بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اغلاق مضيق هرمز يضر بايران وحالفاءها اكثر مما يضر بامريكا والغرب

لهذه الأسباب... لن تغلق إيران مضيق هرمز

شبكة البصرة

موسى مهدي

رغم التهديدات الإيرانية المتواصلة بإغلاق مضيق هرمز فإن المعطيات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية وحتى العسكرية تشير إلى أن إيران لن تستطيع إغلاق مضيق هرمز. وحتى في حال إقدامها على هذا القرار فإنها ستضر نفسها وحلفاءها أكثر من إضرارها بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية أو تؤثر على أسواق النفط العالمية.

ويشير العديد من خبراء النفط إلى أن معطيات العرض والطلب في أسواق النفط والبدائل المتاحة لتغطية كميات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز أو تغيير مسار الصادرات عبر خطوط أنابيب أخرى غير مضيق هرمز، تدل بوضوح أن سعر النفط في الأسواق العالمية لن يتأثر كثيرا كما كان يعتقد بعض المضاربين أو الجهات التي تتعاطف مع إيران.

في هذا الصدد، يلاحظ أن إيران وحلفاءها حاولوا في اجتماع منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) الأخير في فيينا أن يقنعوا بعض أعضاء المنظمة بالضغط لخفض سقف الإنتاج البالغ 30 مليون برميل يوميا، مستهدفين بذلك وضع المعروض النفطي في زاوية حرجة قبيل تنفيذ دول الاتحاد الأوروبي للحظر النفطي على إيران الذي سرى يوم الأحد الماضي، إلا أن هذا المخطط أحبط وأبقت المنظمة على سقف الإنتاج. وتستهدف إيران من خلال خطوة إغلاق مضيق هرمز أو إقناع منتجين في أوبك بخفض الإنتاج، خلق ضائقة في الإمداد النفطي وبالتالي رفع الأسعار وخنق الاقتصاد العالمي الضعيف حاليا ومن ثمة إجبار دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني اقتصاداتها من الركود والولايات المتحدة التي تعيش ظروفا اقتصادية صعبة، على التراجع عن الحظر المفروض على حكومة طهران.

ويعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات إيران النفطية وتجارتها عبر البحر مع الأسواق العالمية، كما أنه مهم جدا لمرور حاويات النفط السعودية والخليجية والعراقية إلى الأسواق العالمية. وتمر عبر مضيق هرمز يوميا 14 حاوية نفطية تحمل نحو 17 مليون برميل يوميا مصدرة إلى الأسواق العالمية. وتمثل هذه الكمية في المتوسط 20 في المائة من الاستهلاك العالمي وتتجه 85 في المائة منها إلى دول آسيا، وتحديدا إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وذلك حسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية لمتوسط كمية النفط المصدرة عبر المضيق في عام 2011. وتتجه 15 في المائة فقط من الصادرات النفطية عبر المضيق إلى الأسواق الأميركية والأوروبية. ولا تستورد أميركا النفط الإيراني ولكنها تستورد نحو 1.8 مليون برميل يوميا من احتياجاتها النفطية البالغة نحو 18 مليون برميل يوميا من دول الخليج عبر مضيق هرمز. وبالتالي فإن التأثير الأكبر لإغلاق المضيق سيكون على دول آسيا، وتحديدا الصين، وليس على الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تمر نسبة تقدر بنحو 2.6 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميا عبر المضيق، معظمها صادرات غاز قطري إلى أوروبا وآسيا. وتستورد الولايات المتحدة نسبة ضئيلة جدا من الغاز القطري، وكما هو معروف فإن الولايات المتحدة غنية بالغاز الطبيعي ويمكنها تصدير الغاز إلى أنحاء العالم. بناء على هذه المعلومات يمكن القول إن المضيق مهم وحيوي لتجارة النفط العالمية. ولكن ما هي تأثيرات إغلاقه على إمدادات الطاقة العالمية؟ وهل تستطيع إيران إغلاقه لفترة طويلة؟ في هذا الصدد يقول مايكل سنغا الخبير بمعهد السلام الأميركي من غير المحتمل أن تغلق إيران مضيق هرمز، وحتى إذا أغلقته فسيكون لفترة قصيرة وغير مؤثرة قبل أن يعيد فتحه الأسطول الأميركي. من بين الأسباب الرئيسية التي ستمنع إيران من إغلاق المضيق:

أولا: لن يحقق إغلاق مضيق هرمز أهداف إيران في رفع أسعار النفط إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي وبالتالي تجبر دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على التراجع عن حظر النفط الإيراني والتفاوض مع إيران بالشروط التي تطلبها.

 

ثانيا: أن 80 في المائة من الدخل القومي الإيراني يعتمد على مبيعات النفط التي تصدر عبر المضيق إلى الصين والهند ودول آسيا الأخرى، وأن إغلاق المضيق سيعني توقف الصادرات الإيرانية كليا. ويلاحظ أن الاقتصاد الإيراني يعاني منذ مدة وتعيش إيران ضائقة مالية أدت إلى تدهور مريع في سعر صرف الريال مقابل الدولار وعاقت قدراتها على استيراد قطع الغيار والمواد الضرورية.

 

ثالثا: احتمال أن يؤدي إغلاق المضيق إلى ضائقة في الإمداد النفطي أو أن يرفع أسعار النفط بمعدلات كبيرة غير ممكن، إذ إن السعودية ودول الخليج الأخرى التي يمر نفطها عبر المضيق اتخذت الاحتياطات اللازمة لذلك منذ مدة.. فالسعودية مثلا رفعت منذ مدة معدل الإنتاج إلى فوق 10 ملايين برميل والطاقة الإنتاجية الفائضة فوق 2.5 مليون برميل يوميا، أي أنها تستطيع حاليا إنتاج 12.5 مليون برميل يوميا، هذا على صعيد الإنتاج والطاقة الإنتاجية.

أما على صعيد بدائل التصدير عبر منافذ لا تمر عبر مضيق هرمز، فإن السعودية أعادت افتتاح خط أنابيب قديم كان يمر عبر العراق إلى البحر المتوسط ومدته الى البحر الأحمر، كما أن 1.5 مليون برميل يوميا من صادرات النفط السعودي عبر المضيق يمكن أن يعاد تصديرها عبر خط الأنابيب الذي ينقل إنتاج حقول المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر. تبلغ سعة هذا الخط 5 ملايين برميل يوميا. ويلاحظ كذلك أن الإمارات العربية المتحدة ستفتتح هذا الأسبوع خط أنابيب جديدا لنقل إنتاج النفط من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة. كما أن العراق يستطيع تصدير 1.6 مليون برميل يوميا عبر ميناء جيهان التركي الذي تم افتتاحه. وينقل هذا الخط في الوقت الراهن نحو 400 ألف برميل يوميا من الإنتاج العراقي. وذلك إضافة إلى عودة إنتاج النفط الليبي إلى مستويات مقاربة لمعدل الإنتاج قبل الثورة الشعبية التي أسقطت نظام العقيد القذافي. وبالتالي فالتقديرات تشير إلى أن 50 في المائة من كمية النفط التي تصدر عبر المضيق يمكن إعادة تصديرها إلى الأسواق العالمية عبر منافذ أخرى. وإذا خصمنا مما تبقى صادرات النفط الإيراني وأضفنا الزيادة في معدل الإنتاج الليبي، فلن تكون هنالك مشكلة في تغذية الأسواق الأوروبية والأميركية بكميات النفط التي تحتاجها، وربما يكون هنالك نقص في تغذية الأسواق الآسيوية.

 

رابعا: لا ترغب إيران في الدخول مع الولايات المتحدة في نزاع عسكري، لأنها ستخسر لا محالة. كما أن مخاطر مثل هذا النزاع قد لا تنتهي فقط بإعادة فتح مضيق هرمز وربما تمتد إلى داخل إيران لضرب المفاعلات النووية وتغيير النظام الحالي نفسه أو تحطيم كامل المقدرات الإيرانية على أقل تقدير.

 

خامسا: يلاحظ أن 85 في المائة من صادرات النفط الإيرانية تتجه إلى آسيا، خاصة الصين التي تستورد أكثر من 50 في المائة من النفط الإيراني المصدر. وإغلاق مضيق هرمز سيقود إلى الإضرار بإمدادات النفط الصينية التي تقف دائما في مجلس الأمن ضد القرارات المعاقبة لإيران أو على الأقل تخفيفها. وبالتالي فإن إيران إذا أغلقت المضيق فستستعدي الصين التي تعد حليفا قويا لها أو على الأقل ستنتفي المصالح النفطية والتجارية التي كانت تغري حكومة بكين للدفاع عن إيران في المحافل الدولية.

 

سادسا: إغلاق المضيق سيزيد من حدة الغضب الدولي ضد حكومة طهران وسيرفع من حدة العداء مع جيرانها في الخليج، وخاصة أن إيران تحتل جزرا إماراتية وتستغل الجاليات الشيعية للتدخل في السياسة الداخلية بالبحرين والكويت واليمن ولبنان.

 

سابعا: من غير المحتمل أن تقود خطوة إغلاق المضيق إلى ارتفاع يذكر في أسعار النفط. وحتى الآن لم تستطع إيران من خلال التهديدات المستمرة رفع أسعار النفط. ويلاحظ أن الارتفاع الذي شهدته أسعار خام برنت في نهاية الأسبوع فوق 101 دولار للبرميل حدث لأسباب لا علاقة لها بالتهديدات الإيرانية وإنما لأسباب تتعلق بالاقتصاد الصيني واحتمالات قيام مجلس الاحتياط الأميركي بجولة تحفيز ثالثة للاقتصاد.

 

ثامنا: يلاحظ أن الاستعداد والتنسيق الدولي لمواجهة إقدام إيران على إغلاق المضيق والتأثير على أسواق النفط العالمية وصل إلى مرحلة متقدمة بين كبار المنتجين والمستهلكين، فهنالك ملايين من البراميل العائمة في البحار والمخزنة في مناطق قريبة من أسواق الاستهلاك الرئيسية مثل جزر البهاما القريبة من السوق الأميركية وسنغافورة القريبة من الأسواق الآسيوية. وإضافة إلى ذلك فإن وكالة الطاقة الدولية بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لديها خطة جاهزة لإطلاق جزء من المخزونات الاستراتيجية في حال إغلاق المضيق.

 

لهذه الأسباب يمكن القول إن حكومة طهران تقطعت بها السبل، وإن التهديدات بإغلاق مضيق هرمز ليست حقيقية بقدر ما قصدت منها التأثير على المضاربات في أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط.

الشرق الأوسط 

شبكة البصرة

الاحد 25 شعبان 1433 / 15 تموز 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط