بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المخاض العربي.. سياقاته.. تجلياته.. ومآلاته!!

شبكة البصرة

اسماعيل ابو البندوره

اننا نتأمل في المخاض العربي المتلاطم الملبّد الراهن ونتمعن في معطياته، ولكننا لانفترض مقدما التباسه وانسداده او انطوائه على مؤامرة، ولا نتعقب اخطائه وتعرجاته، ولاالشبهات التي تدور حوله وفي مداراته. وعلى خلاف ذلك فاننا نرى فيه افقا ونسقا، وبعدا جديدا من ابعاد هذا المخاض العربي التاريخي الطويل، لايمكن ولا يجوز مصادرته أو وضع الفيتو عليه وعرقلة اندفاعه تحت أي مبررات أو حجج، وملاحقته بالشبهات والمواقف الاعتراضية المشككة، وتحميله جريرة ما ظهر من الاغراض المشبوهة المدبّره في العتمة، عتمة الداخل المنهار، وعتمة الخارج المتربص.

اننا نحاول بكل مانملك وما نعي وندرك، أن ندخل الى قراءة هذا المخاض من زوايا اخرى مشروعة غير زاوية المؤامرة، فيها من الامل والتفاؤل، وفيها من الاحتراس المعرفي والسياسي المطلوب في مثل هذه الحالات والمحن والمخاضات، وفيها قطع وانقطاع وتجابه بدهي وابتدائي مع السلطة العربية التي وضعت ذاتها ومنذ امد بعيد في المدارات الاستعمارية والصهيونية، وانشأت لهذه الغاية اوطانا وشعوبا مفترضة وبديلة وموازيه من المافيات والعصبات والعصابات، واصبحت عمياء لاترى الا هذه الزبائن المتلمظة من المرتزقة التي تلتف حولها والتماعات لاقطات السفارات التي تملك الحل والعقد، وتؤشر الى مايجب ومالايجب.

لقد انشأ المخاض العربي الكبير في مساراته وسياقاته، تراكما هائلا من الاحتقانات والتراكمات السلبية التي لم تنفكّ تنذر بكل الوان العواصف والانقلابات والتداعيات،اذ لم يكن سهلا أن تجهض وتستباح امة مثل الامة العربية، أو أن يضعها حكامها في خدمة مشاريع الاستعمار والصهيونيه بهذا الرخص والافراط والتفريط،حيث أنشأ ذلك انجراحا هائلا وعميقا في الذات العربية،جعلها دائما في محنة ومخاض، ولم يفتح لها دروب الثورة والتغيير، لابل رسّخ فيها وفي وعيها، أن هذا من المستحيلات واضغاث الاحلام، وباعد بين ما ارادت وأراد قادة نهضتها، وهكذا تبدت لنا فيما نراه في المرحلة الراهنة على انها في بعض حالاتها، انتفاضة الأنفس المبتورة والمنجرحة وهي تحاول أن تقف في وجه هذا المدّ السلطوي الاستبدادي الظالم و الظلامي، وأن تحاول محاولة جديدة في مدار الثورة والنهضة علها تبقى داخل التاريخ لاخارجه.

اذن لماذا علينا أن نتصور كل مايحدث على أنه مؤامرة أو أطياف مؤامرة وحسب؟ ولماذا علينا أن نبقى في دائرة الوهم ولا نرى الحقائق جميعها على الارض؟ ونسأل من الذي يصنع هذه المؤامرات وكيف ولماذا؟ ولماذا لانرى أو نتأمل في الواقع العربي الراهن ونسأل عما اذا كان بحاجة الى التغيير بوجود المؤامرة او بغيابها،أم ان علينا المحافظة علية كما هو بعجره وبجره خوفا من المؤامرة المفترضة؟ وأي مؤامرة اكبر واسوأ من مؤامرة الحكام والانظمة على الاوطان والامة في العقود الاخيرة، قبل الحديث عن مؤامرة الخارج؟

وهذه اللماذات اصبحت تتردد في كل لحظة وتتزايد كل يوم، وتبحث عن جواب شاف، يزيل الاقنعة والالتباسات، ويخرج الناس من الضلال واليأس والتردد، ويضعهم في مدارات القدرة والارادة والانتفاض، اذ لايجوز أن تبقى الامة وشعبها في دائرة الانتقاص أو الاتهام، كلما حاولت أن تفك قيودها وتتجاوز ثقافة الخوف والخنوع، وتندفع نحو التغيير، ولايجوز تصور كل ماتفرزه من خيارات ومبادرات شعبية على أنها تنطوي أو يجب أن تجير لحساب المؤامرة الخارجية وغاياتها الشيطانية، وغض النظر عن حقيقة أن الداخل المتآكل والاستبدادي يستدعي الخارج بالضرورة ويفتح له الدروب على وسعها.

وبقدر مانؤكد على هذا الجانب الايجابي في الامة من انها صاحبة قرار واقتدار، وصاحبة مبادرة وخيار، فاننا نعرف حقيقة التحدي الخارجي واخطاره، ومايدبره هذا الخارج من مؤامرات، ونعرف قدراته وامتداداته في الوطن العربي، ونعرف طرقه في التلاعب بالعقول ونسمع مكبرات صوته في الوطن العربي، ونعرف أنه يدخل شريكا (مضاربا أو اصيلا) في هذا الحراك العربي الذي اصبح ملتبسا في بعض جوانبه وتجلياته، ونعرف ايضا خطورة مايقوم به وعينه المفتوحة على النفط والمحافظة على تفوق الكيان الصهيوني اولا واخيرا، ونعرف ايضا أن السأم المّ به من اصدقائه واتباعه البررة في الوطن العربي، وانه يسعى الى محاولة تجديد الاطقم التابعة على طريقته لاعادة انتاج نفوذه وهيمنته. كل ذلك نعرفه وندركه وعانينا منه الأمرين في العراق وفلسطين وغيرها من اقطار الامة، الا أن ذلك كله لايجعلنا نقف في وجه موجة الغضب والانتفاض العربي الراهن أو أن نقلل من اهميتها وضرورتها، ونؤمن بأن من يعي ضرورة الحرية وضرورة التمرد على الاستبداد، ويقدم روحه الآن دفاعا عن قيمه ومبادئه وحريته، لايمكن أن يكون بأي حال موضوعا أو أداة لمؤامرة أو ايعازات من الخارج، انه الآن يعبر عن موقف جديد وحالة جديدة في الامة، قد تتعثر وتتناوشها الالتباسات والتناقضات، ولكنها في مسراها ومجراها تسير في الطريق التاريخي الصحيح لأمة كان مضمون تاريخها هو ثورتها الدائمة والمستمرة على اعداء الداخل والخارج ,

المطلوب الآن من كل قوى النهضة والثورة في الوطن العربي، وبدلا من الاستغراق في السجالات والاشكاليات الزائفة المدمرة والمتهافتة، أن تعمل على حماية الحراك العربي من المؤامرة، وأن تقف بوجه المؤامرة من خلال التمييز المعرفي والسياسي الدقيق بين مايريده الشعب من خيارات وماتريده المؤامرة من غايات، بين الثأر من السلطات الغاشمة والاوضاع الجائرة، وضرورة الوقوف بوجه التدخل الخارجي. الحراك العربي يحتاج الى افق وبرنامج وقيادات، حتى يتدبر امره ولا يفقد بوصلته، وهذه مهمة من يرون فيه طريقا الى الحرية، وخطوة نحو المستقبل، والحراك العربي في نهاية المطاف هو نقطة ايجابية ومضيئة في هذا المخاض العربي الصعب، يمكن أن تتحول الى انعطافة في هذا التاريخ الواقف المستكين، أو تكون سياقا اشكاليا و ناقصا في سياقات هذا المخاض الذي نراه صعبا في كل الاحوال، وفي كلا الحالتين فان الامر ليس بالغريب، ولا هو ضد العقل، أو خارج سياقات المخاض العربي في دلالاته وتجلياته التاريخية المزمنة!!

شبكة البصرة

الاحد 20 شوال 1432 / 18 أيلول 2011

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط