بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

معارك الجيش العراقي في حرب 1948

شبكة البصرة

أ.عبد العزيز أمين عرار

باحث ومؤرخ فلسطيني

لقد أحببنا العراق لأننا وجدناه حاضنة العروبة وحاضنة البعث ولأن الأمل معقود في بنيه وإن حكمتهم الطغم المأجورة أمثال:نوري السعيد وعبدالاله والمالكي وجلال الطالباني.

 

سبب الكتابة : تقديرا لشهداء الأمتين العربية والاسلامية من أجل فلسطين وتقديرا لرمز الأمة شهيد الحج الأكبر الشهيد القائد صدام حسين الذي كان يحلم دوما بتحرير فلسطين عاملا ومجاهدا

كانت العراق وفلسطين دوما في خندق النضال،وسوح الكفاح بينهما تشابه وتشارك وللعراق صورة مشرقة في ذهن ثوار فلسطين،بدأت بالفعل الملموس عام 1936 حينما أبدى شعب العراق ونظامه الملكي في عهد الملك غازي تعاطفه مع الشعب الفلسطيني حيث تطوع العراقيون للجهاد في فلسطين إذ أنهم التحقوا بالقائد العربي فوزي القاوقجي الذين كان ضابطا في الجيش العراقي واستقال لغرض التطوع وقيادة المناضلين العرب في فلسطين وحضروا إلى فلسطين ورابطوا معه في قرية بلعا وخاضوا معارك كبيرة ولهجت بها الألسن وزغردت نساء فلسطين لفوزي ومن معه.

القائد عارف عبدالرازق يتوسط الثوار وحارب في الرطبة في ثورة مايس 1940

مجموعة شباب في مقبرة الجيش العراقي عام 1993

 

ثم أن وحدة النضال والكفاح جمعتهم في العراق حينما التجأ عشرات القادة الفلسطينيين والثوار الفلسطينيين وخيرة المثقفين والشعراء إلى العراق وهناك التحقوا وشاركوا في ثورة رشيد عالي الكيلاني على القصر الهاشمي والاحتلال البريطاني عام 1940 وقاتلوا برفقة العراقيين عبر امتداد الصحراء بين العراق وسوريا ومنهم :الثائر عبدالقادر الحسيني والقائد الثائر عارف عبدالرازق والزعيم أفندي سليم عبدالرحمن أحد أقرباء عارف والاستاذ درويش المقدادي والشاعر عبدالرحيم محمود والثائر عبدالفتاح المزرعاوي والقائد حسن سلامة،وقد انتهت الثورة بانتصار البريطانيين ولجوء هؤلاء الثوار إلى ألمانيا،و تواصل اللقاء العربي المشترك بين العراقيين والفلسطينيين في عام 1948 سواء عبر جيش جنود وقادة جيش الانقاذ أو من خلال الجيش العراقي الذي حضر قادته وجنوده للدفاع عن فلسطين أمام الغزو الصهيوني في مطلع حزيران والذين يعود لهم الفضل في حماية المثلث العربي من الرحيل والسقوط وقد امتدت جبهة القتال من جنين حتى قرية قولة جنوب كفرقاسم وهم الذين خاضوا معارك الشرف مع العدو الصهيوني عند مجدل الصادق،وقد شاهدت عام 1986بعض ناقلات الجند والشحن والدبابات التي بقيت في أرض المعركة كما أنني شاهدت عشرات الأنصاب التي تشير لجنود العدو الصهيوني الذين سقطوا هناك.

يذكر المؤرخ أكرم زعيتر ومحمد عزة دروزة من نابلس الدور المميز لنادي المثنى العراقي بتوجهاته القومية وأثره في مساعدة الثورة الفلسطينية والتعاطف معها ومع الفلسطينيين الذين فروا للعراق هاربين من العسف البريطاني لهم وقد وصف أكرم زعيتر العراق بأنه بيضة العروب وحاضنتها، ويتناول عسكري عراقي في كتابه كيف ضاعت فلسطين أن دور العراق كان حاضرا في ثورة فلسطين 1936ـ 1939 حيث أخذت اذاعة بغداد تذيع التعليمات الفنية العسكرية في كيفية معالجة المجاهدين الفلسطينيين للسور المكهرب ومن الأسلاك الشائكة ونجح الفلسطينون وتغلبوا على هذا العائق وفي عام 1948 كان معلمكو العراق يقتطعون من رواتبهم لصالح القضية وأن ثورة وحركات مايس لم يكن سببها غير نصرة قضية فلسطين... وقد خسر العراق 150 مليون دينار بعد قطع خطوط التابلاين النفطية المتجهة إلى حيفا.

(كما أن الجيش العراقي خاض معارك بطولية دفاعا عن طيرة المثلث وأوعز للمناضلين الفلسطينيين الهجوم على مستعمرة رمات هاكوفيش ولا زالت بعض الدبابات المدمرة عند أبواب المستعمرةالصهيونية كشاهد وقد دعاها بعض الكتاب الصهاينة ب"الأيام العصيبة".

 

وكانت أعظم المعارك معركة البطولة والشرف في مدينة جنين وفيها التحم المناضلون الفلسطينيون بقيادة فوزي جرار مع جهود القيادة العراقية المتمثلة بالمقدم عمر علي وخير شاهد على هذه البطولة المفعمة بروح قومية عربية تحررية مقبرة الشهداء في جنين والتي يتم زيارتها وتنظيفها سنويا وقد كان لنا الشرف في مشاركة مجموعة من المثقفين وأساتذة الجامعات لتنظيفها عام 1993 ووضع أكاليل الورد على نصب الجندي المجهول الذي يتوسطها وهذه بعض الأقوال لمن شاركوا في الثورة وانطباعاتهم عنها.

 

قدوم الجيش العراقي إلى فلسطين :

خاض جيش الإنقاذ معارك مختلفة في البلاد بين شهري كانون الثاني/يناير و أيار/مايو 1948، ولكنه لم يفلح في زحزحة اليهود من مواقعهم، أو منعهم من التقدم، فجاء قرار جامعة الدول العربية بإرسال كتائب من الجيوش العربية للقتال في فلسطين بعد 15 أيار 1948، أي بعد انسحاب الجيش البريطاني وجلائه عن فلسطين، واتفقت هذه الدول على إرسال جيوش نظامية إلى البلاد للدفاع عنها، وكان واحداً منها كتائب من الجيش العراقي بقيادة عمر علي آمر الفوج العراقي، وقرار طاهر الزبيدي مسئول الجيش العراقي في حينه.

تم توزيع الجيش العراقي في المنطقة الممتدة من جنين شمالا حتى مجدل يابا جنوبا وشملت المنطقة قرى صندلة وعارة وعرعرة وكفرقرع وباقة العربية ومدينة طولكرم وقرية قاقون وقرية قلنسوة وقرية الطيرة الصعبية وقرية جلجولية وكفرقاسم والمجدل، بينما جرى توكيل الجيش الأردني في المنطقة الممتدة من رام الله حتى الخليل، والجيش السوريفي قرى زرعين وطبريا ومنطقة الناصرة والجيش اللبناني على حدوده، والجيش المصري في منطقة بير السبع والنقب وغزة، وشاركت بعض الكتائب السعودية والسودانية من خلال الجيش المصري.

تفاءل الناس من جديد، واستبشروا خيراً بقدوم الجيش العراقي، الذي كان حسن السمعة والصيت، ومما جاء على ألسنة العوام من الناس قولهم مرددين شعراً، القول الغنائي التالي:

يا عرب فلسطين إسرائيل مين ذللها وفي مؤتمر القمة لأصحابها حللها

وتشرف على فلسطين وأطلالها ومن فوق تشوف جبالها

وإن طلت جيوش العرب جيش صالح زكي أ ولها

 

استبشرت نساء فلسطين بقدوم ضباط وجنود الجيش العراقي الذين قدموا للدفاع عن فلسطين والذين رابطوا في أرض المثلث فقلن فيهم:

يا زتون ما مروا عنك عراقية  بارودهم في كتوفهم مجلية

يا زتون ما مروا عنك غير اثنين  الحرس والنقطة ع رأس العين

 

وأشادت النساء ببعض طائراتهم التي شوهدت تحلق في سماء فلسطين فقلن:

الله على طائرته الحربية ما أحلاها بضرب وما بخاف من قطع الطنا

 

ويتناول العسكري العراقي عدد الجيوش العربية فيقول أنها كانت في باديء الأمر 21.500 وأن جيش اليهود كان 65ألفا والذين يشكلون 10بالمائة من مجموع اليهود في فلسطين وهذا يشير إلى عدم التكافؤ العددي رغم أن العرب كانوا يومها 70 مليون نسمة وكانت مصر 24 مليون،وعن هذه القوات يذكر كلوب باشا في كتابه (جندي بين العرب): أنها كانت في بداية الحرب على النحو الآتي :

مصر 10000، الأردن 4500 والعراق 3000 وسوريا 3000 ولبنان 1000 وأرسلت السعودية قرابة 300 جندي ويذكر كلوب باشا أن العدد ارتفع في كانون الأول عام 1948 ليصبح 55000 ويشكل العراق فيه 15000 جندي وضابط أما جيش اليهود فوصل 120000، وقد زادت القوة العراقية إلى 19000 لتتحمل جهدا اضافيا بعد حصار الصهاينة للجيش المصري في قطاع الفالوجة وعراق المنشية

وعن قدوم الجيش العراقي إلى البلاد وأسبابه يقول أحد المناضلين في جيش الانقاذ المرحوم أحمد عبدالحق الشملة من بلدة كفرثلث

"لم يكف جيش الإنقاذ ولا متطوعي البلاد، ولا الجهاد المقدس لحماية البلاد فأرسلت الجامعة العربية سبعة جيوش عربية، جاءتها هذه القوات من مختلف الجهات فرابطت قوات الجيش العربي الأردني بقيادة كلوب باشا في كل من القدس، واللطرون، وقرب اللد، والرملة، وأما القوات المصرية فرابطت في جهات غزة والنقب، أما القوات العراقية في نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وكفر قاسم ورأس العين.

 

النضال المشترك بين شعبي العراق وفلسطين:

قبل أن تخوض القوة العراقية القادمة إلى فلسطين معاركها مع اليهود اتخذت عدداً من المواقع المهمة والمرتفعة نسبياً عن السهل الساحلي الفلسطيني، والواقع أمام ناظريها، وأهمها: مواقع في كفر قاسم، وصوفين، و الجبيلات قرب طولكرم، ونصبت في هذه المواقع عددا من المدافع، حتى تكون سلاحا مساندا للمناضلين الفلسطينيين الذين أخذوا على عاتقهم الهجوم على بعض المستعمرات اليهودية، وكان التركيز الأساس في الإسناد الخلفي على سلاح المدفعية.

يظهر من سير المعارك وروايات الذين شاركوا فيها من المناضلين الفلسطينيين أن قادة الجيش العراقي لم يمتلكوا خطة هجومية عسكرية، بل كانت خطتهم دفاعية وفق خطة وحدود مرسومة أعدت سلفا، بحيث لا تتجاوز خط سكة الحديد الذي يربط رأس العين ـ حيفا، ويمر غرب جلجولية، وبيار عدس، وقلقيلية، والطيرة الصعبية، وطولكرم.

كما أن الفلسطينيين كانوا في شك وغير مؤمنين بجدوى حرب الجيوش العربية حدثني المناضل المرحوم توفيق أبو صفية.

" طلب الجيش العراقي من الفلسطينيين تقديم عدد من المتطوعين والمال، وسئلت وجاهات في قرى كفر ثلث، وخريش، وبديا، وكفر قاسم، حول مساهماتها، وقد أبدت بعض القرى عدم القناعة في جدوى الحرب أو المشاركة فيها، بسبب شعورهم أن الحرب لم يُعد لها، وقد جمعوا أهالي كفر ثلث وخريش، وحضر الاجتماع الشيخ علي كايد القدومي، وأخي أمين أبو صفية وغيرهم وطلبوا من الناس الحراسة، ودفع مصاري لإطعام المناضلين الفلسطينيين.

 

معركة جنين:

يذكر المناضل القومي بهجت أبو غربية أن اليهود جربوا قطع الطريق على الجيش العراقي فابتدئوا بجنين وحشدوا لهذا الهجوم 4500 جندي وانطلق هجومهم على العفولة يوم 3/6/1948 فاحتلوا في طريقهم زرعين وصندلة والجلمة وقصفوا مدينة جنين من الجو وتقدموا لها من 3 محاور وكان الهجوم الرئيس من الشمال وقد أخلاها جيش الإنقاذ قبل وصول الجيش العراقي ولم يكن فيها أكثر من15 مناضل فلسطيني وسرية أردنية يقودها عصر المجالي والتي انسحبت أيضا قبل أن تسلم مواقعها للجيش العراقي فذعر سكان المدينة ورحل معظمهم ولجأ من بقي منهم إلى قلعة تيجارت وعددهم لا يزيد عن خمسين وفي هذه الأثناء وصل فصيل عراقي مؤلف من 37رجلا يرافقه 50 مناضلا فلسطينينا تمركزوا في تل يقع شمال جنين بثلاثة كيلومترات،ثم وصلت سرية عراقية تعدادها 80 رجلا وتبعتها سرية أخرى وزاد عددهم حتى بلغوا 250 رجلا يرافقهم خمسين مناضلا فلسطينيا ونظرا لاحتلال المدينة من قبل اليهود قاموا بحصار القلعة ومهاجمة المتحصنين حتى 3حزيران 1948.

وفي هذه الأثناء طلبوا النجدة من القيادة في نابلس فتحرك فوج عراقي(كتيبة) من نابلس بقيادة المقدم عمر علي الذي أشيع أنه تحرك بدون أوامر من قيادته العليا التي طلبت منه التريث،واستعان هذا الفوج بأعداد كبيرة من مناضلي قرى نابلس وجنين وعرابة وبرقين ورمانة وسيلة الظهر وصانور وتعرضت هذه الكتيبة لقصف جوي في طريقها وواصل الجيش العراقي زحفه عبر الطريق العام بينما يزحف المناضلون الفلسطينيون من الجبال المحيطة بالمدينةبأعداد كبيرة ومعهم عدد من النساء يزغردن ويشجعنهم وعند الظهر وصل الفوج العراقي ونجحوا في فك الحصار عن القلعة وخسر اليهود 350 قتيلا وذكرت مصادرهم أنهم خسروا ألف قتيل وجريح وغنم العرب نحو 350 قطعة سلاح وكميات كبيرة من العتاد والألغام،واستشهد 20 من الجيش العراقي و20 من المناضلين الفلسطينيين و46 من المدنيين،وفور العملية وصل الأمير عبدالإله الوصي على العرش ونوري السعيد رئيس الوزراء وشاع أنهما حضرا للتحقيق مع المقدم عمر علي ومحاسبته لأنه تحرك إلى جنين قبل أن توافق قيادته على ذلك(بهجت أبو غربية في خضم النضال العربي الفلسطينيص310).

 

معركة قاقون:

قرية فلسطينية تقع في السهل الساحلي الفلسطيني عرفت بمشاركتها في عدة ثورات فلسطينية وقد استعد ستون شابا للدفاع عنها وحضر إليها جيش الانقاذ بقيادة الضابط العراقي مدلول بيك وانسحب منها ثم وصلها الجيش العراقي متأخرا وقد زاد ضغط العصابات الصهيونية عليها ووصلها فصيل من الجيش العراقي وتعداده 33 واحتشد اليهود في 4 حزيران في البيارات القريبة منها وقصفوها بعد الظهيرة بقذائف المورتر فقتلوا منها عشرة مما اضطرالسكان للرحيل بينما اتصل قائد الفصيل العراقي بقيادته فيأتيه الجواب " ماكوا أوامر" وليس لدي قوات يمكن إرسالها لنجدتكم،ووصلت القرية نجدات متأخرة فسقطت في يوم5حزيران وحاول الجيش العراقي استردادها يوم 6حزيران ولكنه لم يدخلها (بهجت أبو غربية ص311).

واكتفى بقصفها بالمدفعية وحول خسائر العرب يتحدث استاذ التاريخ في جامعة القدس المفتوحة بمدينة طولكرم عبدالرحيم المدور في كتابه قاقون أن شهداء القرية 33 رجلا وإمرأة واثنين هبوا لنجدتها من دير الغصون وأن 37 جنديا عراقيا استشهدوا في المعركة وهم خُمس شهداء الجيش العراقي الذين قدرهم المؤرخ الفلسطيني عارف العارف ب 287 شهيدا بينهم عشرة ضباط.

 

معركة الطيرة الصعبية تقرر مصير نابلس:

قرية الطيرة قرية فلسطينية مناضلة تربض في نهاية السهل الساحلي الفلسطيني قرية حديثة النشأة وعمرها يقرب من 300 عام قاومت الاستعمار الصهيوني مبكرا حينما هب رجالها في ثورة 1921 لنصرة الشيخ شاكر أبو كشك في هجومه على مستعمرة ملبس وهي أول مستعمرة صهيونية وفي الحرب راحت تشارك ببسالة وتتصدى لمستعمرة رمات هاكوفيش التي كانت كالقلعة الحصينة وتعرضت لهجمات صهيونية متكررة بلغت 3هجمات وقد صدتها جميعا،بينما سقطت حيفا ويافا وعكا ومع أن الذخيرة قليلة لكن البطولة والفداء فاقت التوقعات وجمعوا التبرعات وحضرة نجدات من قبل الثائر حمد جودة زواتا أبو فؤاد الذي أمدهم بستين رجلا، وهو أحد قواد الفصائل في ثورة 1936ـ 1939كذلك جاءتهم من سيلة الظهر قرب جنين.

 

ويتحدث المناضل المرحوم عبدالرحيم عراقي في كتابه (لا تخف) أنه وصلت أبناء قرية الطيرة خبر قدوم الجيش العراقي إلى مدينة طولكرم على بعد 13 كيلومترا فاستبشروا واطمئنوا وضجت القرية بالفرح والأمل عندما سمعوا بخبر هجومهم على مستعمرتي نتانيا وكفار يونا ولكن جاءتهم الأوامر من الملك عبدالله ملك الأردن بالانسحاب... ثم حضروا للطيرة ومعهم ستون جنديا وكان أول عمل قامت به القيادة العراقية في الطيرة هو تسجيل المقاتلين وصرف عشرة دنانير شهريا لكل منهم ثم حسنت الخطوط الدفاعية بعمل (الروابي) أو (الرابية) والتي تسمى في فلسطين ب(الطابات) وراح الجيش يقدم خدمات للمدنيين، مثل :تقديم الأغذية للمواطنين وتوزيعها عليهم أو طبخها ورصف الطريق...وجمعت المنشورات التي وزعها الصهاينة في حربهم النفسية على الفلسطينيين والتي راحت تشكك بالعلاقة بين الفلسطينيين والعراقيين وتواصلات الاشتباكات وقام الصهاينة بهجوم رابع على الطيرة ولكن العراقيين والفلسطينيين صدوه وقابلوه بهجوم معاكس على مستعمرة هاكوفيش واستشهد 7 جنود عراقيين ناهيك عن عدد من المناضلين الفلسطينيين وبينما كان الدم ينزف من جندي عراقي وبغزارة كان يقول "هذا كرمالك يا فلسطين" وهكذا سارت جنازة الشهيد أحمد ناصر على الأكتاف وفي ملابسه العسكرية وحضر المقدم عمر علي ليتفقد مواقع الطيرة وقد سر من مقاومة القرية وقال أنتم بهذا العمل الجبار تدافعون عن نابلس وبعد حضوره أطلقت المدفعية العراقية الجبلية قذائفها على مستعمرة هاكوفيش.. ولا يدخر الجيش العراقي من مشاغلة دائمة للقوى الصهيونية في هذه المنطقة.. أخيرا جاء الرحيل وتوقف اطلاق النار في 3/4/1948 وكان العراقيون ينتحبون كالنساء وهم يقولون ماذا نقول لأمهاتنا وقد أوصيننا أن لا نعود الا بتحرير فلسطين وإرجاع اللاجئين لبلادهم أنقول بعناها أم سلمناكم الله واياكم يا أهل الطيرة والله انكم رجال...جاء الجيش الأردني ورفع العلم أياما وانسحب إلى الشرق وخضعت الطيرة للحكم العسكري.

وبسبب انسحاب الجيش العراقي هاجت مشاعر الفلسطينيين وشكلوا وفودا ذهبت إلى عمان لمقابلة قائد الجيش العراقي نور الدين محمود لتطلب استمرار بقاء الجيش في مناطقهم لأن الجيش الأردني قليل ولا يستطيع بانتشاره حماية هذه المناطق،ولكن لم يمكنه أحد مكن اللقاء معه وزاد الطين بلة أنهم علموا بأن اتفاقية رودس تسمح بضم أراض جديدة انسحب منها الجيش العراقي لليهود وهي المسماة بأرض المثلث الفلسطيني وشعر قادة الجيش العراقي بالألم وهو ما سيدفعهم لاحقا لعمل ثورات وانقلابات كان سببها شعورهم بالموقف المخزي لحكوماتهم في فلسطين والتي أرسلتهم فقط كامتصاص لغضب الشارع العراقي الذي كان يتظاهر ضد معاهدة بورتسموث وغيرها.

 

ويتحدث المناضل عثمان عبدالهادي "أبو جمال" في احدى مقابلتي معه:

"قصف اليهود سوق الخضار في قلقيلية بينما قصف العراقيون مستوطنة رمات هاكوفيش شمال قلقيلية، ولقد جاء الملك عبدالله ملك الأردن يومها على القائد العراقي عمر علي في طولكرم.

وفي هذه الإثناء قام العراقيون بجمع سبعة متسللين فلسطينيين والمعروفين بسرقة البقر من الكيبوتسات اليهودية، وطلبوا منهم المساعدة في تنفيذ أحد المهمات، وسلموهم مسدس إشارة تنوير، وطلبوا منهم إطلاق إشارة عند اقترابهم من المستوطنة، وقالوا لهم إذا نجحتم في هذه المهمة تطلقوا طلقة خضراء، وإذا فشلتم تطلقوا طلقة حمراء، وتقدموا لمستعمرة هاكوفيش، وجاءوا الخنادق من الغرب، وكانوا يجيدون اللغة العبرية، ولما وصلوا الخنادق وجدوا حارس بباب المستعمرة وانقّضوا عليه بالخناجر بعد أن أوهموه أنهم دورية إسرائيلية وأجهزوا على بقية الموقع واستلموه. وبدلا من إن يطلقوا طلقة خضراء أطلقوا طلقة حمراء، وطلقة خضراء أخرى، وكان الجيش العراقي على أهبة الاستعداد للهجوم وفكر العراقيون أن المناضلين الفلسطينيين غلطوا فعلا بدأ إسناد المدفعية مع تقدم الجنود، وسقطت كل الخنادق بيد الفلسطينيين والعراقيين وكانت معركة حامية الوطيس خسر فيها العرب عددا كبيرا، وذهبت إلى قلقيلية، وكان فيها أكثر من عشرين دارا استشهد أبناؤها.

 

معارك الجيش العراقي حول جلجولية ورمات هاكوفيش:

ليس أبلغ من الاستشهاد بأحد المناضلين عند حديثه عن سير المعركة، وعلاقتها بالدفاع المحدود ضمن معركة سياسية محدودة أعد لها النظام الملكي وكذلك فعل ملوك ورؤساء العرب يومها حيث أرسلوا هذه الأفواج لا لتخوض معركة تحرير وإنما لتدافع عن بعض ما تبقى بيد العرب بعد 15 أيار 1948،ويظهر أن قادة الجيش العراقي وضباطه لم ينسجموا مع هذا المخطط وقد دفعوا بالمناضلين الفلسطينيين للهجوم وتم إسنادهم بالمدفعية والدبابات وفي هذا الشأن سمع الفلسطينيون مقولة ضباط وجنود عراقيين : (ماكوا أوامر) وهذه كانت مصدر لغط وأسيئ فهمها، ورغم ذلك خاضوا معارك الفخار والعزغصبا عن نور السعيد وعبدالاله يروي أحد الشهود المرحوم توفيق أبو صفية:

"كانت بداية مشاهداتنا لمعارك الجيش العراقي أن هذا الجيش قصف ملبس ورأس العين حيث تتمركز القوات اليهودية، ودخل المجاهدين الفلسطينيين إلى المعسكر البريطاني قريباً من رأس العين وهرب اليهود إلى الغرب تحت غطاء من نيران المدافع والدبابات العراقية، وتقدمت مشاة الجيش العراقي إلى قرية مجدل الصادق، وحدثت معارك باسلة بينهم وبين اليهود وخسر الطرفين عدد من الدبابات والسيارات العسكرية، وبعدها جاءت أوامر للجيش العراقي بأن يحافظ على مواقعه ولا يتقدم، ورجعت القوة إلى كفر قاسم، ورابط العراقيون على طول خط سكة الحديد الممتدة من رأس العين إلى طولكرم وجنين شمالا وسعوا إلى ضم فلسطينيين.

 

وعن المناوشات التي جرت غير بعيد من قرى خريش وجلجولية، وعن مشاركة أبناء القرى الفلسطينية يقول المناضل عثمان عبدالهادي عرار:

"سيطرت الحركة الصهيونية على عشرة بيارات كبيرة من البرتقال قرب قرية بيار عدس إلى الغرب من جلجولية، وبدأت المعارك حولهن، وفي البداية كانت مناوشة، واجتمع ضابط عراقي وصهيوني وفيها حذر الضابط العراقي الضابط اليهودي بأن يخلي العشر ببارات لكن الضابط الصهيوني قال:ـ سنأخذها غصبن عن السبع ملوك، وكان الوسيط الدولي حاضرا، فما كان من الضابط العراقي إلا أن بطحه على الأرض، وخبط عليه، وفصل بينهم المراقب الدولي، وقام العراقيين بتوزيع جنود ومناضلين على البيارات، وأمر الضابط العراقي أثنين من المناضلين العرب بتعبئة أكياس الرمل ووضعها في سواتر ترابية أمامهم،وتسللوا إلى البيارات وهم منبطحين أرضا، وفي هذه الإثناء دخلت فيها ثلاث دبابات إسرائيلية،وبدأت الرشاشات تحصد شجر البرتقال.

ورد العدو الصهيوني وأصيب العريف العراقي بجرح في كتفه، وتسلم رشاشه جندي أول وأصيب هو الآخر بنفس الإصابة، واستلم الرشاش جندي عراقي، واثنين من المناضلين، وأوقفوا تقدم الجنود بعد أن جاءتهم أوامر من القيادة الخلفية في تله عارف بقرية جلجولية وأعطى هؤلاء إشارة إلى المدفعية في موقع صوفين بمدينة قلقيلية فأخذت مدافع العراقيين تدمر دبابات الإسرائيليين، وشوهدت إحداها محترقة غربي جلجولية، واشتركت مصفحة لبلدية قلقيلية في المعركة وكانت محملة بمدفع رشاش من نوع Six Bounder، ومعها برن واتجهت لبيارة رفيق أبو حجلة إلى الجنوب من البيارة الأولى، وهي مكشوفة وضربها اليهود بمضاد للدروع وبنشرت. بعد ذلك جاءت دبابتان عراقيتان وطرحنا عليهم بان يتقدموا لنجدة المصفحة العربية فكان الجواب ماكو أوامر جاءت دبابة إسرائيلية، وهي الثالثة، وطلعوا عن سكة الحديد إلى السهل، وبدأنا في الرماية عند ذلك تنفست مصفحة قلقيلية الصعداء، ومشت ولا زالت ترمي، وعندما شاهدها اليهود طلعت على السكة تركوا الخنادق وهربوا وسقطت بيارة أبو حجلة ثانية في أيدي العرب، و بعدها سقطت العشرة بيارات في أيدي العرب واستلموهن 15 يوم، و جاء أمر بوقف إطلاق النار الأخير ورجعنا لخط إطلاق النار شرقي خط سكة الحديد ".

 

حدثني هذا الراوي عن بعض العمليات التي قام بها المناضلون، والمناوشات التي جرت يقول:

"ذهبنا نحن الأربعة: توفيق أبوصفية، ويوسف ابوهنية، وعثمان عرار، وموسى البدوي من شرق الأردن و الذي عمل راعيا في خريش. أرسلنا يومها للقيام بالمهمة عريف في الجيش العراقي، وضربنا قوة اليهود في قرية بيار عدس، ورجعنا بسلام، وصارت مناوشات وانتقلنا إلى خندق في تل عارف، وفي ليلة من الليالي هاجمونا اليهود وبدأت الرماية من الطرفين، وبقيت المعركة دائرة لغاية الساعة الثالثة صباحا، وكان عندنا جنديين عراقيين.

انتقلنا بعدها إلى جسر المويلح على سكة الحديد قريب من بيارة أبوجبارة، وهناك أيضا هاجمونا اليهود، وكان الخندق منفرد وبعيدين عن وحدة المناضلين والجيش العراقي، وبقيت الرماية لغاية الصبح،وكلفنا الجيش العراقي بعدة مهمات،حيث أرسلوني ومعي داود الحاج احمد الأشقر، والشيخ سليم سلامة هدشة للهجوم على موقع لليهود يقع غرب جلجولية، ورجعنا للقيادة العراقية في دار عارف بجلجولية وأشرف علينا الضابط عزت الذي أمرنا بالهجوم مرة ثانية على البيارة ورجعنا، ووجدنا اليهود هاربين".

 

ويفخر المرحوم توفيق أبو صفية بدور جيش العراق ويلهج ذكره ببعض الأسماء التي شاركت في الحرب والعلاقة الحميمة بين أطياف الشعب العراقي ـ الذي لم يعرف الطائفية والإثنية كما هو الحال في دولة المالكي:

"كان عندنا الضابط العراقي صالح بنجمتين والرئيس محمود بثلاث نجوم، والرئيس علي بثلاث نجوم، وثابت بتاج، والمقدم نوح بتاج ونجمة، وعلى ذراعه مكتوب خطر، والمقدم شاكر لاقاني عند قلقيلية من قبلي في شلال وأعرف عبد الكريم قاسم والقائد عمر علي، وعاصرت ثلاث جنود منهم هذال الشيعي برتبة عريف وكان مسئولا عنا، وعلى الرشاش حسين نعمة سني، وجمعة عبد الرحمن كردي".

 

وحول الخسائر التي أوقعها المناضلون العرب تحدث قائلاً:

"ربما كانت حادثة قتل يهودي يومها وكان اليهود واقفين على بابور اليافاوي وكنت تدربت على الرماية قبل الحرب.كان معنا الجندي احمد وداع الذي قال لي ارمي صيب وأطلق كل واحد فينا طلقتين ووقف إمامي خيال بعيد شخص لونه احمر اعتقد إنني أصبته واليهود حولوا الرشاش ولا ادري مات أم جرح*".

 

ويظهر أن الحرب لها تقاليدها وأخلاقها الخاصة بها، وعن دور عبد الكريم قاسم فيها حدثني الراوي:

"عبد الكريم قاسم قام بضرب ملبس والمجدل قال له حكام العراق ليش ضربت؟

قال: هؤلاء قتلوا الأطفال، وقال لهم روحوا حاكموا والدي في العراق، وكان عبد الكريم قاسم مهندس توسيع شوارع كفر قاسم، ونقش حجر في المقبرة القبلية، وجمع حرامية البقر، وفوضهم بسرقة البقر الهولندي من مستعمرات اليهود، وبيعت هذه في البلاد، وقبض عبد الكريم قاسم ثمنها، وأهل كفر ثلث اشتروا عجلة هولندية منها ".

 

ومما حدثني به الراوي السابق عن غرائب الحرب، أنه:

"كان هناك رشاش سميناه باسم سلمى شارك في معركة جنين المشهورة في تاريخ حرب الجيش العراقي في فلسطين، وبقيت سلمى من بين اثني عشر رشاشا حميت.

وقال أحد الضباط العراقيين أنهم غنموا ثلاث مائة قطعة سلاح من اليهود في معركة تحرير جنين وسموها باسم عملية سلمى.

 

ويرى هذا الراوي إن معركة هاكوفيش كانت واحدة من المعارك المهمة التي قام بها الجيش العراقي في منطقتنا مثلما يشار إلى دور الجيش السوري في معركة الشجرة وهو يقول:"

كانت الدورية تأتي ألينا ليلا ولنعرف انه عربي أم صهيوني نقول سر الليل تقدم، فيرد علينا نصر، وكان ذلك في ليلة الهجوم على مستعمرة هاكوفيش ومعاركها الطاحنة.

وعن دور الضابط رفعت الحاج سري كتب صالح العلي في كتابه :بصمات الأيام الذي جاء فيه ص50 يقول عن قريته قلنسوة القريبة من قرية الطيرة :دخلت القرية أفراد من الجيش العراقي وعلى رأسهم الرئيس صديق والرئيس متى يرافقه ضابط خبير متفجرات (رفعت الحج سري) هذا الضابط أظهر اهتماما بالغا وأبدى حبا عظيما للقرية وأهلهاومقعها ومن أعماله الايجابية نقل الخطوط الدفاعية إلى الأمام حتى أصبحت ملاصقة تماما من خطوط اليهود وقريبا جدا من المستعمرات.. ولقد أحبهم وأحبوه وتقاسموا الرغيف وتناوبوا على الحراسة بينهم.. وباعت النسوة حليهن وأشترى أزواجهن السلاح والعتاد ولم ترسل الدول العربية لهذا الموقع ما يستحق الذكر سوىبعض صناديق الذخيرة التي كان هذا الضابط يحصل عليها سرا وبعض الملابس الشتوية أرسلت معونة من الشعب العراقي... هاجمت المصفحات العراقية مستعمرة جئوليم بعد استشهاد جنودها في قاقون القريبة وشاركهم الشباب الفلسطيني حماستهم واقتحموها وكانت التكبيرات وعند أبواب المستعمرة توقفت المدرعات العراقية ولم تتقدم وانشغل الناس بتحطيم ونهب الممتلكات..ز استفسر الناس من العراقيين عن سبب هذا التراجع وأمر القيادة العامةبتنفيذ الأوامر والتقيد (ماكوا أوامر ماكوا أوامر) وانسحبت القوات العراقية شرقا إلى نورشمس بينما سيطرت حالة الهلع والخوف على الفلسطينيين حيث لاحقتهم مدافع ورشاشات مستعمرة كفار يعتس القريبة.

 

تأثير انسحاب الجيش العراقي على الفلسطينيين:

أسهم قرار انسحاب الجيش العراقي من خط المثلث في نشر الهلع والخوف في نفوس الناس، وقد كان جنود الجيش العراقي وضابطه يبثون أخبار الانسحاب وتأثيره المستقبلي، وجاء قدوم الجيش الأردني ومرابطته قرب قرية حبلة، وخربة الزاكور،ومدينة قلقيلية ليبعث فيهم الخوف والقلق على مستقبلهم، وتبادر إلى أذهانهم إن التهجير لا محالة واقع، وبدأت حكومة الأردن تجرى مفاوضات في جزيرة رود س لوقف إطلاق النار، وإجراء عملية انسحابات للجيوش العربية، وتحديد خط الهدنة بين طرفي الصراع على طول البلاد من الشمال إلى الجنوب،

حول هذه الأحداث يقول الراوي:

"كان االجيش االعراقي من ضباط وجنود قد المحوا إلى المؤامرة التي تنتظر الفلسطينيين والناس تسمع راديو، وجرت اتفاقية رودس، وحصل خلاف بين الأردن والعراق، العراقيون طلبوا خسارتهم في الحرب؛ لأنهم سيخرجوا منها بخفي حنين، والأردن على ما أظن دفعت مبلغ عن طريق بريطانيا، والجيش اعصي والضباط رفضوا الانسحاب.

بعد أن هدأت جبهات القتال بقي الجيش العراقي يقاتل العدو وحده، وقد انتهى به الحال إلى تطويقه في كفرقاسم، كما أسهمت سياسة ملك العراق الدفاعية، التي لهجت بها ألسن الضباط والجنود العراقيون في قولهم: ماكوا أوامر، وبسبب سياسته الدفاعية التي رسمتها له حكومة بغداد، عن هذا الحصاد الذي لم يستمر طويلا يقول الراوي:

"في البداية دخل الجيش العراقي مجدل الصادق، وجاءت طائرتان عراقيتان لتشترك في الحرب ولكنهم انسحبوا منها بناء على أوامر قيادتهم البعيدة، لأن المخطط مرسوم سلفا، واتصل عبدالكريم قاسم بالقيادة العراقية، ثم جرت اتفاقية رودس في 4نيسان 1949مع الأردن وانسحب الجيش العراقي، ودفع التعويضات للعراقيين عن خسائرهم، واستلم الأردنيون خطوط النار، وقد كان الضباط العراقيون يقولون إثناء المعركة اضرب أيها الجندي ولعنة الله على عبدالاله.

وبعد أن تيقن وجهاء القرى من خروج العراقيين، قرروا إعلان ولاءهم للأردن وقدموا مضابط للملك عبدالله يعلنوا فيها الولاء، وظنوا أن الولاء سيساعدهم على الحفاظ على البقية الباقية من البلاد، وانسحب الجيش العراقي وذهب إلى بغداد، وأخذوا جرحاهم معهم، وبعد خروجهم من فلسطين بثلاث أيام سلم ملك الأردن عبدالله منطقة المثلث العربي وتضم : رأس العين وكفربرا، و كفرقاسم، وجلجولية، وخريش، و الطيرة، وقلنسوة، و الطيبة، و باقة الغربية،وعارة وعرعرة وكفرقرع وغيرها وبعد اتفاقية رودوس رجعت القوات الأردنية إلى الشرق كليومتر من خط سكة الحديد، وخضعت منطقة المثلث العربي لحكم عسكري صهيوني منع فيه أهل البلاد بالخروج أو المبيت خارج قراهم إلا بتصاريح ولساعات محدودة ".

ويكتب صالح العلي عن رحيل القوات العراقية من قريته قلنسوة :اجتمع الناس أمام المقر العراقي اثر دعوة الضابط العراقي رفعت الحج سري الذي ذرف الدمع غزيرا على مرأى من الناس بقوله: أنصحكم أن تبقوا في بيوتكم وعلى أرضكم واقبلوا مصيركم بصبر وحكمة. لقد تقرر بيعكم لأعدائكم بعد تولي الملوك قيادتكم... اني عاجز أن أوفيكم قدركم وشجاعتكم والأمانة تفرض علي أن أسجل أعمالكم ورجولتكم وتضحياتكم ونقلها للشعب العراقي... واعلموا أنكم في القلب والوجدان لن ننساكم ولن ننسى قضيتكم.. ورحل الجيش العراقي وتسلم الجيش الأردني مواقعه وانتهى مصيرها بعد أيام في يد اليهود... وأنشد الناس فيهم:

يا الأردنية سود الله وجوهكم  بعتوا وطنا ودرتوا لنا ظهوركم

يا الأردنية يا واقفين ع الحدود  بعتو وطنا وسلمتونا لليهود

 

وبعد سقوط اللد والرملة بتقصير واهمال الجيش الأردني الذي يقوده القائد البريطاني كلوب باشا حاول عبدالكريم قاسم أن ينجد قرية المزيرعة وحمل إليها 2500 طلقة على بغل ولكنه وجدها قد سقطت وأيناه راجعا ودموعه على خده وانسحب قائد القوة العراقية إلى كفرقاسم وكان ينشج ويقول "هكذا هي الأوامر" وينقل رواة عند المناضل البعثي الدكتور رفعت عودة من بلدة بديا أن ضباطا عراقيين اجتمعوا ذات يوم في بيته وهو معهم وكان بينهم عبدالكريم قاسم ووضعوا مسدساتهم على الطاولة وأيديهم فوق المسدسات وأقسموا على قتل الوصي عبدالاله... اتفقوا على أن ينفذ العملية أي منهم متى سنحت الفرصة وفعلا قتلوه بخطيتنا!(فؤاد عبدالنور:المثلث الأرض والانسان،ص14)

ولهذا جاء قرار ترسيم الحدود وخط الهدنة الجديد ليدفع البعض للرحيل عن بلده أو إلى محطات أخرى، وعلى أثر ذلك أخذ بعض الفلسطينيين يغني في الأعراس:

فلتحيا يا ابن شرتوك *  يلي غلبت السبع ملوك

وقعدتهم على خزوك * وقالوا ماكوا أوامر ماكوا أوامر.

 

حول فرية (ماكوا أوامر) كتب المؤرخ الفلسطيني الدكتور مصطفى تحت عنوان

من دفاتر النكبة (1): الجيش العراقي ومساهمته في حرب 1948 بين الحقيقة التاريخية والرواية الشعبية المشوهة...

تعتبر عبارة "ماكو أوامر" في اللهجة الشعبية العراقية إحدى العبارات الأكثر وروداً في سياق دعاوى الفلسطينيين ضد جيوش الدول العربية، وتقصيرها في منع النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، والتي تمخضت عن تدمير أكثر من خمسمائة قرية وست حواضر مدنية، وتحويل الغالبية العظمى من سكانها إلى لاجئين في شتى بقاع الأرض

ولعل هذه العبارة استعملت في الغالب لذم تصرف القادة العرب، وخاصة القيادة العليا للجيوش العربية واللجنة العسكرية للجامعة العربية، ولكنها مع الوقت تحولت لموتيف يتردد عندما يتم وصف تصرف الجيش العراقي في فلسطين، لا سيما وأن العبارة هي عبارة عراقية قالها، حسب الرواية الشعبية، أحد القادة الميدانيين للجيش العراقي لمجموعة من المدنيين في منطقة جنين الذين طالبوه باستغلال الاندفاع العراقي بعد صد القوات اليهودية عن جنين في مطلع حزيران 1948 وتطوير هجوم مضاد يسترد ما كان قد احتل من قرى شمالي قضاء جنين كالمزار ونورس و زرعين من الشرق واللجون والمنسة من الغرب

ما من شك إلى أن عملية نسب القصور العربي في فلسطين إلى الجيش العراقي من خلال هذه العبارة المشهورة فيها من التجني والظلم التاريخي الشيء الكثير، سيما وأن هذا القوات (إن كانت قوات المتطوعين والأفواج العراقية التي شاركت في جيش الانقاذ والتي دخلت فلسطين في بداية كانون الثاني عام 1948 أو القوات العراقية النظامية التي دخلت فلسطين، كسائر الجيوش العربية الأخرى، في الخامس عشر من أيار 1948) كان لها الفضل الكبير في الحفاظ على المناطق التي رابطت فيها، ومنع القوات اليهودية من دخولها كمنطقة المثلث العربي (والتي عرفت في فترة معينة بالمثلث العراقي) الممتدة من كفر قاسم في الجنوب وحتى مقيبلة وصندلة في الشمال)، وقد خاض الجيش العراقي في سبيل الحفاظ على هذه المنطقة، على الرغم من القسريات الهائلة والقيود الممضة، معارك حامية الوطيس سقط فيها عشرات الشهداء العراقيين تشهد عليهم مقابر الطيرة وطولكرم وجنين وكفر قرع وكفر قاسم وقلقيلية وعارة وعرعرة، هذا عوضاً عن متطوعين عراقيين متفرقين سقطوا في الدفاع عن قرية الشجرة قرب الناصرة (دفنوا في كفر كنا والناصرة) وعن قرى عين غزال، إجزم وجبع في منطقة الكرمل لدى الساحل الجنوبي لحيفا

كان العراق أكثر البلدان العربية دعما لنضال الفلسطينيين منذ أن لبس صراعهم مع الحركة الصهيونية طابع الصراع القومي. وقد تشكلت لجان عراقية داعمة للقضية الفلسطينية على المستوين الإعلامي- التعبوي والمادي، كما وكانت بغداد في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي محط رحال للزعماء الفلسطينيين (الحاج أمين الحسيني) والمثقفين (أكرم زعيتر ودرويش المقدادي وإبراهيم طوقان) والضباط (عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وذو الكفل عبد اللطيف والشاعر عبد الرحيم محمود)

وكان لحضور هؤلاء وتفاعلهم مع النخب والطبقات الشعبية العراقية على حد سواء بالغ الأثر في الهبة الشعبية العراقية التي ضغطت على الحكومة الملكية لإرسال المتطوعين العراقيين إلى فلسطين عام 1936 (في إطار قوات المتطوعين التي قادها فوزي القاوقجي) وفي عامي 1947 -1947 عند إنشاء جيش الإنقاذ الذي شاركت فيه ثلاثة أفواج عراقية هذا إضافة إلى ثلاثة من الجنرالات (طه الهاشمي، إسماعيل صفوت ونور الدين محمود) الذين كانوا أعضاء في اللجنة العسكرية للجامعة العربية والتي أشرفت على تجنيد جيش الإنقاذ وتسليحه وإمداده بالذخيرة

ولكن علينا أن نؤكد أن حجم المشاركة العسكرية العراقية في فلسطين عام 1948 منذ بداية المصادمات العسكرية على اثر قرار التقسيم وحتى نهاية الحرب باتفاقيات الهدنة (التي لم تشارك حكومة العراق في توقيعها) لم يرتق إلى المستوى المطلوب، ليس بسبب قوى وقدرات الجنود العراقيين ومدى جاهزيتهم للقتال، وإنما بسبب تردد الأوساط السياسية العراقية العليا وإحجامها عن إرسال أفضل الوحدات العسكرية المقاتلة وامتناعها عن إرسال قوات جوية كافية للدفاع عن القرى والمدن الفلسطينية، هذا فضلاً عن ضغوطات مارستها بعض النخب العراقية (في الجيش والحكومة) والتي عارضت الميول القومية العربية وطورت نزعات محلية انعزالية وشعوبية، ورأت في أي تدخل عراقي في فلسطين أو أي قطر عربي آخر تبديدا واستنزافا لقدراته ومقدراته.

بسبب هذين العاملين كانت المساهمة التي أرسلتها الحكومة الملكية في العراق ضئيلة بكل مقياس إذا قورنت بالقدرات والمستوى العام للجيش العراقي الذي اعتبر آنذاك من أفضل الجيوش في الشرق. ففي المرحلة الأولى من الحرب (قبل دخول الجيوش النظامية) شارك زهاء 800 عراقي في قوات المتطوعين العرب، في حين بلغ عدد جنود الجيش العراقي في قمة مشاركته في المرحلة الثانية عشرة آلاف جندي

على الرغم من كل هذه الظروف فقد كانت مشاركة العراقيين، حيثما أتيح لهم ذلك، مؤثرة وفعالة وساهمت بالإبقاء على قطاعات واسعة عربية ومنعت تهجيرها. في المرحلة الأولى شارك المتطوعون العراقيون بقيادة المقدم علي غالب عزيز في معركة رأس العين الأولى (الثامن من آذار 1948) حيث انتزعوا منطقة العيون ومنشآت المياه من أيدي البوليس البريطاني ومنعوا تسليمها لقوات الهاجاناه (كما جرى في حالات أخرى كثيرة قام الإنجليز فيها بتسليم منشآت حيوية لليهود). وقد خسر العراقيون في هذه المعركة شهيداً واحداً وأصيب جندي آخر بجراح متوسطة نقل على أثرها للعلاج في مشافي يافا

كما وشارك بعض المتطوعين العراقيين في هذه المرحلة في معركة كفر قرع حيث نظّم أربعة ضباط منهم وضابطان سوريان آخران المعركة التي خاضها أبناء تلك القرية يوم الثامن من أيار وصدوا فيها هجوما مركزاً لقوات الهاجاناه أرادت من خلاله الاستيلاء على كفر قرع وممر وادي عارة الاستراتيجي المهم. كما وتكبدت قوات المتطوعين العراقيين خسائر كبيرة في الأرواح (17 شهيداً) في هجوم جيش الإنقاذ الفاشل على مستوطنة مشمار هعيمق وأعمال قتالية أخرى في هذا القطاع

أما في المرحلة الثانية للحرب فقد بدأت بدخول وحدات من الجيش العراقي النظامي فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 عن طريق جسر المجامع واشتباكها مباشرة مع القوات اليهودية في كوكب الهوا وجيشر، حيث استشهد في هاتين المعركتين 40 جندياً عراقياً، ومن ثم تقدم باتجاه مرج بن عامر وقضائي جنين وطولكرم ومن ثم لواء اللد (الذي ضم قضائي يافا والرملة)

وفي أثناء انتشاره في هذه الجبهة التي زاد طولها عن 110 كم، خاض معركة الطيرة رامات هكوفيش في الرابع والعشرين من أيار 1948 والتي سقط فيها 12 شهيداً عراقياً ثم معركة راس العين الثانية في 30/5/1948والتي فقد فيها شهيدان ومعركة جنين والمزار في الفترة الواقعة بين 2-4 حزيران والتي فقد فيها العراقيون 65 شهيداً وفي معركة قاقون (قضاء طولكرم) التي وقعت في الخامس من حزيران، وفقد فيها الجيش العراقي 45 شهيداً

هذا إضافة إلى صدامات واشتباكات متفرقة شارك فيها العراقيون في مجدل يابا (فقدوا فيها 4 شهداء) وقلقيلية (4 شهداء) وطولكرم (8 شهداء) وكفر قاسم (9 شهداء) وباقة الغربية (شهيد عراقي واحد) وعارة (شهيد عراقي واحد). كما وفقدت القوة الجوية العراقية خمسة طيارين تم إسقاط طائراتهم ومنهم قائد سرب برتبة عقيد. وبذلك يكون مجموع ما فقدته القوات العراقية وقوات المتطوعين العراقيين في فلسطين 131 شهيداً، هذا عوضاً عن مئات الجرحى الذين سقطوا على خطوط الجبهة الطويلة التي تواجد فيها العراقيون


إن هذه الأرقام تثبت بما لا يقبل مجال للشك بطلان مقولة "ماكو أوامر" في كل ما يتعلق بالمشاركة العراقية في الحرب وتأثيرهم المباشر على سيرها في مناطق التماس التي تواجدوا فيها. ولا تقتصر منجزاتهم على هذا العدد من الشهداء فحسب بل يمكن الإدعاء أن تواجدهم في الوقت المناسب منع تهجير عشرات القرى في مناطق وادي عارة وشمالي قضاء جنين، بل ومدن جنين وقلقيلية وطولكرم. إذ يفيد شهود عيان جمعنا شهاداتهم في مقيبلة وعارة وصندلة وباقة الغربية والطيرة وأم الفحم بأنه لولا تدخل الجيش العراقي وصده للهجمات الصهيونية لما كان باستطاعة سكان هذه القرى الصمود في أراضيهم. بل أن هذه الشهادات تؤكد أيضاً حسن معاملة الضباط والجنود العراقيين للسكان لدرجة أنه في بعض المناطق التي كانت تعاني الشح الشديد بالأغذية، كان الجنود العراقيون يتقاسمون مع السكان الأغذية والمؤن التي كانت تصلهم من العراق وشرقي الأردن. ولعل الاحتفال الوداعي المهيب الذي نظمه سكان باقة الغربية لوداع الضباط والجنود العراقيين الذين رابطوا هناك حتى اتفاقيات الهدنة وتسليم المثلث لإسرائيل لهو الإثبات الدامغ على ما ربط الفلسطينيين وجنود الجيش العراقي الذين دافعوا عنهم من وشائج المودة والمحبة والتقدير

صورة لما تبقى بعد تدمير قرية قاقون الفلسطينية تصوير الباحث 1986

 

وعن دور الجيش العراقي كتب المرحوم المناضل عبدالرحيم عراقي من قرية الطيرة وترجم أيضا عن كناب أيام رمات هاكوفيش مبينا الأثر المهم لدور الجيش العراقي في الحفاظ على قرى المثلث حتى أن اليهود في هذه المستعمرة كانوا في حالة عصيبة باعترافهم.

الدكتور عبدالستار قاسم ومعه نخبة من الشباب يضعون اكليلا على نصب الجندي العراقي في مقبرة جنين عام 1993 تصوير الباحث

صورة لقرية قاقون العربية المدمرة ولمستعمرة أقيمت على بياراتها

 

القائد فوزي القاوقجي الثالث من اليمين الذي قاد الثوار في عام 1936 و1948

شبكة البصرة

الخميس 30 جماد الثاني 1432 / 2 حزيران 2011

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط