداد وساحات أخرى بدرجة اقل.

العراق عمليا مقسم إلى ثلاث كيانات تكاد تكون معزولة عن بعضها البعض اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، لان كردستان العراق منحها الاحتلال الأمريكي الفارسي الصهيوني نظام كونفدرالي يقترب كثيرا من صيغة الدولة المستقلة، وحكومة المنطقة الخضراء تنتمي إلى إيران فكرا وممارسة وتنّمي مناطق جنوب بغداد بوسائل خاصة مادية واعتبارية لإقامة كونفدرالية الجنوب، وهناك دفع حثيث لإبراز رغبة الطوائفيين السنة في إقامة إقليم لهم. إن انتقال العراقيين بين هذه التقسيمات يتعقد يوما بعد يوم والقوى اللاهثة للاستفادة الفئوية والشخصية من هذا الحال الممزق تستأسد باتجاه تحقيق أهدافها على حساب وحدة العراق وتحت حماية أميركا وإيران ومَن لف لفهم. هذا يعني إن العراق يسير نحو التفتيت والتقسيم على وفق مشروع بايدن.

يجري توطين الطائفية والعرقية كل يوم بوسائل مباشرة وغير مباشرة، معلنة وغير معلنة، لأن المتعاقدين مع القوة الغازية هم من فصائل طائفية معروفة، وتسندهم ميليشيات توغلت في قوى الشرطة والحرس (الجيش الجديد) بموافقة القوة المحتلة.

لا يمتلك العراق أية قدرة دفاع عن النفس، أي انه مخترق السيادة لأنه بلا جيش ولا شرطة، هذا إن أرغمنا أنفسنا جدلا لنتفق معكم إنكم تزورون بلدا فيه سيادة من نوع ما. وما تسمعون عنه من تشكيلات يجري تشكيلها ستبقى مجرد مجاميع من العراقيين ينتمي كل منهم إلى الهوية الطائفية التي جندته ويخدم أجندتها الطائفية أو العرقية مقابل رواتب مغرية ومجزية، والغالبية المطلقة من هؤلاء يترك الخدمة بعد أن يحصل على المال الكافي. والأردن ومصر مثلا يعرفون تماما معنى هذا الكلام وخطورته على أية دولة يحصل فيها لأن كليهما قد شارك في إعداد وتدريب بعض هذه التشكيلات منذ عام 2003 وكأن العراق العظيم الذي هزم العدوان الإيراني وهو خامس أقوى قوة في العالم لا يمتلك مدربين ولا معسكرات تدريب.

سقط من العراقيين إلى الآن مليونين ونصف المليون شهيد جلّهم في عمليات التطهير الطائفي التي مارستها قوات فيلق بدر التي تمولها وتديرها إيران ومعها تشكيلات حزب الدعوة الإيراني المعروف وجيش مقتدى المعروف للجميع أيضا. وما زالت هذه التشكيلات تقتل العراقيين يوميا في كل مكان يمكنها أن تصله. هناك خطط موضوعة لإدامة طاحونة الموت ليصفّى جسديا كل مَن عايشَ دولة العراق الوطنية بين 1968 و2003، ثأرا لإيران وانتقاما للكيان الصهيوني وعقابا للشعب الذي أيّد دولته وحماها لثلاثين عاما، أجبر نتيجة لذلك أميركا على التحالف الكوني لتقاتله وتسقط دولته.. وأنتم جزء من حملة الحقد على إسناد العراقيين لدولتهم التي كانت، بدليل إن جلّكم يتعامل مع المهجرين واللاجئين والعقول العراقية بطريقة خاسئة.

العراق الآن ثكنة للأيتام والأرامل وإعدادهم مليونية وترتفع كل يوم.

سوريا ومصر والأردن واليمن وبعض أقطار الخليج تؤوي ملايين العراقيين المهجرين وقادتها أدرى بتفاصيل أحوال هؤلاء العراقيين. ففي معظم هذه الدول يعيش ملايين العراقيين تحت وطأة ظروف شديدة القسوة ومهينة وقلقة في كل التفاصيل المرتبطة بحياتهم بدءا من إجراءات الإقامة وانتهاء بلقمة العيش. والقادة العرب كلّهم يعرفون إن المهجرين والمهاجرين في هذه الأقطار العربية هم من كوادر الدولة الإدارية العالية التدريب والخبرة ومن العلماء وأساتذة الجامعات والضباط. والبلاد الأبعد لديها بعض العراقيين الذين وصلوا إليها أيضا ولكن بأعداد أقل.

في سجون الاحتلال والمليشيات والأحزاب الحاكمة تحت إمرة الأمريكان قرابة 700 ألف عراقي يتم يوميا تصفية العشرات منهم ورمي جثثهم في المزابل وبرك المياه والشوارع الخلفية تحت عنوان جثث مجهولة الهوية.!!

تجري يوميا تصفية العشرات من الطيارين والضباط وقوى الأمن والوطنيين والقوميين العراقيين في الوسط والجنوب بهدف إنهاء أي موقف يعارض الوجود الفارسي في هذه المناطق وتصفية أي توجه عروبي قومي.

هناك مئات الآلاف من عوائل البعثيين وكوادر الدولة العراقية ممن اجتثهم قانون (بريمر - أحزاب الطوائف)، بلا مصدر رزق وبلا أفق حياة مستقرة أو كريمة. إنهم مجتثون من الحياة لأنهم أبناء العروبة والعراقية الوطنية الحقّة.

ما زال التهجير الداخلي يأخذ مساراته بعيدا عن أدوات الإعلام لإكمال صورة العراق المجزأ طائفيا وعرقيا.

الانتخابات والديمقراطية والحرية المفترضة لا يمكن أن تتمثل وتتماشى مع هذا الحال الكارثي إنها محض تزوير لإضفاء الشرعية على الاحتلال وسلطة الخونة والعملاء التي يديرها جنرالات أميركا ومستشاريها من وراء الستار أو حتى من أمامه..

يجري الإجهاز على المتبقي من بنى صناعية وزراعية وخدمية في بلد بلا نور ولا خدمات بلدية ولا أمن ولا أمان.

يجري تسويق نموذج العراق الجديد عبر عشرات القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى بصورة تتوافق مع مخططات أميركا وإيران والصهيونية وعبيدهم. يسوّق العراق على انه أديان وطوائف وأقوام متنافرة يلهث كل منها ليجد له مكانا في حكم العملاء ويقاتل بمرارة ليحقق هذا الوصول وكان المتطلع أمام بلد يولد أمس ولا عهد له بالتعايش والتسامح والمحبة والمشاركة في الدفاع والبناء الذي يمتد لثمانية آلاف عام. ويتم التعتيم على العراق الرافض المقاتل وبعضكم مَن يساهمون بهذا التعتيم بخنوعكم الذليل للنموذج الذي تقوم أميركا بزراعته في عراق مفتت واهن ليرضي حقد بعضكم ويهوّن خوف البعض الآخر من مد البعث الوحدوي وتهديده لقطريتكم المقيتة.

 

أيها الإخوة..

لقد كنتم أطرافا في ذبح شعبنا وتدمير بلدنا ولا نريد منكم شيئا غير أن تتركونا نقاتل لنحرر بلدنا. كفاكم ما ألحقتموه بنا من أذى وخراب فلا تتمادوا بالمزيد مما يضيف ملايين أخرى من شبابنا ضحايا لنزواتكم وسوء تقديركم. وننصحكم أن لا تغفلوا الصلة بين ثورة شعبنا عليكم الآن وبين تعاطفه العميق والجدّي مع أشقاءه في العراق ومرارة الاحتلال الذي أخرج العراق من مسيرة الأمة وحوله إلى كيانات إيرانية وصهيونية وأمريكية. وإياكم أن تظنوا أن شعبنا العربي راض بما أنجزتموه من دمار للعراق الذي كان ملاذا لملايين العرب سياسيين أحرار وباحثين عن لقمة عيش كريمة.. لا تنسوا ملايين المصريين والسودانيين والمغاربة والتوانسة والارتريين والجزائريين والأردنيين واليمنيين الذين عملوا وعاشوا ودرسوا في العراق فضلا عن آلاف البعثيين العرب الذين كانوا شركاء في حكم العراق لو تعلمون.

العراق بلا قانون، بل تحكمه المليشيات وأحزاب سياسية لهذه المليشيات والعراق بلا مؤسسات دولة ولا خطط أو مناهج عمل إدارية أو اقتصادية والعراق بلا أمن ولا أمان فالموت قريب من أي إنسان بفعل المفخخات والتفجيرات المنظمة والعراقيين، كلهم تحت رحمة الصراع المعلن بين الأحزاب الطائفية ومرتزقتها وللصراع أسبابه المفتوحة على زمن طويل قادم لأنه صراع على الاستيلاء على السلطة بعد أن وزّعتها أميركا حصصا غير مقنعة لبعض الأطراف الطائفية من جهة ولأن هذه الأطراف الطائفية وخاصة الإيرانية منها عندها هدف أبعد من السلطة ألا وهو التصفية الطائفية لتشييع العراق كله على المنهج الصفوي الفارسي وهذا ليس سرا ولا رجم بالغيب، بل نحن نعرفه من سنوات طويلة كونه يشكل محور الارتكاز في توجهات وعقيدة حزب الدعوة الإيراني ومشتقاته الصدرية الأخرى ومنها مشتق عائلة الحكيم وعائلة مقتدى.

 

أيها السادة الزعماء:

عمرو موسى يعرف وبن حليّ يعرف معنى الاصطفافات الطائفية والآثار الحقيقية للاجتثاث على حياة العراقيين وبلدهم وعروبته ووحدته. وهم يعرفون تماما (ونتمنى أن يغلطنا أحدهم) إن الحوار الوطني كذبه كبرى تتزر بها سياسة الطوائف للضحك على ذقون مَن يصدقها ويرتجي منها أي نماء حقيقي فلقد مرت سنوات خاض فيه موسى والحليّ غمار هذه الأكذوبة ظنا منهم إنهم قادرين على تنميتها تنمية حقيقية غير إن سنوات المحاولة التي اشتملت على مئات اللقاءات والاجتماعات والندوات مع قوى سياسية متآلفة وأخرى متخالفة قد أنجبت فأرا من بطن فيل فجاء قانون المساءلة والعدالة بديلا للاجتثاث وهو أخس و أسوأ من الاجتثاث بكثير، وجاءت عمليات تسويف تعديل الدستور بديلا عن أي توجه حقيقي لأطروحات التعديل وجاءت التصفيات الجسدية للطيارين العراقيين التي أدت إلى استشهاد 182 طيار وتصفيات ضباط ومنتسبي الجيش وهي متواصلة يوميا إلى هذه اللحظة لتخطف أرواح عشرات الآلاف من خيرة رجال العراق ومن كل الطيف العراقي المعروف منذ الأزل بتنوعه الجميل.

لا توجد بقعة من أرض العراق أيها السادة إلا وتئن تحت وطأة القتل المجاني والمداهمات والاعتقالات ولا توجد بقعة من أرض العراق إلا وتئن تحت وطأة التهميش والإقصاء والتهجير القسري، وجنوب العراق ووسطه الفراتي يئن تحت آثام وخطايا وجرائم التفريس بوسائل شتى تقع بين التجهيل والاستغفال والإرهاب والترهيب واغراق المجتمع بالممارسات الشاذة والمنحرفة التي تقدم وتصور على إنها عقائد شيعية وهي محض ممارسات معيبة وفاسدة ومحرفة للدين وللمذهب هدفها تزوير إرادات الناس بالاستغفال والاستهبال وسيطرة الفطرية والعفوية في زمن ارتقت فيه البشرية إلى أعلى مراتب العلم والتكنولوجيا. فضلا عن اكبر حملة تصفيات جسدية عرفها تاريخ العراق ضد الوطنيين والقوميين المناهضين لتفر يس المنطقة.

 

أيها الإخوة الزعماء:

نحن نعرف إن العديد من أقطاركم تقع تحت وطأة مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية سببها احتلال العراق وتأسيس كيانات طائفية وعرقية فيه، ونعرف إن العديد من أقطاركم تعاني من الفقر والجوع وانتم غير قادرين على معالجتها وغير قادرين على تخليص شعوبكم من آفات الفساد والإفساد ولا من المشاكل السياسية المرتبطة بأنماط الديمقراطية التي تروج لها أميركا والصهيونية لتغرق امتنا في بحور الضياع ومزيد من التفتيت. بعضكم أيها الأخوة غير قادرين على حل مشاكل العراقيين المهجرين أو المهاجرين عندكم وهم يعدون بالألوف أو بالمئات فكيف تستطيعون إقناع العراقيين والعرب بأنكم قادرين على حل معضلات العراق بمجرد عقد قمتكم فيه تحت حراب أميركا الغازية؟ وكيف لكم أن تحلوا مشاكل الطائفية والعرقية ودستور الفدراليات والطوائف وولاية الفقيه التي صارت منهج الحكم المتأمرك في العراق؟

في كل الأحوال.. العراق محتل وهذه حقيقة معلنة و تتعاطى بها المنظومة الدولية كلها فهل انتم ذاهبون لتحرروه أم لتعطوا الشرعية للاحتلال وعملاءه؟ إن كنتم محررين فاعقدوا القمة وممثل العراق فيها مقاومته الباسلة وليس مَن نصّبهم المحتل بخديعة لا تمر إلا على مَن يريد أن يمررها على نفسه وهي الانتخابات. فأنتم زعماء وقادة وتعرفون إن كل ما ينتجه الاحتلال باطل حتى لو كانت دلالاته الخارجية والظاهرية صالحة، لان الاحتلال يكرس مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية لصالح المحتل كما تدركون.

اللهم اشهد اللهم إنا قد بلغنا.

شبكة البصرة

السبت 25 صفر 1432 / 29 كانون الثاني 2011

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط