بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في الذكرى الثامنة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات

مقابلة مع الاستاذ معن بشور في مجلة فلسطيننا

شبكة البصرة

* كيف تصفون الرئيس الشهيد ياسر عرفات كإنسان؟

- الثائر الاصيل هو انسان أولاً، معين ثورته الاساسي يكمن في عمق المشاعر الانسانية الرافضة للظلم، والمقاومة للعدوان.

والقائد الحقيقي هو انسان أولاً، لأن صفات القيادة لا تكتمل إلا بتلك الاحاسيس الانسانية المرهفة القادرة على تلمس قهر المقهورين، وظلم المظلومين.

والرئيس الشهيد ياسر عرفات هو انسان أولاً لذلك كان ثائراً أصيلاً، وقائداً حقيقياً، تتحرك في داخله جملة مشاعر انسانية متعددة تراها مثلاً في علاقته بالاطفال حتى ان الكثيرين من أصدقائه كانوا يقولون "ان الطفل في شخصية ياسر عرفات بقي حاضراً حتى الرمق الخير".

ورغم ان أبا عمار ودع الالاف من الشهداء، قادة وكوادر ومقاتلين، لكنك كنت تلمح في وجهه وعينيه تأثراً لدى معرفته باستشهاد احد المناضلين وكأنه يتلقى خبر الشهيد الأول، وكان يقول:" الشهيد هو شهيد، ولا يمكن ان يقلّل من مكانة شهادته انه استشهد متأخراً عن رفاق اخرين".

كان ابو عمّار مهذباً أديباً لائقاً في علاقاته بكل عارفيه، فلم يخرج منه لفظ غير لائق بحق أي من الاشخاص مهما بلغت الخصومة درجة الخصومة معه، وكان تهذيبه يقدمّه إلى الناس بأعلى درجات التواضع، فهو في نقاشه معك لا يشعرك انه "فوقي" لأنه القائد العام، بل كان يستمع إلى زواره بشغف شديد وتلمع عيناه مع كل فكرة جديدة كما تبرق الكاميرا امام أي لقطة مميزة.

حين يتناول طعام الفطور أو الغداء أو العشاء مع أخرين، كنت تلاحظ حرصه على ان يناول الطعام بيديه المتنقلتين بين زواره، ولأكثر من مرة إلى الدرجة التي تظن فيها انه شخصياً لم يدخل لقمة طعام إلى فمه.

ابو عمّار الانسان كان شجاعاً يواجه اصعب اللحظات حتى ولو كانت تحمل موتاً شبه محقق، برباطة جأش لا يمتلكها عادة إلا المؤمن الاصيل، وكان صبوراً يوصي نفسه واخوانه بالحق والصبر مدركاً ان ثورة كالتي يقودها، أو قضية كالتي يحمل لواءها، ليستا بالامر السهل، بل تحتاجان إلى عقود طويلة قبل ان يتحقق لهما النصر... وكان يضع فوق مكتبه قول مأثور: "سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري".

ابو عمّار حالة انسانية نضالية سياسية اجتماعية نادرة، وكيف لا، فهل يقود ثورة بعظمة ثورة فلسطين، وقضية بحجم قضية فلسطين، الا الاستثنائيون في قدراتهم.

 

* كيف كانت العلاقة التي تربطكم بالرئيس الشهيد؟

- شاءت الاقدار ان تبدأ علاقتي، وعدد من رفاقي واخواني، بالرئيس الشهيد ابو عمار وعدد من رفاقه القادة، منذ الاسابيع الاولى لانطلاق الثورة في مطلع 1965، وشاءت الاقدار ان نكون بين المجموعات الاولى التي ساندت الثورة بعد انطلاقتها وجمعت لها التبرعات.

ومع الايام، وخصوصاً بعد قدوم عرفات واخوانه إلى لبنان أثر احداث ايلول المؤلمة في الاردن، وخصوصاً بعد معارك جرش التي استشهد فيها عضو قيادة فتح الشهيد ابو علي اياد، توثقت علاقتنا مع ابي عمار ومع اخوانه في فتح، وجمعتنا معارك ولحظات صعبة واجهنا فيها الموت مع ابي عمار خصوصاً خلال حرب المائة ساعة في الجنوب اللبناني في شباط عام 1972، حيث استهدف الطيران الحربي الصهيوني مقراً لقيادة الثورة في مخيم النبطية وأغار عليه، وأستشهد مناضلان على باب المقر - الملجأ، وكنا آنذاك مع ابي عمار مهددين بالموت بعد ان اكتشف العدو مكان وجود قائد الثورة، ويقال يومها ان الغارة الصهيونية لم تتوقف إلا بعد ان ظن الصهاينة انهم تمكنوا من اغتيال ياسر عرفات.

وبقينا معاً وسوياً لسنوات طويلة مع ابي عمار ورفاقه في قيادة الثورة الفلسطينية نواجه التحديات معاً، مشاركين في النضال، كل قدر طاقته، ولكنها كانت تجمعنا أيضاً صداقة عميقة تعتمد على مصارحة شفافة كان يأنس لها ابو عمار ويتطلع اليها يشغف وحماس.

كنا نزوره في احد بيوته السرية كما كان يزورنا في مكاتبنا وبيوتنا لنتناول بهدوء ما يحيط بنا من تحديات، وكنا نمضي معه الساعات الطوال في احد مقراته المتعددة حتى يطلع علينا الفجر، فأبو عمار كان يخصص ما بعد منتصف الليل لمن يعتبره صديقاً وفياً لا يغدر به أو يطعن أو يتآمر.

ولقد كنت من القلائل جداً، مع عدد من إخواني، ممن ودع ابو عمار في ميناء بيروت عام 1982، وبعدها في ميناء طرابلس عام 1983، وهو شرف أعتز به لأنني بقيت في سفينة الثورة حتى اجبارها الاقلاع من العاصمة الاولى والثانية للبنان وسنبقى باذن الله في سفينة القضية مهما تعالت الامواج واشتدت الاعاصير.

 

* كيف كنتم تنظرون إلى الرئيس الشهيد عندما يكون عليه ضغوطات؟ وكيف كان يتعاطى؟

- لم يمر يوم في حياة الرئيس الشهيد التي عشتها معه إلا وكان يتعرض لكل أنواع الضغوط، عسكرية ومالية وسياسية، من خارج الثورة ومن داخلها، من خارج حركة فتح، واحياناً من داخلها، ولكنني لم أجد أبا عمار (رحمه الله) مرة يائساً أو محبطاً أو مستسلماً بل صامداً رابط الجأش وقاّد الذهن يبحث عن مخارج للأزمة إذا كانت سياسية أو مالية، ويجهز نفسه وإخوانه للمواجهة إذا كانت عسكرية.

كان في الرجل إيمان كبير، يغرف منه في كل اللحظات الصعبة، وكان يقول لي ولإخواني، كلمة سمعتها مرة من مؤسس البعث ميشيل عفلق : "إذا أحسست بضيق ما فما لك إلا والقرآن الكريم، فقراءته تشرح لك صدرك وتيسّر لك أمرك".

لم تكن الصلاة بالنسبة إليه فرضاً دينياً فحسب، بل كان معيناً من الصبر والقوة الروحية يغرف من ينابيعها ما يمكنه من مواجهة الصعاب.

كان إيمانه طبيعياً لا افتعال فيه، ولا تعصّب، ولم يكن استعراضياً ألبته، بل ملتزماً بهدوء وصفاء ووجدان عميق، لذلك كان يتعاطى مع كل الصعاب بهذا الإيمان الدافق، لكن المقرون بدهاء وخبرة وتجربة طويلة.

في المعارك التي كان يخوضها مع اطراف عربية أو فلسطينية (ما أكثرها مع الاسف) لم يحمل الشهيد ياسر عرفات حقداً أو ضغينة على أحد، وكان يتألم من البعض طبعاً لكن لم يكن يتفوه بشتيمة أو بكلام غير لائق على احد.

واذا ما عرض عليه احدهم وساطة مع جهة فلسطينية أو عربية كان يخوض معركة معها، يسارع إلى القبول بهذه الوساطة مردداً الآية الكريمة :" محمد رسول الله ومن معه أشداء على الكفار رحماء بينهم".

كان ابو عمار مناوراً في مواجهة الضغوطات، مما جعل البعض يشكك في صدقيته أو التزامه بالاتفاقات التي يعقدها، وكان ابو عمار يجيب على هذا التشكيك بالقول : كيف تريدني ان اتصرف وسط هذا الكم من التآمر المحيط بي، والكذب الذي يحاصرني.

لكنني أيضاً أقدر لعرفات وفاءً غير عادي لاصدقائه، وهو ما كان يعرّضه لازمات حادة مع حكومات وحكام كان يريدونه ان يقطع علاقته مع معارضين لهم، لكنه كان متمسكاً بكل صديق، وبكل مناضل تحمله الاقدار إلى حضن الثورة الفلسطينية.

ورغم براعته ومرونته، فانه لم ينج من المتربصين، فتعرض للاعتقال والاغتيال والحصار مراراً، ومن مثله كان مصير الاستشهاد إما بالرصاص أو بالسم.

ولعل نقطة الضعف الرئيسية في سلوك ابو عمار السياسي هو انه كان يبالغ احياناً في التكتيك، على حساب الرؤية الاستراتيجية، فيتعثر استراتيجياً ويحاصر تكتيكياً.

5/11/2012

شبكة البصرة

الاثنين 27 ذو الحجة 1433 / 12 تشرين الثاني 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط