بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إجتثاث أبي بكر

شبكة البصرة

المحامي سليمان الحكيم

لم يخيّب السيد بهاء الأعرجي شكوك غالبية العراقيين والذين لا يحسنون الظن به ولا بالمدرسة السياسية التي ينتمي إليها، فكان تصريحه المتعلق بالصحابي أبي بكر الصديق، فيه من الجهل بمقدار ما فيه من الرعونة، وفيه من الظلامية بمقدار ما فيه التخلف. لم يجد هذا النائب وسيلة لتجديد عضويته في مجلس النواب وتعضيد تشوّفه إلى مجلس الوزراء، إلا عبر مخاطبة أحط الغرائز الطائفية لجموع الرعاع والجهلة والأميين الذين يشكلون قاعدة التيار الذي ينتمي إليه , ضارباً عرض الحائط في سبيل شهوة السلطة بقيم الوحدة الوطنية في زمن بالغ الحساسية أوشكت فيه هذه الوحدة على التصدع لأسباب يتحمل تياره مسؤوليتها بالتساوي مع مجرمي تنظيم القاعدة.
ولأني أتحدر من كبد مدينة النجف فبوسعي القول باطمئنان أنه ما من شيعي تجاوز عتبة الأمية وله إلمام بالشأن العام إلا ويأبى التعرض بسوء للخلفاء الراشدين،سواء إعراضاً منه عن الخوض في أحداث دارت قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة وشابها الكثير من التحريف والتزوير خدمة لأغراض سياسية دنيوِية، أو ثقة منه بمبدئية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي مَحضَ الشيخين ولاءه وأخلصَ لهما المشورة والرأي، ولقد وقف عليّ بباب أبي بكر ساعة وفاته ونعاه قائلا : "يرحمك الله يا أبا بكر، لقد كنت والله أول القوم إسلاما، صدقت رسول الله حين كذ ّبَه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا ".

ويعرف أهل النجف بالذات أن الخائضين في ذلك المستنقع الطائفي كلهم من جهلة المعممين ذوي الرقاب الغليظة والأوداج المنتفخة والكروش المتهدلة.

ويتبدى جهل النائب وضحالة ثقافته العامة في قوله بأن أهل السنة قد استولوا على الحكم منذ عهد أبي بكر وحتى عهد أحمد حسن البكر. وبغض النظر عن هذا السجع السخيف إلا أنه يبقى مجافياً لحقائق التاريخ ووقائعه. فقد عرف تاريخ العراق والشرق الأوسط أربع دول شيعية على الأقل، منها الإمبراطورية الفاطمية التي توسعت رقعتها فشملت كل شمال افريقيا ومصر وغرب الجزيرة العربية وشمال السودان، وشملت سيادتها جزيرة صقلية الأوروبية، و قد عاشت هذه الإمبراطورية ثلاثة قرون عرفت فيها، شأن كل امبراطورية، عقوداً من المجد والعظمة، وعقوداً أخرى من الانحطاط والضعف ؛ ومنها الدولة الشيعية البويهية التي حكمت العراق و بلاد فارس حوالي المئة عام ؛ ومنها الدولة الصفوية التي حكمت العراق حوالي المئة عام أيضاً وتجاذبته مع الدولة العثمانية.
 
ومن المصادفات أن قاسماً مشتركا يربط السيد بهاء الأعرجي بالشاه عباس الصفوي الذي جعل شعاره سبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة!

وكذلك شهد العراق حكم الدولة الحمدانية الشيعية والتي اتخذت من الموصل عاصمة لها , ولكن نفوذها شمل العراق بأسره.

وكان يتعين على بهاء الأعرجي أن يحفظ غيبة أبي بكر الصديق على الأقل إكراماً لإبنه محمد بن أبي بكر الذي اصطف إلى جانب الإمام علي بن أبي طالب وقاتل معه التيار المنحرف في المجتمع الإسلامي الوليد , ودفع حياته ثمناً لموقفه المبدئي ذاك.
ولكنه ليس الجهل وحده الذي يطغى على عقل بهاء الأعرجي ولسانه، ولكن ظلامية المدرسة السياسية التي ينتمي إليها والتي لم تكن شيئاً مذكورا قبل احتلال العراق عام 2003 , ولم تطف على سطح السياسة العراقية إلا بالولوغ في دماء الأبرياء عبر إذكاء الفتنة الطائفية التي شرعت بتحويلها إلى حرب طائفية عامة لولا وعي العراقيين.

هذه المدرسة التي خرّجت نماذج من طراز حاكم الزاملي سفاح وزارة الصحة، وأبي درع سفاح بغداد، ومصطفى اليعقوبي سفاح الحضرة العلوية وشريكه قيس الخزعلي، وعلي الشمري العميل الأميركي، وسلام المالكي لص وزارة النقل بالاشتراك مع خاله أبي عقيل، وعشرات غيرهم من أسوأ الفاسدين والمرتشين والقتلة الذين ابتلي بهم العراق وأهله كتوابع للزلزال الذي ضرب البلد في ربيع 2003.

والمفارقة المثيرة للسخرية في هذه الحكاية أن التيار الذي ينتمي إليه السيد الأعرجي يزعم في بياناته الإعلامية تحريم الفتنة الطائفية، ودعا في وقت ما إلى صلاة مشتركة تجمع كبيره والشيخ حارث الضاري.....وزعم في وقت آخر إمداده لمقاتلي الفلوجة بالرجال والسلاح في معاركهم ضد الإحتلال الأميركي ثم ضد حكومة السيد أياد علاوي ؛ فكيف أمكن للأعرجي وتياره أن يلتقيا مع تلك الفئات من أهل السنة، وهم يضمرون العداوة لأبرز رموزهم ويتهمونه باغتصاب السلطة؟ والأهم من ذلك كله أن أحداً لم يتوقف وينبّه الأعرجي إلى أن أبا بكر الصديق لم يكن سنياً بمقدار ما لم يكن الإمام علي شيعياً، وإنما كانا مسلمَـيْن وحسب. وهل يغيب عن بال من يزعم أنه محام أن الانقسام لم يبدأ في المجتمع الإسلامي إلا بعد عصيان معاوية بن أبي سفيان وخروجه على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب , ليصبح الإنقسام من يومها وحتى وقتنا هذا ما بين أموي وعلوي، وأن تعبير شيعي وأهل السنة لم يدخل في التداول الإسلامي إلا بعد عقود على رحيل الخليفتين؟

وفي كل الأحوال فإن ذلك الصراع صار من أحداث التاريخ , وأطرافه هم من أمة قد خلت لها ما كسبت , وقد تجددت المظاهر الفكرية لذلك الصراع واتخذت أبعاداً مزيفة لا علاقة لها بأصوله , لأسباب تتعلق بالسياسة الصفوية وبصراعها مع الدولة العثمانية , وليس له على وجه اليقين صلة بالدين الإسلامي ولا بصحيح تراثه ومراميه. وفي يومنا هذا تكرر دولة الفقيه الإيراني نفخ الرماد عن تلك الأساطير لتشعل العراق والخليج العربي ناراً لأسباب تتعلق بصراعها السياسي مع الدول الغربية، وليس بهاء الأعرجي وتياره وسواهما من الأحزاب الطائفية إلا أدوات فارسية مأجورة، هي سبّة في وجه التشيع ووصمة عار في جبين الإسلام.

إن أي متتبع لتاريخ إيران منذ انهيار الإمبراطورية العربية وحضارتها الإسلامية , سيكتشف بسهولة قانوناً حكم السياسة الإيرانية على تعاقب القرون واختلاف أنظمة الحكم , وهو أن إيران تبقى دائماً دولة قومية تستغل المذهب الشيعي لخدمتها, ولم تكن هي يوماً في خدمة المذهب الشيعي.

شبكة البصرة

السبت 21 شوال 1433 / 08 أيلول 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط