بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حضارة وادي الرافدين، ميزوبوتاميا،

"العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكار الفلسفية"

(الفصل السابع عشر)

المعتقدات والخرافات- الأفكار والفلسفات

شبكة البصرة

د. عبد الوهاب حميد رشيد

1- علاقة الإنسان بالإِله

تشكل علاقة الفرد بالإِله مجالاً موضوعياً لبحث المعتقدات الدينية لوادي الرافدين والتي تقوم على أن الآلهة خلقت الكون- البشر، فهي خالق كل شيء، وموجه كل شيء، ومنفذ كل شيء، وموحٍ بكل شيء قبل حدوثه. عليه اعتبرت سلطات الآلهة غير محدودة على الإنسان. وينضوي تحت هذه السلطة الفلاح والملك على السواء. من هنا تطلع القوم إلى آلهتهم تطلع العبد لسيده: بخوف ومسكنة، وبرهبة وحب وإعجاب أيضاً.(1) ويمكن ملاحظة الموروث التاريخي للنصوص المسمارية الذي يؤكد هذا الاعتقاد في كافة مجالاته. إن الوثائق السومرية- الآشورية- البابلية، بعامة، تميزت بطابعها الديني. فالنصوص الطبية كانت تنظر للأمراض باعتبارها عقابا إلهيا نتيجة الذنوب التي اقترفها المريض، لذلك فليس هناك دواء لا يتضمن استخدام الصلاة والطقوس الدينية. كذلك فيما يخص النصوص الفلكية بحكم اعتقاد القوم أن النجوم تمارس نفوذاً حقيقياً على الإنسان. وتحمل النصوص التجارية قدراً واضحاً من الصبغة الدينية، فالعقود تبدأ فاتحتها باسم الآلهة وتختم في نهايتها بالقسم باسم الآلهة، كما أن قرارات القضاء ترتبط بالآلهة وتبتهل إليها. ويتضح الطابع الديني أيضاً في الأدب بمجالاته المتنوعة والتي تنسب كل حدث إلى إرادة الآلهة. فالإِله هو الذي أوحى للملك إعلان الحرب وتحقيق النصر، وأن الملك بنى المعبد بناء على إرادة الآلهة.. يقول آشور بانيبال- الملك الآشوري "لقد قطعت أوصال أعدائي وألقيت بهم إلى الوحوش الكاسرة لتأكلهم. وحين انتهيت من ذلك، انشرح قلب الآلهة العظام، آلهتي(2)."

ولأِن الآلهة خلقت الإنسان لخدمتها وطاعتها، عليه أصبح من الخصال الحميدة والعظيمة للقوم بدءاً بالملك ولغاية عامة الناس إطاعة إرادة الآلهة. وبينما كان الاحتفال بالأعياد المتنوعة وأداء الطقوس الدينية من اختصاص الكهنة- المعبد، فإِن إرسال النذور والقرابين للمعابد وحضور الاحتفالات الرئيسة والتقيد بالتعاليم العديدة والابتعاد عن المحرمات الكثيرة من واجب كل إنسان، الذي وجب عليه أن يكون خادماً مطيعاً لتعاليم الآلهة حتى يتجنب غضبها وعقابها وانتقامها منه ومن عائلته.. غير أن من الخطأ الاعتقاد أن دين وادي الرافدين كان مجرد دين رسمي أو مجرد تعاليم تقوم على الخوف والرهبة، بل كان كذلك دين عقيدة وقناعة ورغبة. فعندما تُقام الصلوات وتنشد التراتيل في المعابد، كانت تتألق المشاعر المرهفة وتنفجر العواطف الصادقة نحو الآلهة. "لقد وضع سكان ما بين النهرين كل ثقتهم بِآلهتهم واعتمدوا عليها كما يعتمد الأولاد على آبائهم، ويحدثونها كأنها الآباء والأمهات لهم التي من شأنها أن تستاء فتبطش والتي يمكن أيضاً استرضاؤها فتغفر لهم المعاصي والذنوب. لقد "عاش السومريون وورثتهم في الديانة كما يعيش السمك في الماء". كانت تعيش في داخلهم, تزودهم بالأوكسجين الروحي والفكري(3).

وإذا كانت النذور والقرابين والالتزام بالتعاليم والطقوس الدينية واجبة على كل فرد، لكنها لم تكن كافية لنيل عطف وبركات الآلهة، لأِنها تتطلب كذلك سلوكاً اجتماعياً قويماً: أب طيب، ابن بار، مواطن صالح يدعو للمعروف وينهي عن المنكر. وفي نص سومري زاخر بالتعاليم الأخلاقية يقول: "لا تكذب وقل قولا طيباً، لا تتكلم بالشر، وقل الخير، لا تلفظ كلام قلبك حتى لو كنت وحيداً، وإذا تكلَّمت بعجلة فستعيد ما قلته، وحتى تسكت يجب أن تمسك بِأعصابك(4)." وهي مواصفات تُعبِّر عن القيم الاجتماعية- الأخلاقية السائدة حتى الوقت الحاضر في المجتمع البشري المعاصر، بعامة، وفي المجتمعات الأبوية بخاصة.. وتوصي واحدة من نصائح الحكمة البابلية بقولها: "اعبد كل يوم آلهتك، واظهر العطف للضعفاء، قم بالأعمال الصالحة، وقدم العون في كل أيامك، لا تشهر بالآخرين وحدث بالحسنات، لا تقل أشياء خبيثة، وقل للناس قولاً جميلاً." ويؤكد Jacobsen أن الحياة المثالية للفرد تميزت بـ: الإذعان والطاعة.. وذلك في سلسلة تراتيبية من السلطة: الأُخت الكبرى، الأخ الأكبر، الوالدين، مراقب العمل، القاضي، الملك، الإله الشخصي على طريق الآلهة العظام وإله السماء. وهذه المواصفات كانت مطلوبة للشخص الصالح لينال رضا مجتمعه وآلهته(5).

مقابل طاعة الفرد وإيمانه الصادق وسلوكه القويم، تُقدم الآلهة له الحماية ساعة الخطر، والعون عند الطوارئ، والمساعدة عند الحاجة، وتهبه الصحة الموفورة والمركز الاجتماعي المشرف والثروة والأبناء الكثيرون والعمر الطويل.. إلا أن معادلة (طاعة الآلهة = حياة سعيدة) لم تكن القاعدة ولم تكن شائعة عملياً.. فهناك حالات عديدة تمت فيها معاقبة أتقياء على نحو غير مفهوم(6). من هنا ثار سؤال وجيه: كيف يمكن أن يحدث كل هذا والآلهة "الحكيمة" تُسيِّر العالم؟ وكيف يمكن أن يسود الشر على الخير في حياة بعض الأتقياء؟.. وكان جواب الكهنة أن الآلهة نفسها لم تخلُ من صفات شريرة عندما اتبعت طريق العنف والبطش خلال المراحل الأولى من خلق الكون (ملحمة الخليقة). ورغم أن القوم لم ينسبوا لآلهتهم القداسة المطلقة، واعتقدوا بإمكانية أرتكابها للأخطاء، فهذا لم يمنعهم من التوجه نحوها باعتبارها حراساً للعدل(7).

ومن هنا أيضاً، تصوروا أن الكون تسيره منذ البدء نواميس إِلهية لا تتمثل في عنصر الخير حسب، بل كذلك بعنصر الشر. فهما من مواصفات الإِله والإنسان (المخلوق من دم إِله شرير) معاً. وإذا قبل المرء هذا التعليل عندئذ له أن يسأل سؤالاً آخر: لماذا لا يكون الشر من نصيب الأشرار والخير من نصيب الأخيار؟.. كيف يمكن أن يصيب البؤس والحرمان تقياً ورعاً في حين يرفل الآبق والظالم بالغنى والعيش الرغيد؟. ولكن من ذا الذي يعلم كنه الآلهة؟ فحسب تعبير الفيلسوف البابلي:"إن ما يبدو للمرء ممتازاً هو إساءة للإِله، وما يبدو خسيساً في قلب المرء هو ممتاز عند ربه(8)."

ورغم أن الإجابة النهائية للكهنة هي أن التمسك بالتقوى هو طريق النجاح والسؤدد والصحة والسعادة، وأن الخير سينتصر في النهاية على الشر، وأن على المتعبد المبتلي في حياته أن يصبر ولا ييأس من رحمة الآلهة وعطفها. يبقى الشك والحيرة واليأس وليدة هذه العقيدة. ففي قصيدة سومرية بعنوان (رجل وربه)، وهي تسبق التوراة بِألف عام، نشره (كريمر) في كتابه- التاريخ يبدأ من سومر، يسأل الرجل المعذب إِلهه بجزع:

"يا إِلهي النهار يسطع بنوره على الأرض

أما أنا فيومي مظلم

الدموع والحزن والضيق واليأس تسكن أعماقي

والمصير السيئ يمسك بيدي وينتزع أنفاسي

والحمّى اللعينة منتصر على جسدي

يا إِلهي أيها الرب الذي خلقني، أنقذ وجهي

إلى متى تهملني وتتركني دون حماية(9)."

وفي قصيدة (الصالح المعذب) يصرخ (أيوب البابلي) معلناً الحيرة والشك بقوله:

"من ذا الذي يعلم بإِرادة الآلهة في السماء؟

ومن ذا الذي يدرك خطط آلهة العالم الأسفل؟

أين تعلَّم الفانون طريق الرب؟

هذا الذي كان حياً البارحة، اصبح اليوم ميتاً.

للحظة يكون الانسان مكتئباً وفجأة ينقلب منشرحاً.

مرة يُغني بنشوة،

وفي لحظة تالية كأنهم ندابون محترفون..."

أنا حائر إزاء كل هذا إذ لا أفهم جدواه(10)."

 

وَلَّدت هذه المعتقدات وما ارتبط بها من هاجس الموت والبؤس والحرمان والمرض والحزن وهموم الحياة، بعامة، عناصر الكآبة والقلق والخوف والتشاؤم وعدم الاطمئنان وغياب الاستقرار النفسي والمعيشي. هذه الظروف أحاطت بإنسان وادي الرافدين، خاصة عندما يشعر بِأداء واجباته والتزاماته تجاه الآلهة، وفي نفس الوقت يتلقى الضربات والمصائب التي لا يستحقها(11). ولم يكن التشاؤم لدى إنسان وادي الرافدين حالة عرضية لليأس، بل كان ميتافيزيقي metaphisics الأصل- غيبي. كمنت جذوره في الآلهة ذاتها التي تجسدت في عناصر الطبيعة والكون وحملت في ذاتها عناصر الخير والشر وأصبحت مصدراً للحياة والكوارث معاً.

الأنهار والرياح والأمطار، مثلاً، وهي جالبة الحياة، يمكن إن تتحول لقوى مدمرة تهلك الزرع والإنسان.. وبمواجهة هذه الظواهر الطبيعية (الآلهة) القاسية، وجد القوم أنفسهم بلا حول ولا قوة.. ولَفَّهم القلق الشديد إزاء ترقبهم لغد غير مضمون تجاه حصيلة جهودهم، بل وحياتهم غير المستقرة.. فكانت حياة الإنسان وعائلته ونتاج حقله وماشيته، ومستويات الأنهار وفيضاناتها، وتوالي الفصول المختلفة، وحتى الكون ذاته، تحت رحمة القدر على الدوام. فإِذا بقي البشر أحياء، وإِذا عادت الحياة إلى الحقول بعد لهيب الصيف، وإِذا استمر القمر والشمس والنجوم والكواكب في حركتها. فإِن كل هذا يتحقق بإِرادة الآلهة التي تقرر مصائر الكون سنوياً. لذلك ففي مطلع ربيع كل عام، كانت تُقام احتفالات هائلة ومثيرة في مدن عديدة، وفي بابل بخاصة، تشمل طقوس الزواج الإِلهي المقدس، وتلاوة ملحمة الخليقة، وإعادة تثبيت الملوك، وتتوج أخيراً باجتماع الآلهة الذين "يقضون في المصائر" للسنة التالية. "عندئذ فقط بوسع الملك العودة إلى عرشه والراعي إلى قطيعه والفلاح إلى حقله. وعندئذ كذلك يستعيد ساكن وادي الرافدين ثقته بما حوله فبإِمكان العالم أن يستمر بالوجود، بِإِرادة الآلهة المسترضاة، لعام آخر أيضاً(12).".. "وإذا كانت حياة البابلي شاقة مثل حياة المصري فإِنها لم تستطع أن تحطم بشاشته الطبيعية ومرحه اثناء عمله اليومي. غير أن إنسان بلاد الرافدين كان غريباً عن الضحك، ويبدو أنه لم يكن قد تعلَّم كيف يلهو(13)."

رسمت العقيدة الدينية لإنسان وادي الرافدين أشكالاً معينة من التصرفات والممارسات التي ترضي الآلهة، وأُخرى لا ترضيها وتكون عرضة لجلب غضبها وانتقامها. فحرص القوم على إِرضاء آلهتهم لتحاشي غضبها وإنزال الشرور والأمراض بهم، كما حرصوا على تقديم القرابين لأِرواح الموتى لاعتقادهم بِأنها تحقق الراحة والاستقرار لروح الميت في العالم الأسفل، واهتموا كذلكً بدفن موتاهم وفق الشعائر والطقوس الدينية لأِن ذلك يمنع خروج روح الميت في شكل شبح مخيف يلحق الأذى بالناس. ومع ذلك بقي الإنسان هذا يعيش في خوف دائم من هاجس إِلهي جائر وآلهة غير مبالين careless. وبملاحظته انتصار الشر على الخير يومياً، استمرت حياته متشائمة، وأصبحت نظرته السائدة: أن حياة الانسان ليست ذات جدوى إن لم تكن تافهة(14).

 

2- النصيب: القضاء والقدر

لكل إنسان، حسب عقيدة القوم، نصيبه المقدَّر له من قبل الآلهة منذ ولادته ولغاية مماته.. وهذا النصيب يتميز بحسن الطالع أو سوء الطالع. ويحدد يومياً اتجاه وسلوكية ومزاج الفرد الكلية. والنصيب موجود في طبيعة ألـ (نم) أو ألـ (شمتو) للفرد، وهما لفظتان أولاهما سومرية والأخرى اكدية, بمعنى سمة الشيء أو صفاته. وفي نص لـ: آشور ناصر بال (883-859 ق.م). يذكر الملك الآشوري بعد وصف مُجمل لإنجازات جيوشه:صرحت لي الشمتو عن طريق الآلهة العظام الذين أدوا الصلاة من أجل إدراك الشمتو الخاص بي… ثم يبين أن فتوحاته وانتصاراته هي جزء من (نصيبه) أثناء حياته ومماته. وبذلك تتضمن هذه اللفظة (الشمتو).. "إن شخصية الانسان هي هبة مرسومة الحركة والنتائج"، وهي نصيبه: قضاءه وقدره- منسوبة إلى قوة خارقة ما فوق الطبيعة، تُحدد مسبقاً سجايا وملكات وحياة وممات الجنس البشري(15). و (القَدَر) هو إِرادة إِلهية طالما أن الآلهة هي التي تحدد مصائر البشر. وفي مثل هذه العقيدة الدينية يعيش الإنسان في تناقض حاد بين الخضوع للقدر بما فيه من طوالع سيئة وبين التعاون معه حتى الموت.. هذه العقيدة القاسية التي تُجسِّد غياب إِرادة الانسان(16).

كما وأن الحالة الروحية لسكان وادي الرافدين التي تولي أهمية قصوى للسلطات التي تمارسها الظواهر المفاجئة على الفرد- المجتمع، توضح الأهمية الفريدة للطالع (الفأل) لديهم، باعتباره يكشف عن ألمستقبل."إن الطوالع التي تبين مقدماً المشاريع الإِلهية للعالم لا يُحصى لها عدد، وأهمها ذات نظام ميتافيزيقي، ويلعب الحلم، الذي له قيمة دينية، دوراً في تكوين الدين نفسه". ويمكن استخلاص الكثير من الطوالع من ولادة الكائنات الحية وغيرها من الظواهر الطبيعية والبشرية- الحيوانية. فالتشوه في خلقة المولود عند الإنسان أو الحيوان (حيث لم يكن واردا في عقيدة ميزوبوتاميا أن تمنح الإلهة ولادة لأِطفال معوقين أو مشوهين)، والتصدع في بيت وهو في طور البناء طوالع سيئة. بل هناك ما لا تُحصى من الظواهر والحركات اللاإِرادية التي تشكل علامات عن المصير الذي ينتظر الإنسان- المجتمع. كل هذه الحركات الغريزية وحتى الصرخات وحركات المجيء والرواح للحيوانات والطيور الداجنة والبرية، علاوة على حركات النجوم والكواكب ومظاهر الكون الأُخرى، كانت محل دراسة الكهنة(17).

هناك نص مسماري يتضمن 77 طالعاً سيئاً، منها: رأس مقطوع يضحك.. في نيبور زلزلت الأرض.. خروف له أربعة قرون شوهد في مدينة (دير).. شوهد ثور يسفد حماراً.. في مدينة كلدة شوهد ملح في المدينة.. شوهد على ضفاف النهر كبش يبول.. امرأة لها لحية وشفتها السفلى مشقوقة.. في مدينة (ديت البداء) وجد نحاس في أعماق الجبل.. أسد وذئب وخنزير بري دخلت المدينة.. شوهد صقر أبيض وعصفور أبيض في المدينة.. في بابل شوهد ضبع يفترس حية. هذه العلامات وغيرها كثيرة، تعتبر طوالع سيئة ومؤشرات مرسلة من القوى الخارقة لإِنذار الانسان- المجتمع. وعند ظهور أي من هذه العلامات الغريبة عن فهم القوم فلا بد من اللجوء إلى كل الطقوس والشعائر الضرورية لتحويل المجرى الخطير للطالع. وإلى جانب هذه الطوالع المشؤومة فإِن العلامات السماوية كانت ذات مدلول كوني. فالخسوف يُعتبر تهديداً لأِمن المدينة- الدولة كلها. وهو مسؤولية الملك الذي تقع عليه مهمة ممارسة كافة الطقوس لحماية مدينته- دولته(18).

تضمنت معتقدات القوم كذلك طوالع جنسية. تم ربط سلوكية شهوة الإنسان بِِأوهام المستقبل. الإله خلق الجنسين والتكامل الجسدي بغرض الإنجاب واستمرار الجنس البشري، مع إعطاء الأولوية للرجل حسب النظام التراتيبي الأبوي. وتُقرأ طوالع الجنس كعلامات مهمة لزيادة وتحسين الجوانب الحياتية لمستقبل الرجل. بمعنى أن منطق الفأل الجنسي يتضمن موضوع الذكر الذي عليه أن يكون دائما حذراً بِشأن عاطفته وأن يلاحظ حدود رخاوة جسده. فـ "إذا امتطت المرأة الرجل أثناء العملية الجنسية، فإنها ستسحب قوة الرجل لمدة شهر، ويصبح في حال غير جيدة".. ويرتبط ذلك أن الدور القيادي للمرأة هنا يتعاكس ونظام التراتيبية الأبوية.. و "إذا سمح الرجل أثناء العملية الجنسية أن تمسك المرأة قضيبه، عندئذ يصبح نجساً ولا تقبل الآلهة صلاته". وأيضاً "إذا كررت المرأة أثناء العملية الجنسية لمس فرجها، يصبح ذلك الرجل نجساً لبقية يومه وسترتجف يده".

وهناك طوالع ترتبط بعقيدة القوم بِشأن قوة النظر seeing وقدرتها على الإصابة أو سحب قوة الشخص محل النظر لصالح الفاعل (الناظر). فعندما يكون الشخص المعني محل النظر, يصبح قابلاً للعطب vulnerable ومعرضاً للانكشاف exposed. فـ "إذا نظر الرجل أثناء العملية الجنسية إلى مهبل المرأة باستمرار، تتحسن صحته وتحصل له البركة".. أما "إذا نظرت المرأة أثناء العملية الجنسية إلى قضيب الرجل باستمرار، سيتعرض للخسارة".

كذلك علَّقت طوالع حضارة وادي الرافدين اهتماماً واضحاً على المني (ماء الرجل) semen باعتباره رأس مال الرجل له أن يهدره فيواجه الخسارة وله أن يتصرف به بشكل سليم فيحقق الربح في حياته. فـ "إذا حصلت ممارسة جنسية لرجل مع امرأة، ثم قذف وانتشر القذف، سيكون ذلك جيداً ويحقق ربحا مالياً".. أما "إذا تكررت ممارسته الجنسية وتكرر قذفه، فإنه سيواجه مصروفات ثقيلة". و "إذا ما كرر الرجل ممارسته الجنسية بإفراط مع المرأة, فإنه سيموت في ربيع شبابه".

كما أن المكانة الاجتماعية للمرأة تلعب أيضاً دوراً في نجاح الرجل أو فشله أثناء ممارسته للعملية الجنسية. فإذا كانت المرأة تنتمي إلى مجموعة معبد عشتار أو القصر أو المعبد ومارس الرجل العملية الجنسية معها لمدة عام كامل، فإن الحرمان الذي كان يلفه، سيتخلى عنه.. بينما إذا تحققت هذه الممارسة مع عبدة في منزل الرجل، فإن الصعوبات ستلازمه(19).

وفي مثل هذه العقيدة التي جعلت من الشخص في مرتبة العبد، على أفضل افتراض، خضع إنسان وادي الرافدين في عقله وجسده وحياته إلى ثلاثة أشكال من القوى المسيطرة عليه سيطرة لا فكاك منها: الأول الخضوع لقرارات القدر التي لا ‘ترَدْ، وتقررها الآلهة وتحدد الخطوط العريضة والتفصيلية لحياته.. الثاني الخضوع لسلطة مطلقة يمارسها الملك باعتباره نائب الإِله في أرضه.. الثالث الخضوع لوهم هجوم القوى الشريرة والمتوحشة غير المنظورة من الشياطين والعفاريت المحيطة به كظله والتي تترقب الفرصة لمهاجمته في كل لحظة. وهكذا قادت هذه القوى الثلاثية المسيطرة على إنسان وادي الرافدين (الإِله، الملك، الشياطين) إلى خضوع عقلية القوم للغيبيات متضمنة مسلمات دينية وطقوساً سحرية متداخلة معها. يلاحظ مثلاً، عندما حدثت المنازلة الرهيبة بين (مردوخ) و (تيامات) أنهما لم يلجئا إلى قوتهما الذاتية، بل لجأ كل منهما إلى السحر الذي يُفترض أن قوته أعظم من القوة الإِلهية.. كذلك الحال عندما قتل انكي جده الأكبر ابسو (ملحمة الخليقة البابلية). ومع أن الممارسات السحرية تعايشت تاريخياً مع الطقوس الدينية على الدوام، إلا أن السحر احتل مكاناً سامياً خاصاً في ديانة حضارة وادي الرافدين.. فالسحر والتنجيم والعرافة توفر طرقاً للتنبؤ بالأحداث الكونية وأدراك نتائج القرارات الإِلهية وأخذ إنذاراتها بعين الاعتبار، و "إذا كانت الصلاة والقرابين تمكن من إرضاء الآلهة، فإِن الأشكال السحرية والطقوس الخاصة تطرد الشياطين. وفي الصراع ضد قوى الشر تتدخل (الرقيات) كأمرْ...(20)"

 

3- الخرافات: الشياطين والعفاريت

لا زالت الخرافات superstitions منتشرة في عصرنا الحاضر بهذه الدرجة أو تلك حسب مرحلة تطور المجتمعات، لكنها لا تشكل جزءاً من الدين الرسمي أو على الأقل ليست جزءاً رسمياً من فكر الدولة وممارساتها. أما في حضارة بلاد الرافدين، فكانت الخرافات ركناً أساسياً من أركان الدين والدولة نفسها، وتتدخل عميقاً في حياة الناس. ومن أبرز معالم الخرافات الاعتقاد بالأرواح.

آمن سكان وادي الرافدين بوجود نوعين من الأرواح: الخيّرة/ الحامية من الملائكة والجن الصالحين، وكانت أشهرها لديهم (ايلو- عشتار، لامو- شيدو). وهذه الأرواح الأربعة كانت تتميز في هذه الحضارة باعتبارها ذات طالع حسن وتلتصق بالمتعبد كالتصاق ظلِّه، وهي بركة إِلهية تساعد على تحقيق الكسب الوفير وإبعاد الشر واستمرار الصحة والنجاح. عليه فالشخص الذي له (أرواح حامية)- الملاك الحارس/ الإله الشخصي)- يكون سعيداً في حياته(21). وكانت الثيران المجنحة المعلَّقة خارج القصور الآشورية تُصور أرواحاً حامية.

وإلى جانب الأرواح الحامية، اعتقد القوم بوجود الأرواح الشريرة: الشياطين والعفاريت والجن الأشرار. وهناك أُناس مطبوعون على الشر من السحرة والساحرات الذين يمارسون (السحر الأسود) المؤذي. وهم قادرون على إصابة المرء بالمرض أو البلاء بفعل سحرهم الأسود، رغم إمكانية التغلب على هذه القوى الشريرة: عفاريت وبشر، بطرق سحرية مماثلة من قبل الكهنة السحرة لقاء أجر(22). والعفاريت لا تموت (خالدة) ولا يمكن تدميرها، ولكن يمكن عزلها ودفنها وإبعادها عن الأذى. ولحسن الحظ فهي، حسب عقيدة القوم، حسنة النية إلى حدود الغباء لكونها تتمتع بذكاء واطئ، لذلك يمكن بواسطة السحر الاحتيال عليها وإقناعها بالخروج من المكان المؤذي (بيت، جسم مريض..) وحبسها في قمقم أو تمثال- يصنعه الساحر لهذا الغرض- ويقوم بدفنها، أو تحويل انتباهها إلى حيوان أو شيء خارج المجال لتنتقل إليه(23).

وتتفوق الأشرار من الجن على الجن الأخيار تفوقاً عددياً هائلاً. فهناك مجموعة يعتبرون من أبناء الآلهة الأشرار ممن سحقهم (مردوخ)- ملحمة الخليقة البابلية. ومجموعة أخرى قيل أن انو إِله السماء وضع بيضها. كذلك تتواجد مجموعة من العفاريت ترجع أصولها إلى العالم الأسفل، أي أرواح الموتى ممن لم يتلقوا دفناً لائقاً أو لم يجدوا من يُقدم إليهم النذور والقرابين أو ماتوا ميتة غير طبيعية (أسطورة موت انكيدو). وهذه المجموعة تظهر في أوقات متقطعة(24). اشتهرت في حضارة وادي الرافدين فئة من العفاريت تُعرف بـ (السبعة) أو (مجموعة السبعة)- انكو- وهي ذات أصل إِلهي، قوية جداً بحيث لا تقف قوتها عند التدخل في حياة البشر، حسب، بل وتتدخل حتى في حياة الآلهة نفسها. مثال ذلك خسوف القمر، إذ يبين نص مسماري أن "سبعة آلهة شريرة (مجموعة خاصة من العفاريت) شقَت طريقها نحو قبة السماء، وتجمعت غاضبة حول هلال إِله القمر." وفي هذا النص كانت الآلهة نفسها تتعامل مع هذه المعضلة. ولكن للناس دورهم حين يحدث الخسوف، وذلك بالمساعدة على طرد العفاريت التي سببت الخسوف، إذ يتم نصب نوع من الطبلة (النقارة) في ساحة المعبد وقرعها. وهذه العادة ظلَّت ممارسة تقليدية للناس حتى بعد أن اكتشف البابليون سبب الخسوف واستطاعوا حساب ذلك "بدقة فائقة(25)." بل واستمرت هذه الممارسة لغاية فترة مُتـأخّرِة في العديد من المدن والقصبات العراقية، عندما كان النساء والأطفال يهرعون إلى السطوح عند خسوف القمر ومعهم ما متاح من أدوات المطبخ النحاسية (وغيرها) لضربها ببعضها وإحداث أصوات عالية من أجل تخويف العفاريت وطردها وتحرير القمر.

وتمارس هذه العفاريت (السبعة) طرقاً عديدة لتعذيب القوم، فهي تتجسَّد في صورة شيطانات الأحلام اللواتي يجامعن الرجال أثناء نومهم.. وهناك عفاريت أُخرى أشهرها (لاماشتو) تقوم بسرقة الأطفال حديثي الولادة من أُمهاتهم.. وتمنع الشيطانة أو (عفريتة الأحلام)- ابنة انو- ولادة الأطفال في الوقت المناسب كما تقتل الطفل الوليد. وهي العين الشريرة والنفس الوسخة التي تصيب الشخص ممن يقع ضحية تحت نفوذها ودون أن يستطيع الهرب منها لأِنها من القوة بحيث تكون قادرة على حبس المطر في السماء، وهي تُعيق نمو القصب، وتسلط العقم على المواشي والعائلات(26).

توجد العفاريت في كل مكان تقريبا، رغم أنها تفضل أماكن خاصة، مثل الصحاري التي تُعد خطرة على المتجولين فيها، والمقابر والخرائب التي تعتبر مفضلة تكمن فيها. ويحتمل أن يزيد نشاط العفاريت في مناسبات خاصة مثلاً عندما تنتظر المرأة الولادة أو عند ولادتها تواً. لذلك يُعزي الفكر القديم إلى العفاريت النسبة العالية من حمى النفاس وموت الوليد. وأن أغلب المصائب التي تصيب القوم كانت تنسب إلى التدخل المباشر للعفاريت(27). هناك نص مسماري يقول "إن الأرواح الشريرة كالعشب الذي يغطي الأرض، برقها يصعق ويحرق كالنار، تُصيب الإنسان بالمرض وهو في فراشه، وتضيق على جسده، وتملأ المدن والأرياف نواحاً وآهات (28)."

بوسع العفاريت أن تتخذ جميع الأشكال: أن تستلقي على هيئة حمار.. أن تطوف المدينة في شكل كلاب الصيد.. أن تنساب على الأرض كالأفاعي. ولها القدرة على اختراق البيوت من خلال شق الباب، والاندفاع مثل تيار هوائي، والقيام بحركات خاطفة، وهي تطير بسرعة هائلة كالشهب(29). كما عُرفت (مجموعة السبعة) كونها أكثر العفاريت الرهيبة والمرعبة، فنباحهم في كثير من الأحيان أسوأ من عظتهم، وليس بمقدورهم دخول البيت أو الصفير أو التمتمة أو قلب الأشياء رأساً على عقب، حسب، بل كذلك يستطيعون شق طريقهم إلى الاصطبلات وإيذاء الحيوانات وجعلها تفر إلى مختلف الجهات "وهذا هو مبدأ سيطرة الأرواح الشريرة بالمعنى الذي كان سائداً في العصور الوسطى." ومهما وضِعَتْ من حواجز فإِن هذه الأرواح الشريرة تستطيع ولوج البيت والقيام بالأفعال الشريرة، ودفع العائلات أن تتخاصم مع بعضها. وهي تتحمل مسؤولية أي ظرف سيئ يحيط بالإنسان "وواقع الآمر أن الكآبة الشديدة كانت طابع إحساس الإنسان بِأنه محاط من كل جانب بِأنواعَ من أعداء غير منظورين"، والتي قادت تصرفاتها إلى إنزال المصائب بالسكان في حياتهم اليومية، كسوء الحظ والمشاكسة والعصبية(30).

وهكذا امتدت هذه الخرافات بين القوم إلى درجة أن مهمة تشييد مبنى أصبحت عملية خطيرة تتطلب اتخاذ الإجراءات الاحترازية الملائمة، وإِلا قد تُطلق مجموعة من القوى الشريرة. وبغية إحباط قدرات هذه القوى،كان سكان وادي الرافدين يدفنون تماثيل صغيرة أو دمى في زوايا الأبنية أو تحت عتبات الأبواب. استمرت هذه العادة في الفترة اللاحقة بعد أن اقتصرت على دفن نقود قليلة في الأرض مصحوبة بقطعة من جلد تحمل أسماء معينة (رقى/ تعاويذ). "وهذه الفكرة تشكل أصل التطبيق الشائع في العالم بِشأن وضع (حجر الأساس)(31)." كما أنها تواصلت، على الأقل، عند العراقيين، بتقديم الأضاحي الحيوانية عند بدء الأساس و/ أو الانتهاء من البناء.. "لقد كان الآلهة العنيفين المسارعون إلى الغضب لا يكفون عن المطالب التي يبتزونها من البشرية، والتي كانت تلف كل عمل من أعمال الحياة الدينية في شبكة من التزامات خالية من الرحمة، من أمثال تصوير العالم وهو مأهول بالعفاريت والأتنة التي تُطارد فرائسها، والطبيعة المعادية... وحياة في الآخرة أكثر شقاء من الحياة الأرضية... ذلك الفزع هو الانطباع عن الشقاء المستور الذي كان يخلفه الدين الذي لا يرحم والذي كان سكان بابل من أسراه(32)."

 

4- الخطايا والمحرمات: الطهارة والنجاسات

رغم أن فكرة الخطيئة والاعتراف والتوبة معروفة في الديانات بعامة، لكنها تختلف في ديانة حضارة وادي الرافدين، فلم تقتصر على كونها صعبة وشاقة حسب، بل هي كذلك قاسية لدرجة يصبح من المستحيل الإيفاء بطقوسها والتزاماتها في حدود تُحقق رضاء الشخص بالعلاقة مع ذاته وآلهته ومجتمعه. فالمذنب التائب لم يكن عليه فقط الاعتراف بكل الخطايا التي يعلم أنه ارتكبها، بل عليه كذلك أن يتلو خطايا إضافية ربما لم يكن قد ارتكبها أو ارتكبها دون قصد أو معرفة. ويرتبط بذلك أن الإنسان كان مهيئاً للخطيئة وارتكاب الذنوب عن وعي أو دون وعي. وهناك أنواع كثيرة من الخطايا تتقدمها معصية الآلهة واختراق نواميس الأخلاق (المجتمع) وعدم قيام الإنسان بواجباته الدينية والإخلال بها. وعندئذ يفقد المذنب توازنه ويصبح عرضة للكوارث والويلات والاضطرابات والمرض وربما الموت. إن الخطيئة هي مصدر العقاب، أما الحياة الفاضلة فكانت مصدر الثواب(33).

اعتقد القوم أن الخطيئة قديمة قدم الإنسان.."إنهم يقولون (أي الحكماء) كلمة صادقة: ما ولد طفل بلا خطيئة... وما وجد طفل بلا خطيئة منذ القدم(34)." ورأي الحكماء هذا قد يخفي معنى فلسفياً قوامه استحالة تجنب الخطايا نظراً لكثرة المحرمات والممنوعات الدينية- الأخلاقية التي لا يستطيع (افتراضاً) حتى الطفل تجنبها أو الفكاك منها. وكانت الخطيئة في حضارة وادي الرافدين هي دينية بعامة، وأن أكثر الخطايا التي يرتكبها الإنسان بقصد أو بدون قصد تقف وراءها القوى الشريرة (الشياطين) التي توسوس للإنسان ارتكابها(35).

كان الكاهن يسأل التائب بعد أن يسمع اعترافه: إذا كان قد أساء إلى آلهة معينين، أو مارس الكذب، أو عاند سيده، أو أثارَ العداوة بين العائلات والأصدقاء، أو تسلَّم ما ليس من حقه، أو زيَّف علامات الحدود، أو استعمل الموازين غير الدقيقة، أو احتفظ بما وجب إعطاؤه، أو سرق ودفع الآخرين للسرقة، أو تسلل إلى بيوت الآخرين، أو جامع زوجة جاره، أو ظلم أحداً، أو رفض إطلاق أسير. وهذه جانب فقط من الذنوب التي تتحقق نتيجة فعل مقصود. وهناك مجموعة أخرى من الخطايا التي يُحتمل أن التائب لم يرتكبها أو ارتكبها دون معرفة أو قصد، لكنها تثير حنق الآلهة. لذلك يستمر الكاهن في سؤال التائب: هل رافق أحد المسحورين، وهل نام في سريره، أو جلس على مقعده، أو أكل من صحنه، أو شرب من قدحه. وحين سار في الشارع: هل داس على آنية خمرة قُدمت للآلهة، أو وضع قدمه في ماء قذر، أو تخطى الماء المقدس، أو نظر مرتاباً إلى الماء المستعمل لغسل اليدين، أو لمس امرأة قذرة اليدين، أو نظر إلى فتاة لم تغسل يديها، أو لمس رجل لم يغسل يديه، أو لمست يده جسداً وسخاً. وهذه تُشير إلى عدم الطهارة في تأدية الشعائر الدينية، وهي أقرب ما تكون إلى السحر والغيبيات(36).

ولما كان القوم يعتبرون القانون الصادر عن الملك يستوحيه من الإِله الذي ينوب عنه في حكم مدينته- دولته، لذلك أصبحت طاعة الملك والقانون من الالتزامات الدينية التي تحتل الأولوية، وأن أي انتهاك مهما كان ضئيلا لهذه الالتزامات هو خطيئة ضد الإِله(37). "ومن الواضح أنه إذا كان كل عمل من أعمال الإنسان هذا يعتبر خطيئة فمن النادر أن يكون باستطاعة أي فرد أن يأمل في التهرب من الانتقام الإِلهي(38)."

إن ارتكاب ذنب- خطيئة ينجم عنه أضراراً جسيمة سواء على المدينة التي يقترف أهلها الذنوب أم على الشخص المذنب. فالإِله الشخصي يتخلى عنه ويصبح عرضة لهجمات العفاريت. وكذلك حال المدينة المذنبة إذ يتخلى إِلهها الحامي عنها فتصبح مفتوحة أمام الأعداء وعرضة لأِشكال المصائب والويلات والخراب (بمعنى أن زوال المدينة "الدولة" يقع على عاتق أهلها ممن تخلوا عن واجباتهم تجاه إله المدينة، فهجر مدينته وصارت مفتوحة أمام الأعداء لتدميرها). وليس الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن يقع ضحية خطاياه المقصودة وذنوبه وجهله، فمن المتوقع أن يُعاقب عن جريمة ارتكبها غيره لأِن الخطيئة تنقل عدواها. والمذنب يمكن أن ينتقل ذنبه للأبرياء الذين يُصادفهم. ويُعبر مفهوم العدوى والمرض وتسلط القوى الشريرة عن أساس هذا الاعتقاد. كذلك الحال مع السحر، فالحديث مع إنسان مصاب بالسحر أو مشاركته طعامه أو شرابه أو مجلسه، يكفي لانتقال عدوى السحر إلى الشخص الآخر. وليس الأحياء وحدهم ناقلي عدوى الخطيئة فالظواهر الطبيعية مليئة بالعناصر الشريرة الناقلة للعدوى(39).

وهكذا كان على الإنسان دوماً، سواء ارتكب خطيئة بقصد أو دون قصد أو لم يرتكبها أصلاً، أن يتوجه أثناء أداء التزاماته الدينية اليومية (الصلاة مثلاً) نحو الآلهة طالباً المغفرة من ذنوبه. ففي أحد التعاويذ السومرية يقول التائب: "أيها الإِله، إن أخطائي وإساءاتي كثيرة، إن البشر خرس لا يعرفون شيئاً، والإنسان مهما بلغ مركزه، ماذا يعرف؟، سواء أتى إِثماً أم خيراً، فهو لا يعرف شيئا(40)ً."

ونقرأ في نص آخر"هل تقوى على التخلص من خطيئتك، ومصيرك، وذنبك، وعملك السيئ، وتشويه سمعتك، ومرضك، وعذابك، وسحرك, وأذى الغير… لقد طالتني النجاسة، وإني أجثوا أمامك لتحاكمي وتصدر قرارك، حاكمني وأصدر قرارك على إِثمي، واستأصل المرض الخبيث من جسمي ودمّر الشر الذي في لحمي وعقلي، حتى إذا ما زال الشر عن جسدي ولحمي وعقلي أقوى على رؤية نورك(41)."

وكانت اللعنة ملتصقة بالخطيئة، وهي من القوة بحيث أن الإِله مجبر على تحقيقها حتى لو كانت ظالمة. إن لعنة ادابا (أسطورة ادابا) كسرت أجنحة الرياح الجنوبية. كذلك كانت لعنة انكيدو للمومس. فرغم أن الإِله شمش عنَّف انكيدو على لعنته، ومع أن الأخير تراجع عنها وبدَّلها (ملحمة كلكاش- موت انكيدو) إلا أنه (شمش) صار مجبراً على تحقيقها ومسخ المومس إلى كلبة هربت للأرياف(42)!

ورغم هذا المظهر السلبي والعقيم للخطيئة، إنصاع إنسان وادي الرافدين إلى احترام الأوامر والتعاليم ورعاية الطقوس حتى يعيش بسلام مع الإِله. وفي نص مسماري آشوري يقول "إن التقصير الذي يرتكبه الإنسان عن جهل يجلب عليه غضب الآلهة الآشورية وانتقامها(43)." كما وأن الإِقدام على أي أمر مجهول أو غريب يُعتبر عملاً مذموماً (خطيئة) حتى لو تم من غير قصد، وهذا ما يفرض يومياً على الإنسان أن يرفع يديه للآلهة معترفاً بذنوبه، لتهدئة غضب الآلهة، مستجدياً الرحمة لتحاشي الانتقام، ومتوسلاً الحماية من القوى الشريرة.

كانت قائمة النجاسات طويلة وغريبة في حالات عديدة، والإنسان المصاب بها يعتبر نجسا ويُحرم على الغير الاقتراب منه أو لمسه أو أدواته، وفي غير ذلك عليه تلبية طقوس الاغتسال والطهارة. من أمثال هذه النجاسات: المصاب بالسيلان والمرأة أثناء الحيض والمسحور. بل- وحسب عقيدة القوم- فإِن كل مرض عقلي أو بدني يجعل المصاب نجساً طالما يعني اختراق الأرواح الشريرة لجسم المريض! وهناك أيضاَ محرَّمات كثيرة، ففي نص رسالة ملكية تضمنت ماهية المحرَّمات (التابو) التالية(44): "محرَّم على أي شخص الخروج من بيته، محرَّم على كل كلب أن ينبح، محرَّم على كل ديك أن يصيح، محرَّم على كل خنزير أن يصات، ناموا، ناموا، إلى أن يمر المحرم."

ويشير النص التالي للأوامر التي يجب احترامها خلال يوم (السبت البابلي)- ف9/ هامش9- وهو يوم محرَّم لا يقوم فيه أحد بِأي عمل. فالملك لا يأكل لحماً مشوياً ولا يبدل ثيابه ولا يقدم قرباناً ولا يركب عربة، ولا تنطق الكاهنة أو الساحر بتنبؤ، وحتى الطبيب لا يضع يده على مريض(45).

ويعتبر شهري تشريت ونيسان من الأشهر المهمة جداً عند البابليين، وفي كل يوم من أيام الشهر وجدت قائمة طويلة بالمحرَّمات. من أمثلة ذلك: شهر تشريت (اليوم الأول)- لا يقابل خنزيراً في السهل لأِن (هللولي) سيقع اختياره عليه، لا يأكل ثوماً وإلا لدغه عقرب، لا يأكل بصلاً وإلا مات كهل من عائلته.. (اليوم الثاني)- لا يروي بالماء حقل سمسم وإلا أُصيب بمرض، لا يقترب من إمرأة لأِنها ستنزع عنه قوة الإخصاب.. (اليوم الرابع)- لا يعبر نهراً وإلا فقد رجولته، لا يأكل لحم عصفور ولا يذهب إلى بيته في الحقول وإلا أصبح عدواً له من ليس له بعدو.. (اليوم الخامس)- لا يأكل لحم خنزير وإلا رُفعت عليه شكوى، لا يتوجه إلى بستان وإلا ضربه الإِله نوسكو.. (اليوم السابع)- ليسكت في منزلته ويحافظ على الصمت فتشفع له (ننليل) عند (انليل) ولا يحاكم ويحفظه الإِله.. وفي الأشهر الأُخرى تكون الأوامر أقل قسوة، رغم أن فيها أياماً خطيرة من المحرَّمات، مثال ذلك: (اليوم السادس)- لا يُضاجع امرأة ولا يتلو صلاة الندامة والتوبة.. (اليوم الثامن)- لا يخرج إلى الطريق وإلا… (اليوم الثامن)- لا يخرج من الباب وإلا ماتت زوجته.. (اليوم الثلاثين)- لا يخرج الحنطة ولا يغربل قمحاً وإلا احترقت الهراء(46).

 

5- الفلسفة والأفكار

تضمنت ملحمة الخليقة البابلية مضامين فلسفية واسعة، إذ وضعت الخلق، ليس باعتباره، بداية، بل كنهاية، وليس عملاً غير مبرر قرره إِله واحد، بل نتيجة معركة كونية بين وجهي الطبيعة: الخير والشر- النظام والفوضى، وكشفت، بين أمور أُخرى، وجوب خدمة البشر للإِله، وشرحت سبب تواجد عنصر الشر الطبيعي لدى البشر المخلوقين من دم إِله شرير. "وإذا كانت قصيدة (حينما في العلى...) قد بقيت تتلى من قبل كهنة بابل كل عام، في اليوم الرابع من احتفالات السنة الجديدة، طوال ألفي سنة تقريباً، فإِن ذلك يعود إلى شعور البابليين بِأن القتال الكوني لم ينته تماماً أبداً، وأن قوى الشر والفوضى كانت مستعدة على الدوام تهديد ومنازلة النظام المكين للآلهة." وكان هذا (نهاية العالم) أحد مخاوف كثيرة جعلت إنسان وادي الرافدين يعيش في قلق مستمر من توقعات حصول الكارثة(47).

وكما سبقت الإشارة، فإِن الدين لم يلعب الدور الكبير الذي لعبه في حضارة وادي الرافدين في أي مجتمع آخر قط، لأِن إنسان هذه الحضارة كان يشعر على الدوام أنه يعتمد في وجوده واستمراره كلياً على إِرادة آلهته. بمعنى أن عقيدة القوم كانت تنسب ذات الإنسان إلى العالم الخارجي (القوى الخارقة) في غياب إِرادته- فكراً وممارسةً. بل وحسب Julia M.Asherلا توجد لفظة سومرية محددة بمعنى ذاكرة أو عقل الإنسان، وأن العلاقة بين الفكر والعقل لم تكن قائمة. من هنا غلبت على الحصيلة الدينية للقوم وأساطيرهم الغيبيات والخرافات، وغلَّفت أفكارهم الخيالات الجامحة بالهرولة وراء الأوهام من قوى خارقة وشياطين وعفاريت غير منظورة، واتخاذ الطقوس الدينية مرجعاً ومصدراً ومنهجاً للكشف عنها وتفسيرها والتعامل معها بما يحقق لهم الحياة الآمنة والسلام الذاتي المنشود. وهذا هو السبب الذي يجعل التقسيم الحديث للفكر والمعرفة إلى فنون وعلوم تطبيقية يبدو غريباً عن تصورهم، حيث اعتبروا كل علوم المعرفة متماثلة وذات أهمية متساوية، ولم يستطيعوا ملاحظة عملية نشوء وتطور المعرفة كما هو حاصل في العصر الحديث(48).

ومع أنهم عالجوا أموراً لا تقل شأناً وخطورة عما كان يشغل الفلسفة اليونانية والفكر الحديث، وحققوا عدداً مهماً من الإيجابيات، بيد أن تفكيرهم كان "خيالياً وشعرياً وأسطوريا" في تفسير القضايا الأساسية التي عالجتها الفلسفة اليونانية بأسلوب موضوعي يقوم على منهج الاستقراء والاستنتاج inductive & deductive الذي غاب عن تفكير حضارة وادي الرافدين. عليه، لم يحرزوا سوى تقدم بطيء في حركة تطور جهودهم. إِذ أسسوا علومهم وفنونهم على مبادئ ما ورائية (ميتافيزيقية) فأوصدوا الباب أمام الجهد المثمر عن تفسيرات عقلية لمنشأ الظاهرة. لقد كشفوا أجوبة للكثير من الأسئلة المتعلقة بـ (متى) و (ماذا) يحصل هذا أو ذاك، بتركيزهم على مسبب الحدث (الإِله) لا أسباب الحدث وكيفية حصوله. وهذا ما يعرف بـ "الفكر الميثوبي" METHOPEICKK، أي الفكر الأسطوري الذي ينحى في تفسير الأحداث منحى أسطورياً. وهذه النظرة الطوباوية منعتهم من أن يسألوا أنفسهم (كيف) و (لماذا) حدث هذا أو ذاك. ولم يجربوا أبداً تأسيس نظريات في هذه المجالات، بل كرسوا جُلَّ اهتمامهم على جمع المعلومات وترتيبها بطريقة بدائية لم تخلُ من السماجة والأخطاء. ويرتبط بذلك أن (قانون العلة) Law of Causality الذي يشكل أساس منهج العلوم الحديثة لم تكن له أثاراً واضحة في الفكر القديم. يضاف إلى ذلك فبدلا من منهج الاستقراء والاستنباط وقانون السببية أساس منهج الفكر الحديث، اعتمد الفكر القديم على المثالية المطلقة ومنهج التمثيل والقياس analogy أي منطق تسبيب حدث ما بحدث سابق عليه، مثلاً فيضان النهر بسبب غضب الآلهة، موت صاحب الدار بسبب نعيق الغراب على سطح داره(49).

صاحبت ديانة وادي الرافدين التناقضات والصراعات التي شكلت أكثر مظاهرها البارزة. فالعقيد الدينية تميزت بتعدد الآلهة، ولكل مدينة إِلهها الحامي. ورغم تماثل النمط العام لهذه العقيدة وتقبل الفكر الديني نظاماً معيناً من الأبوة والقربى خاصة بالآلهة، كما هو الحال عند البشر، إلا أن كل سلطة كهنوتية داخل كل من تلك المدن راحت تضع مجموعة معتقداتها المنفردة الخاصة بها مُرَكِّزة على تعظيم الإِله الحامي للمدينة. وهكذا أخذت المدن الأقوى تبتلع جاراتها من المدن الأضعف الواحدة تلو الأُخرى من أجل تعظيم الإِله الحامي للمدينة وملكها، واستمرت الصراعات على امتداد هذه الحضارة تقوم على وجهة النظر الدينية هذه في تعظيم الإِله الحامي، دون إغفال الدوافع والأسباب الأُخرى، خاصة الاقتصادية(50). وفي مثل هذه الحياة التي كانت تواجه أصلاً صراعاً حامياً مع الطبيعة (الآلهة) القاسية، أصبحت بيئة الإنسان- المجتمع مليئة بالصراعات والخوف والقلق. وفي ظروف نظرة الإنسان السومري- الآشوري- البابلي إلى حياته باعتبارها عبثاً على الأرض، وما ينتظره من حياة وراء القبر في العالم الأسفل من الظلمة والتراب أسوأ حالاً، فإِن شعور إنسان حضارة وادي الرافدين وانعدام أمله أن تكون له قيمة في هذه الدنيا أو العالم الآخر خلقت فيه باستمرار عوامل اليأس والتشاؤم، بحيث أصبح هذا الموقف جزءً من فكر بلاد الرافدين(51).

كان إنسان وادي الرافدين هدفاً مستمراً لهجمات الشياطين والعفاريت في كل لحظة متوقعة، وكان عليه اتباع ما يكشفه طوالعه والعمل على تحويل تلك السيئة منها. وهذا قد يتطلب منه تعديل حياته سواء بالعلاقة مع عمله ورزقه أو عائلته وعلاقاته الاجتماعية وغيرها. من هنا أصبح إنسان وادي الرافدين ضحية الأوهام والخرافات، تائها منقاداً لتصورات الأخطار (الخرافات) الشديدة التي يتخبط فيها، وكان عليه دوما أن يكشف طالعه ويميز بين الخير والشر تجنباً للمصير المؤلم الذي ينتظره كل يوم وكل لحظة(52).

وبغرض معرفة طالعه أو معالجة مرضه كان لزاماً عليه طلب المساعدة من خلال الطقوس السحرية. وكان السحر يقوم على مبدأين يرجعان أصلاً إلى المنطق البدائي: أولهما الاعتقاد بإمكانية إحداث الشيء بتقليد عملية حدوثه، وهو ما يُعرف بـ (مبدأ التشابه). مثل رسم صورة الحيوان الذي كان يرمي إنسان الكهوف إلى اصطياده لتوفير غذائه. حيث اعتقدوا أن رسم الصورة يمكن أن يؤدي إلى وقوع الحيوان فريسة سهلة أثناء مطاردته. وبالمثل فإِن عمل دمية ثم كسر يدها أو إتلاف عينها يلحق نفس الأذى بالشخص أو الشيء المعني (الشبيه بالدمية). ثانيهما الاعتقاد بِأن الأشياء التي كانت جزءاً من جسم الإنسان تبقى على صلة به حتى بعد انفصالها عنه، وهو ما يُعرف بـ (مبدأ المصاحبة). مثال ذلك الاعتقاد أن بمقدور الساحر تسبيب الأذى لشخص معين من خلال تأثيره السحري في خصلة من شعر ذلك الشخص أو قلامة ظفره أو ضرس مخلوع(53). وكانت هذه الطريقة شائعة في العديد من المدن والقصبات العراقية لغاية فترة متأخرة، خاصة عندما يشعر الشاب بحبه لشابة لا تُعير له اهتماماً، فيلجأ لمثل هذه الطقوس السحرية عند أهل الرقي والتعاويذ لكسب حبها. هذا علاوة على لجوء البعض لما يسمونه بالسحر الأسود باستخدام الساحر تلك الأجزاء التي كانت مرتبطة بجسم الغريم، بل وحتى قطعة من لباسه. وفي سبيل حماية الشخص من خطر الشياطين والأرواح الشريرة أو شفائه من المرض الذي سببته، ابتدع السحرة القدماء (الحرزة) التي كانت تحتوي على تعويذة مكتوب فيها دعوة للآلهة حماية صاحب الحرزة، وتحتوي كذلك صورة الشيطان المقصود الذي يراد تخليص المريض أو حمايته منه. وهناك نماذج كثيرة جداً من هذه الأعمال في النصوص المسمارية المكتشفة، ومنها حرز عُملت خصيصاً لحماية النسوة أثناء الحمل والرضاعة. كما وأن عادة حرق البخور تمتد في أصولها إلى الاعتقاد بطرد الشياطين والأرواح الشريرة.

وإذ يعتبر الفكر الحديث القيم الدينية: الخير والشر، الحق والباطل، العدالة والظلم، الحلال والحرام. مفاهيم مشتملة على نوع من الوجود المطلق وتخص الفرد نفسه ومعتقداته، فإِن الفكر العراقي القديم اعتبرها من نتائج إِرادة الآلهة، وجزءاً لا يتجزأ من أمور الحياة والتي على الإنسان- المجتمع البحث عنها والتعامل معها، رغم أن الحياة الدنيوية النسبية بطبيعتها تبقى عاجزة عن التعامل مع هذه القيم المثالية المطلقة(54).

من أنماط التفكير الأُخرى لدى القوم ما يُعرف بـ (مبدأ الاسم). ويقوم هذا المبدأ على قاعدة تقول: لا يمكن أن يوجد شيء دون أن يكون له اسم. فتسمية الشيء مرادفة لوجوده وخلقه، وهو ما ركَّزت عليه ملحمة الخليقة البابلية التي تبدأ فاتحتها: حينما في العلى.. لم تُسمَّ السماء باسم. وفي الأسفل لم تُذكر الأرض باسم. ولم يكن لأِي شيء اسم.. وما دام لم يكن للشيء اسم فهو غير موجود. ويقوم التوراة على نفس المنطق عندما يذكر: إن الله بعد أن خلق الحيوانات استدعاها أمام آدم لكي يعطيها أسماءها وبذلك يضفي عليها وجودها الفردي (الإصحاح الثاني). وكذلك عندما سأل موسى ربه عن اسمه، لم يبح به، بل قال "أنا من أنا" (سفر التكوين 5- 5، سفر الخروج 3: 13-14). كما ورد نفس المبدأ في (كتاب الموتى) عندما يقول "لم أمتْ ولم يمتْ اسمي". ويركن أفلاطون إلى نفس الخط من التعليل فيرى في المعلول انعكاساً لاسمه الصحيح. وهذه الفكرة تشبه نظرية شوبنهاور (1788- 1860)- الفيلسوف الألماني- صاحب نظرية التشاؤم- القائلة بعدم إمكانية وجود العلَّة دون المعلول(55).

وبذلك يصبح (الاسم) الذي هو رمز تعريفي للمعلول، وكأنه جوهر المعلول ووجوده، وله نفس مواصفاته وسماته. وهذا محل شك كبير أمام المعالجة الفكرية الحديثة. وارتباطاً بنظرة القوم إلى أن اسم الشيء يضفي عليه وجوده وسماته، اهتم سكان وادي الرافدين باختيار (الأسماء الحسنى). فجاءت أسماؤهم إِلهية الاشتقاق، بربط اسم الشخص بالإِله بعبارات الشكر والثناء والطاعة والعبودية. وامتدت هذه العادة الدينية لتشمل حتى أسماء الشوارع. ويرتبط بذلك اتخاذ ملوك حضارة وادي الرافدين ألقاباً وأسماء تعظيم وتمجيد متعددة، كما خلع البابليون على إلههم الحامي (مردوخ) أسماء تعظيم وتمجيد بلغ خمسين اسماً (ملحمة الخليقة البابلية) وهي طريقة معتقدية تعظيمية استمرت لغاية الوقت الحاضر بالعلاقة مع أنظمة الحكم الأبوية- القبلية(56).

وما دام اسم الشخص يعكس جوهره وقوته ووجوده، لذلك كان على صاحبه أن يحرص على عدم كشفه خوفاً من استخدامه من قبل السحرة. يلاحظ على المصريين مثلاً تسميتهم للطفل باسم بينما ينادونه باسم آخر طوال حياته. وهناك أسطورة مصرية تقول: عندما شاخ الإِله (رع) تعلمت (إيزيس)- الساحرة- كيف تمزج لعاب بعض الآلهة بالتراب لتصنع منها (أفعى) وضعته في طريق (رع) فلدغه في عقبه، وفي سورة غضبه استدعى إليه (إيزيس) التي ادعت أنها لا تستطيع معالجته ما لم تعرف اسمه الحقيقي.. وبفضل هذه المعرفة ارتفعت (إيزيس) لمصاف الآلهة(57).

ورغم مشاركة المجتمع الحديث في فكرة تبني اسم الشخص متجسدة في البطاقة الشخصية، فإن هناك اختلافاً موضوعياً، فالفكرة حديثاً تقتصر على تعريف هوية الشخص دون إضفاء أية صفة أُخرى، بينما اعتبر الاسم قديماً جوهر الشيء ووجوده ومادة مهمة لأِعمال السحر.

اقترن المنهج الفكري لحضارة وادي الرافدين بالتركيز على مبدأ التمثيل والقياس. فأصبحت جهودهم في مختلف حقول المعرفة بما في ذلك الفلك والتنجيم والتنبؤ والسحر والعرافة ومعرفة الطوالع وطرق الكهانة المختلفة تنطلق من هذا المبدأ، كما في محاولاتهم تفسير الظواهر الطبيعية على أساس علامات إِلهية لما ستقع لاحقاً. وكذلك جاءت طريقتهم في التصنيف بالعلاقة مع حقول المعرفة المختلفة على أساس التشابه الظاهري، وهو أسلوب مشتق أيضاً من التمثيل والقياس. "وهذا يعني في الحقيقة وجود خطر أخذ القشور دون اللباب(58)." وعلينا كذلك أن نأخذ في اعتبارنا ونحن نعيش عصر الحضارة الحديثة أن منهج القياس لا زال يطغى على الكثير من تفكيرنا وسلوكنا وأحكامنا!!

وأخيراً قبع تفكير ومنهج حضارة وادي الرافدين في اعتقاد القوم إمكانية معرفة إِرادة الآلهة من خلال ملاحظة علامات سماوية- بشرية- حيوانية- كونية غريبة على فهمهم، بدراستها وتفسيرها ومعرفة كنهها والتصرف إزاءها بما يحقق رضاء الآلهة. من هنا تركزت جهودهم وانحصرت في إطار ديني غيبي مانع بصرامة توجيه فكر الإنسان إلى ما هو أكثر من العلم التقليدي الموجه لمعرفة إرادة الآلهة (العلامات الكونية). وتحريم إعمال الفكر في كل ما هو جديد خارج التفسير الديني، وبقيت هذه الجهود محدودة في حصيلتها أمام هذا الانغلاق الفكري لغاية توقفها وموتها مع موت هذه الحضارة.

وفي الختام، ومع أن الحضارة السومرية- أساس حضارة وادي الرافدين- تشكل بداية التاريخ حسب (كريمر)- التاريخ يبدأ من سومر- ورغم الاعتراف أنها تُعتبر المعجزة الحضارية الأُولى بالعلاقة مع المعجزة الحضارية الثانية (الأغريقية) والمعجزة الحضارية الثالثة (الغربية)(59)، فإِن الحضارة السومرية- الآشورية- البابلية، تبقى حضارية بدائية ولدت وماتت في أحضان الكهنة- المعبد. وأخضعت العقل البشري وكافة فروع الحياة للفلسفة الماورائية التي تتسم بمحدودية التفكير وبطئ حركة التطور، ذلك لأِن الدين هنا يصبح وعاء الحضارة وبيئة مقيدة لحركة ونمو عناصرها. بكلمات أُخرى كان الدين في هذه الحضارة هو المتغير المستقل بينما شكلت عناصر الحياة المادية والحضارة الدنيوية عوامل متغيرة تابعة لهذه الحاضنة الجامدة (الدين). هذا على خلاف الحضارة الحديثة التي وفرت بيئة اجتماعية هيأت لفكر الإنسان الانطلاق إلى آفاق رحبة بعيداً عن القيود والحدود والمحرمات من أجل اكتشاف المجهول وفق مناهج البحث الحديثة ومنطق العقل والتفكير غير المحدود والاستناد إلى مبدأ الشك في كشف كنه المجهول ومحاولة الإجابة عن (لماذا) حدث هذا وذاك وسبل مواجهته (كيف). فعندما يصبح الدين وعاء الحضارة عندئذ يتقيد الفكر وعناصر الحضارة بقيود الطقوس الميتافيزيقية بما فيها من مطلقات وغيبيات وخرافات ومسلمات وثوابت وحدود وقيود لغاية تكلسها وموتها.

وفي ظروف هذه الحضارة الدينية لوادي الرافدين، ورغم أنها نقلت البشرية من عصر ما قبل التاريخ إلى عصر التاريخ (اختراع الكتابة)- وأقامت أول مجتمع سياسي منظم في تاريخ البشرية بسلطته السياسية ونظامه الاجتماعي- الاقتصادي وقوانينه المستمدة من نظام الحكم السماوي ونواميسه.. فإِن ولادة هذه الحضارة من رحم المعتقدات الدينية قادتها إلى بناء بيئة اجتماعية ترتكز على أربعة أركان أساسية لا تتفق ومتطلبات السير باتجاه الحضارة المعاصرة: أولها المعتقدات المطلقة في التعامل مع عناصر الحياة الدنيوية النسبية.. وثانيها العنف باعتباره وسيلة سماوية لحل المعضلات الدنيوية ولتعظيم الإِله الحامي والملك.. وثالثها الغيبيات- السرية التي تخص الآلهة- الملائكة والشياطين- الجن والعفاريت غير المنظورة.. ورابعها وحدانية القيادة السياسية التي تجسدت في (مبدأ التفويض الإِلهي للملك) والحكم المطلق والعلاقات الأبوية.. وهي ذات الأركان الأربعة للبيئة الاجتماعية للعراق الحديث، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات النسبية في الدرجة والتفاصيل(60)!!

 

هوامش الفصل السابع عشر

(1) اوينهايم، ليو، ص249..، كونتينو، جورج، ص128، ص443- 444.

(2) شمّار، جورج بوييه، ص32.

(3) رو، جورج، ص143- 144.

(4) شمّار، جورج بوييه، ص328- 329.

(5) رو، جورج، ص1.., Hawkes,Jacquetta,P.214.

(6) علي، فاضل عبد الواحد، حضارة العراق، ج1، ص361- 362.

(7) شمّار، جورج بوييه، ص241.

(8) ساكز، هاري، ص230.

(9) شمّار، جورج بوييه، ص256، الهامش1.

(10) رو، جورج، ص147.

(11) كونتينو، جورج، ص450.., Hawkes,Jacquetta,P.146.

(12) رو، جورج، ص147- 148.

(13) كونتينو، جورج، ص501.., Hawkes,Jacquetta,P.186-187.

(14) ساكز، هاري، ص230..، عبد الواحد، فاضل (و) سليمان، عامر، ص117.., Hawkes,Jacquetta,P.23.

(15) اوينهايم،ليو، ص256.. الماجدي، خزعل، الدين السومري، ص32- 33.

(16) شمّار، جورج بوييه، ص77.

(17) نفسه، ص76- 77.., Julia M. Asher-Greve,The Essential body,Mesopotamia Conceptions of the Gerdered, Gender and History,P.32.., Guinan,Ann Kessler,Auguries of Hegemony: the sex omens of Mesopotamia, Gender and History,P.39.

(18) نفسه، ص79.

(19) Wyke,Maria,Introduction,The Gender and History,P.1-4.., Julia M.,Asher-Greve,P.8-35..,Guinan,Ann Kessler,P.39-45.

(20) نفسه، ص3- 37، ص،277.., Hawkes,Jacquetta,P.212.

(21) اوينهايم، ليو، ص251-252..، كونتينو، جورج، ص421..،

(22) ساكز، هاري، ص213،216.

(23) نفسه، ص218- 219.., Hawkes,Jacquetta,P.203.

(24) كونتينو، جورج، ص423-424..، شمّار، جورج بوييه، ص84.

(25) ساكز، هاري، ص215.

(26) كونتينو، جورج، ص423.

(27) ساكز، هاري، ص213.

(28) شمّار، جورج بوييه، ص53.

(29) ساكز، هاري، ص215- 216.

(30) كونتينو، جورج، ص422- 423.

(31) بارو، اندري، ص299

(32) كونتينو، جورج، ص500.

(33) نفسه، ص447- 448..، الماجدي،خزعل، متون سومر، ص302.

(34) حنون، نائل، ص147.

(35) شمّار، جورج بوييه، ص21، ص53، ص84.

(36) نفسه، ص118..، كونتينو، جورج، ص448.

- أحجار الحدود:طريقة لتثبيت ملكية العقارات تشبه وثيقة ملكية الطابو (التسجيل العقاري)، كانت تُكتب على أحجار معينة ابتكرها الكيشيون (العهد البابلي الوسيط)

(37) شمّار، جورج بوييه، ص84،101.

(38) كونتينو، جورج، ص449.

(39) حنون، نائل، ص147..، شمّار، جورج بوييه، ص75.., De DEMieroop,P.47.

(40) حنون، نائل، ص147.

(41) شمّار، جورج بوييه، ص45-46.

(42) نفسه، ص90.

(43) نفسه، ص137.

(44) نفسه، ص124.

(45) يُشير تقويم مسماري خاص بالأعياد والأيام المختصة لتقديم القرابين إلى الأيام7/14/21/28 (السبت)- عطلة أسبوعية، وأن البابليين يرتاحون أيام السبت للمصالحة مع الآلهة بعدم القيام بِأي عمل. وهو ما أخذه "التوراة" عنهم. وبذلك يُعتبر البابليون أول من بادر إلى خلق فكرة العطلة الأسبوعية الواردة في الأديان الرئيسة..(ديلتش، فردريك، ص34)..

(46) شمّار، جورج بوييه، ص119- 137.

(47) رو، جورج، ص142.., Hawkes,Jacquetta,P.11-12.

(48) نفسه، ص128..، اوينهايم، ليو، ص252..، كونتينو، جورج، ص366.., Julia M.Asher-Greve,P.10.

(49) كونتينو، جورج، ص365- 366..، رو،جورج، ص495..، باقر، طه، مقدمة في أدب…، ص41- 43..، علي، فاضل عبد الواحد، سومر: أسطورة وملحمة، ص87.

(50) كونتينو، جورج، ص403.

(51) ساكز، هاري، ص230- 231.

(52) كونتينو، جورج، ص482.

(53) علي، فاضل عبد الواحد، حضارة العراق، ج1، ص202- 203.

(54) كونتينو، جورج، ص400.

(55) نفسه، ص276- 277..، باقر، طه، مقدمة في أدب…، ص43.

(56) اوينهايم، ليو، ص249..، كونتينو، جورج، ص279..، علي، فاضل عبد الواحد، من الواح سومر إلى التوراة، ص108.

(57) كونتينو، جورج، ص262.

(58) نفسه، ص274.

(59) الماجدي، خزعل، متون سومر، ص11- 12.

(60) رشيد، عبد الوهاب حميد، العراق المعاصر، ق2- ف2.

 

الخاتمة

الخلاصة والاستنتاجات

هذا كتاب ثقافي يُحاول تقديم قراءة موضوعية لأِولى الحضارات البشرية التي بناها الرواد الأسلاف وظهرت متكاملة ناضجة في حدود 3000 ق.م والتي لا زالت تعيش في أفكارنا ومعتقداتنا وممارساتنا- بهذا القدر أو ذاك- بهدف المساهمة في التوعية الثقافية على طريق بناء وعي نقدي موضوعي باتجاه مراجعة الذات. من هنا تضمن هذا الكتاب سبعة عشر فصلاً تبدأ بالبيئة الطبيعية وعصور ما قبل التاريخ ولغاية عصر التاريخ والكتابة ونشو ء أولى المجتمعات السياسية المنظمة (عصر فجر السلالات) والإمبراطوريات السومرية والآشورية والبابلية، وما سادتها من التنظيمات القانونية وانتشار العلوم والمعارف، وطبيعة الحياة اليومية والعائلية والمعتقدات الدينية والأفكار الفلسفية والمناهج التحليلية.

كشفت الآثار التاريخية في كهوف المنطقة الجبلية لشمال العراق عن وجود الإنسان القديم منذ ما لا يقل عن 120 ألف سنة. ومنذ أكثر من عشرة آلاف سنة، وبعد أن أخذ إنسان الكهوف العيش في المناطق المكشوفة، نجح في نقل البشرية من عصر جمع القوت إلى عصر إنتاج القوت. فأصبحت منطقة كردستان العراقية بِؤرة الثورة الزراعية التي لم تصل لأِوربا إلا بعد فترة لا تقل عن 3500 عام. ومع انتشار القرى الزراعية في وادي الرافدين، بدأ الاستيطان في الجنوب بحدود 6000- 5000 ق.م، وبرزت جهود الأوائل ممن استوطنوا السهل الرسوبي بتحويل بيئة وحشية من الأهوار والمستنقعات والأحراش أو البادية الجرداء إلى بيئة زراعية مروية معطاء بحيث شخَّصت الكتب المقدسة جنة عدن فيها والنهرين التوأمين (دجلة والفرات) ضمن أربعة أنهار تنبع من الجنة.

تركت حضارات وادي الرافدين آثارها في الحضارات البشرية اللاحقة والمعاصرة. فالعراقيون الأوائل هم أول من اكتشفوا الزراعة والكتابة، ووضعوا أسس الرياضيات وعلم الفلك، وتوصلوا إلى نظرية فيثاغورس قبل فيثاغورس بِأكثر من 1500 سنة، وصنعوا آلات الحياكة والخياطة، وابتكروا إنتاج الفخار والعجلة والسفينة، واستخدموا معدن النحاس وصنعوا القصدير وأبدعوا في الفنون، واستخدموا الخيل وابتكروا الفروسية، وبنوا أول مجتمع سياسي منظم (دول المدن السومرية) وأقاموا نظام الملوكية وتقاليدها، وطبقوا نظرية الحق الإلهي المقدس للملك قبل نظرية توماس هوبز الإنكليزي بِأكثر من 4500 سنة، وبنوا الدولة الوطنية الموحدة (سرجون.. حمورابي)، وأهدوا الإنسانية أول قانون منظم للحياة الاجتماعية شكلت أساس القانون العبري وامتدت آثاره للحضارة المعاصرة، وكتبوا أولى الملاحم البطولة الحية وأعظمها (ملحمة كلكامش)، وابتدعوا القصص على لسان الحيوانات قبل ايسوب الاغريقي بِأكثر من ألفي عام، وأسسوا نظاماً متكاملاً للدين شكل أساس الديانات الرئيسة الثلاث، وعلَّموا البشرية العطلة الأسبوعية، وتركوا أول كتاب مقدس (ملحمة الخليقة البابلية).. والسومريون هم أصل العراقيين، وهم أجداد إبراهيم الخليل الأب الأكبر لليهود والمسيحيين والعرب..

كان عماد المدينة السومرية هو الزراعة، والموارد الأساسية التي بنوا عليها حضارتهم هي الماء والتراب (الطين) والشمس. وفي ظروف الافتقار إلى مواد الحضارة من أخشاب وأحجار ومعادن، نمت الأعمال التجارية واستمرت أهميتها تشكل مجالاً حيوياً لحضارة وادي الرافدين، بينما نشأت وتطورت الحرف والصناعات بحكم النمو الحضاري في ميزوبوباميا منذ الثورة الزراعية.

كما تطلب نمو المجتمع وتقعد الحياة الاجتماعية قوانين منظمة للعلاقات والتعاملات بين الناس، فشهدت الألفية الثانية قبل الميلاد صدور عدة قوانين سومرية. قانون اور- نمو، قانون لبت- عشتار، قانون اشنونا، وقبلها جميعا إصلاحات اوروكاجينا، وأخيراً صدور قانون حمورابي قبل قانون موسى بعدة قرون والذي كشفت مواده انتحال القانون العبري للكثير منقانون حمورابي، ولتؤكد- بالإضافة إلى أمور أخرى- أن العهد القديم كتاب وضعي مصدره الرئيس هو الحضارة الرافدينية.

قام مجتمع وادي الرافدين أساساً على طبقتين رئيستين لا مجال للمقارنة بينهما هما الأحرار والعبيد، ضمت طبقة الأحرار فئات وشرائح عديدة منها الحاكمة والمتنفذة، ومنها المحكومة (عامة الناس). وجسَّد كل من القصر والمعبد مركز الثقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي- الديني لمجتمع وادي الرافدين. فالملك- نائب (ممثل) الإله في حكم أرضه ومخلوقاته، والكاهن- العالم والمفسر لإرادة الإله والوسيط بينه وبين الناس، شكلا معاً مصدر السلطة والامتيازات (الحقوق). وكلما اقتربت العلاقة من القصر- المعبد (الاقتراب من الخالق) زادت السلطة والامتيازات، وكلما ابتعدت باتجاه عامة الناس (المخلوق) زادت التبعات إلى حدود السخرة والعبودية.

كان النظام الاجتماعي السائد في حضارة أرض ما بين النهرين هو نظام الأُسرة الأبوية. فالأب رأس الأُسرة شأنه في ذلك شأن الملك في مملكته. وهو المسؤول عن إعالة أُسرته، وله حق بيع أو رهن أحد أو كل أفرادها. وتصل عقوبة الابن العاق إلى العبودية. وكان ضرب الزوجة عادة بابلية وتُقره القوانين الآشورية والبابلية. وأولوية التفضيل في الإنجاب للذكور، والرغبة عند الأب جامحة أن يكون الطفل الأول ذكراً- الابن البكر الوريث الشرعي وحامل اسم الأب وشجرة العائلة. وكان يرنو إلى هذا "الأمل العظيم" الأب الملك والأب الفلاح على السواء. كما تماثلت نسبياً عادات الزواج والطلاق والتبني والإرث والقضايا والعلاقات الجنسية مع الكثير من القيم السائدة في المجتمع العراقي حالياً. كذلك شاع الزواج الأُحادي مع إمكانية اتخاذ زوجة شرعية ثانية، علاوة على المحظية. كما أن جوانب عديدة من حياة المواطن اليومية في ربوع وادي الرافدين قبل أربعة آلاف سنة بقيت تقريباً متشابهة متقاربة كما هي الحال في الوقت الحاضر. أما بيت البابلي التي كانت قلعته.. فهو يماثل البيوت الشرقية الحالية: الحوش والتنور وصفوف الغرف، لتحقيق مطلبين: الاستقلال (العزلة) لا سيما فيما يخص عدم انكشاف نسائه على الخارج، والوقاية من حرارة شمس بابل المحرقة في الصيف.

لعلَّ أكثر جوانب حضارة وادي الرافدين تأثيراً وفعالية على مدى الأجيال التالية ولغاية الوقت الحاضر هو ديانتها التي بنى أُسسها وهياكلها المتكاملة السومريون وأعاد تجميعها وتطويرها البابليون. من جهة أُخرى لم يلعب الدين الدور الكبير الذي لعبه في حضارة وادي الرافدين في أي مجتمع آخر. لقد كان إنسان- مجتمع هذه الحضارة يعيش في الدين كما يعيش السمك في الماء.. الطبيعة بكل عناصرها الكونية التي يعايشها الإنسان يومياً من أرض وسماء وهواء وأمطار وأنهار وفيضانات وملوحة وأمراض وحتى الشعير والخمر.. جسّدت كل منها إلها. والآلهة بعد انتصارها في حرب طويلة على قوى الشر (الآلهة القديمة)، خلقت الكون ثم خلقت الإنسان من الماء والتراب (أو دم إله شرير) ليحل محل الآلهة الصغيرة مشقة العمل والضرب بالسياط، أي خلقته وحددت مصيره بالعمل والعبودية. والآلهة مثل البشر تأكل وتشرب وتتناكح وتغضب وتفرح.. عدا أنها قوى خالدة وخارقة لها القدرة على: الخلق، فعندما يقول الإله للشيئ "كن فيكون".. تحديد مواصفات المخلوق وحياته ومصيره مسبقاً.. منح عناصر حضارته ووسائل (علامات) لمعرفة رغبات الآلهة وتنفيذها بعد تفسيرها من قبل الكهنة. من هنا فإن وجود الإنسان وعمله وصحته وطول حياته وحياة عائلته مرهونة برضاء الآلهة، وفي غير ذلك (العصيان وعدم الطاعة) تنزل به العقوبات من أمراض وفقر وإملاق وأخيراً الموت. وهذا يُفسر كيف أن الخوف والقلق عاش داخل هذا الإنسان كما عاش الدين في عقله وحياته. ومارس الطقوس الدينية اليومية من صلاة وطهارة وأدعية وترانيم وتراتيل واحتفالات دينية وتقديم النذور والقرابين. وحيث أن الإنسان لا طائل من وجوده في هذه الحياة، وليس أفضل حالاً بعد القبر حيث تعيش روحه في التراب والظلمة، عليه ساد مجتمع هذه الحضارة التشاؤم واليأس. وفي هرولته وراء معرفة غده لإرضاء الآلهة غلبت عليه الأساطير والخرافات (القضاء والقدر- النصيب..الأرواح الخيرة – الملائكة والجن الصالحين، والأرواح الشريرة- الشياطين والعفاريت). وأصبح أسير ممارسات وهمية (الفأل، الطالع، تفسير الأحلام، السحر، والتنجيم). وهكذا كانت عقيدة القوم تُنسب ذات الإنسان إلى العالم الخارجي "القوى الخارقة" في غياب إرادته.

والآلهة أنزلت نواميس الحضارة للناس بضمنها الملوكية وأختار إله المدينة واحداً من أهلها لينوب عنه في إدارة شؤونها. ولأِن إله المدينة (الإله الحامي) هو الملك والمالك لها، وأنه أختار الملك لتنفيذ أوامره وتعظيم شأنه، إذن من أولويات واجب الملك قيادة شعبه لرفع شأن ومنزلة الإله الحامي في مجمع الآلهة، وهو ما يُجسدِّ في نفس الوقت رفع شأن مدينته ومنزلته بين الملوك. وهنا تقبع أحد المبررات الرئيسة ذات الجذور الدينية العميقة لظهور الصراعات والحروب بين دول المدن المختلفة والتي استمرت بصفة متصاعدة في المراحل اللاحقة من حضارة وادي الرافدين، وهذا التفسير لا ينفي طبعاً الدوافع الاقتصادية بقدر ما يبررها.

قامت حضارة وادي الرافدين على قاعدة دينية. من هنا ركَّز العلماء- الكهنة جهودهم في كافة مجالات المعرفة من أجل كشف رغبات الآلهة وتنفيذها. وهذا هو السبب الذي يجعل التقسيم الحديث للفكر والمعرفة إلى فنون وعلوم تطبيقية يبدو غريباً عن تصورهم، حيث اعتبروا كل العلوم ذات أهمية متساوية، ولم يستطيعوا ملاحظة عملية نشوء وتطور المعرفة كما هو حاصل في العصر الحديث.

ومع أنهم عالجوا قضايا لا تقل شأنا وخطورة عما كان يشغل الفلسفة اليونانية والفكر الحديث، إلا أن تفكيرهم في معالجتها جاء خيالياً وشعرياً وأسطورياً. وغاب عنهم المنهج الموضوعي للفلسفة اليونانية على أساس الاستقراء والاستنتاج. لقد أسسوا علومهم وفنونهم على مبادئ ما ورائية (ميتافيزيقية) فأوصدوا الباب أمام الجهد المثمر عن تفسيرات عقلانية لمنشأ الظاهرة. لقد كشفوا الكثير من الأجوبة عن أسئلة تخص "متى" و "ماذا" يحدث هذا أو ذاك، غير أن تلك النظرة الطوباوية منعتهم من أن يسألوا أنفسهم "كيف" و "لماذا" حدث هذا أو ذاك. ولم يجربوا أبداً تأسيس نظريات في هذه المجالات، طالما اقترن أسلوب تفكيرهم بالتركيز على مبدأ التمثيل والقياس، أي تفسير وقوع حدث ما بحدث سابق عليه.

وهكذا حصرت هذه الحضارة العقل البشري وكافة فروع الحياة في مجالات فكرية محدودة تحيطها أعداد ضخمة من القيود والمحرمات والممنوعات، لأِن الدين هنا أصبح وعاء هذه الحضارة وعاملاً مستقلاً محدداً ومقيداً لحركة وتطور عناصرها الدنيوية التي أصبحت تابعة للدين، على خلاف الحضارة المعاصرة التي جعلت من الفكر الإنساني وعاءها وحررت العقل البشري من القيود للانطلاق بلا حدود نحو اكتشاف المجهول، ووفرت حرية النمو والتطور لعناصرها، بل وأصبح الدين نفسه أحد عناصر هذه الحضارة ومتكيفاً معها.

ولكن يجب الحذر من بناء انطباع بِأن القوم كانوا بدائيين أو متوحشين مشبعين بالعنف والشرور، بل العكس تماماً، فالمعتقدات الدينية نفسها فرضت عليهم الطاعة للإله والملك والقانون والنظام الاجتماعي، وعلَّمتهم قيم الصدق والمحبة والتعاون والمساعدة، وحرّمت عليهم السرقة والاعتداء والأذى، علاوة على قيم حضارية معاصرة كثيرة لا زالت تعيش معنا، وهيأت لهم بناء السلام الاجتماعي لشعب متحضر. يقول عالم السومريات الأمريكي- كريمر- في كتابه النفيس: التاريخ يبدأ من سومر "كان السومريون يتمسكون بالطيبة والصدق، بالقانون والنظام، بالعدل والحرية، بالاستقامة والصراحة، بالرحمة والشفقة، وكانوا يمقتون الشر والكذب، والفوضى والاضطراب، والظلم والقهر، والأفعال الآثمة والإيذاء، والقسوة وعدم الشعور."

المؤلف. د. عبدالوهاب حميد رشيد

حقوق الطبع محفوظة

استوكهلم – السويد 2011

 

TITLE: ANCIENT CIVILIZATION OF IRAQ

MEZOPOTAMIA

“Religion Doctrine.. Social life.. Philosophical ideas”

First Edition: 2004

AUTHOR: DR A.W.H.RASHID

COPYRIGHT: THE AUTHOR

ISBN 978-91-633-7539-2

STOCKHOLM - SWEDEN 2010

شبكة البصرة

الاحد 28 ذو القعدة 1433 / 14 تشرين الاول 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط