بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مبارك في خطابه الثقيل بدأ يفهم لكن فهمه خفيف

شبكة البصرة

باسل ديوب كاتب من سورية

قد يبدو خطاب الطاغية المترنح حسني مبارك مستفزاً للحشد المليوني في ميدان التحرير، ولــ 300 مليون مصري وعربي كانوا ينتظرون تنحيه بما يحفظ له نقطة ما من ماء الوجه الكالح الذي سفحه طوال 30 سنة من إذلال الشعب وخيانة أمانيه ومصالحه.

لكن وبنفس الوقت يؤكد هذا الخطاب النرجسي - النيروني ثقيل الدم بأن مبارك قد "بدأ يفهم " وربما يحتاج الأمر إلى خطاب ثالث وسفك دماء أكثر، لكي يفهم تماماً بأن عليه الرحيل إلى جدة حيث ينتظره مؤسس نادي المخاليع العرب زين العابدين بن علي ومموله الملك عبد الله آل سعود.

مبارك بدأ يفهم و إن بدا فهمه " خفيف " وهو يتغني بصورة وهمية لشخصه، بكل تأكيد هو نفسه لا يصدقها، الطاغية لا يحب السلطة ولن يترشح لفترة رئاسية جديدة لأنه لم يكن ينوي الترشح! (لم يأت على ذكر توريث ابنه )، ولو قيض لكائن من المريخ لا يعرف أوضاع مصر أن يرى الخطاب لأجهش في البكاء، ولراوده الشك بأن هذا الشعب المصري هو شعب عاق، ويريد رحيل الرئيس الذي وفر الرفاهية والكرامة لشعبه، فقط لأنه أصبح عجوزاً، وبانت التجاعيد في وجهه، ولم تعد تنجح عمليات التجميل وشد الحنك في امتاع هذا الشعب بطلته البهية، فأراد استبدال رئيسه الهرم بحسناء مغناج صغيرة السن.

والفهم الذي أعنيه هو فهم إرادة الشعب أما الفهم العقلي، فحاشى طاغية عربي ألا يفهم، بل إن كل طاغية هو شديد الذكاء، ومبارك يعرف ويفهم ويدرك تماماً أن الثورة هي ثورة عفوية وثورة شباب غير منظم، لا قيادة لها، و هو يعرف تماماً أن لا جهة حركتهم، ولا أحزاب تتلطى خلفهم، بل إن أحزاب المعارضة الكرتونية التي يلقي إليها بالفتات يلهث قادتها في اللحاق بشباب الثورة وبعضهم يفيد وجوده في صفوف الثورة الطاغية َ و أسياده في الغرب.

وفهم مبارك هذا و ووقف الغرب و إسرائيل خلفه يزين له امتصاص الصدمة وكسب الوقت، وهو هدد المتظاهرين بالعقاب في الأشهر الباقية من رئاسته (مع بعض الفاسدين!!) بتهم الفوضى وحرق الأملاك العامة والسلب، و أكمل تهديده بفكرة أنا أو الفوضى خلال الأشهر الستة القادمة التي يحلم بترتيب أموره خلالها وتسليم مصر لابنه جمال أو لأي شخص وضمان مصالح أسياده في واشنطن وتل أبيب.

الرد جاء سريعاً، لم يكمل المتظاهرون الاستماع إلى كامل الخطاب الصفيق، الذي جاء بعد 200 شهيد و 4000 جريح، وقطع الاتصالات وحركة القطارات، وهتفوا بسقوط مبارك وسليمان فكلاهما من عملاء الأمريكان، بل ابتدع المتظاهرون على الفور هتافات ساخرة ولوحوا لمبارك بأحذيتهم.

هذا الرد كثفته الناشطة نوارة أحمد فؤاد نجم، التي عبرت بحزم شديد عن ردة فعل المليونين المحتشدين في الساحة، فقالت إن الشعب كان كريماً جداً مع الطاغية وطالبه فقط بالرحيل، لكن أمام استخفافه بمشاعرهم واتهامهم بالسلب والنهب والتخريب بعد أن قتل 200 منهم، وإفلات زبانيته للسلب والنهب، فإنهم يتمسكون أكثر بمطالبهم، و أكدت أن المتظاهرين لن يقبلوا رحيله فقط بل يريدون الآن محاكمته على جرائم عددتها، و أولها قتل المتظاهرين، وتوجيه الزبانية إلى السلب والنهب وإشاعة الفوضى و بيع القطاع العام لرجال الأعمال والتعذيب في السجون، والتأمر على الدول العربية وتسهيل احتلال العراق، وجرائم أخرى.

الناشطة إسلام عبد الفتاح بدت أكثر تحدياً في حديثها وقالت إن 6 مليون مصري سيتظاهرون لإسقاطه و إن أراد البقاء في الحكم فسيتعين عليه قتلهم بالقناصات والرشاشات وحملت مبارك مسؤولية شخصية عن كل جريمة قتل لمتظاهر تحصل بعد خطابه، وهو ما لاحت بوارده في الاسكندرية وبورسعيد بهجوم مسلحين بالسكاكين اندسوا بلباس مدني على المتظاهرين.

لا شك أن مبارك لن يتنازل بسهولة وقد تغدو المقارنة مع الملك فاروق غير دقيقة لاختلاف مصدر قوة الشخصين وموازين القوى المختلفة ولكنها واجبة فالملك تخلى خلال ساعات عن العرش في حين أن الرئيس " المنتخب " يتمسك بالسلطة التي فوضه إياها الشعب.

مقارنة أخرى تبدو واجبة بين الرئيس جمال عبد الناصر عشية هزيمة حزيران وبين حسني مبارك.

عبد الناصر خاطب الشعب و اعتبر الهزيمة مسؤوليته الشخصية وقرر التنحي وعندما خرجت الملايين تهتف بعودته وتنادي "حنحارب حنحارب " في حالة لم تشهد لها البشرية مثيلاً قرر الاستجابة لإرادة الملايين التي تظاهرت بعفوية بشرط أن يتنحى بعد إزالة آثار العدوان.

الطريف أن الصحفي عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية نقل عن أحد المقربين من مبارك بأنه قال له بفخر " عندي دكتوراه في العناد ".

هذا القول عندما يأتي في سياق ثورة شعبية سلمية عفوية يقتل فيه جلاوزة الحاكم ويجرحون المئات والآلاف من الذين يطالبون فقط برحيله عن الحكم في دولة جمهورية وهو يتمسك بالسلطة، ولا يبدي كلمة أسَف - لا اعتذار مجرد أسف على سقوط ضحايا، من شعبه الطيب والعاطفي و الذي سبق أن تعاطف معه عند وفاة حفيده الطفل محمد علاء مبارك، برغم كل القهر والمعاناة بسبب حكمه البغيض، يدل على أن العناد في شخص هذا الطاغية يحيل تماماً إلى أحد الكائنات الحية المنتشرة بكثرة في ريف مصر.

شبكة البصرة

الاربعاء 29 صفر 1432 / 2 شباط 2011

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط