بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أيها الوطنيون العرب استيقظوا نتنياهو يتجول في عواصمكم!

شبكة البصرة

صلاح المختار

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم

مثل عربي

 

رغم اننا نبهنا بوضوح تفصيلي متعب لمن يقرأ حقيقة لم تعد الان خافية ابدا بل اصبحت مجسمة وبلا رتوش او تمويهات، وهي ان ما يجري منذ مطلع هذا العام انما هو تنفيذ دقيق لمخططات اسرائيل وامريكا وايران وبقايا الاستعمار الاوربي، وان تفجير الاحداث استند على، وانطلق من، عذابات الجماهير العربية التي انهكتها الديكتاتوريات والفساد لعدة عقود باستغلال واضح جدا لواقع سيء لم يعد يحتمل، وبعد تدريب مخطط لزمر من الشباب العربي البسيط الوعي على كيفية (تشكيل الشبكات وتنظيم التظاهرات واسقاط الانظمة بطرق سلمية لصالح ما يسمى بالديمقراطية الليبرالية، وهو ما كشفت عنه الويكيليكس وغيرها، وتلك زمر غير مسيسة اصلا وتعاني من الحرمان والظلم فضيعتها ثقافة الانترنيت وزادت غضبها على الانظمة، نقول رغم ذلك فاننا نرى البعض من الوطنيين العرب، ومن كافة التيارات، مازال يتمسك بمقولة بائسة وفقدت بريقها الاولي وهي ان الفصل الحالي هو (ربيع العرب) منكرا حتى الان حقيقة فرضت نفسها بالوقائع والبراهين المادية وهي انه فصل شتاء نووي مدمر بصورة لم يسبق لها مثيل لهويتنا وحقونا كعرب كما هو في الواقع المعاش، هذا البعض ينكر هذه الحقيقة وكأنه لا يريد ان يرى حقيقة ما يحدث ويريد اثبات رأيه الذي اطلقه في بداية احداث كانت غامضة ويسمح غموضها بالوقوع في خطأ التقويم السريع غير الصحيح رغم ان هذا الخطأ جر الامة كلها من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي الى كوارث لم نشهد مثلها من قبل في عصرنا الحديث!

نحن حراس وحدة الامة وهويتها ومقاتليها الاصلب عودا الذين قاتلوا ومازالوا يقاتلون امريكا وخلفها الصهيونية منذ عام 1991 وحتى الان نقول بكل وضوح وبلا لف او دوران اننا الان في مرحلة مفصلية خطيرة تهدد بتمزيق الوطنيين والقوميين العرب وعزلهم والغاء دورهم بصورة حاسمة بسبب الاختلاف حول تشخيص ما يجري، وذلك احد اهم اهداف امريكا واسرائيل وايران وبقايا وفلول النظام الاستعماري الاوربي التي استيقظت في ربيع بني صهيون الحالي، ويجب الانتباه لذلك الهدف الخطير، وهو ما الزمنا بالتحمل والصبر لعدة شهور كانت زاخرة بكل ما يعذب الضمير المضطر لعدم البوح بكل ما لدينا وتجنب التصريح بكل اراءنا، اما الان وبعد ان تصاعدت الاحداث ووصلت لنقطة الخطر المميت التي حذرنا منها منذ اكثر من ثمانية شهور فان الواجب يقتضي توجيه نداء لهؤلاء الوطنيين لاعادة النظر والانتباه لمعاني ونتائج ما يجري وتحمل مسؤوليتهم الوطنية والقومية والاخلاقية بشجاعة مناضل يعترف بخطأ الحسابات ويتراجع عن العناد حفاظا على موقفهم وتاريخهم الوطني والقومي.

لقد تكررت صدمتي وتعمقت بسبب توصيف هذا البعض للمرحلة وانا اسمع الاخبار تنقل معلومات عن عدد الضحايا العرب الذين يقتلون برصاص عرب اخرين وليس برصاص امريكا او اسرائيل او ايران، كما كان الحال حتى بضعة شهور وكما مازال مستمرا في العراق، وفي هذا اليوم قررت ان اكتب خارج السياق التسلسلي الزمني لدراستي الموسومة (اوهام قبل الامس في عصر ما بعد الغد : نحن وامريكا وبيننا هولي وود)

http://www.albasrah.net/ar_articles_2011/1011/mukhtar20_011011.htm

 

بعد ان سمعت الاخبار عن مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن فقط، ولنترك الان بقية الاقطار العربية التي تواجه مشاكل مصطنعة كغيرها، وهي اخبار مرعبة وكارثية بكل مقايسس هذه الاوصاف، ففي مصر قتل 36 مصريا وجرح عشرات يوم 9/10/2011، والبعض يقول ان عدد القتلى اكثر من 25، وجرح المئات اثناء اشتباكات مسلحة بين شباب اقباط والجيش المصري، وفي سوريا وفي نفس اليوم قتل عدد اكبر وهو 37 سوريا من المعارضة المسلحة وغير المسلحة ومن الجيش الذي اصبح رسميا وعلنيا هدفا للقتل والهجمات بعد الاعلان رسميا عن تأسيس جيش سوري اخر، وهذا العدد من السوريين لم يقتل اثناء تحرير الجولان، وبالطبع فان عدد الجرحى السوريين اكبر بكثير!

وفي ليبيا تتوسع دائرة الكارثة المأساوية في سرت وبني وليد وغيرهما بتحول الاحتلال الى عملية استنزاف بشري للشعب الليبي بعد بدء الاستنزاف المالي، فيهجّر سكان مدن كاملة ويقتل المئات اسبوعيا من الليبيين وصار الحدث الليبي حربا اهلية كلاسيكية وليس عملية اسقاط نظام، وشرع الغرب الاستعماري بالتعتيم على المقاومة الوطنية الليبية المسلحة الباسلة التي انطلقت لمقاومة الغزاة الاستعماريين تماما مثلما حدث في العراق! والاخطر من كل ما تقدم في ليبيا هو تحريك النزعة الانفصالية لدى بعض البربر هناك فقد برز هذا التهديد بعد احتلال النيتو لطرابلس ورفع علم قيل انه للبربر من قبل المئات في تظاهرات علنية، وتحدث البعض من هؤلاء عن (المظلومية) تماما كما حدث في العراق بعد غزوه.

ولابد من ملاحظة ان ليبيا حتى غزوها كانت لا تعاني من (مشكلة البربر)، وكان التركيز ينصب على الجزائر والمغرب، اما الان فان ليبيا دخلت فتنة البربر، وتشكلت في تونس بعد اسقاط رئيس النظام السابق هيئة بربرية للحصول على الحقوق ايضا رغم ان البربر لم يكونوا مضطهدين لسبب بسيط هو ان عرب المغرب العربي بغالبيتهم من اصول بربرية ولم تكن هذه مشكلة كبيرة ابدا ولكنها اصبحت كذلك مع تدخل اسرائيل وفرنسا اولا ثم امريكا ثانيا في زرع او تحريك او تصعيد هذه المشكلة. وفي تونس بدأت الفتنة السياسية في نفس الايام، لان تونس ليست فيها مقومات الفتنة الطائفية، وقد تمثل ذلك بهجوم المئات من الاسلامويين على قناة (نسمة) التي بثت، وربما عمدا وتخطيطا، فيلم كارتون يسيء للرسول الكريم (ص) من اجل اشعال صراع عنيف ودموي بين الاسلامويين والوطنيين الاخرين في تونس وتحويل الانتفاضة الوطنية التونسية الى مقدمة لحرب اهلية، او على الاقل الى عملية استنزاف لتونس وتدمير لمقومات اقتصادها القائم على السياحة والحاجة الماسة للاستقرار، ولم يتوقف العنف التدميري هذا بل قام مئات من الاسلامويين بمهاجمة وحرق بيت صاحب القناة! وفي اليمن الذي لم يعد سعيدا، تتفاقم الحالة ويشهد تطور ما كان يسمى ب (التظاهرات السلمية) الى عمليات عسكرية بين النظام ومعارضيه ويقتل يوميا الكثير من اليمنيين!

اذا جمعنا ارقام الضحايا البشرية العربية فقط نجد انها تتجاوز مئات القتلى العرب يوميا، فما معنى ذلك عمليا؟ المعنى الاخطر لما يجري هو اننا نواجه شتاء نوويا حقيقيا، وهو لذلك كارثة لم يسبق لها مثيل، واتحدى من يقول ان مثيلا لها وقع في السابق للامة العربية، وحتى في حروبنا مع اسرائيل لم نكن نصاب بهذه الخسائر الا في المعارك الكبرى والحاسمة وهي قليلة جدا، وهذه الحقيقة تنبهنا للمستفيد منها. اما المال فلقد صارت الخسائر ارقاما فلكية نسبة لامكانيات العرب وقدرت الجهات الغربية خسائر فقراء العرب في اليمن ومصر سوريا بالاضافة لليبيا وتونس وغيرها ب55 مليار دولار حتى الان من جراء توقف العمل وتدمير المؤسسات والخدمات، فاليمن خسر اكثر من 17 مليار دولار مع انه يتلقى المساعدات من الخارج ويعد من بين اكثر البلدان فقرا، ومصر تكاد تفقد اكثر مصادر السياحة والانتاج وكذلك تونس، وسوريا فقدت احتياطيها النقدي واصاب سوقها الشلل وتلك بمفردها كارثة وطنية سورية، وليبيا اصبحت بنكا معروضا للنهب من قبل حلف النيتو فتسرق منها كل يوم مليارات الدولارات.

وهكذا فان العرب اليوم لا يتمتعون بنسمات (ربيع) بل يواجهون مسلسل حروب كارثية تقتل وتشرد تستنزف ملايين البشر ويسرق فيها المال، حروب لا تشنها اسرائيل او امريكا بقواتها المسلحة بل يشنها العرب بعضهم على البعض الاخر بدعم النيتو وامريكا المباشر او غير المباشر، تحت غطاء تغيير النظام مع ان التغيير لن يكون للنظام ابدا بل للحياة العربية برمتها ليس نحو الافضل بل نحو الكوارث المتسلسلة والمتعاقبة والمستمرة والتي خططت لها امريكا واسرائيل مسبقا، وكما تدل احداث مصر وليبيا واليمن والعراق وتونس والبحرين، حيث اننا في الواقع المعاش، وليس في عالم الاوهام وفترات احلام الظهيرة الحلوة، لا نواجه ثورات تقدم البديل المستقر والصحيح بل امام صراعات تتناسل يوميا وتتوسع دائرة القتل والخراب وتشرد الالاف فيها، دون ان يكون هناك بصيص ضوء في نهاية النفق على الاطلاق لتحقيق اهداف الشعب الحقيقية!

وقبل ان ابدأ بمناقشة الوضع انقل لكم فقرتين من مقال مهم للكاتبة هيام ضمرة يكشف ما يجري في مصر، تقول في مقال تحت عنوان (أقباط مصر وحدود تحركهم لتمزيق الوطن المصري) ما يلي : (منذ زمن وزمن غير قصير وأقباط المهجر يستصرخون الغرب لنجدتهم على حكومة مصر المسلمة، متهمين إياها بأبشع التهم، ومنذ ذلك الوقت وأيدي أقباط المهجر تعزف على أوتار المطامع والخطط الغربية في إضعاف الجزء المحيط بمصر، لتأتي بادرة إعلان أقباط المهجر عن قيام دولة قبطية مصرية كضربة تحت الحزام، تمهد لانقسام جزء حميم عن أرض مصر.. فكيف يقابل العالم العربي هذا القرار وكيف تتعامل معه مصر ذاتها؟)، وتضيف هيام ضمرة : (وبالعودة لقرار إعلان قيام الدولة القبطية من قبل أقباط المهجر، وحالة الصمت المعقود في الوقت الحالي يجعلنا نتساءل.. أين دور أقباط الداخل؟.. وما موقف أساقفتها وقياداتها الدينية؟.. وما الذي كان يدفع الكنيسة إلى استملاك أراضي هائلة المساحة لاقامة تجمعات سكنية للأقباط ومدينة مستقلة بأسواقها وخدماتها ومدارسها يتحوطها سور بارتفاع السور الفاصل الإسرائيلي؟.. فما دلالة هذه المساعي كلها؟.. وكيف كانت الحكومة المصرية تقابل كل تلك التوجهات؟)

29, 2011 Sep (وصل لي بالايميل).

ان هذه المقاطع تؤكد ان مصر تتجه نحو التقسيم الحتمي اذا لم تستيقظ نخبها الوطنية بسرعة وتتلافى التصعيد الخطير بين زعامات قبطية وعناصر اسلاموية.

 

مرة اخرى واخرى : لم يحدث ذلك؟ وما هي اهدافه؟ وهل يمكن للقوى الوطنية ركوب الموجه وتغيير المسار كما توهم البعض في بداية الاحداث؟

1 لقد سقطت الى الابد ونهائيا اسذج واخطر اطروحة تضليل للذات قبل الاخر وهي التي قالت بان امريكا تريد ركوب موجة التغييرات الثورية، فهذه الاطروحة مدهشة وتبعث على التساؤل عن مستوى تفكير وهوية من يطرحها ويتمسك بها حتى بعد كل ما حصل، ولعل يقظةً شباب وشعب مصر خصوصا من قام بالانتفاضة المصرية وادراكهم بان مشروع الثورة قد تم السطو عليه وانه حرف وان الوطنيين فقدوا القدرة على السيطرة على المسار العام، والتعبير عن ذلك بكتابات وتظاهرات ضد الحكم العسكري واتهامه علنا بانه لا يختلف عن نظام مبارك، دليل حاسم على ان امريكا لا تريد ركوب الموجه بل هي صانعتها وموجهتها والمتحكمة في خطواتها وليس الشباب الذي استخدم غضبه لازالة الانظمة.

ان من يريد ركوب الموجة يفترض انه ليس على صلة بما يحدث فيتقدم ويشق الصفوف ويسرق الزعامة! فهل هذا فعلا ما حصل؟ لنترك فكرة سرقة الزعامة الثورية لانها فكرة ساذجة ومضحكة فاي ثورة واي ثوار اولئك الذين تسرق منهم ثورتهم؟ ولنركز على الواقع ونسأل من يتحكم في المسار منذ البدء؟ الشباب اطلقوا الانتفاضة نعم ولكن من ساعدهم على النجاح هو من رفع غطاء الحماية عن النظم والدليل ان الانتفاضات السابقة فشلت في اسقاطات النظم لان امريكا كانت تدعمها، اما الان فان امريكا تريد كنس النظم وتنظيف (بيتها الاقليمي) من جثث نتنة جافت وصار دفنها حتمياً استعدادا امريكيا لصراعات الهيمنة على العالم، لذلك رفعت حمايتها والغت دعمها وتركت الشباب وابناء الشعب يكتسحون انظمة ما عاشت واستمرت الا بفضل الدعم الامريكي لها.

شعارات الانتفاضة في تونس ومصر المقتصرة على الديمقراطية وضرب الفساد وعزل هذين الهدفين عن الاطار الطبيعي والحتمي لهما وهو الاطار التحرري الوطني كان اول مؤشر خطير لوجود امريكا خلف الحدث وفي قلبه وفي زعامته. فالذي حصل في الواقع هو عكس اطروحة ركوب امريكا للموجة، وهنا يظهر بؤس وسذاجة هذه النظرية، فالقوى الوطنية بكافة تياراتها هي التي ارادت ركوب الموجة التي صنعت وهي غائبة وبعيدة عما حصل اصلا، ولذلك فان امريكا سمحت للوطنيين بالبروز لاضفاء طابع وطني شكلي عام للانتفاضة، ثم حينما حان وقت الحسم دفعت الوطنيين الى الخلف وقدمت رجالاتها وشبابها في مصر وتونس، وهذا ينطبق على بقية الاقطار.

وبكل صراحة نقول لو كانت القوى الوطنية قادرة على التأثير في مسار الحدث لقلنا نعم يجب التماهي مع التيار واختراقه وتحويل مجراه نحو خدمة هدف الثورة المركبة الوطنية التحررية ضد امريكا والصهيونية وضد الديكتاتورية والفساد والظلم، ولكن الواقع يصرخ بصوت يسمعه حتى الاطرش بان من خطط هو امريكا ومخابراتها، وان من نفذ ويقود الاحداث هو (شباب الفيس بوك)، او (حزب الفيس بوك) ومن دربتهم امريكا في (معاهد الديمقراطية) المتعددة الاسماء والتي هي واجهات للمخابرات الامريكية والموساد، الم تسمعوا ان جائزة نوبل منحت لتوكل كرمان اليمنية البسيطة والمغمورة حتى انتشال السفارة الامريكية لها وتدريبها في المعاهد الامريكية وشكر السفارة لها على دورها في العنف في اليمن واعلانها انها تقبل حكم اليمن حتى من قبل يهودي يمني قبل منحها جائزة نوبل؟ هل الدعم الامريكي لهذا الصنف من الشباب والشابات شيء اكثر من اعتراف علني بانهم من (مدرستها) ومن اتباعها؟ واي ثورة هذه التي تقودها عناصر تحركها وتكرمها امريكا؟ الوقاحة الان تتجسد في ان امريكا تتحرك علنا وتبرز عناصرها علنا ووصل الحال ان بعض اليمنيين المعارضين لم يكتفوا بالتأمرك بصورة مضحكة بل اخذوا يقلدون امريكا حتى في كيفية وضع اليد على الصدر عند عزف السلام الجمهوري تماما كما فعل بوش الصغير ويفعل اوباما، تابعوا قناة قاعدة سليلية الامريكية المسماة الجزيرة سترون هذا المشهد المخزي والمقرف لمن يقلد امريكا كالببغاء!

لنعترف بشجاعة الفرسان بان القوى الوطنية لادور فعال لها فيما يجري سوى التظاهر في اطارات تحدد امريكا نهاياتها ونتائجها وليس هم، انهم مجرد ادوات تحقق اهدافا ليست وطنية ولا قومية، وهم لذلك ليسوا فقط شاهد زور على تنفيذ اخطر مؤامرة على الامة بل هم يستخدمون في دفع المخطط الى امام، وبديهي ان امريكا استخدمت هذه القوى لتسهيل التخلص من تركتها المكروهة، اي النظم، واستخلصت دروس غزو العراق ولذلك تريد تجنب مواجهة كارثة كالتي واجهتها عند غزو العراق بعسكرها اذا غزت مصر وتونس وسوريا والجزائر واليمن عسكريا، واختارت طريقة مجانية لا تكلفها الاف القتلى ومليارات الدولارات بل يكفي اطلاق شعارات التغيير دون السماح بحصول التغيير الوطني المنشود، عبر دعم موجة التغيير بكافة الطرق الاعلامية والمالية والديبلوماسية وغيرها.

من ينكر ذلك ليقل لنا من هي العناصر التي تقررمسار الاحداث في مصر وتونس؟ وليقل لنا من يقرر مسارها في ليبيا واليمن وسوريا؟ دون ادنى شك انها امريكا ورجالاتها وما كشفته ويكيليكس عن الاعداد الرسمي وشبه العلني في عام 2010 لما بدء يحدث في عام 2011 تأكيد واضح لهذه الحقيقة، وطبعا حجة من اخطأ توصيف وتقويم ما يحدث القائلة بان الجماهير هي التي تغير وانها القوة الضاربة الرئيسة في التغيير، هذه الحجة فيها سذاجة اكثر مما فيها من وطنية لان الجماهير تستغل عذاباتها وكتل وطنية تريد التغيير حقا للوصول الى بديل وطني وقومي وديمقراطي، ولكن قاطرة الاحداث تسير باتجاه الهدف الامريكي وليس البديل الوطني، لان من خطط وبادر ويقود ويتحكم في مقود القاطرة هو امريكا ورجالاتها. اذا كنا نريد الصدق والمصارحة فيجب ان نرى الحقيقة ونعترف بها لان الاشهر القادمة ستقدم المزيد من الادلة على ان امريكا هي الموجه وهي المخطط وهي من يمسك برأس الاحداث.

 

2 ما هي طبيعة وهوية من يقود؟ ان قضية من يقود هي القضية الحاسمة، وتلك بديهية عالمية وتاريخية يعرفها حتى الطفل الغر، لان الاحداث تقع وفقا لتخطيط يضعه حزب او جماعة ويبدأ بتنفيذ خطواته ويضع في حساباته ضرورة الاستفادة من القوى الاخرى المختلفة حتى المعادية له تحت غطاء وجود هدف مشترك واني، لكنه خطط منذ البداية للاستفادة من هؤلاء ثم عزلهم ومنعهم من التاثير على المجرى الرئيس للحدث. من هنا فان اهمية الحدث الثوري لا تكمن في المشاركة فيه بل في القدرة على تقرير مساره وتحديد نهايته، وبدون ذلك فان الوطني والثوري حينما يشارك في حدث كبير ويبذل جهده من اجله دون ان يكون قادرا على تقرير مساره الرئيس يقع في فخ عدوه ويستغل من قبل القوى التي يناضل ضدها. ان التاريخ والواقع يقدمان لنا عشرات الادلة على صواب هذه الحقيقة والان لدينا ما يحدث في مصر وتونس دليلان حاسمان على ان من يشارك في حدث دون امتلاك زمام المبادرة والقوة والرؤية البعيدة المدى يصبح اداة من اداوة عدوه، وبغض النظر عن النوايا الطيبة والمشاعر الوطنية الصادقة.

في ضوء هذه الحقيقة يفرض سؤال جوهري نفسه وهو من يقود الاحداث العربية؟ بالطبع نكرر ان الجماهير التي خرجت بالالاف تريد التغيير لانها تعاني من الظلم والاستبداد القاسي ولكن من يقرر الشعارات والاهداف ويدفعها الى امام هم مجموعات متباينة بعضها تدرب واعد منذ سنوات، وليست لهم صلات بالقوى الوطنية بل هم على العكس بغالبيتهم ذوي افكار بسيطة ونزعات عفوية واحيانا فوضوية ويكرهون القوى الوطنية العريقة يصفونها ب(القديمة التي تجاوزها الزمن)، لذلك فان الخط الوطني الواضح والضروري لضمان نقاوة الانتفاضة وتحويلها الى ثورة ليس هو من يقرر الان. فهل نتوقع من هؤلاء دفع الاحداث الى ثورة وطنية لا تكتفي باسقاط الديكتاتور والفقر والامية بل تذهب الى نهاية الشوط فتعمل على طرد الاحتلال والنفوذ الاستعماري واستعادة الثروات الوطنية؟ طبعا لا فهؤلاء لا يملكون ستراتيجية واضحة وما يحركهم هو هدف مباشر واحد هو اسقاط النظام اما ما سيأتي بعد ذلك فهم لا يفكرون فيه وتلك هي الثغرة القاتلة في الحدث الحالي والتي تسمح بتسخير الغضب الشعبي لخدمة الهدف الامبريالي.

اما النقطة الاخرى الحساسة فهي تناقضات من يقود عملية التغيير وتعدد تنظيماتهم، فهؤلاء ليسوا حزبا واحدا ولا جبهة وطنية متماسكة ولديها اهداف مشتركة بل هم عبارة عن تكتلات صغيرة جدا ولكن باعداد كبيرة تصل احيانا لخمسين كتلة، لكل منها رئاسة او زعامة واتجاه خاص فكريا وسياسيا، وما يربط بينها هو اسقاط النظام واقامة بديل ديمقراطي فقط، دون تحديد ما هو البديل الديمقراطي وكيفية الوصول اليه. ماذا يحدث لهذه الكتل بعد اسقاط النظام؟ بالطبع يحدث تشرذم هائل وعجز عن التوحد او الاتفاق على قاسم مشترك فيما بينها وعندها يحدث ما يلي :

أ‌- صراعات عنيفة بين هذه الكتل وهو ما يؤدي الى نشر الفوضى الهلاكة.

ب‌- تقدم رجالات من خارج الانتفاضة والاستيلاءهم على السلطة.

ج - استغلال اخطاء وصراعات الشباب لضربهم بعد ان يعزلهم الشعب ويدينهم.

اذن ماذا نواجه الان؟ اننا الان وفي الشهر التاسع من الحدث لا نرى ثورات وطنية ولا انتفاضات تحررية بل نواجه حروبا اهلية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان خطيرة، فالفوضى الهلاكة تنتشر كالنار في الهشيم، والعرب يقتلون بالعشرات يوميا، والمال العربي يتبدد بالمليارات يوميا، والجياع يزدادون، والمهجرون يصبحون بالملايين، والناس تهلك من انقطاع او اضعاف الخدمات، والتناثر والتشرذم السياسي داخل من يطلقون على انفسم تسمية (ثوار) يزداد خطورة وحدة! وفي هذا المشهد الكارثي لا نرى بصيص امل ولا ضوء في نهاية نفق الاحداث اذا قبلنا ان ما يجري هو (ثورات عربية).

ان مانراه الان مع الاسف الشديد هو التطبيق الحرفي للمخطط الصهيوني الامريكي المعروف باسم (تقسيم الاقطار العربية على اسس عرقية وطائفية) ومن خلال اثارة صراعات عنيفة بين العرب انفسهم ومع جيرانهم غير العرب، تمهيدا لمحو الهوية العربية والقومية العربية وقيام كيانات نثارية، حسب وصف هنري كيسنجر في مخططه لتقسيم الاقطار العربية، وهي كيانات قزمة ومقزمة تابعة وتدور في افلاك اقليمية : اسرائيل وتركيا وايران، او دولية : امريكا وبريطانيا وفرنسا.

 

وفي هذه الصورة تتضح الملامح التالية :

أ اختيار ايران من قبل امريكا والكيان الصهيوني منذ اسقاط الشاه لنشر الفتن الطائفية لان الخمينية وحدها من تستطيع نشرها بعد فشل الشاه، فاذا تفجرت فتن طائفية سنية شيعية فان الهوية العربية ستتمزق وتتراجع وتحل محلها الهوية الطائفية، والان وبعد اكثر من ثلاثة عقود على ايصال خميني للسلطة تؤكد كل الاحداث صواب هذه الحقيقة، فايران الان عبارة عن رافعة اساسية في المخطط الامريكي الصهيوني لتقسيم الاقطار العربية، وبالطبع فان النخب الحاكمة في طهران تلتقي مع امريكا والصهيونية حول هذا الهدف السوبر ستراتيجي المشترك، وهو ما اسقط الادعاء الساذج او المتساذج القائل بان امريكا او اسرائيل ستضرب ايران، ان ايران القوية مصلحة ستراتيجية امريكية صهيونية تذكروا فقط ان امريكا وليس غيرها من سلم العراق لايران ومن تريد تسليم البحرين لها ايضا.

 

ب وبما ان اليد الواحدة لا تصفق فان اكتمال الدور الايراني الاقليمي وتعززه وبروز مخاوف منه نشأت بسبب الاستخدام الايراني الرسمي والواسع النطاق للطائفية كاداة للتغلغل في الاقطار العربية، انتج ضرورة امريكية وصهيونية وهي بروز طرف اخر يوازي الطرف الايراني ويكمل عملية نقل الصراع من صراع طائفي داخل اقطار الى صراع طائفي اقليمي، وهكذا دعمت امريكا تيارا اسلامويا طائفيا سنيا ليحكم تركيا ويعيد انتاج الصراع العثماني الصفوي الذي اهلك العرب خصوصا في العراق، فوصول السلطان العثماني ادروغان كان تكملة طبيعية لوصول (نائب الامام المهدي) خميني (امام كل الامسلمين)! بوصول اردوغان للسلطة بدعم امريكي اصبح ممكنا رؤية شرق اوسط تتحكم فيه قواعد صراع منضبط طائفي شكليا لكنه يخفي المطامع الامبراطورية التركية والفارسية. بعد تدمير مراكز القوة والتاثير العربية في مصر برحيل عبدالناصر وفي العراق باضعاف ثم غزو العراق، خلت الساحة من الفرسان العرب، على صعيد الانظمة، وبقي (الصفويون الجدد) و(العثمانيون الجدد) يصولون ويجولون مع الراية الامريكية وفي خدمتها وخدمة الاهداف الاستعمارية الصفوية والعثمانية. لقد توفرت يدان كي تصفقا بسهولة، واصبح التصفيق الطائفي بصوت عال اكثر ببروز السلطان اردوجان.

 

ج ولكي تزداد وتتوسع رقعة الصراع وتتعمق مفاعيله على مستوى الشعب العربي نرى ما توقعناه منذ زمن طويل وهو ايصال اسلامويين عرب للسلطة ليس حبا بالاسلام وانما دفعا نحو الفتن الطائفية واستخدام تيار معمم وفاقد للقدرة على التفاعل مع غيره من اجل ابادة ما تبقى من وطنيين وقوميين عرب، فباسم الاسلام يجب ان تكمل المجازر في الاقطار العربية ضد العرب غير المنتمين لهذا التيار، وباسم الاسلام يجب ان يوجد من يصفق للفتنة المسيحية الاسلامية، وليس اقدر على ذلك من توفير يد مسيحية قبطية ويد اسلاميوية مصرية لاجل التصفيق لفتنة كارثية في مصر تقسمها الى الابد.

ماذا لدينا الان؟ لدينا تيار اسلاموي طائفي معمم واعمى يقود ايران ولدينا الان تيار اسلاموي طائفي اعمى ولكنه غير معمم ويرتدي زيا عصريا في تركيا ويقول بصراحة تصل حد الوقاحة بان سوريا جزء من تركيا وتمر شهور ولا يصدر تكذيب او نفي له، ولدينا الان مشروع تسليم السلطة لتيار اسلاموي حاقد على العروبة والعروبيين في عدة اقطار عربية، كل ذلك حدث ويحدث من اجل تأبيد التشرذم العربي وانهاء الامة العربية وتحقيق مطلب الكاتبة الصهيونية فلورا لويس التي دعت في ثمانينيات القرن الماضي الى تقسيم الاقطار العربية واقامة كيانات جديدة قزمة على انقاض كل قطر عربي.

مبروك لمن يصف ما يجري ب(ربيع العرب)، ومبروك لمن يرى نتنياهو ومعه مرافقه الاقدم امير قطر وهما يتجولان مبتسمين في ليبيا واليمن وسوريا ومصر وتونس والجزائر دون ان يستنفر فيه ذلك ادراكا بان امتنا في خطر مميت وان الاحداث ليست ربيعا عربيا بل عمليات اسوأ واخطر من الردة لانها تقسم الاقطار العربية.

16/10/2011

Almukhtar44@gmail.com

شبكة البصرة

الاحد 18 ذو القعدة 1432 / 16 تشرين الاول 2011

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط