بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الصراع الخفي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا

على النفوذ في ليبيا 1952 -1960

(دراسة وثائقية)

شبكة البصرة

بقلم د. نجلاء مكاوي

مدير وحدة الدراسات الدولية والإقليمية

مقدمة

مرت ليبيا بفترة تاريخية عصيبة، منذ حصولها على الاستقلال، في نهاية عام 1951، وحتى عام 1969، ومن خلال تتبع هذه الفترة، وما حملته من أحداث، تبرز عدة حقائق، أهمها استخدام هذا البلد ميداناً للتنافس بين القوى الاستعمارية، ومرتعاً خصباً للتكالب والصراع، وجعله منطقة نفوذ تخدم مصالح كل دولة من الدول المتنافسة عليه، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا.

 

وتحاول هذه الدراسة الوقوف على طبيعة وحجم التنافس الغربي على ليبيا في فترة الخمسينيات، خاصة التنافس بين الحلفاء والأصدقاء، كما هو واضح ظاهرياً، فالولايات المتحدة وبريطانيا دولتين، من المفترض، أنهما تواجدتا في ليبيا بالاتفاق والتفاهم، ومن خلال سياسة غربية أهدافها موحدة، ولكن يبدو أن ليبيا كانت أهم الدلائل، على بيان طبيعة العلاقات التي ربطت بين الدولتين في هذا الوقت، فعلى الرغم من اتفاقهما المعلن حول السياسة التي يجب إتباعها تجاه ليبيا، فقد دار بينهما صراعٌ خفيٌ للحصول على النفوذ داخل هذا البلد.

 

تعد أبعاد هذا الصراع، ومظاهره، وتداعياته، على جانب كبير من الأهمية، لتوضيح الصورة الحقيقية لسياسة الدول الاستعمارية، ومن هذا المنطلق، قامت هذه الدراسة بإلقاء الضوء على كل ما يقع في إطار الصراع الأنجلو - أمريكي على ليبيا، تفصيلاً وتحليلاً، للسير وراء خيوط الصراع شديدة التعقيد والتشابك، وبيان تداعياته على الحياة السياسية في ليبيا.

 

وقع الاختيار على عام 1952، كبداية للدراسة، لأن استقلال ليبيا كان في أواخر عام 1951، ومع بداية 1952 بدأ تفعيل الدور الأمريكي في السياسة الليبية، بعد توقيع الاتفاقية المؤقتة، وسعي الولايات المتحدة الجدي لمشاركة بريطانيا في استغلال أهمية ليبيا الإستراتيجية، من خلال توسيع دائرة النفوذ والسيطرة. أما الوقوف عند عام 1960، فلأن هذا العام يعتبر بداية النهاية لمرحلة من الصراع الأنجلو - أمريكي على ليبيا، فقد اختلفت طبيعة هذا الصراع، وتقلص حجمه، لانحصار الإستراتيجية الأنجلو - أمريكية في إطار النفط الليبي، وكيفية الحصول عليه واستغلاله، كما أن الولايات المتحدة كانت قد ثبتت أقدامها، وسيطرت على القدر الأكبر من النفوذ في ليبيا، وتقلص حجم النفوذ البريطاني، إلى أن أصبح لا يشكل خطورة على إمكانية الاستغلال الأمريكي الأمثل للدولة الليبية.

 

تعرض الدراسة لمراحل الصراع الأنجلو - أمريكي منذ عام 1952، بعد توقيع الاتفاقيات المؤقتة التي وطدت نفوذ الدولتين في ليبيا. وبرزت أول مرحلة من خلال محاولات الدولتين توقيع معاهدات واتفاقيات دائمة مع الحكومة الليبية، فقد أثر نفوذ كل دولة على إمكانية وصول الأخرى إلى أهدافها المستترة وراء سعيها لتوقيع معاهدة أو اتفاقية مع ليبيا. ثم تتبعت الدراسة الدور الأمريكي في مفاوضات تعديل المعاهدة الليبية - البريطانية، وإلى أي مدى وصل تأثيره على تطور عملية المباحثات؟ ومتى كان هذا الدور معلناً وأخذ شكلاً رسمياً مع بريطانيا وليبيا؟ ومتى تم تفعيله من وراء الكواليس؟ وعن طريق من؟.

 

عرضت الدراسة بعد ذلك مراحل تطور النفوذ الأمريكي منذ عام 1952، وبالمقابل تداعى النفوذ البريطاني، وعدم قدرته على موازاة التصاعد السريع لنفوذ الولايات المتحدة، وسيطرتها على الكثير من المواقع داخل ليبيا، فأوضحت الدراسة كل المحاولات الرامية لربط ليبيا بعجلة السياسة الأمريكية. وأثر ذلك على تحجيم السيطرة البريطانية على الشؤون الليبية.

 

تقوم الدراسة بعمل عرض شامل لكل أنماط المنافسة الأنجلو - أمريكية في ليبيا، فتتناول المنافسة على المستوى الدعائي، وكيف أثرت الدعاية خاصة الأمريكية في الحصول على مواقع أكثر للنفوذ؟ وما هي أدوات هذه الدعاية؟، وكيف تقبلها الشعب الليبي؟، ومن كان الأجدر في المنافسة، الجانب الأمريكي أم البريطاني؟. كما تلقى الدراسة الضوء على نقطة هامة دعمت بشكل كبير كلا الفريقين في صراعه مع الآخر، وهى التنافس على كسب الأنصار والمؤيدين، واستقطاب المسئولين الليبيين، واستخدامهم كأدوات فعالة داخل الإدارات والوزارات والجيش والشرطة، للتأثير على القرار الليبي والشؤون الداخلية والخارجية.

 

جاء بعد ذلك موقف الشعب الليبي الرافض لاستغلاله، واستعمار أراضيه، والتدخل في شئونه وراء قناع المساعدات، وفقر الدولة وحاجتها لما تحصل عليه من أموال، نظير الوجود غير الشرعي في البلاد، واقتناع الشعب من عدم استفادته بأي شكل من الأشكال من هذه الأموال، التي لا تضاهى ما تقدمه ليبيا لهاتين الدولتين، حتى أنها أصبحت مسرحاً للصراع بينهما.

 

تخرج الدراسة بعد ذلك من دائرة الصراع الأنجلو - أمريكي، لتوضح نقاط الاتفاق بينهما، والتي كان أهمها القضاء على النفوذ المصري في ليبيا، الذي كان تهديداً في منتهى الخطورة على نفوذ الدولتين. وأيضاً المقاومة الأنجلو - أمريكية لمحاولات تسرب النفوذ الروسي لليبيا، والذعر الأمريكي من احتمالات حصول روسيا على موضع قدم داخل ليبيا على أي مستوى.

 

تنتهي الدراسة بتوضيح الرؤية الأمريكية لتأثيرات النفط الليبي وتدفقه على سياسة ليبيا، وسياسة الولايات المتحدة تجاهها، الأمر الذي وضع العلاقة بين النفوذ الأمريكي والبريطاني في شكل آخر، يبدو أقرب إلى الوفاق منه إلى الصراع، فقد فرض النفط الليبي على السياسة الأمريكية ضرورة التناسق والتفاهم مع بريطانيا، للحصول على هذا النفط الذي أدخل ليبيا في منعطف آخر، ووجه طبيعة العلاقات بينها وبين الدول الأخرى، صاحبة الأطماع فيها، والساعية إلى التمسك بالسيطرة عليها. وكانت أهم تداعيات استخراجه إيقاف لعبة الصراع على مواقع النفوذ في ليبيا بين الولايات المتحدة وبريطانيا، بشكل مؤقت، ثم استئنافها بعد ذلك، ولكن بآليات مختلفة، وفي نطاق أضيق، وبشكل أقل حدة، وقد حسم الصراع مع بدايات عام 1960، واتضح أنه كان لصالح النفوذ الأمريكي، ولذلك فإنه وبعد ذلك العام، انحصرت السياسة الأنجلو - أمريكية تجاه ليبيا، في إطار الحفاظ على الوجود فيها، بعد أن غير النفط معالم كل شيء، ودخلت الدولتان في صراع من أجل البقاء مع الليبيين، انتهى بقيام ثورة الفاتح، والانتصار الليبي على كل أطراف هذه اللعبة السخيفة.

 

اعتمدت الدراسة، بشكل أساسي، على وثائق وزارة الخارجية المصرية، وهى وثائق غير منشورة، عبارة عن مراسلات سرية، وتقارير السفراء المصريين بطرابلس وبنغازي، وتغطي كل الأحداث التي مرت بها ليبيا في فترة الدراسة، كما أنها على قدر كبير من الأهمية، لعرضها بشكل تفصيلي النشاط الأمريكي والبريطاني في ليبيا، وخاصة النشاط الخفي، الذي أوضح طبيعة وحجم الصراع بين الدولتين على النفوذ في ليبيا، كما أن الدراسة استخدمت وثائق وزارة الخارجية الأمريكية.

 

وفي النهاية، أرجو أن أكون قد وفقت في إلقاء الضوء على فترة هامة من تاريخ دولة شديدة الأهمية، لطالما عانت من الأطماع الدولية للقوى الاستعمارية، مثلها مثل كثير من الدول العربية والإفريقية المقدر لها أن تكون مسرحاً للصراع الدولي على أراضيها ومواردها.

 

أولاً - ليبيا بين توحد المصالح الإمبريالية والصراع على النفوذ:

الإمبريالية هي التعبير الملائم عن الصراع من أجل القوة في المجتمع الدولي، والقوة هي جوهر العلاقات الدولية التي يمكن تفسير مضمونها الحقيقي من خلال ظاهرة السيطرة، والاستعمار، والتبعية التي تسود طابع العلاقات بين الدول والأمم والشعوب ([1]). وتعد ظاهرة الصراع الدولي إحدى الحقائق الثابتة في واقع الانسان والجماعة، وعلى كافة مستويات الوجود البشرى، وتعبر هذه الظاهرة عن موقف ينشأ من التناقض في المصالح أو القيم بين أطراف تكون على وعى وإدراك بهذا التناقض، مع توافر الرغبة لدى كل منها للاستحواذ على موضع لا يتوافق، بل وربما يتصادم، مع رغبات آخرين ([2]).

 

والصراع له أشكال متعددة، فلا يكون دائماً صراعاً معلناً بين طرفين تتعارض مصالحهما بشكل سافر، لكن هناك نوع من الصراع قد ينشأ بين قوى متحالفة ظاهرياً، ومصالحها تكاد تكون متشابهة في الأهداف، التي تمثل عادة استراتيجية عامة لمجموعة من الدول المتحالفة، خاصة في الوقت الذى انقسم فيه العالم الى معسكرين، وظهور نظام القطبين الذى وجه آلياً سياسات الدول، وفرض حتمية اتخاذ كل دولة أحد هذين الاتجاهين، إلا أن هناك مصالح خاصة تفرض نفسها على سياسة الدولة، وتضعها في منافسة وصراع مع دولة حليفة، غالباً لا تريده، ولكنها تضطر إليه، وبالتالي تكون آليات هذا الصراع غير معلنة، وهو ما شهده مسرح السياسة الليبية في فترة الخمسينيات، وتحديداً بعد الاستقلال، في عام 1952، وذلك عندما كانت ليبيا ميداناً للنفوذ الأمريكي والبريطاني، الأمر الذى جعلها أيضا ميداناً للصراع الأنجلو أمريكي غير المعلن من أجل هذا النفوذ.

 

أ - الأهمية الجيو - استراتيجية لليبيا :

تتوسط ليبيا الساحل الشمالي للقارة الإفريقية على البحر المتوسط، وتشرف على الحوض الأوسط الجنوبي لهذا البحر، لامتداد ساحلها الشمالي لمسافة 1200 ميل عليه، ويوجد بها عدة موانئ صالحة لتكون قواعد بحرية يمكن الإفادة منها، وأهمها : طرابلس، بنغازي، طبرق. كما تعتبر ليبيا همزة الوصل بين الشمال الإفريقي، وما يتصل به من طرق مواصلات مباشرة إلى آسيا، وبين مجموعة المغرب العربي وباقي الشاطئ الإفريقي الغربي على المحيط الأطلسي ([3])

 

تكمل ليبيا سلسلة الخطوط والقواعد البرية والبحرية والجوية، التي تتسنى للدول الكبرى الإفادة منها، وذلك من شاطئ الأطلنطي غربا إلى مشارف آسيا شرقاً. كما أنها تعد المركز الثاني حول وادي النيل الذي يمكن الدول الغربية أن تصل به بين أوروبا والبحر المتوسط شمالاً، وقلب القارة الإفريقية جنوباً، إذا ما تعذر الاتصال عن طريق قناة السويس ووادي النيل لأي سبب. وتأتي أهمية ليبيا كقاعدة خلفية لها شأنها وخطرها، لسهولة التوسع في إنشاء القواعد والمعسكرات، لحشد القوات وتدريبها، وتجهيز مطاراتها بالقنابل الذرية، ذلك لاتساع رقعة ليبيا وتوافر الأمن بها، كما أنها مناسبة للطيران والملاحة طول العام ([4]).

 

كانت هذه الخصائص الاستراتيجية الهامة هي عامل الجذب الأوروبي لليبيا عبر العصور، ولكننا عندما نتحدث عن فترة حديثة في تاريخها، خاصة فترة الخمسينيات من القرن العشرين، فلابد أن نذكر عاملاً جديداً أضفي عليها الكثير من الأهمية، وهو تفجر النفط من أراضيها، وتحولها إلى مصدر هام من مصادر إنتاجه، مما زاد من أهميتها الاستراتيجية، خاصة وأنها قريبة من أوروبا الصناعية، الأكثر افتراساً للأراضي التي يتفجر منها الذهب الأسود.

 

ب - المصالح البريطانية والأمريكية في ليبيا:

فرضت لغة المصالح على السياسة الأنجلو أمريكية تجاه ليبيا أن تدخل في دائرة التصارع، على الرغم من أنها لم تأخذ هذا الشكل حتى الاستقلال، حيث أن الولايات المتحدة، وكما هو معروف عن سياستها في تلك الفترة، لم تكن تسعى للتدخل في مناطق النفوذ البريطاني في هذه المناطق من العالم، ولكن ذلك لا يمنع أنها أثناء التفاوض على مصير ليبيا، كانت لها رؤية ذاتية تتعلق بمصالحها الخاصة في هذا البلد، ولكنها كانت حريصة على ألا تخرج بعيداً عن الدائرة البريطانية، وتتعامل كند لبريطانيا داخل ليبيا.

 

السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا عامة في تلك الفترة، كانت تقوم على التعاون مع الدول الاستعمارية الغربية، التي يمكنها أن تقف بين المصالح الأمريكية، وبين تحقيقها، فكان أقصر طريق لضمان تلك المصالح، هو ضمان تعاون الدول الاستعمارية، فالرغبة في استعمال القواعد العسكرية، أو الحصول على المواد الحيوية اللازمة لتسيير دولابها الصناعي أو الحربي، يستلزم موافقة هذه الدول، فإذا كانت الولايات المتحدة تهادن في البداية، فلأنها كانت مضطرة، وقد سارت على نهج هذه السياسة بالنسبة للوجود البريطاني في ليبيا، فبريطانيا تعتبر دولة صديقة، ومادام من الممكن تحقيق الأهداف الأمريكية في ظل وجود النفوذ البريطاني داخل ليبيا، فلا داعي للاصطدام به، ولو بشكل مؤقت، لأن أي تغيير لابد وأن تسبقه عملية مراجحة بين المزايا التي ستعود عليها، وبين رد الفعل المترتب على هذا الإجراء، ولذلك كان من الصعب على الولايات المتحدة، في تلك الآونة، أن تتعامل مع القضية الليبية على انفراد، أو تتبع حيالها سياسة مستقلة، حتى لو كانت هذه السياسة تبررها اعتبارات ومصالح ذاتية ([5]).

 

يبنى هذا التفسير على أساس كبر حجم المصالح البريطانية في ليبيا، فبريطانيا كانت تعدها لتكون القاعدة الأساسية بعد جلاء قواتها عن منطقة قناة السويس، كما أنها أقرب المراكز الافريقية إلى شاطئ بحر الأدرياتيك، وشواطئ ألبانيا التي تملك فيها روسيا قواعد بحرية للسفن الصغيرة، والغواصات والطائرات المختلفة الأنواع، ولذلك فهي تعتبرها القاعدة التي تستعيض بها عن قاعدة قناة السويس، ولكونها أيضاً قريبة من مالطة وجبل طارق وكينيا وأوغندة وجنوب أفريقيا عموماً، بالإضافة إلى تيسر وسهولة تقوية الجيوش التي سترابط في ليبيا، لتكون احتياطياً يمكن توجيهه إلى المنطقة المهددة سواء في جنوب أوروبا أو الشرق الأوسط ([6]).

 

تتمثل المصالح البريطانية في ليبيا، أيضاً، في رغبة بريطانيا في الاحتفاظ بباقي ممتلكاتها في أفريقيا، بعد أن تقلص ظلها في الشرق الأقصى، فكان لابد لها من أجل ذلك تطويق هذه الممتلكات الموزعة في شرق وغرب ووسط وجنوب أفريقيا، بقواعد من الشمال، تكون بمثابة قنطرة للعبور والاتصال بين هذه الممتلكات، وباقي الجزر البريطانية، وباقي قواعدها في البحر الأبيض المتوسط، وقتذاك، مثل قبرص ومالطة وجبل طارق. ونظراً لأن ليبيا هي الدولة الوحيدة التي تتصل مباشرة بمصر من الغرب، فإن بريطانيا رأت أنه من المهم وجود قواعد لها هناك، وعلى ذلك، فإن ليبيا كانت تمثل الكثير من الأهمية بالنسبة لبريطانيا ([7]).

 

أما الولايات المتحدة الأمريكية فإن اهتمامها بليبيا بدأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما منحتها بريطانيا - التي كانت تخضع ليبيا لإدارتها حق استخدام مطار الملاحة الواقع شرق طرابلس بحوالي 10 كيلو متر، وذلك خلال فترة الحرب، ولكن الولايات المتحدة رأت ضرورة الحفاظ على هذه المنطقة تحت سيطرتها، واختارتها لتكون قاعدة جوية لها، وحلقة من سلسلة مراكز الوثوب على روسيا. خاصة بعد تلميحات الاتحاد السوفييتي برغبته في الوصاية على ليبيا، الأمر الذى أدى إلى تمسك الولايات المتحدة بتواجدها العسكري في الأراضي الليبية ([8]).

 

اتضحت بوادر التنافس على ليبيا أثناء النزاعات الإمبريالية حول المستعمرات الإيطالية السابقة، نتيجة لتقارب مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في منطقة البحر المتوسط، ومن الطبيعي أن التنافس الأنجلو أمريكي للسيطرة على حوض البحر المتوسط، كان حائلاً دون وصولهما إلى اتفاق حول مصير ليبيا، أثناء مرحلة تقرير مصيرها في منظمة الأمم المتحدة، كما أن فرنسا وإيطاليا كانتا تتنازعان أثناء هذه المفاوضات ([9]). وإيطاليا كانت قلقة دائماً من الموقف الأنجلو- أمريكي، وكانت تصفه بأنه مؤامرة، وتصف موقف الحكومة الأمريكية بأنه غامضاً، فالأمريكيون يتظاهرون في بعض الأحيان بالاستقلال في الرأي، ولكنهم ينتهون بمجاراة بريطانيا في سياستها ([10]).

 

بدا بالفعل أن هناك اتفاق أنجلو أمريكي بشأن ليبيا في مرحلة التفاوض على تقرير المصير، خصوصاً بعد أن استقر رأي الولايات المتحدة على تعضيد سياسة انجلترا في منطقة البحر المتوسط، طالما مقتضيات خططها الاستراتيجية مكفولة، والأمن والنظام مستتبان في هذه المنطقة ([11]). ولم تكن الولايات المتحدة في ذلك الوقت راغبة في الاشتراك بشكل مباشر في الدفاع عن الشرق الأوسط، فاتفقت مع بريطانيا على أن تتولى هي هذه المهمة، وتمارس الولايات المتحدة ذلك من خلالها ([12]).

 

اتضحت وجهة النظر الأمريكية هذه في بداية الخمسينيات، فقصرت الولايات المتحدة اهتمامها، وركزت جهودها فيما يتعلق بليبيا من حيث أنها حلقة مهمة في سلسلة الدفاع عن منطقة البحر المتوسط، لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، وكل ما يعنيها هو أن تطمئن إلى استقرار الأحوال بها، وطالما أن هناك حكومة قادرة - بريطانيا - على ذلك، وتحقق هدف الولايات المتحدة، فإنها تعضدها، كما أن أهمية ليبيا من الناحية العسكرية تكمن في القاعدة العسكرية الأمريكية بها ([13]).

 

هذا، وقد أعرب البارون Paolo Tallarigo، رئيس قسم أفريقيا بإدارة الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الإيطالية لمستر كلارك، المندوب الأمريكي في مجلس الأمم المتحدة بليبيا، عن قلقه من نتائج التحيز الأمريكي للسياسة البريطانية في ليبيا، مما جعل وزارة الخارجية الأمريكية تستدعي السفير الإيطالي بواشنطن، وتنفي نعت سياستها في ليبيا بالتحيز لبريطانيا نفياً باتاً ([14]).

 

ويبدو أن الولايات المتحدة كانت قد بدأت فعلاً رسم أولى الخطوات الخفية في طريق تدعيم نفوذها داخل ليبيا، فقامت بإعطاء التعليمات لممثليها في ليبيا، بأن يقوموا بالعمل لضمان امتلاك الولايات المتحدة لكل بقعة صالحة لإيواء عائلات أمريكية باسم الإنشاء والتعمير، واغتصاب مساحات واسعة لتقيم عليها الثكنات، وتنشئ فيها المطارات، باسم المصالح الإستراتيجية، والدفاع عن العالم الحر. وسعت لتحقيق هذه المآرب تحت ستار الظلام تارة وفي وضح النهار تارة أخرى ([15]).

 

من جهة أخرى، قام مستر كلارك مندوب الولايات المتحدة بليبيا، بزيارة بنغازي لإعداد الخطوط الرئيسية للسياسة التي يراد من الأمير إدريس السنوسي أن ينتهجها، بعد أن يُتوج ملكاً. والمرجح أن هذه السياسة إنما تهدف إلى تمكين الولايات المتحدة من الاستيلاء على أكبر رقعة ممكنة من ليبيا، خصوصاً الأماكن التي شعر الخبراء الأمريكيون باشتغالها على بعض الثروات الطبيعية، كما أن محاولات المندوب الأمريكي لدى الأمير السنوسي كانت تهدف لأخذ موافقته على البرنامج العسكري، الذي بدأت الولايات المتحدة في تطبيقه في ليبيا، ولكن كلارك كان من الذكاء بحيث لم يصرح في خطبته التي ألقاها أمام السنوسي بأي شيء يغضب بريطانيا، كما أشاد بمجهوداتها لحل القضية الليبية. وذكر في خطابه، أيضاً، إن هذه الزيارة لمعرفة ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لليبيا من معونات اقتصادية، ووعد بالمساعدة الأمريكية من خبراء وفنيين لتنمية البلاد ([16]).

 

بدأت سياسة تكبيل ليبيا، بالفعل، بمساعدة مالية عن طريق برنامج النقطة الرابعة، الذي على أساسه عقدت الولايات المتحدة اتفاقية عامة، في 15 يونيو 1951، مع حكومات بريطانيا وفرنسا، كدولتي إدارة، ومع حكومة ليبيا المؤقتة، في 21 يناير 1952. ويعتبر ذلك بداية دخول ليبيا في دائرة المصالح الأمريكية في المنطقة، فقانون المساعدات الأمريكية المقدمة للشرق الأوسط وأفريقيا، الذي وافق عليه الكونجرس الأمريكي، يقضي بتقديم المساعدات الحربية والاقتصادية والفنية للدول الصديقة، واشترط عدة شروط في الدولة التي تمنح هذه المساعدات، من أهمها : الموقع الإستراتيجي، وأهمية هذه الدولة المباشرة للدفاع عن الشرق الأوسط، ومقدرتها على الدفاع عن نفسها، وحفظ سلام وأمن الولايات المتحدة. أيضاً مساهمتها التامة التي تسمح بها قوتها البشرية، وثروتها، وتسهيلاتها، وحالة اقتصادها، في تحقيق القوة الدفاعية للعالم الحر. ولن تمد المساعدات الاقتصادية والفنية إلى أي دولة، إلا في حالة التحقق من أن هذه المساعدات ستؤدي إلى تقوية أمن الولايات المتحدة ([17]). وبناءً على ذلك، أخذت الولايات المتحدة تعمل على توطيد نفوذها في ليبيا، بعد أن أدركت مدى أهميتها بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة، واستعدت لمشاركة بريطانيا فيما تتمتع به من سيطرة ونفوذ في الأراضي الليبية.

 

ثانيا - الاتفاقيات المؤقتة وتغلغل النفوذ الأنجلو أمريكي في ليبيا :

بدأت فكرة التحالف بين ليبيا والدول الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا، إثر عودة إدريس السنوسي إلى برقة، في يوليو 1944، في أعقاب هزيمة قوات المحور، وتطهير ليبيا من القوات الفاشية، وإعلان بريطانيا أن برقة لن تعود إلى الحكم الإيطالي مرة ثانية، مقابل المساعدة التى قدمها السنوسي لقضية الحلفاء ([18]).

 

وقد حرصت بريطانيا أثناء فترة الإدارة البريطانية، على النفاذ بشكل قوي في داخلية البلاد، وحشدت الموظفين والعمال الأجانب في الإدارات، وفتحت أبواب ليبيا لواردات الدول الأجنبية، كما حرصت بواسطة عملائها على إشاعة الفوضى وتفريق الشعب، وإحباط أية محاولة لتوحيد البلاد، لكي لا يؤثر ذلك على مصالحها الحيوية بها. وعندما حصلت ليبيا على الاستقلال، في نوفمبر 1949، كانت القوات البريطانية موجودة ببرقة وطرابلس، وأيضاً القوات الأمريكية كانت منتشرة بمطار الملاحة ([19]).

 

كما سبق، فإن الولايات المتحدة بدأت تتطلع إلى فرض تواجدها الفعلي في ليبيا، وتآمرت الدولتان للحصول على فرض رقابة شديدة على ليبيا، من خلال توقيع اتفاقيات تضمن لكل منهما تحقيق ما تريده من وجودها في ليبيا. وبينما كانت الولايات المتحدة تعزز تواجد قواتها في مطار الملاحة، وتنشر خبرائها للتنقيب عن أية بقعة في الأراضي الليبية تصلح لبناء منشآت عسكرية ومساكن، كانت بريطانيا حريصة منذ بداية عام 1951، على تعزيز قواتها العسكرية في برقة، خصوصاً جبهة تعبئة الذخائر والمعدات العسكرية من ثقيلة وخفيفة، وكذلك إنشاء المخازن الخاصة بالذخائر، في المناطق السرية البعيدة عن الطرق المطروقة، وكانت السلطات العسكرية البريطانية تقوم بهذه الأعمال في سرية وكتمان شديدين. ودأبت الناقلات البريطانية البحرية خلال هذا العام على إرسال المعدات، وبعض القوات الخفيفة أسبوعياً إلى موانئ برقة، بنغازي، وطبرق، حتى أصبحت هذه المعدات تكفي لجيش كامل عند اللزوم ([20]).

 

وبما أن بريطانيا كانت تخطط لعقد معاهدة ثنائية مع ليبيا، فقد سعت إلى ذلك قبل نقل السلطة إلى الحكومة الليبية المؤقتة، وعرضت تقديم ضمانة استرلينية للإصدار الأول من النقد الليبي، وإدخال ليبيا في منطقة الاسترلينى، وأيضاً تعهدت بتغطية العجز المالي في الميزانية الليبية، وذلك مقابل وضع رقابة على الميزانية، وموافقة الحكومة الليبية على وجود موظف بريطاني للمالية والاقتصاد. وبالفعل وقعت الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة محمود المنتصر مع الحكومة البريطانية، الاتفاقية المالية المؤقتة، في 13 ديسمبر 1951، على أن يسري مفعولها حتى 31 مارس 1952 ([21]). وأدت هذه الاتفاقية إلى تعاظم النفوذ البريطاني في ليبيا، وكثرة عدد الموظفين الموجودين في الإدارة الليبية، بالإضافة إلى ربط ليبيا بمنطقة الإسترليني، وهو ما أفقد ليبيا جوهر الاستقلال الذى سعت للحصول عليه، واتخذ شكلاً اسمياً فقط.

 

أما الولايات المتحدة فقد رأت أن تدعم وجودها العسكري في ليبيا عن طريق عقد اتفاقية مع الحكومة الليبية المؤقتة، وهو ما تم في 24 ديسمبر 1951، وبمقتضى هذه الاتفاقية تزايدت الامتيازات العسكرية للولايات المتحدة في ليبيا، ومُنحت حق البقاء في قاعدة هويلس الجوية لمدة عشرين سنة، كما مُنحت حق السيطرة الكاملة على الأجواء والمياه الليبية، وإقامة قواتها في المساحات والمرافق، التي تتفق بشأنها مع الحكومة الليبية، للأغراض العسكرية. وبذلك أعطتها هذه الاتفاقية الكثير من الحقوق في استخدام الأراضي الليبية في الأهداف العسكرية، وذلك مقابل مليون دولار تدفعها الحكومة الأمريكية كل سنة لليبيا ([22]).

 

كانت هذه الحقوق الكثيرة التي نالها الأمريكيون، مصدر استياء الانجليز الذين يعملون بدأب شديد، للحد من آفاق النفوذ الأمريكي، مما دفعهم لاستخدام شتى الوسائل للحيلولة دون تصديق الاتفاقية الأمريكية الليبية المؤقتة ([23]).

 

ثالثاً - الصراع الأنجلو- أمريكي على النفوذ وانعكاساته على توقيع المعاهدتين مع ليبيا:

أ - النفوذ الأمريكي وأثره على توقيع المعاهدة الليبية - البريطانية :

استمرت بريطانيا بعد إعلان استقلال ليبيا في العمل على إضفاء الشرعية على وجودها في أراضيها، وتدخلها السافر في الشؤون الليبية، في محاولة منها للحفاظ على وضعها الذي أدركت أن الأمريكيين قرروا أن يزاحموها فيه. وعلى الجانب الآخر ظل الليبيون يحاولون نزع استقلالهم الفعلي، وكان الأمل أمامهم يتمثل في إقامة انتخابات حرة، ولكن بريطانيا بددت لهم هذا الأمل، وعملت على عرقلة الخطوات الدستورية الصحيحة في سبيل وصول ليبيا إلى حقوقها، فتواطأت على تزوير الانتخابات النيابية، في 19 فبراير 1952، وكان رجالها أول من أطلق الرصاص على المواطنين المتوافدين على صناديق الاقتراع، وأنزلت بعض الوحدات الميكانيكية البريطانية المصفحة في بعض مناطق ليبيا إلى الميدان، لتدعيم التزوير، ونشر الذعر في سبيل فوز النواب الذين كانت تريدهم، وتعدُّهم لتوقيع المعاهدة، وهو ما أسفرت عنه نتيجة الانتخابات بالفعل، فقد لاقى المؤتمر الوطني الطرابلسي هزيمة كبيرة، وحصل أنصار الحكومة على الغالبية من المقاعد، وأعلنت الأحكام العرفية في البلاد، وتم اعتقال بشير السعداوي رئيس حزب المؤتمر الوطني، وأرغم على مغادرة البلاد ([24])

 

على سبيل التعاون مع بريطانيا، فإن الأمريكيين أيضاً كان لهم دور في الانتخابات، فقبل يوم الانتخاب بحوالي خمسة عشر يوماً، ألقت الولايات المتحدة ألوف الدولارات في جميع أنحاء طرابلس، لشن الدعاية ضد المؤتمر الوطني لزعزعة نفوذه ([25]). وقد اضطر الأمريكيون إلى ذلك على الرغم من استيائهم من سيطرة النفوذ البريطاني على رئيس الحكومة الليبية، وقيامه، بإيعاز منهم، بالضغط الشديد على البلاد أثناء تلك الفترة، ففي حديث لمستشار المفوضية الأمريكية بليبيا مع الوزير المفوض المصري، أكد على أن الأمريكيين لا يوافقوا على طرق الانجليز في كثير من الأحيان، ولكنهم لا يملكون قوة التأثير على رئيس الحكومة مثلهم ([26]). هذا، وقد بدأ التوتر بين بريطانيا والولايات المتحدة داخل ليبيا في ذلك الوقت، خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات من أجل المعاهدة البريطانية الليبية، فقد أخذ الانجليز يعدون العدة لمعاهدة تعطيهم القسط الأكبر من النفوذ في ليبيا، لذلك عارضوا معارضة شديدة انفراد الولايات المتحدة بتولي أمر تدريب وتسليح الجيش الليبي، الأمر الذي أدى إلى ظهور خلاف حول هذه النقطة، أوقف سير المفاوضات التي كانت جارية بين رئيس الوزراء الليبي، والجهات الأمريكية المختصة في هذا الصدد ([27]).

 

ومما جعل البريطانيين يتعاملون بحذر مع الليبيين والأمريكيين في نفس الوقت أثناء التفاوض على عقد المعاهدة، ما لمسوه من ميول بعض رجالهم إلى الولايات المتحدة، وعلى رأسهم الملك إدريس نفسه، فقد علم البريطانيون من خلال عيونهم المحيطة بالملك أن سياسته انحرفت ناحية الولايات المتحدة، وبدأ يفكر في الاستعانة بهم ضد الانجليز لإذكاء التنافس بينهم ([28]). ورداً على ذلك، قام الانجليز بالضغط على الملك، وطرد العمال الليبيين من معسكراتهم، وإحلال الأجانب محلهم، ليزيدوا حالة البطالة والسخط على الحكم القائم في برقة، حتى يخضع الملك لطلباتهم دون مناقشة، وليمتنع عن الاستعانة بالأمريكيين ضدهم ([29]).

 

ألقى الشبح الأمريكي بظلاله على مائدة المفاوضات بين بريطانيا وليبيا، واضطرت الحكومة الموالي رئيسها لبريطانيا، إلى السير وراء الاتجاه الذي ظهر في البرلمان وقتذاك، والخاص بإعادة فتح باب المفاوضات مع الحكومة الأمريكية، لزيادة المبلغ الذي ستدفعه مقابل استعمالها للمناطق الإستراتيجية في ليبيا. واعتقد الليبيون أنه يمكنهم الضغط على بريطانيا من خلال حليفتها، خاصة بعد اتساع الهوة بينهما، فيما يتعلق بسياستهما تجاه ليبيا، وبدا واضحا أن انحراف السياسة الأمريكية عن البريطانية بات مسألة وقت. هذا وقد حسم الطرفان ما يتعلق بتكوين الجيش الليبي، فاتفقا على أن هذه المسألة تختص بها بريطانيا، فهي التي تمده بالعتاد والسلاح والمال اللازم ([30]).

 

في التاسع من سبتمبر، اجتمع مجلس الوزراء في مدينة البيضاء، ونظر في موضوع المعاهدات مع انجلترا والولايات المتحدة، رأى أن تستمر ليبيا داخل الكتلة الاسترلينية، مع مطالبة بريطانيا بأن تستعمل ليبيا حصيلة الدولارات التي تنقلها القوات الأمريكية في ليبيا، في تغطية جزء من النقد الليبي. وطالب وزير الخارجية وزير الولايات المتحدة بليبيا، بزيادة مبلغ المليون دولار المقدرة في الاتفاقية، إلى مبلغ يساوي ما يدفعه الانجليز في ليبيا على الأقل. وقد اضطر محمود المنتصر رئيس الحكومة، إلى مد أجل الاتفاقية المالية والعسكرية مع بريطانيا، كما أوقف التفاوض مع البريطانيين، وذلك لمراوغة الملك له، وعلمه بأنه عازم على عدم إتمامها. هذا فضلاً عن هياج الشعب الليبي ضد توقيع أية معاهدة مع بريطانيا، وكما سبق ذكره، فإن تردد الملك في قبول المعاهدة جاء من رغبته في اللعب بالورقة الأمريكية، فقد طلب الملك من المنتصر عدم إمضاء أية معاهدة مع بريطانيا، والاكتفاء إن أمكن بمعاهدة مع الولايات المتحدة، على شرط أن تدفع 2 مليون دولاراً سنوياً، كحد أدنى لإيجار ما تحتله من مطارات، ولكن المنتصر رفض ذلك، وأكد للملك أن هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات كثيرة في ميزان ليبيا المالي، لأن انجلترا متعهدة بسد العجز في الميزانية، والإيجار الأمريكي لما تحتله من مناطق إستراتيجية، لن يفي بكل متطلبات ليبيا ([31]).

 

عندما شعر الانجليز بأن الملك يعول على إمضاء معاهدة مع الولايات المتحدة، تُمكن ليبيا من سد معظم العجز في الميزانية، وتضمن تأييد الولايات المتحدة لها ضد بريطانيا، عمدوا إلى إيقاف العجز في الميزانية، وكان يُدفع على أقساط شهرية، مما أدى إلى استدانة ولاية برقة شهرياً من بنك باركليز ببنغازي مرتبات موظفيها، البالغ قدرها حوالي 50 ألف جنيهاً شهرياً. كما أُخطرت الحكومة الاتحادية بطرابلس رسمياً، في أوائل مارس 1953، بأن انجلترا لن تدفع العجز المالي قبل إمضاء المعاهدة معها، ولذلك لم تستطع الحكومة الليبية وضع ميزانية (1953- 1954) التي يبدأ العمل بها سنوياً أول إبريل، وكان الغرض من ذلك واضحاً، وهو إفلاس الحكومة واضطرارها لإمضاء المعاهدة حتى تستقيم أحوالها المالية. فكان هذا ما قامت به بريطانيا لإرهاب الحكومة الليبية. أما بالنسبة للأمريكيين الذين أظهروا ميلهم لتحسين بعض الشروط في اتفاقيتهم مع ليبيا، ورفع قيمة إيجار ما يحتلوه فيها من مناطق إستراتيجية، فإن الانجليز حاولوا إيقافهم عن التدخل في مسار المفاوضات مع ليبيا، وتوصلوا إلى الاتفاق معهم على الآتي :

أولاً - ألا تُوقع الولايات المتحدة معاهدتها مع ليبيا، إلا بعد توقيع المعاهدة البريطانية، وذلك بحجة أن الولايات المتحدة ستتولى الشؤون الجوية الهامة بليبيا، وبريطانيا الشؤون البرية، ولذلك فالمعاهدتان مكملتان لبعض.

 

ثانياً - ألا تظهر الولايات المتحدة استعدادها لرفع قيمة إيجار ما تحتله من مناطق إستراتيجية، وذلك خوفاً من توازن الميزانية الليبية، مما قد يجعل ليبيا غير مضطرة لتوقيع أية اتفاقية مع بريطانيا.

 

ثالثا - أن تسحب الولايات المتحدة قواتها الجوية من ولاية برقة - مهد المعارضة للمعاهدة البريطانية - بعد أن كانت القوات الأمريكية قد احتلت مطار " فارينوس "، القريب من بنغازي. وبالفعل تم سحب هذه القوات بعد أن احتلته خمسة أشهر، وكان ذلك خير دليل لليبيين عامة، والبرقاويين خاصة، على أن الولايات المتحدة لن تساعدهم كثيراً، ولن تؤيدهم سياسياً ([32]).

 

من الجدير بالذكر، أن مصر عرضت سد العجز في الميزانية الليبية، بلا قيد أو شرط، إلا عدم إمضاء أية معاهدة مع بريطانيا، وإخراج الموظفين الانجليز من الحكومة الليبية، ولكن المنتصر رفض هذا العرض، وعندما تبين للملك مدى خضوع رئيس وزرائه للبريطانيين، قرر أن يضعه تحت المراقبة، وقرر أيضاً أن يكون مقر الحكومة الاتحادية الدائم في ولاية برقة لمدة 18 شهر، تبدأ من شهر يوليو، وذلك ليبعد المنتصر عن طرابلس، التي يقع دائماً فيها تحت ضغط البريطانيين، وليكون الملك هو المحرك الحقيقي للسياسة الليبية، ويحاول إبعاد شبح المعاهدة البريطانية، لأطول مدة ممكنة، فقد وجد نفسه في موقف يعرضه للانتقاد من الجميع، وهو يعلم مدى المعارضة الداخلية والخارجية من قبل الدول العربية لهذه المعاهدة، كما أنه كان يدرك جيداً مدى تغلغل النفوذ البريطاني في ليبيا، ومقدرة بريطانيا على خلق المتاعب له وللبلاد، ولذلك فإنه خرج من هذا المأزق بعدم إبداء موافقته أو رفضه ([33]).

 

أراد الملك أن يضع المسئولية كاملة على عاتق رئيس الوزراء، ولكن المنتصر طلب وهو في لندن، في أول يوليو 1953، أن تعرض على الملك آخر مرحلة بلغتها المباحثات، فاجتمع مجلس الوزراء بمدينة البيضاء، في 2 يوليو، وأيضاً لم يصرح الملك بموافقته من عدمها. ويبدو أنه كان مازال لديه الأمل في التعاون الأمريكي، ففي نفس اليوم حضر وزير الولايات المتحدة المفوض إلى البيضاء، وبرفقته جون بروث المسئول عن الشؤون الليبية في وزارة الخارجية الأمريكية، وقابلا الملك. ورغم أن بريطانيا حذرت ليبيا والولايات المتحدة من الوقوف في طريق المعاهدة، فإنها كانت من أهم الموضوعات التي طُرحت على مائدة الحوار في هذا اللقاء، وقد عرض الوزير الأمريكي على الملك، استعداد الولايات المتحدة، في حالة عقد معاهدة معها، أن تزيد المعونة التي تنوي دفعها لليبيا إلى25، 2 مليون دولاراً سنوياً، كما أن الملك حرص على أن يبين للوزير الأمريكي ثقته بالولايات المتحدة، وشكره لها على المعونة التي تمد بها ليبيا ([34]).

 

في النهاية، نجحت بريطانيا في توقيع المعاهدة مع ليبيا، في 29 يوليو 1953، ودخلت مرحلة التنفيذ من قبل أن يوافق عليها مجلس الأمة، ولم تفلح المعارضة من أي جانب، وألقى الملك التبعة على رئيس وزرائه، وأعلنت الولايات المتحدة تأييدها للمعاهدة بعد توقيعها، وصدق عليها البرلمان، على الرغم من كل عيوبها، وتعرضها لاستقلال ليبيا. وهى تتكون من سبع مواد واتفاقية عسكرية مؤلفة من 35 مادة وثلاثة ملاحق، واتفاقية مالية مكونة من خمس مواد، ومدتها عشرون عاماً. وكانت كل بنودها تضع ليبيا داخل دائرة النفوذ البريطاني بشكل سافر([35]).

 

على الصعيد العملي، قامت بريطانيا بعدة ترتيبات قبل توقيع المعاهدة، تعزز وجودها العسكري في ليبيا، تيقناً منها بأن إبرام المعاهدة أمراً ليس محل شك، فقام الجيش البريطاني بإقامة العديد من المنشآت والمعسكرات، جنوب غرب مدينة البيضاء، الواقعة بين درنة وبنغازي، وتقدر هذه المنشآت بحوالي مليون جنيه، وهى عبارة عن مشاريع مياه، وبناء منازل ومعسكرات لإيواء القوات البريطانية مستقبلاً، وذلك لارتفاع هذه المنطقة عن سطح البحر، وقربها من الساحل، واعتدال مناخها، وكذلك لوفرة المياه الجوفية والعينية فيها. هذا فضلاً عن وجود قوات جوية بريطانية بمطار العدم، الذي يعتبر القاعدة الجوية الأساسية للإنجليز في برقة ([36]).

 

ب - النفوذ البريطاني وأثره على توقيع الاتفاقية الليبية - الأمريكية :

بعد استقرار الأمر لبريطانيا، وتوقيع المعاهدة مع ليبيا، لم يعد منطق التعامل البريطاني مع النفوذ الأمريكي في ليبيا هو منطق الخوف من التأثير على الليبيين، وإخفاق توقيع المعاهدة، فقد نال البريطانيون ما أرادوا، وقامت بريطانيا بسد العجز في الميزانية التي تأخر اعتمادها من البرلمان حتى آخر يوليو 1953، لاستخدام بريطانيا لها كورقة ضغط أثناء المفاوضات ([37]). وبالتالي فإن المحادثات السرية التي كانت تعقد بين الجانبين الليبي والأمريكي، لزيادة المساعدات الأمريكية واستغلالها ضد بريطانيا، لم يعد تأثيرها بنفس الحجم قبل إمضاء المعاهدة، وعلى العكس، بدأت بريطانيا تلعب نفس الدور الذى لعبته الولايات المتحدة معها أثناء التفاوض لعقد الاتفاقية الليبية الأمريكية، وقامت بذلك من خلال رجلها وصنيعتها، محمود المنتصر، رئيس الوزراء الليبي، الذي بدأ التفاوض مع الأمريكيين بطلب زيادة القواعد الأمريكية بليبيا، حتى أنه بالغ في قيمة هذه الأجور، ولكن الحكومة الأمريكية التي عرضت زيادة حجم المساعدة أثناء مفاوضات المعاهدة مع بريطانيا، تعنتت بعد ذلك ([38])، خاصة أن الأمريكيين أدركوا أن المنتصر مدفوع من بريطانيا، وأن أي زيادة في غير مصلحتهم في ذلك الوقت، كما أن الامتيازات التي حصلت عليها بريطانيا، والتي أعطت مساحة أكبر للنفوذ البريطاني داخل ليبيا، أثرت في زيادة تمسك الولايات المتحدة بعدم زيادة المساعدات أو أجر القاعدة، وأيضاً تطلعهم إلى الحصول على امتيازات مماثلة للامتيازات البريطانية. وقد أدرك المنتصر تماماً أن ذلك هو سبب فشله في الوصول إلى نتيجة إيجابية أثناء مدة تفاوضه مع الأمريكيين ([39]).

 

أما الملك فكان مدركاً أن الموقف الأمريكي قد تغير، وخشي تأثير ذلك على حجم ما تستطيع ليبيا أن تأخذه من الولايات المتحدة، ولذلك حرص على الاستمرار في أن يبين للأمريكيين إخلاصه، وأنهم لابد أن يوفوا بوعدهم بزيادة المعونة، ورفع إيجار القاعدة، فليبيا بالنسبة لهم على درجة كبيرة من الأهمية حتى لو شاركتهم فيها بريطانيا. وهو ما أكده لنيكسون نائب الرئيس الأمريكي، أثناء زيارته لليبيا في ديسمبر 1953، فقد ذكر الملك له إن ليبيا مخلصة في تعهداتها، وأن مركزها الإستراتيجي له أهمية كبيرة، ولذلك فلا يجب أن تعامل معاملة أقل من الدول التي تساعدها الولايات المتحدة، نظير حصولها على قواعد فيها، قد تكون أقل أهمية من قواعدها في ليبيا ([40]).

 

هذا، وقد برز تأثير النفوذ البريطاني في المباحثات الليبية - الأمريكية بعد ذلك بشكل غير مباشر، خاصة وأن من تفاوض مع الأمريكيين هو مصطفي بن حليم، الذي تولى رئاسة الحكومة في إبريل 1954 ([41])، ومعروف بميوله الأمريكية، وإن لم يظهر ذلك في بداية توليه الوزارة، فعند بدء المباحثات استمر على سياسة التشدد في المطالب الليبية التي اتبعها المنتصر، وطالب بقيمة إيجارية للقواعد الأمريكية قدرها عشرة ملايين دولاراً سنوياً، وبعض الامتيازات الاقتصادية، ولذلك تعثرت المفاوضات، ومرت بفترة عصيبة. ولسنا بصدد ما دفع مصطفي بن حليم إلى تبني هذه المطالب، في حين أنه وبعد ذلك بفترة قصيرة، وإلى أن خرج من الوزارة في عام 1957، كان اليد الأمريكية المحركة للسياسة الليبية، فالأهم هو النتيجة التي وصلت إليها المباحثات، فالولايات المتحدة لم تكن على استعداد لتقبل وقوف أي شيء أمام حصولها على أفضل النتائج من هذه المباحثات، فقامت في سبيل ذلك باتباع عدة أساليب أهمها : دفعت تركيا إلى التوسط بينها وبين ليبيا ([42])، ومنحت ليبيا منحة قدرها مليون دولاراً، لتفريج الأزمة الناتجة عن الجفاف في ذلك الوقت، كما منحتها كميات كبيرة من القمح لنفس السبب، أما فيما يختص بمصطفي بن حليم، فقد دعته إلى زيارة الولايات المتحدة، للتباحث في أمر الاتفاقية، لعل الاتصال الشخصي بينه وبين المسئولين الأمريكيين يُذلل الكثير من العقبات، وبالفعل أتت هذه الزيارة ثمارها بالاتفاق بين الجانبين على كافة بنود الاتفاقية ([43]).

 

أما بالنسبة للدور البريطاني المؤثر في المباحثات بين الأمريكيين ومصطفي بن حليم، فمن المؤكد أن بريطانيا لم تتدخل بشكل رسمي أو مباشر في سير هذه المباحثات، ولكن النفوذ البريطاني، واحتمال تزايده في ليبيا بعد توقيع المعاهدة الليبية البريطانية، كان أهم المؤثرات في عملية المباحثات، وأوضح دلالة على ذلك، رفض الولايات المتحدة لزيادة حجم المعونة المقدمة لليبيا، ففي حديث للوزير الأمريكي المفوض بليبيا مع مصطفي بن حليم، قال له إن المبالغ التي تنفقها الولايات المتحدة في ليبيا، وهى مليون وسبعمائة ألف دولاراً، كهبة للحكومة سنوياً، و12 مليون دولاراً مرتبات مباشرة لأعضاء المفوضية الأمريكية بليبيا، وللعمال الليبيين بالقواعد الأمريكية، تذهب جميعها إلى انجلترا، باعتبار أن ليبيا عضو في كتلة الاسترلينى، والسياسة البريطانية في ليبيا كانت تسعى إلى حد الاستيلاء على كل هذا المبلغ من الدولارات، وعلى عدم منح أي إذن لاستيراد بضائع من الولايات المتحدة. وقد أكد الوزير الأمريكي أنه في خلال الخمس سنوات الأخيرة، استولت انجلترا على 60 مليون دولاراً من ليبيا، في مقابل إعطاء رخص استيراد لبضائع أمريكية قيمتها 50 ألف دولاراً فقط، أي أن ليبيا استوردت من الولايات المتحدة بضائع بما يعادل عشرة آلاف دولاراً سنوياً، في حين أن الاتفاقية التي دخلت ليبيا بمقتضاها في الكتلة الإسترلينية، تبيح لها أن تستورد من الولايات المتحدة بما يعادل المبلغ الذي تدفعه، أي في حدود 12 مليون دولاراً سنوياً. وقد كانت هذه المسألة مثار احتجاجات أمريكية كثيرة، مما أثر على نتيجة المفاوضات، وحاول الجانب الليبي تسويتها مع الجانب الأمريكي، فاتفق الطرفان كما جاء في مضمون الاتفاقية المالية، على دفع الولايات المتحدة 40 مليون دولاراً كمقابل لإيجار القواعد، مقسمة على عشرين سنة، على أن يكون لليبيا الحق في أن تسحب نصف هذا المبلغ في السنة الأولى. وجاء ذلك كنتيجة للاحتجاج الأمريكي على استيلاء انجلترا على الدولارات الأمريكية، وتنفيذ سياسة انجليزية في ليبيا تسعى للسيطرة وتقوية النفوذ. وكان الاتفاق على سحب ليبيا 20 مليون دولاراً في السنة الأولى، لتستعملها في إنشاء بنك مركزي خاص بها تمهيداً للانفصال عن الكتلة الإسترلينية، ولتكون حرة بعد ذلك في أن تفتح أسواقها للبضائع الأمريكية، وخاصة البضائع غير الكمالية كالآلات والملابس، وتترك المنافسة التجارية حرة في الأشياء الكمالية، ليختار الشعب ما يريد. وبهذا يتضح أن النفوذ البريطاني كان شديد التأثير في الوصول بالاتفاقية الأمريكية الليبية، في النهاية، إلى تمسك الولايات المتحدة بتقليص حجم الدولارات التي تدفعها سنوياً لليبيا، نتيجة خوفها من دفع أي مبلغ نقدي إلى ليبيا ([44]).

 

تم إبرام الاتفاقية، ولم تحصل ليبيا إلا على 4 مليون دولاراً سنوياً، كقيمة إيجارية للقاعدة العسكرية في الملاحة، وذلك لمدة 6 سنوات من 1955 - 1960، ثم مليون دولاراً سنوياً بعد ذلك، حتى عام 1971، مع منح ليبيا مساعدات إضافية سنوية في شكل مشروعات تشرف على إعدادها لجنة ليبية أمريكية ([45]).

 

هذا، وقد بذل مصطفي حليم قصارى جهده، لإقناع أعضاء مجلس الأمة بقبول هذه الاتفاقية، وسافر إلى طرابلس للترويج لها، وتهيئة الرأي العام، وتفنيد أراء المعارضين الطرابلسيين، متبعاً في ذلك وسائل الترغيب، بسرد الفوائد التي تعود على ليبيا من هذه الاتفاقية سياسياً واقتصادياً، وبالتهديد المستتر بالتلميح بحل مجلس الأمة. وساعده على ذلك

 

المفوضية الأمريكية، فقامت بدورها بالاتصال بالنواب والشيوخ، ووجهت اهتماماً بالمعارضين منهم ([46]). كما أن رئيس الوزراء استدعى الصديق المنتصر، والى طرابلس، من أجازته التي كان يقضيها بإيطاليا، وحضر فعلاً إلى بنغازي، وكلفه بمهمة إقناع الأعضاء الطرابلسيين بقبول الاتفاقية والموافقة عليها ([47]).

 

أقر مجلس النواب الاتفاقية الأمريكية، في جلسته التي عقدت في 14 أكتوبر 1954، رغم ما جاء في قرار لجنة الشئون الخارجية بإعادة الاتفاقية إلى الحكومة، لإعادة النظر فيها مع الجانب الأمريكي، كما وافق عليها في جلسته السرية المنعقدة بتاريخ 17 أكتوبر 1954 ([48]). وبذلك تكون أهم نتائج الصراع بين بريطانيا والولايات المتحدة، هي حصولهما على الكثير من الامتيازات التي تبرر التدخل والسيطرة على الأراضي والشؤون الليبية، كما أن هذا الصراع جاء في غير مصلحة الليبيين، الذين لم يستفيدوا حتى من هذا الاحتلال المقنع لأراضيهم، ولو بحسابات المصالح والأموال، فإن ما حصلت عليه ليبيا نتيجة هذا الصراع لا يضاهي، بأية حال، استغلالها عسكرياً واقتصادياً، من قبل هاتين الدولتين المتفقتان ظاهرياً واستعمارياً، ومتصارعتان من أجل النفوذ على أرض قُدر لها أن تكون ميداناً لهذا الصراع.

 

رابعاً - الدور الأمريكي في مفاوضات تعديل المعاهدة الليبية البريطانية :

مع بداية عام 1956، بدا واضحاً أن العلاقات البريطانية الليبية تسير في طريق مسدود، وذلك نظراً لأن الحكومة الليبية لم تكن في ذلك الوقت سوى يدا أمريكية تسعى لتحجيم الدور البريطاني في ليبيا، وقد شهد هذا العام أهم الأحداث التي أثرت في الوجود البريطاني في منطقة الشرق الأوسط كلها، وليس ليبيا فقط، وهو الاعتداء على مصر، الأمر الذي أفاد كثيراً المتربصين للنفوذ البريطاني في المنطقة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وقد انعكس ذلك على ليبيا انعكاساً شديداً، اتضح في ظهور فكرة تعديل المعاهدة الليبية - البريطانية على الساحة الليبية، والتي رسمت الإطار الذي وضعت فيه العلاقات الليبية - البريطانية في الفترة اللاحقة، كما شكلت أهم ملامح الصراع الأنجلو - أمريكي على ليبيا في تلك الفترة.

 

كانت أولى مراحل المباحثات مع الحكومة البريطانية لتعديل المعاهدة، عندما حضر سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا إلى طرابلس، في مايو 1956، ولم يطلب رئيس الوزراء الليبي وقتها سوى أن تزيد المعونة نصف مليون جنيهاً فقط ([49]). وكانت فكرة تعديل المعاهدة قد اكتملت عند رئيس الوزراء والتي كان الدافع الأول لها، بدء تفعيل الإستراتيجية الأمريكية التي تولى رئيس الوزراء تنفيذها، وتقضى بإحلال النفوذ الأمريكي محل النفوذ الانجليزي في ليبيا على كل المستويات ([50]).

 

سافر مصطفي بن حليم للندن، في 18 يونيو 1956، للتباحث مع الحكومة البريطانية، وأسفرت المباحثات، كما أعلن بعد عودته، عن زيادة في المعونة المالية والعسكرية، دون أن يترتب على ذلك أي التزام جديد من جانب ليبيا، ووافقت بريطانيا على تزويده بالأسلحة اللازمة، لتكوين نواة لسلاح طيران ليبي وبحرية ليبية، وذلك طبقاً لتقديرات لجنة مشتركة من الليبيين والانجليز ([51]).

 

كانت المعونة المالية التي اتفق عليها مصطفي بن حليم في لندن، مقدارها مليون ونصف جنيه للعامين 1956 و 1957، وقد أوهمته بريطانيا أنها ستعطيه أسلحة تقدر قيمتها بالإضافة إلى المعونة ب- 6 مليون جنيهاً ([52]). فتم الاتفاق على أن تقوم بريطانيا بمد الجيش الليبي بعدد من الطائرات والسفن، وتسليح عشرة آلاف جندياً، وذلك في مقابل أن يوكل أمر تدريب الجيش الليبي إليها عن طريق إيفاد البعثات العسكرية، وإنشاء كلية عسكرية يشرف عليها الانجليز. ولكن انجلترا لم تبد أية نية لتنفيذ هذا الاتفاق، وتعمدت إحراج الحكومة الليبية، خاصة بعد الدعاية التي قام بها رئيس الوزراء حول انتصاره في الاتفاق على انشاء جيش ليبي مسلح بسلاح بحري وجوي، وحصوله على معونة مالية كبيرة. وبدأ يتضح أن هذا الاتفاق كان على سبيل التلاعب بهذه الحكومة المنفذة للسياسة الأمريكية في ليبيا، وإظهارها في موقف سيء أمام الشعب، خاصة وأن انجلترا كانت تمر بأزمة اقتصادية، ولم يكن لديها استعداد لتقديم أية معونة مالية جديدة. هذا بالإضافة إلى حشد القوات البريطانية بليبيا، الأمر الذي أدى إلى تذمر الشعب الليبي، وقلقه من استخدام هذه القوات ضد مصر. ولذلك فإن رئيس الوزراء قام بهجوم عنيف على بريطانيا من خلال صحيفة الرائد ([53])، وهدد بالبحث عن السلاح من أي مصدر آخر ([54]).

 

استطاع مصطفي بن حليم أن يستخدم هجوم انجلترا على مصر ضدها بنجاح، فأعلن في مجلس الأمة الليبي، في 16 نوفمبر، سعي الحكومة لإجراء مفاوضات عاجلة، لإعادة النظر في المعاهدة الليبية البريطانية، على ضوء التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط. وكان هدف بن حليم الحقيقي هو زيادة المعونة، ولجأ إلى التهديد كوسيلة للضغط على بريطانيا مستغلاً فقدانها لسمعتها بعد العدوان على مصر ([55]). وبالرغم من وقوع مصطفي بن حليم بين المصلحة القومية العربية، الممثلة في ضرورة الوقوف بجانب دولة شقيقة تشترك حدودها مع ليبيا، وبين ضغط بريطانيا من جهة أخرى ضد وجوده على رأس الوزارة، كان بن حليم يجاهر بأن سياسته سياسة أمريكية محضة، وأن الولايات المتحدة هي الصديق الأوفى، على الرغم من أن ذلك كان واضحاً، ولم يكن في حاجة للاعتراف به في أحاديثه الخاصة ([56]).

 

في حديث لوزير الخارجية الليبية للسفير المصري بليبيا، ذكر إنه تم تشكيل لجنة انتهت من وضع الأسس التي سيتبعها الجانب الليبي في المفاوضات، وأنهم سوف يبذلون أقصى جهودهم لإنقاص عدد القوات البريطانية، كما ذكر رئيس الوزراء للسفير المصري إنه تحدث مع وزير الحربية البريطاني جون هيد، عندما كان في ليبيا، 13 يناير 1957، في شأن إنقاص الحد الأقصى لعدد القوات البريطانية بليبيا، من عشرين ألف إلى عشرة آلاف فقط. وأضاف أنه يتمنى أن يحل الأمريكيون محل الانجليز. هذا بالإضافة إلى أنه كان يُجري اتصالات مستمرة مع سفير الولايات المتحدة بليبيا في هذا الشأن ([57]).

 

مع بداية عام 1957، تجددت مسألة المفاوضات، لكنها لم تأخذ شكلاً رسمياً بين الجانبين، فكانت مباحثات مبدئية واتصالات تمهيدية، وبدا واضحاً هدف مصطفي بن حليم من هذه المباحثات، وهو التخلص من النفوذ البريطاني، وإحلال القوات الأمريكية محل القوات البريطانية، وفي سبيل ذلك عمد إلى الغلو في طلباته، فطالب بفرض رقابة ليبية على تحركات الجيش البريطاني، ورفع المعونة المالية إلى 17 مليون جنيهاً، وذلك لكى ترفض بريطانيا رفع المعونة، فيطالبها بإخراج قواتها من ليبيا، وتحل محلها الولايات المتحدة في مقابل رفع المعونة الأمريكية إلى المبلغ الذى يعوض المعونة البريطانية ([58]).

 

تم تفعيل هذه السياسة، التي تبناها رئيس الوزراء، بقبوله مشروع أيزنهاور في مارس 1957، وأعلن أن ذلك سيمد المفاوض الليبي بقوة تمكنه من مقابلة المفاوض البريطاني عند تعديل المعاهدة وهو في مركز الند، وأرسل إلى الرئيس أيزنهاور يطلب منه أن تقدم الولايات المتحدة المعونة بدلاً من بريطانيا، وبمجرد إرسال طلبه أبلغه السفير الأمريكي موافقة الولايات المتحدة على المبدأ. وذكر رئيس الوزراء للسفير المصري بليبيا، إنه تأكد من إخلاص الولايات المتحدة، وصدق نواياها، وأنها أبلغته أن انجلترا أصبح موقفها ضعيفاً، ولذلك ستقوم الولايات المتحدة بمساعدة ليبيا وتحل محلها. واعتبرت موافقة الحكومة الليبية على قبول مشروع أيزنهاور، أهم ما قدمه رئيس الوزراء من دلائل على دخوله بليبيا في الطوق الأمريكي، وسعيه للتخلص من بريطانيا، كما أنه اعتقد أن ذلك يحقق له الحصول على المعونة الاقتصادية التي طالب بها، ويساعده على بلوغ هدفه المتوافق مع الأهداف الأمريكية ([59]).

 

عندما تردد أن بريطانيا قررت تخفيض المعونة كنتيجة لتخفيض القوات، أبلغ رئيس الوزراء سفير ليبيا في لندن أن يخطر وزير الخارجية البريطاني، بأن الحكومة الليبية ترغب في التفاوض لرفع المعونة إلى 15 مليون جنيهاً، لأن تخفيض عدد القوات البريطانية لا يمكن أن يكون سبباً لتخفيض المعونة، لأنه سيتبعه الاستغناء عن عدد كبير من العمال الليبيين، ومن المنطقي رفع المعونة لمواجهة ذلك. كما طلب أيضاً تعديل الإجراءات القضائية الخاصة بمحاكمة القوات البريطانية، ومعاملاتها القانونية، وتعيين مراقبين من الجيش الليبي في القواعد البريطانية، ودفع الرسوم الجمركية على البضائع التي ترد للجيش البريطانى. ويبدو أن هذه الطلبات، الليبية في ظاهرها، الأمريكية في جوهرها، لم تعجب الملك إدريس، الذي كان يود إبقاء المعاهدة والتزاماتها على ماهي عليه، ولكن رئيس الوزراء لجأ إلى مهاجمة البريطانيين من خلال صحيفة الرائد - كعادته - في مقال كتبه بنفسه، تحت نفس الاسم المستعار، ولم يعبأ بآراء الملك ومن حوله. واتضح أنه دخل في صراعه مع النفوذ البريطاني في طريق مسدود، فقد تعمد البريطانيون عدم الاستجابة لأي مطلب للحكومة، استمراراً في العمل على إحراج مركزها، فقد أخذت هذه الحكومة على عاتقها الدخول في حلبة الصراع مع بريطانيا، كنائب مؤقت عن الولايات المتحدة المنافس الأساسي في هذا الصراع ([60]).

 

تفاقمت الأزمة يوماً بعد الآخر، وبدا واضحاً أن هناك عداء نشب بين الملك، ومعه البوصيري الشلحي رئيس ديوانه، اللذان يؤيدان إبقاء المعاهدة البريطانية الليبية دون تعديل، وبين رئيس الوزراء الذي يريد إضعاف النفوذ البريطاني، وإحلال النفوذ الأمريكي محله، وكان هذا العداء من أبرز أشكال الصراع الأنجلو - أمريكي على النفوذ في ليبيا ([61])، ومحاولة كل منهما استخدام أنصاره لكسب هذا الصراع، وفي هذه الجولة تغلب النفوذ البريطاني والجانب المؤيد له، واستقالت وزارة مصطفي بن حليم في 24 مايو 1957 ([62]).

 

كان ذلك بمثابة ضربة بريطانية للنفوذ الأمريكي في ليبيا، ورسالة لأنصاره بأن بريطانيا مازالت موجودة، وما زالت تتمتع بشيء من النفوذ، ولها الكثير من الأنصار. ومما ساعدها على ذلك، تخاذل الولايات المتحدة عن مساعدة مصطفي بن حليم، حتى تظهر بأنها بعيدة عن التدخل السافر في شؤون ليبيا الداخلية ([63]).

 

خلف مصطفي بن حليم في رئاسة الوزارة، عبد المجيد كعبار، الذي كان نائباً له، وعلى الرغم من أن كعبار أعلن أن سياسته هي سياسة سلفه، فإن ذلك لم يتحقق ظاهرياً،

 

إذ صرفت الوزارة الجديدة النظر عن تعديل المعاهدة الليبية البريطانية، بالطريقة التي أرادتها وزارة حليم، كما أن تحمسها للأمريكيين كان فاتراً، وظهر ذلك من تركها الحرية للصحف الليبية - وهى ذات صبغة حكومية - لمهاجمة السياسة الأمريكية ([64]).

 

بدأت مرحلة جديدة من المفاوضات مع البريطانيين، دخلها كعبار غير ممثلاً للولايات المتحدة ونفوذها في ليبيا مثل سلفه، وهو ما اتضح من خلال خط سير المباحثات. وعلى ذلك فإن الولايات المتحدة بدأت اللعب مع بريطانيا بشكل مباشر وليس عن طريق وسيط، وأخذت تفعل عملية الإحلال مكان بريطانيا، بعد أن أدخلت الأخيرة خطة تخفيض قواتها في ليبيا مرحلة التنفيذ، وقامت بسحب جزء كبير من هذه القوات، وحلت القيادة العامة البريطانية فيها، وقللت من قوة المخازن والورش، وشحنت 12 دبابة " سنتوريون " من الفيلق المدرع العاشر إلى قبرص، وأعلنت عن توالى دفعات الشحن بعد ذلك ([65]). أبلغ البريطانيون رئيس الوزراء أنهم ينوون ترك عبء الدفاع عن الشرق الأوسط للولايات المتحدة. لكن الحكومة الليبية اعتبرت هذا الانسحاب مساومة من البريطانيين لتخفيض المعونة، وسعى كعبار إلى الحيلولة دون ذلك، لأنه رأى تردي الحالة الاقتصادية في البلاد، خاصة برقة، التي تعطل فيها عدد كبير من العمال الليبيين، الذين كانوا يعملون في المعسكرات البريطانية نتيجة تخفيض القوات ([66]).

 

لم يكن كعبار يضع في حساباته البديل الأمريكي، لأنه كان رافضاً لذلك، سواء من حيث القوات أو المعونة، فحاول الوقوف أمام سداد الولايات المتحدة لأى نقص في المعونة البريطانية، ودخل المفاوضات لتعديل المعاهدة مع بريطانيا وهو متمسك بهذا. وبالفعل عرضت بريطانيا على ليبيا أن تدفع الولايات المتحدة العجز الناتج في الميزانية الليبية عن تخفيض المعونة البريطانية، إلا أن الجانب الليبي في المحادثات ذكر لنظيره الانجليزي إن هذا المبدأ لا يمكن قبوله، فبين ليبيا والولايات المتحدة اتفاقية خاصة لا دخل لبريطانيا بها، وبريطانيا ملزمة بموجب المعاهدة الليبية البريطانية بدفع مبلغ 75،3 مليون جنيهاً إسترلينياً سنوياً. وقد أوضح وزير الخارجية الليبي وجهة نظر حكومته، في حديث له مع السفير المصري، فقال إن بريطانيا لا تتدخل في طريقة صرف ما تعطيه من أموال، وليبيا لا تريد أن تحيلها بريطانيا للولايات المتحدة، التي من سياستها أن تمنح المساعدات سنة بعد سنة، الأمر الذي يحتمل معه أن توقف معونتها في أي عام، كما أنها تتولى هي صرف هذه الأموال ([67]).

 

ويبدو أن بريطانيا كانت تضع أمامها استراتيجية محددة، وهى خفض المعونة إلى أقصى درجة ممكنة وإحالتها إلى الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت تخفض عدد القوات، ولكن ليس بالقدر الذى يلغى وجودها وامتيازاتها في ليبيا، التي لابد أن تظل منطقة نفوذ، وتبقى قاعدة للقوات البريطانية، وهذا ما أوضحته صحيفة الصنداى جبلى (الناطقة بلسان السفارة البريطانية في ليبيا) والتي تصدر بالإنجليزية، فقد علقت على الانسحاب البريطاني بقولها أنه لن يكون بصفة كاملة، حيث أعلن ذلك رسمياً في لندن، فبراير 1958، عند مناقشة مخصصات الجيش البريطاني أمام مجلس العموم ([68]).

 

ولم يأت عرض بريطانيا على ليبيا بقيام الولايات المتحدة بسد العجز الناتج عن تخفيض المعونة البريطانية، إلا بعد الاتفاق مع الأمريكيين ([69])، الذين أدركوا جيدا أن المفاوضات تعتريها بعض الصعوبات، وأن بريطانيا لجأت إليهم لتقسيم المسئولية التي لم تعد تستطيع تحملها، وأنه إذا لم يتم التدخل الأمريكي فإن المفاوضات مهددة بالفشل ([70]). ولم يكن هدف الأمريكيين هو نجاح المفوضات البريطانية الليبية من عدمه، ولكن الهدف كان استغلال هذه المفاوضات لفرض تواجدهم بقوة، فهم يدركون المأزق البريطاني في مواجهة التعنت الليبي بزيادة المعونة، وما يتعلق بالأمور العسكرية، واضطرارها إلى اللجوء للتنسيق مع الولايات المتحدة نظراً لظروفها الاقتصادية. وفي نفس الوقت ضعف الحكومة الليبية، واحتياجها الشديد الذي لن يسفر في النهاية إلا عن التسليم بالنتيجة التي ستخرج بها المفاوضات، والتي خططت الولايات المتحدة لتكون في صالحها هي أولا. وعلى ذلك، فإن دالاس وزير الخارجية الأمريكي بعث لسلوين لويد نظيره البريطاني، في 20 إبريل 1958، يخبره بأن الوقت قد حان لكي تأخذ الولايات المتحدة مكانها في هذه المفاوضات، وتجلس مع الليبيين لتفهمهم أن لديها الكثير الذي تستطيع أن تقدمه لمساعدتهم في مشاكلهم المالية والعسكرية ([71]). واتفق الأمريكيون في اجتماع سرى لهيئة الأركان المشتركة في البنتاجون، على أن بريطانيا يجب أن تسلم مسؤوليات تدريب الجيش للولايات المتحدة، وأن مسألة تقسيم المسئولية غير مرضية بالنسبة لهم، فبريطانيا انتهى وقتها في ليبيا، ومن الأفضل أن تركز على البلدان التي تستطيع أن تقوم فيها بمهمتها كاملة، وتترك النفوذ والوجود في البلدان التي لا تستطيع القيام فيها بمسئولياتها كاملة، للولايات المتحدة ([72]).

 

تعمدت بريطانيا إطالة أمد المفاوضات مع الليبيين، مما أدى إلى سحب الميزانية من البرلمان، وكان المفروض أن تقدم له في مارس 1958 ليناقشها. وحتى ذلك الوقت لم تتوصل المفاوضات إلى شيء، حتى بعد تنازل الحكومة الليبية عن سيادتها، وعرض الميزانية على الجانب البريطاني. ويبدو أن بريطانيا كعادتها أرادت إحراج مركز الحكومة، ولكن هذه المرة ليس لأنها موالية للولايات المتحدة، ولكن لأن بريطانيا تعلم حاجة ليبيا الشديدة للمعونة، وتريد إظهار أن ليبيا لا يمكنها الاستغناء عن بريطانيا، وأن إسقاطها من حساب السياسة الليبية أمر لا يجب التفكير فيه ([73]).

 

تم الاتفاق بين ليبيا وبريطانيا على أن تكون المعونة البريطانية لليبيا 25،3 مليون جنيهاً، وأن تدفع الولايات المتحدة حصة بريطانيا في هيئة التنمية والاستقرار- اتفق سلوين لويد مع دالاس على ذلك، عندما كانا في كوبنهاجن لحضور الاجتماع الوزاري لمجلس شمال الأطلنطي، وتزويد الجيش الليبي بالأسلحة والمعدات الخفيفة. ولم يرض هذا الاتفاق الملك وأنصار النفوذ البريطاني، لأنهم رأوا فيه تمكين لنفوذ الأمريكيين، ولكن بريطانيا رأت أنها من الممكن استخدامه في صالحها، فعلى المستوى الدعائي، تستطيع الإفادة من عرض إمداد الجيش بالسلاح، وعمل أسطول، لاكتساب المؤيدين في مواجهة أنصار النفوذ الأمريكي. ولو نفذت ذلك فعلاً، فستكون فرصة للتخلص من بعض الأسلحة القديمة لديها، التي أصبحت غير ذات فائدة بالنسبة لها ([74]).

 

خلاصة القول، أن بريطانيا حتى ذلك الوقت كانت ما تزال في حاجة لليبيا، ولم تشأ أن تخلي الميدان للولايات المتحدة مرة واحدة، ولكن نفوذها كان قد تضاءل بالفعل في نهاية عام 1958، بالمقارنة بالنفوذ الأمريكي الذي استطاع أن يكسب معظم الجولات التي دخلها مع النفوذ البريطاني في ليبيا، وأخذ يتصاعد يوماً بعد الآخر منذ عام 1952، إلى أن وصل إلى الحد الأقصى من الهيمنة، وضمان المصالح الأمريكية، وذلك باتباعها كل الوسائل التي برعت الولايات المتحدة في استخدامها في ذلك الوقت، وهى نفسها الأدوات الاستعمارية التي مكنتها من التواجد في العالم كقوة عظمى وحيدة بعد ذلك.

 

خامساً - تصاعد النفوذ الأمريكي وتداعي النفوذ البريطاني في ليبيا:

شكلت الولايات المتحدة القوة الرئيسية للاستعمار الجديد في القارة الإفريقية، والسند الاقتصادي والعسكري والأيديولوجي الأساسي للنظام الرأسمالي العالمي. ولقد اشتد توسع الإمبريالية الأمريكية في أفريقيا إلى حد كبير بعد تصفية الأنظمة الاستعمارية في القارة، ورأت واشنطن في ذلك فرصة مناسبة لاحتلال مكان الاستعماريين القدامى، واعتمدت على أن رأس المال الأمريكي يخلق رأس جسر اقتصادي، لزيادة النشاط السياسي للولايات المتحدة الرامي إلى تقوية تبعية البلدان التي للولايات المتحدة مصالح خاصة فيها ([75]).

 

طبقت الولايات المتحدة هذه السياسة في ليبيا بإستراتيجية محكمة، مكنتها من الإحلال الفعلي مكان بريطانيا الحليفة، وصاحبة النفوذ والسيطرة على ليبيا، من قبل أن تمتد إليها الأيادي الأمريكية. واتخذ ذلك شكلاً تدريجياً خلال الفترة التاريخية التي نحن بصددها. فقد بدأت الولايات المتحدة رحلة العمل لتدعيم النفوذ في ليبيا عن طريق الأداة الفاعلة في السياسة الخارجية الأمريكية، وهى المعونة والمساعدات الاقتصادية التي كانت الأساس لضمان سلامة قاعدتها الجوية، وضمان وجودها في بلاد حليفة. وساعد الولايات المتحدة على ذلك حاجة الحكومة الليبية الملحة إلى المساعدات، وفقرها الشديد. وسبق الإشارة إلى دخول ليبيا في اتفاقية النقطة الرابعة، واستمرت الولايات المتحدة في تقييد ليبيا بسلسلة من الاتفاقيات، كان أهمها اتفاقية التعاون الفني بين البلدين، التي وقعت في يوليو 1955، وحلت هذه الاتفاقية محل اتفاقية المساعدة الفنية للنقطة الرابعة، بعد أن أصبحت مشاريع النقطة الرابعة محل نقد شديد من الليبيين، إلا أن اتفاقية التعاون لم تكن أقل خطراً على ليبيا من سابقتها، فبنودها أعطت الأمريكيين فرصة أكبر للتوغل في كافة المرافق الليبية، وفرضت على ليبيا الأموال والمشاريع والخبراء، حيث أن التعاون في حقيقة أمره صعب التحقيق بين دولتين غير متكافئتين ([76]).

 

كان أهم دلالات نجاح هذه الاتفاقية في النفاذ الأمريكي داخل الاقتصاد الليبي، هو هيئة الإنشاء الليبية الأمريكية، التي حلت محل هيئات المساعدة الأمريكية السابقة، وكانت مهمتها بحث وإعداد وتمويل مشروعات التعمير والتنمية الاقتصادية بليبيا، وكان يعبر عنها باسم "لارك "، وتكونت عضويتها من ثلاثة ليبيين وعضوين أمريكيين، وعلى الرغم من ذلك، كان النفوذ الأول فيها للولايات المتحدة للأسباب الآتية : أولاً - عملياً تقدم الولايات المتحدة كل الأموال اللازمة لمشروعات الهيئة. ثانيا - المستوى العلمي للأعضاء الليبيين كان ضعيف جداً، ولا يتناسب مع مستوى العضوين الأمريكيين. ثالثاً - أن الهيئة التنفيذية لمشروعات اللجنة تكونت في أغلبها من خبراء أمريكيين، وهؤلاء كان في استطاعتهم عرقلة أي مشروع لا يتفق مع رغباتهم. رابعاً - أن الهدف الرئيسي لقيام هذه الهيئة هو رغبة الولايات المتحدة في أن تنفذ إلى السيطرة على المشروعات الداخلية في ليبيا ([77]).

 

بلغت المشروعات التي قامت الهيئة ببحثها حتى عام 1957، 25 مشروعاً، ولم تقم بتنفيذ أي مشروع منها، بل قدمت أموالاً لمشروعات قائمة، أو لمعاونة بعض المشروعات التي يمكن قيامها، كتقديمها أموالاً للبنك الوطني الليبي، والبنك الزراعي، وبعض المبالغ لوزارة المعارف، والمال اللازم لتنفيذ مشروع محطة كهرباء طرابلس. ويتضح من ذلك أن حرص هذه الهيئة لم يكن على القيام بتنفيذ المشروعات، ولكن على الإشراف والتوجيه، بما يكفل للولايات المتحدة استمرار نفوذها، وعدم ضياع معونتها من الدولارات، باعتبار أن ليبيا عضو في الكتلة الاسترلينية، ولذلك فهي تتعاقد مع المصانع الأمريكية على كل ما يلزم توريده لتنفيذ مشروعاتها ([78]).

 

على الصعيد السياسي، كان أهم مظاهر تمكن النفوذ الأمريكي بليبيا، هو قبول مشروع أيزنهاور، في مارس 1957، وذلك في عهد حكومة مصطفي بن حليم، كما سبق إيضاحه. وكان هذا المشروع من أهم الضربات التي تلقاها النفوذ البريطاني وأنصاره في ليبيا، الذين لم يستطيعوا بأي شكل إعاقة ذلك، وعلى رأسهم الملك الذي أذعن لرئيس وزرائه، ووافق على المشروع، على الرغم من انحيازه في تلك الوقت للبريطانيين، حتى أنه لم يشأ أن يلتقي بنيكسون عند زيارته لليبيا، في 14 مارس 1957؛ وذلك لكي لا يُنسب إليه الموافقة على المشروع، فتخفي وراء رئيس وزرائه ([79]).

 

عندما أصاب النفوذ الأمريكي بعض الوهن، إثر استقالة وزارة مصطفي بن حليم، وتولى عبد المجيد كعبار، كان السبب الأساسي في ذلك هو الاختناق العام من عدم جدوى المساعدات الأمريكية، والضوء الأخضر الذي أعطى للصحافة للتعبير عن هذا الاختناق، وكان ذلك بواسطة بريطانيا ورجالها من الملك وحاشيته ([80])، الناقمين على النفوذ الأمريكي، خاصة وأن هجوم الصحافة الليبية على السياسة والمعونة الأمريكية، أمراً لم تألفه الصحف من قبل بهذا الشكل، ولذلك فمن غير المعقول إرجاع هذا الهجوم كلية إلى رئيس الحكومة فقط، ولكن الأمر كان يقع في إطار الصراع الأنجلو- أمريكي. ومع ذلك استمر النفوذ الأمريكي متغلغلاً، وفي طور التصاعد. وتلافياً لحدوث أي صدع في جدار هذا النفوذ، تحركت الولايات المتحدة لإرسال بعض مسئوليها للتحقيق في صحة عدم جدوى المساعدات الأمريكية. فقام ادوار شيفمان - رئيس قسم شؤون ليبيا بإدارة العمليات العسكرية بواشنطن - بزيارة لليبيا في أكتوبر 1957، للتعرف على رغبات ليبيا في تصريف شؤون المساعدة الأمريكية، وتفقد المشاريع التي أقيمت، والتحقيق في مدى جدية هذه المشاريع ([81]).وقامت أيضاً بولتن عضو الكونجرس الأمريكي بزيارة ليبيا لنفس السبب ([82]).

 

ومما أكد استمرار قوة النفوذ الأمريكي، تأثير السفير الأمريكي على الحكومة الليبية، فتدخلت لإيقاف الحملة التي شنتها الصحف الحكومية ضد الولايات المتحدة، مثل صحيفة طرابلس الغرب، كما عمدت إلى سحب مجلة الضياء، نتيجة ما نشرته في مهاجمة المشروعات الأمريكية. وتم الإيعاز إلى الصحف لتحسين موقفها من الولايات المتحدة، وانتهزت في ذلك فرصة ذكرى العدوان على مصر، فنشرت صحيفة طرابلس الغرب، في 8 نوفمبر 1957، مقالاً أشادت فيه بموقف الولايات المتحدة من العدوان ([83]).

 

وفي الوقت الذي كانت تسحب فيه بريطانيا قواتها من ليبيا، وتتفاوض لتعديل المعاهدة الليبية، كانت الولايات المتحدة تزيد من قوة قاعدتها الجوية (هويلس)، وازداد عدد الأمريكيين بالبلاد فوصل إلى ما يقرب من 12000 أمريكياً ([84]). كما وقعت الولايات المتحدة اتفاقية عسكرية مع ليبيا، في يونيو 1957، لتزويد ألف جندياً ليبياً بالأسلحة، وإرسال بعثة عسكرية أمريكية لتدريب الجيش الليبي، وقد عينت الكولونيل إدوارد ساش رئيساً للبعثة، وهو من ضباط الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ([85]). وكانت مهمة البعثة تقديم المشورة والمساعدة الفنية والمعاونة في التدريب والإدارة لكل أسلحة الجيش الليبي وفروعه. وبما أن هذه الاتفاقية تتيح للولايات المتحدة التدخل في كل شؤون الجيش وأسلحته، وتبين حرص الولايات المتحدة على تدعيم نفوذها في ليبيا، فإن الاتفاقية لم تُنشر نصوصها على الرأي العام، وحرصت السلطات على إخفائها، حتى لا تزيد من شدة الغضب على التدخل الأمريكي في الشؤون الليبية ([86]).

 

وتنفيذاً لهذه الاتفاقية، وصلت طرابلس في يونيو 1958، بعثة عسكرية مكونة من 14 شخصاً، للمساهمة في الإشراف على تدريب وتسليح الجيش الليبي، كما وصلت في نفس الوقت لطرابلس بطريق البحر، بعض كميات من الأسلحة الأمريكية، عبارة عن سيارات نقل الجنود، وأسلحة خفيفة بعضها قديم. وقد أحيطت تحركات هذه البعثة بالتكتم، فلم تشر الصحافة إلى أي أنباء حول ذلك، كما أن الشعب الليبي لم يعلم عنها شيئا ([87]).

 

وكما نفذ التدخل الأمريكي في الجيش، نفذ أيضاً في البوليس الليبي، فقد أرسلت بعثة فنية للحكومة لاستكمال ما ينقصها من أجهزة حديثة وضرورية للبوليس، وتلقت إدارة البوليس الاتحادي، وإدارات الأمن والشرطة في الولايات الثلاث، رسالة من الحكومة الاتحادية تطلب فيها تقديم كافة التسهيلات لأعضاء البعثة الفنية الأمريكية. وقد جرت السفارة الأمريكية بليبيا منذ افتتاحها على أن يكون بها موظف تحت ستار دبلوماسي، ولكنه في واقع الأمر من البوليس السياسي الاتحادي الأمريكي، واختصاصه هو مراقبة الحركات الشيوعية، ومعاونة سلطات البوليس بليبيا، وهو على اتصال وثيق برجال البوليس الليبي، وكان يقوم بهذا العمل في 1957، جلين هول. كما أن الولايات المتحدة كنت تهتم برجال البوليس، ولديها كل المعلومات الدقيقة عن أجهزة البوليس، وسعت إلى تقويتها والارتقاء بها، إلى حد جعلها أداة فعالة في قمع الاضطرابات، التي قد تنشأ في بلد بها قاعدة أمريكية. واتخذت منه وسيلة أيضا لمراقبة السفارات الأجنبية، كما أن الروح الأمريكية كانت ظاهرة في تنظيم قوات البوليس بولاية طرابلس، وذلك في طريقة تحركاتهم وألوان سياراتهم. وفي إطار اختراقها للنفوذ البريطاني في برقة أرسلت عشرة من رجال البوليس الأمريكي لتنظيم بوليس برقة، مع أن هذا البوليس كان واقعاً تحت تأثير النفوذ البريطاني بشكل كبير([88]). هذا مع ملاحظة أن مدير البوليس الليبي بطرابلس في 1956 وهو اللواء " جايلز " كان انجليزياً يتمتع بسلطات واسعة ونفوذ كبير، وكان يدير قسم البوليس السياسي وينفذ رغبات الإنجليز ويتجسس لحسابهم، ولكن السيطرة البريطانية على البوليس الليبي انحدرت إلى حد كبير بعد عام 1956، مع الانحدار العام للنفوذ البريطاني بليبيا ([89]).

 

امتد النفوذ الأمريكي إلى التعليم في ليبيا، لاعتباره وسيلة فعالة للسيطرة الفكرية على عقول جيل كامل من الليبيين، ففي 4 مايو 1957، تم الاتفاق مع الحكومة الليبية على أن تتخذ الحكومة الأمريكية الاجراءات الضرورية، والخطوات القانونية للبدء في بعض المشروعات، ومنها المساعدة في التعليم، بما في ذلك المنح الدراسية ومواد التدريس. ولكن التدخل كان قد سبق هذا الاتفاق، فحاولت الولايات المتحدة إنشاء جامعة ليبية على غرار جامعة نيفادا بالولايات المتحدة، واعتمد مبلغ كبير لتنفيذ هذا المشروع، ولكنه لم يتم. وتجدر الإشارة هنا إلى تقرير أساتذة جامعة نيفادا الذين حضروا إلى ليبيا، في عام 1955، لوضع مشروع الجامعة الليبية، فقد اقترحوا تحويل التعليم إلى تعليم مهني لمدة بسيطة بعد الحصول على شهادة الدراسة الثانوية، ووضع المشروع على أساس أن يستكمل الطلبة تعليمهم بالولايات المتحدة ([90]). وكان الهدف من هذا الاتجاه، هو إبعاد الطلبة عن التعليم النظري، وعلى الأخص الدراسة القانونية، لأن هذا النوع من التعليم يقوي الروح الوطنية، ويخلق جيلاً مطالباً بحقوقه.

 

هذا بالإضافة إلى تقديم المساعدات الأمريكية للجامعة الليبية، فقد تمت الموافقة، في 29 مايو 1958، على إعطائها 160 ألف جنيهاً، للإنفاق على ما تحتاجه الجامعة من معامل، وتدعيم المكتبة، وتعهدت الولايات المتحدة بإصلاح مباني الجامعة الجديدة، وهي المباني التي كانت مملوكة للجيش البريطاني، وأخذتها الجامعة، وفي مقابل ذلك دعم كليات التجارة والآداب بأساتذة أمريكيين([91]).

 

أما بالنسبة لبريطانيا فإن نفوذها في ليبيا على المستوى الثقافي كان موجوداً منذ أيام الإدارة، ولكنه ضعف بعد ذلك أمام محاولات نشر الثقافة الأمريكية، والسيطرة على العملية التعليمية من قبل الولايات المتحدة. وقد حاول البريطانيون استغلال فرصة المحادثات مع الليبيين لتعديل المعاهدة، للحصول على اتفاق مع رئيس الوزراء، في عام 1956، أثناء وجوده في لندن، لإنشاء مدارس بريطانية ابتدائية وثانوية في ليبيا، وتزويدها بمدرسين إنجليز، وتسهيل إدخال الطلبة الليبيين في الجامعات والمعاهد البريطانية. وأيضاً إنشاء فصول لتعليم اللغة الإنجليزية لخريجي المدارس الثانوية، على أن تقدم الحكومة البريطانية مبناها، وتدفع المبالغ اللازمة لصيانتها، ومرتبات المدرسين وتقوم بالإشراف عليها ([92]). وقد وصل تمسك بريطانيا أثناء المباحثات بموافقة ليبيا على إنشاء معاهد ثقافية إنجليزية والاتفاق على انشاء هذه المدارس حد مساومة ليبيا على متطلباتها الأخرى التي أثيرت في المباحثات([93]).

 

على المستوى العملي، فإن المحاولات الأمريكية للسيطرة على مراكز النفوذ البريطاني في ليبيا، دخلت مرحلة التفعيل غير المعلن، خاصة مع تأزم المباحثات الليبية البريطانية لتعديل المعاهدة، وسحب القوات البريطانية من ليبيا، وقد تمثل التوجه الأمريكى لمناطق النفوذ البريطاني، في التخطيط لإنشاء قاعدة ثانية للولايات المتحدة في بنغازي، بجانب قاعدة الهويلس بطرابلس، أو على الأقل إقامة مطار على بعد 20 كيلو متر جنوب بنغازي، وممرات لنزول الطائرات، ومحطات إسعاف، وأدوات ضرورية.......إلخ، وقد شوهد عدد كبير من الطيارين الأمريكيين ببنغازي بملابسهم الرسمية، وهؤلاء كانوا خبراء من قاعدة الهويلس ذهبوا إلى هناك لمحاولة انتخاب مكان يصلح لتنفيذ مخططهم ([94]).

 

لم يكن التفكير في مد النفوذ الأمريكي إلى برقة بجديد، فهي عقر دار النفوذ البريطاني في ليبيا، وقواتهم مركزة هناك، وتأثيرهم واضح في تسيير سياسة الولاية. ومنذ أن وقعت الاتفاقية الأمريكية الليبية، وولاية برقة تحتج لإغفال إقامة منشآت عسكرية أمريكية بها مثل طرابلس، لأن معنى هذا ازدهار طرابلس دون برقة، وطالبت الولاية بتوزيع القوات الأمريكية بين الولايتين ([95]).

 

كانت المحاولات الأمريكية للنفاذ داخل برقة محدودة في البداية، إلا أنها كانت تفصح عن نياتهم، ولكن بعد قرار الحكومة البريطانية بسحب قواتها من ليبيا، وإبقاء قوات رمزية في طبرق، وجد الأمريكيون أن الفرصة سنحت أمامهم، وبدأوا يركزون اهتمامهم هناك، وساعدهم على ذلك ضعف الحكومة الاتحادية، وميولها الغربية الواضحة، وسوء الحالة الاقتصادية في البلاد. وتبدت مظاهر هذا النشاط في اتصال مدير المركز الثقافي الأمريكي بالناس، ودعوتهم إلى حفلات خاصة في منزله، وقيامه برحلات للدواخل، وزيارة القبائل الضاربة في بطن الصحراء. كما بدأت الولايات المتحدة في إرسال بعثات علمية لبعض الطلبة الليبيين، الذين لم ينهوا دراستهم الجامعية أو الثانوية، بحيث يتخيروا الشباب الصغير، ويكون قريباً لأحد كبار موظفي الولاية أو النظار، ممن لهم تأثير في المحيط الذى يعيشون فيه. وبات واضحاً أن الولايات المتحدة تعمل على ملأ الفراغ الذي تركته بريطانيا ([96]).

 

لا يمنع ذلك من القول، بأن البريطانيين كانت لهم مصالح عسكرية كبيرة في ليبيا، حاولوا هم أيضاً الحفاظ عليها، وقد رأوا أن يعاملوا الولايات المتحدة بنفس نهجها، فأخذوا يركزون اهتمامهم في ولاية طرابلس حتى لا تترك غنيمة للأمريكيين، خاصة بعد تداعي نفوذهم في ولاية برقة، واتجاه الولايات المتحدة إليها. كما رأى الإنجليز أن من مصلحتهم بقاء الوضع في ليبيا كما هو عليه، من ناحية نظام الحكم، ووجود أسرة حاكمة ملكية موالية لهم، مع الاستمرار بقدر الإمكان في مواجهة المد الأمريكي الخفي إلى مواضع نفوذهم في ليبيا ([97]).

 

هذا، مع ملاحظة أن الاهتمام الأمريكي بولاية طرابلس، مركز قاعدتهم الجوية، لم يفتر للحظة، فقد حاولوا توسيع مطار الهويلس الحربي، وتأجير الأراضي الزراعية المجاورة له لفترات كبيرة، بل حاولوا شراء أراضي تقع في بلدتي سوق الجمعة وتاجورا الملاصقتين للمطار، وحاولوا التأثير على ناظر الداخلية لإقناع الأهالي ببيع أراضيهم، وخصوصا أفراد قبيلة بن الأشهر، التي سبق ودفعت السلطات الأمريكية لبعض أفرادها مبلغ 800 جنيهاً، لتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بزراعتهم نتيجة سقوط طائرة أمريكية نفاثة في أراضيهم، وسحب حطامها بواسطة جرارات تخترق الأرض ([98]). كما اشترى الأمريكيون 52 نخلة، وأعطوا خشبها للأهالي، بسبب إعاقتها لهبوط الطائرات، وقاموا في 1958، بزيادة إيجار الأراضي الزراعية المجاورة للمطار بمقدار 25% عن الإيجار المتفق عليه في عام 1954([99]).

 

في يوليو 1958 أصيب الوجود البريطاني في الشرق الأوسط بضربة عنيفة، وذلك بقيام الثورة العراقية، واغتيال الملك فيصل الثاني، وتصفية الأسرة الملكية الموالية لبريطانيا منذ وجودها على عرش العراق. وشعرت بريطانيا بخطئها الفادح عندما سحبت قوتها من ليبيا، ورأت أنه لابد من إنزال قوات بريطانية جديدة في ليبيا، تحسباً لوقوع اضطرابات في الشرق الأوسط، كما أنها كانت تنشد توزيعاً استراتيجياً يتفق وما تبتغيه من ضغط على الدول العربية المتحررة، أو استعداداً لحرب قد تنشب، واستخدام الأراضي الليبية كقاعدة عمليات في المنطقة. وقد جاء ذلك متوافقا مع رغبة الملك والحكومة الليبية، حيث صور الغرب ما حدث في العراق، على أنه خطراً من الممكن أن يمتد لكل الملكيات في المنطقة، وبالتالي كان وجود قوات بريطانية ضروري لحماية النظام في ليبيا ([100]).

 

نزلت القوات البريطانية في مطار العدم، وأخذت الأساطيل والغواصات البريطانية تتمركز في الموانئ الليبية، وقامت هذه القوات بحركة تنقلات بوحدات صغيرة في جميع أنحاء برقة، للتدريب ولمعرفة طبيعة الأرض، ولزمت ثكناتها بطرابلس ([101]).

 

تحركت أيضا الولايات المتحدة وقواتها، وازداد النشاط في قاعدة الهويلس، واتصلت الحكومة الأمريكية بوزارة الدفاع الليبي، للسماح بإجراء تمرينات لمشاة الأسطول، برية وبحرية، بقوة تقدر ب- 1500 جندياً في منطقة زوارة ([102]).

 

توازى نشاط القوات الأجنبية بليبيا، وبروز أهميتها الاستراتيجية في ذلك الوقت، مع تأزم الظروف الاقتصادية، الأمر الذي أرغمها على الدخول في مباحثات جديدة مع الحكومة الأمريكية، لزيادة إيجار قاعدة الهويلس، فقد زاد العجز في ميزان المدفوعات، ومرت البلاد بأزمة، اضطرت معها إلى البحث عن مصادر مالية توفر لها الكثير من الاحتياجات، فحاولت الحكومة الليبية، في أواخر 1958، التباحث مع الخارجية الأمريكية عن طريق السفير الليبي، ثم زيارة وزير الخارجية لواشنطن، فقد أعرب الوزير الليبي عن قلق بلاده من خفض إيجار القاعدة إلى مليون دولاراً، بعد عام 1960، كما تنص اتفاقية عام 1954 بين البلدين، وطلب الوزير زيادة هذا الإيجار عن 4 مليون دولاراً، وهو قيمة ما تدفعه الولايات المتحدة حتى ذلك الوقت ([103]).

 

على الرغم من أن زيادة الأموال المرصودة لليبيا، كان يعد أمراً صعباً بالنسبة للأمريكيين حينذاك، فإن أي تأخير للمطلب الليبي، كان يمثل خطورة على وجودهم في القاعدة، والامتيازات التي يتمتعون بها، فكانوا يدركون جيداً أن المساعدات الاقتصادية والتقنية والعسكرية التي تقدم لليبيا، لا تغطي احتياجات الليبيين الذين فكروا جدياً في إعادة النظر في الاتفاقية الأمريكية، الأمر الذي أقلق الولايات المتحدة، وأرغمها على التفكير في ضرورة الاستجابة لمطالب الليبيين ([104]). خاصة مع زيادة شعورهم بالقلق تجاه وضع القاعدة بطرابلس، وإصرار ليبيا على زيادة الإيجار، فقد طالبت الحكومة الليبية بزيادة قدرها 45 مليون دولاراً ([105]). كما أن الأمريكيين وضعوا أمامهم الخطر المتمثل في إدراك الليبيين لأهمية النفط في بلادهم، ولذك كان من الضروري إجابة مطالبهم، للحصول منهم على التزام يعطى الولايات المتحدة حق الاستمرار في استخدام القاعدة، قبل أن يتدفق النفط، ولتبين حسن نواياها لليبيين، لأن إيجار القاعدة بعد ذلك لن يشكل أهمية لهم ([106]).

 

على هذا، فقد بلغ حجم الأموال التي أعطيت لليبيا من الولايات المتحدة، في عام 1960، 6،24 مليون دولاراً، منها 14 مليون دولاراً نقداً، لدعم الميزانية الليبية، وفي نظير التسهيلات العسكرية في القاعدة، وبذلك تفوقت المساعدة النقدية لليبيا عن نظيرتها البريطانية بشكل كبير، كما أن إيجار القاعدة زاد 9 ملايين دولاراً عن المبلغ المتفق عليه عام 1954([107]).

 

يتضح من ذلك، الدور الهام الذي لعبه النفط في توجيه السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، بالإضافة إلى الحفاظ على القاعدة الأمريكية هناك، وهو ما اضطر الولايات المتحدة لرفع قيمة ما تدفعه من أموال لليبيا، وكل ذلك يقع في إطار دعم النفوذ، ولكن ليس الدعم من أجل الصراع مع بريطانيا فقط، ولكن لاستمرار الوجود الأمريكي، الذي أصبح مهدداً في أرضِ اهتزت تحت أقدام الأمريكيين والبريطانيين، فأخرجت ذهباً أسوداً، ثبت أقدام أصحابها عليها.

 

سادساً - التنافس الدعائي بين الولايات المتحدة وبريطانيا في ليبيا :

تعتبر الدعاية أحد أشكال الصراع الدولي غير المباشر، وقد أصبحت ابتداء من الحرب العالمية الثانية، جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية، حيث ترصد الدول لهذا السلاح مئات الملايين من الدولارات، ويقوم على خدمة هذا السلاح عشرات الآلاف من الخبراء. وقد أصبحت الدعاية بجانب الدبلوماسية والتدابير الاقتصادية، أداة من أدوات الامبريالية المعاصرة، فالتقنيات الدعائية والنفسية الحديثة، جعلت في الإمكان السيطرة إلى حد بعيد على الآراء، والأفكار، والقيم، للجماعات التي تُوجه إليها الدعاية، وبالتالي إتاحة الفرصة أمام تغير السلوك الجماعي، وفقاً لما تريده أية دولة ترغب في النفاذ إلى داخلية دولة أخرى لها مصالح فيها ([108]).

 

وقد كانت الدعاية السياسية أهم آليات صراع النفوذ على ليبيا، خاصة من قبل الولايات المتحدة، التي سخرت شتى إمكانياتها الدعائية للحصول على أكبر قدر من التأييد لسياساتها في ليبيا، وبما أن بريطانيا شريكها الأكبر في قوة النفوذ، وتأثيره داخل ليبيا، فقد سعت هى الأخرى لمقاومة هذا الطوفان الدعائي الجارف، الذي حاولت الولايات المتحدة من خلاله نسف كل ما يشكل رمزاً للتواجد والنفوذ البريطاني أو غيره في ليبيا.

أ - الدعاية الأمريكية في ليبيا :

سعت الولايات المتحدة منذ بداية تواجدها في ليبيا إلى توثيق صلتها الأدبية والروحية مع الليبيين، رغبة في اجتذاب الشعب الليبي إليها. وفي البداية لم تكن صورة الولايات المتحدة في ذهن الليبيين قد تبدلت إلى صورة المستعمر الجديد، الذي قرر أن يحل محل الاستعمار القديم، ولكن بشكل مقنع، وتحت ستار المسؤولية الأمريكية المقدسة، لدعم الحرية والديمقراطية في العالم. فقد حرصت الولايات المتحدة على إخفاء وجهها الحقيقي من خلال دعايتها في ليبيا، ومن دلائل ذلك النشرات التي أصدرها المكتب الأمريكي للاستعلامات بطرابلس، فقد أصدر نشرة في إبريل 1951، باسم الولايات المتحدة والعالم الحر، أوضح فيها الهدايا الأمريكية لمصر والبلاد العربية، وعُرض الخبر بصورة مبالغ فيها، ونشره في طرابلس، جاء مستهدفاً التأثير في نفوس الليبيين ([109]).

 

مع ظهور الوجه القبيح للولايات المتحدة أمام الليبيين، أخذت الدعاية الأمريكية شكلاً أكثر فعالية، وكان المعهد الثقافي الأمريكي هو المركز الأساسي لنشر هذه الدعاية، وهو جزء من السفارة، ويتبع قسم المعلومات، وله فرعان، أحدهما في بنغازي، والآخر في طرابلس، وله في كلا البلدين مقراً متسعاً، وبه مكتبة عامة ليتردد عليها الجمهور، للاطلاع على المجلات والكتب واستعاراتها، ولسماع إذاعة صوت الولايات المتحدة، التي كانت تذاع باللغة العربية، وتوجه إلى الليبيين من القاعدة العسكرية بطرابلس. وكان المركز الأمريكي لديه سيارات مجهزة بآلات العرض، التي نفذت إلى دواخل الريف لعرض الأفلام السينمائية والثقافية والدعائية عن الولايات المتحدة، ونواحي نشاطها الدولي والسياسي والاجتماعي، وكبار زعمائها ورجالاتها. وكان لكل من الفرعين أربعة آلات سينمائية، ولكل فرع سيارة خاصة بالسينما تنقلها إلى أي مكان بالمدينة أو خارجها، كما أن المركز كان يعرض الأفلام بصفة دورية منتظمة في المدارس الليبية، وفي ثكنات الجيش الليبي في ضواحي المدينة، و المركز الخاص بطرابلس كان لديه أكثر من 1400 فيلماً قابلة للانتقال إلى أي بلد آخر ([110]).

 

كان المركز الثقافي الأمريكي في ليبيا يقوم بإصدار مجلة اسمها " المعرفة "، وهي أسبوعية، تصدر باللغة العربية، وتوزع مجاناً على الهيئات والأفراد في ليبيا، لتقوم بالدعاية الأمريكية لديهم، وتوطد الصلات بينهم وبين الولايات المتحدة، كما كان يصدر نشرة عربية يومية توزع على الصحف المحلية، وتحتوي على بعض الأخبار، التي ترد في الصحف الأمريكية، وكانت الولايات المتحدة تزود المركز بعدد من الموظفين والمترجمين، و يُشرف عليه موظف دبلوماسي بدرجة سكرتير أول ([111]). وقد استخدمت الولايات المتحدة المركز الثقافي كأداة فاعلة في جذب برقة للنفوذ الأمريكي، بعد تقلص النفوذ البريطاني بها، وذلك عن طريق عرض الأفلام والنشرات والصور الخاصة بالحوادث اليومية، وعن طريق مدير هذا المركز الذي قام بنشاط ملحوظ في هذا النطاق ([112]).

 

عندما تعرضت السياسة الأمريكية للهجمة الصحفية العنيفة، بعد استقالة وزارة بن حليم، وتولى عبد المجيد كعبار، حاولت الولايات المتحدة تحسين صورتها، حتى لا يتفاقم الشعور العدائي في البلاد نحوها، فجاءت زيارات المسؤولين الأمريكيين لليبيا في نطاق الدعاية، وكانت تصريحات بولتن - عضو الكونجرس الأمريكي - مثلاً توحي للرأي العام الليبي باهتمام الولايات المتحدة بشؤون ليبيا، ومدى تقديرها وتفهمها لقضايا العرب. وقد علقت بعض الصحف على هذه التصريحات بالثناء، وباركت موقف بولتن وآرائها المتفقة مع العرب ([113]).

 

كما أن هيئة الإنشاء الأمريكية حرصت بعد ذلك على الدعاية لمشروعاتها المختلفة في ليبيا، وعمل حفلات افتتاح لما تم من هذه المشروعات، محاولة بذلك إزالة اعتقاد الليبيين بأن المشروعات الأمريكية هي مشروعات دعائية، وأن ليبيا لا تستفيد منها ([114]).

 

لجأت الولايات المتحدة أيضاً إلى وسائل دعائية من نوع خاص، أوحت بأنها كانت تريد إقناع الرأي العام بأن العلاقة مع الولايات المتحدة يجب أن تقوم على الصداقة القوية، فأقامت في السابع والثامن من ديسمبر 1957، مهرجاناً للفروسية على طريقة تكساس، قام به بعض العسكريين الأمريكيين من القاعدة بطرابلس، بالاشتراك مع قوات البوليس الليبي، على أن تخصص أرباح هذا المهرجان للأعمال الخيرية بليبيا ([115]).

 

حضر هذا المهرجان، طاهر بكير، والى طرابلس، والجنرال ريتشارد أوكيف، قائد السلاح الجوي الأمريكي السابع عشر، والكولونيل جاك سوندرز، قائد قاعدة الهويلس الجوية، والسفير الأمريكي بليبيا، جون تابين، الذي كان يرتدي ملابس رعاة البقر. وعلى الرغم من أن هذا المهرجان كان يضم عدداً كبيراً من المتفرجين، فإن أكثرهم كانوا من رجال الحكومة والرسميين. وقد حرص الأمريكيون على التمهيد لهذا المهرجان قبل إقامته بأسابيع، ونشرت جميع الصحف مقالات عنه، كما قام السفير الأمريكي بدعوة 24 صحفياً أجنبياً، لحضور المهرجان، دون علم السلطات الليبية، حيث تم وصولهم عن طريق مطار الملاحة الحربى ([116]).

 

مع كل ذلك، فإن المهرجان فشل على المستوى الشعبي، لعدم مصداقية السياسة الأمريكية، التي كانت تتظاهر برغبتها في مساعدة الجمعيات الخيرية، بإقامة هذا المهرجان، الذي اعتبره الشعب الليبي نوعاً من أنواع الدعاية الرخيصة. وعلي الرغم من ذلك، فإن الجنرال أوكيف سلم والي طرابلس شيكاً بمبلغ 3600 جنيهاً، قيمة دخل المهرجان، وتعمداً، قام بأخذ صورة مع الوالي نشرت في الصحف الليبية في اليوم التالي، وألقى أوكيف كلمة ذكر فيها، إن تقديم هذا المبلغ للوالي يدل على مظاهر التعاون المثمر بين الولايات المتحدة وليبيا ([117]).

 

بما أن طرابلس هي أهم حقول النفوذ الأمريكي بليبيا، فقد كانت أيضاً حقلاً خصباً للدعاية الأمريكية، وقامت الولايات المتحدة بتكثيف الدعاية بها، بعد تعرض برامج المساعدة الأمريكية للهجوم، ففي افتتاح المجلس التشريعي لولاية طرابلس، في 6 مارس 1958، كانت الدعاية للولايات المتحدة ومساعداتها واضحة، من خلال خطبة حكومة الولاية التي ألقاها رئيس المجلس التنفيذي للولاية، نجم الدين فرحات، فقدم سرداً للأعمال التي قامت في الولاية عن طريق المساعدات الخارجية، وعلى رأسها الأمريكية. ومن المعروف أن أعمال الإصلاح التي نفذت بالفعل حتى ذلك الوقت، كانت بسيطة جدا، ومعظم المشروعات لم تدخل حيز التنفيذ ([118]).

 

كما قامت الولايات المتحدة بالدعاية لنفسه، عن طريق إشاعة أنباء تتعلق بتدريب الضباط الليبيين في الولايات المتحدة من خلال البعثات العسكرية، وزيارة المنشآت العسكرية الأمريكية، وقد حرصت الولايات المتحدة بواسطة نفوذها بليبيا، على نشر ذلك بصورة مكثفة في الصحف الليبية، وخاصة صحيفة طرابلس الغرب ([119]).

 

هذا بالإضافة إلى أن الكولونيل ساندس، قائد القاعدة الأمريكية بطرابلس، كان يدعو أعداداً كبيرة من مشايخ وأعيان وموظفي بلدتي سوق الجمعة وتاجورا، المجاورتين للمطار الحربي، لمشاهدة شتى أنحاء القاعدة، وكان يحاول مع ضباطه التقرب للأهالي الليبيين، وأعدوا لهم أتوبيسات لتنقلاتهم من سوق الجمعة وتاجورا إلى داخل القاعدة، وفي إحدى الزيارات، في إبريل 1958، عرض لهم فيلماً عن جامع واشنطن، وفيلماً عن مهرجان "الكاوبوى"، الذي سبق الإشارة إليه، كما ألقى ساندس كلمة ذكر فيها إنه سيبذل أقصى جهده، لجعل العلاقات الودية والصداقة المتبادلة بين أفراد القوات في المطار، وبين الأهالي المجاورين، على أحسن حال ([120]).

 

كان التأثير على الشعب الليبي من خلال الدعاية الأمريكية، مثار اهتمام وزارة الخارجية الأمريكية، وأولت وكالة الإعلام الأمريكية U S I A هذا الأمر الكثير من الرعاية، وكان تطوير خطة السياسة الدعائية مادة للمناقشة في مجلس الأمن القومي الأمريكي، خاصة بعد استياء الليبيين من الوجود الأمريكي في ليبيا، واتفق الأمريكيون على أنه من الضروري استخدام إذاعة صوت الولايات المتحدة، كوسيلة للتأثير على الليبيين، وجذبهم للولايات المتحدة، وذلك من خلال إعطائهم الحقائق والأنباء والمعلومات الفعالة، وليس برامج التسلية والبرامج الدعائية المفرغة من المضمون ([121]).

 

ب - الدعاية البريطانية في ليبيا :

لم تعترف بريطانيا مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بقيمة الدعاية الخارجية حتى نهاية الأربعينيات، وقد عبر بيفن وزير الخارجية البريطاني عن وجهة النظر هذه، في خطابه بمجلس العموم البريطاني، في أواخر عام 1945، قائلاً : " إن الطريق السوى لنشر الحقيقة، هو أن نعالجها لا أن نقوم بشن حرب أعصاب دعائية " ([122]).

 

لكن التوتر العالمي الذي نتج عن الحرب الباردة، وقوة تأثير الدعاية والدعاية المضادة، دفع بريطانيا إلى الاهتمام بسياستها الدعائية في الخارج، وتولت أمرها عدة وزارات، وبعض المصالح الحكومية والإدارات. وبالنسبة لليبيا فإن الوجود البريطاني فيها لم يستند بشكل كبير على الدعاية، فبريطانيا تواجدت هناك منذ الحرب، وتعاملت ليبيا معها في البداية كمنقذ من الاستعمار الإيطالي، وبعد ذلك جاءت فترة الإدارة البريطانية، التي تزايد فيها النفوذ البريطاني داخل ليبيا بشكل سافر وكاد يكون أحادي السيطرة، خاصة في برقة وطرابلس. أما مع المزاحمة الأمريكية لبريطانيا، فإن الأمر اختلف، وحاولت بريطانيا الأخذ بنفس سياسة حليفتها وندها في نفس الوقت، وإن كانت المحاولات البريطانية لم ترق إلى مستوى السياسة الدعائية الأمريكية في ليبيا، فجاءت في مستوى أقل، وكان أهم ما يمثلها، مراكز ثقافية تحت اسم " معهد المعلومات البريطاني "، وهذه المراكز كانت في طرابلس وبنغازي ودرنة، وتبع المعهد السفارة وقسم المعلومات، وتكون كل مركز من صالة إطلاع واسعة مفتوحة للجمهور، ليطلع فيها على الصحف والكتب ويستمع إلى إذاعات لندن العربية، كما أن هذه المراكز كان لديها سيارات مخصصة للأفلام، تطوف في داخل البلاد، مثل السيارات الأمريكية، وأيضاً كانت المكتبات الإنجليزية تسير على نفس نظام المكتبات الأمريكية، ولكن الاختلاف الوحيد بينهما، هو أنها لا تصدر مجلات أو نشرات. وعموماً فإن هذه المراكز، وإن كان نشاطها واسعاً، إلا أنه كان أقل من نشاط المراكز الأمريكية ([123]).

 

من الملاحظ، أنه بعد عام 1956، تزايد الاهتمام البريطاني بمسألة الدعاية، وذلك لتدهور سمعة بريطانيا وانحطاط شأنها في العالم العربي عامة، وفي ليبيا خاصة، بعد العدوان على مصر. فحاولت قدر استطاعتها رأب الصدع الذي أصاب جدار نفوذها في ليبيا، لدرجة أن التعاون الثقافي، وإنشاء معاهد ثقافية إنجليزية بليبيا، كان من أهم المسائل التي عرضت أثناء المباحثات الخاصة بتعديل المعاهدة الليبية البريطانية ([124]).

 

هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة حاولت استخدام انحدار مكانة بريطانيا في ليبيا، بعد عام 1956، على المستوى الدعائي، لكسب نقطة لصالحها في المنافسة القائمة بينهما على النفوذ، والتي بلغت حدتها في ذلك الوقت.

 

سابعاً - المنافسة الأنجلو - أمريكية لاستقطاب المسئولين الليبيين :

استطاعت بريطانيا خلال فترة الإدارة في ليبيا أن تصنع الكثير من الأصدقاء الليبيين الموالين لها ولسياستها في هذا البلد. وعندما انتهت فترة الإدارة، وحصلت ليبيا على استقلالها، فإن نصيب بريطانيا من الأنصار كان يفوق بكثير أية دولة أخرى، وخاصة الولايات المتحدة التي قامت بمحاولات جدية لاستقطاب المسؤولين الليبيين، واكتساب أكبر عدد من الأنصار والمؤيدين، وذلك لمساعدتها على النفاذ في اقتصاديات ليبيا، وجيشها، وشتى المرافق والمجالات الحيوية.

 

من أهم الشخصيات الليبية التي تواجدت على الساحة السياسية في بداية الخمسينيات، بشير السعداوي، زعيم المؤتمر الوطني الطرابلسي، الذي اتخذ الجانب الإنجليزي في البداية، خاصة فيما يتعلق بالدعوة لإقامة حكومة مستقلة في طرابلس، في عام 1950، إلا أنه بدل موقفه، وابتعد عن الإنجليز، وأدار وجهه للأمريكيين الذين حاولوا في ذلك الوقت عقد اتفاقات مع بعض قادة المعارضة، من خلال وعدهم بالمساعدة في انتزاع السلطة في البلاد، مقابل سعيهم كقادة أحزاب لإيقاف أية دعاية معادية للولايات المتحدة. وعلى هذا، وفي 17 مايو 1951، عقد أتفاق بين القنصل الأمريكي وبشير السعداوي، بصفته رئيس المؤتمر الوطني الطرابلسي الذي يتمتع بتأييد الأحزاب الأخرى المعارضة في طرابلس وبرقة. وكانت الولايات المتحدة تطمح أن تتوصل عن طريق نفوذ بشير السعداوي، إلى ضرب مواقع النفوذ البريطانية([125]). ولكن الاضطرابات التي عمت البلاد أثناء انتخابات 1952، والتي كان للمؤتمر الوطني ضلعاً كبيراً فيها، أسفرت عن نفي السعداوي إلى مصر.

 

كان الملك إدريس السنوسي، هو أهم الشخصيات الواقعة تحت تأثير النفوذ البريطاني؛ فهو صنيعة بريطانيا منذ البداية، وكانت الإدارة البريطانية في برقة تدعمه بشتى الطرق، ولكنه كان في بعض الأوقات يحاول الخلاص من التسلط البريطاني عليه، خاصة بعد دخول الولايات المتحدة في آليات لعبة السيطرة على ليبيا، إلا أنه كان سرعان ما يرجع إلى قواعده الثابتة في الدائرة البريطانية. ومن مظاهر فرض الإرادة البريطانية على الملك، خاصة فيما يتعلق برجالها وأصدقائها المخلصين من الليبيين، ما حدث عندما أراد الملك عزل الساقزلي، والي برقة عام 1952، فقد تدخل الوزير البريطاني المفوض، وأقنع الملك بتعيينه وزيراً للمعارف، ولو لمدة مؤقتة، ثم تعيينه وزيراً مفوضاً لليبيا، لدى إحدى الدول الأجنبية بعد مدة من الزمن. ولم يكن ذلك سوى حرصاً من بريطانيا على أحد رجالها، وبالفعل صدر مرسوم ملكي بإعفاء الساقزلي من ولاية برقة، وتعيينه وزيراً للمعارف، وصدر مرسوم آخر بتولية حسين مازق والياً على برقة، وهو لا يقل في تحمسه للبريطانيين عن سلفه ([126]).

 

كان معظم أفراد الأسرة السنوسية من أكثر المؤيدين للسياسة البريطانية في ليبيا، وكانوا أول من أيد المعاهدة الليبية البريطانية عند توقيعها، وعلى رأسهم : محى الدين أحمد الشريف، وأبو القاسم أحمد الشريف. ولكن العلاقات بين أولاد أحمد الشريف السنوسي وبريطانيا أصابها شرخاً كبيراً، إثر حادث مقتل إبراهيم الشلحي، ناظر الخاصة الملكية، وأقرب الأشخاص للملك إدريس، في أكتوبر 1954، فقد قتله محي الدين السنوسي ([127]). وأثار هذا الحادث حالة من التوتر العام، وحاول البريطانيون استغلال ذلك لصالحهم، فعرضوا استعدادهم لإرسال قوات بريطانية على حدود مصر، ورفض رئيس الوزراء، ونشرت صحيفة التايمز بتاريخ 21 أكتوبر 1954، مقالاً يحوي دفاعاً عن الملك والشلحى، وتشكيكاً في نفوذ أولاد أحمد الشريف السنوسي - رغم احتضان الإنجليز لهذا البيت، وميل معظم أفراده لهم - وتم ترجمة المقال بالسفارة البريطانية ببنغازي، وقام فلتشر، مدير الاستعلامات بها، بتوزيعه على الملك، ورئيس الحكومة، وإدارة المطبوعات بالحكومة الاتحادية، وذلك لدفع الملك كي يزيد من بطشه بأولاد أحمد الشريف، مما يؤدي إلى زيادة التوتر، ويمهد للإنجليز طريق التدخل تحت ستار حماية المصالح البريطانية في ليبيا. ولكن ما فعلوه استخدم ضدهم، فقامت الولايات المتحدة بمحاولة استقطاب الأسرة السنوسية، فاتصلت المفوضية الأمريكية بأولاد أحمد الشريف، وأعطتهم نسخة مترجمة من المقال كبرهان على غدر الإنجليز بهم، ومحاولة لجذبهم للصف الأمريكي بدلاً من البريطاني([128]).

 

جرت الحكومة البريطانية على دعوة بعثات دورية من المسؤولين الليبيين، لزيارة انجلترا على نفقتها، لاستمالة ذوى النفوذ، ومن أمثلة ذلك، البعثة التي سافرت لندن في أغسطس 1954، وكانت مكونة من أربعة أشخاص على قدر كبير من المسئولية في ليبيا وهم : الطيب الأشهب : مدير المطبوعات الاتحادية، محمد قديكي : عضو المجلس التشريعي البرقاوي، محمد بن زيتون : مدير مطبوعات ولاية طرابلس، والمسيطر على الصحافة بها، جمعة المزوغى : مساعد مدير بنظارة المالية بطرابلس. وقد سبقت هذه البعثة بعام بعثة أخرى كانت مكونة من : طاهر بكير : ناظر المالية، الكعباص السنوسي قطيوش : قائد الكتيبة الأولى للجيش الليبي، محمد المرابط وآخرين. وكانت هذه البعثات تقوم بزيارة الأماكن ذات الأهمية الخاصة في لندن، تحت رعاية وزارة الخارجية البريطانية، وبمرافقة أحد أعضاء السفارة البريطانية ([129]).

 

هذا بجانب حرص المسؤولين الإنجليز على زيارة ليبيا، والالتقاء بالمسئولين الليبيين الموالين لبريطانيا، فعندما قام وزير الحربية البريطاني بزيارة لليبيا، في مارس 1956، التقى بوالي برقة حسين مازق وأيضاً قومندان الجيش الليبي، كما زار اللواء محمود بوقوطين، قائد عام قوة دفاع برقة، وهؤلاء جميعاً معروفين بانحيازهم الشديد للسياسة البريطانية ([130]).

 

أما النشاط الأمريكي لجذب المسؤولين الليبيين فقد اتخذ عدة أشكال، وكان هناك الكثير من الليبيين المؤيدين للولايات المتحدة أيضاً، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، مصطفي بن حليم، المحرك الأساسي للسياسة الليبية لفترة من الزمن ليست بالقليلة، وقد سعى الأمريكيون أثناء وجوده بالحكم إلى التقرب من الملك، وجذبه إليهم مثل رئيس وزرائه، فقاموا في كل مناسبة بتقديم الهدايا للملك، وكان منها سيارة فاخرة ماركة "لنكولن "، أوصت عليها السفارة الأمريكية لتقديمها للملك، كما دعته مع رئيس الوزراء إلى القاعدة الأمريكية، وقد حضر الملك عرضاً للجيش الأمريكي بالقاعدة، كما حضر رئيس الوزراء حفلات افتتاح قسم التليفزيون، ذلك بالإضافة لوضع طائرة خاصة من طائرات القاعدة، تحت إمرة رئيس الوزراء، لتحمله في كافة تنقلاته سواء الخاص منها أو الرسمي، وأيضاً وضع هذه الطائرة تحت إمرة كبار المسؤولين من رجال الحكم في تنقلاتهم ([131]).

 

سبق إيضاح أسباب خروج بن حليم من الوزارة، الأمر الذى ترك مجالاً حيوياً لأنصار البريطانيين، كي ينشطوا في مواجهة النفوذ الأمريكي، أمثال محمد بن زيتون، مدير المطبوعات بولاية طرابلس، الذي وجه الصحافة في ذلك الوقت، للهجوم على السياسة الأمريكية بإيحاء من بريطانيا ([132]). كما نشطت أيضا حاشية الملك، وعلى رأسهم البوصيري الشلحى. هذا بالإضافة إلى أن عبد المجيد كعبار، رئيس الوزراء الذي خلف بن حليم، كان كارهاً للولايات المتحدة، وقد أكد ذلك في حديث له مع السفير المصري بليبيا، حيث هاجم السياسة الأمريكية، وتدخلها في الشؤون الليبية، وهاجم أيضا معظم رجال رئيس الوزراء السابق، المؤيدين للولايات المتحدة، مثل عبد الرازق شقلوف ([133])، وكيل وزارة المالية، وهو من أخلص أصدقاء بن حليم، وقد وضعه على رأس لجنة الإنشاء الليبية الأمريكية، وفي نفس الوقت رئيساً لهيئة التنمية والاستقرار الليبية، التي كانت تشرف على إنفاق المعونة البريطانية، وهو من السياسيين الذين استخدمتهم الولايات المتحدة كأداة طيعة، لتعطيل المشاريع، لكي تبقى في ميزانية المصالح المشتركة، مبالغ تخصم من السنة التي تليها ([134]).

 

لم يكن كعبار فقط هو الذى يصرح بكرهه للأمريكيين، فالملك إدريس أيضا كان دائم التعبير عن كرهه لهم في أحاديثه الخاصة، على الرغم من أن ذلك لم يكن موقفه حتى عام 1954، ولكن وجودهم في البلاد، وما ترتب عليه من مفاسد ومساوئ وحالة التذمر العام من الوجود الأمريكي في ليبيا، جعلته يشعر بالكراهية تجاههم، هذا بالإضافة إلى أنه لم يستطع الاستفادة منهم في مواجهة البريطانيين ([135]).

 

في إطار التفعيل الأمريكي لتوسيع دائرة النفوذ في ليبيا، حاول الأمريكيون استمالة بعض المسؤولين المعروفين بميولهم للإنجليز، فقاموا بدعوة والي برقة، لزيارة الولايات المتحدة لمدة شهر، في مايو 1958، كما وجهت الدعوة إلى عبد السلام البوصيري، رئيس الديوان الملكي ([136]).

 

وفي سبيل تقوية نفوذها داخل الجهاز الأمني الليبي، حاولت أيضاً استمالة قيادات البوليس، ومنهم سالم بن الأمين مدير بوليس طرابلس، الذي أوفد في بعثة إلى الولايات المتحدة، في عام 1956، وطاف بولاياتها المختلفة، وكان لهذه البعثة أثراً واضحاً على تحويل ميوله([137]). وفي عام 1958 حرصت الولايات المتحدة على دعوة بعض القيادات في البوليس على شكل بعثات إليها، وكان منهم بعثة تتكون من 4 أشخاص في مناصب هامة في البوليس الليبي وهم : العقيد على القروش : نائب مفوض بوليس طرابلس، العقيد عبد الرحمن بادى : مدير قوة بوليس فزان، العقيد على عقيل : مدير المرور بطرابلس، العقيد صادق الجيلاني : من قوة دفاع برقة ([138]).

 

ثامناً - موقف الشعب الليبي من الوجود الأنجلو - أمريكي في ليبيا :

استغل البريطانيون أثناء تواجدهم في ليبيا، بعد تخليصها من الاحتلال الإيطالي، خوف الليبيين من عودة النفوذ الإيطالي، كوسيلة للسيطرة عليهم، ولاستقرار الوجود البريطاني في ليبيا. وعندما خططت بريطانيا والولايات المتحدة لعقد اتفاقيات عسكرية، تؤمن وجودهما في ليبيا بعد إعلان الاستقلال، كانت نظرة الشعب الليبي، إلى حد ما، غير عدائية تجاه هذه الاتفاقيات، وذلك لأنهم رأوا في الولايات المتحدة دولة ليست استعمارية، بل اعتقدوا أنه بمجرد أن تستقر الأوضاع الدولية، سواء بالحرب أو بالسلم، فإن القوات الأمريكية سترحل عن أراضيهم، تاركة لهم مطاراتها بآلاتها وعددها. أما بالنسبة لبريطانيا فإن الليبيين كانوا دائما يقارنون بينها وبين إيطاليا، ويرون أن الإنجليز لا يهمهم إلا المسائل الحربية والاستراتيجية. هذا على الرغم من أن الواقع كان يؤكد حرص الإنجليز على التدخل في تعيين كل حاكم لينفذ السياسة البريطانية المرسومة ([139]). ولا ينفي هذا وجود فئات مستنيرة بين الشعب الليبي، أدركت نوايا الاستعمار وأساليبه، التي كان يتبعها بالفعل للسيطرة على البلاد([140]).

 

بدأ إدراك الشعب لحقيقة الأهداف الاستعمارية وراء الوجود الأنجلو - أمريكي في ليبيا، عندما طرحت مسألة التفاوض لعقد معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا، فقد أعلن الشعب الليبي غضبه، ورفضه لتكبيله بمثل هذه المعاهدات، وخاصة سكان برقة وطرابلس، وعبروا عن ذلك من خلال عدة مظاهرات أعلنوا فيها رفضهم لهذه المعاهدة ([141]).

 

رفض الليبيون أيضاً الاتفاقية الليبية الأمريكية، ورأوا فيها خطراً مباشراً على طرابلس، لأن بها مطار الملاحة، وهو أهم قاعدة جوية أمريكية بليبيا، ومزود بالمعدات الحربية الحديثة، وبه مخازن للقنبلة الذرية، مما يجعله هدفاً مهما للكتلة الشرقية في حالة وقوع حرب، ومعنى ذلك دمار طرابلس وتخريبها، وهذا لا يساوى القيمة الإيجارية التي نصت عليها الاتفاقية، كما أن أصوات المعارضة الليبية للاتفاقية كانت غير مقتنعة بالعذر المالي الذي ادعته الحكومة، وفقر البلاد وحاجاتها، وذلك لأن المعاهدة البريطانية الليبية كفلت العجز في الميزانية والمساعدة المادية للتنمية الاقتصادية([142]). ومع ذلك كان هناك اتجاه في الرأي العام الليبي ينظر بعين الارتياح إلى الاتفاقية مع الولايات المتحدة، على اعتبار أنها تمنع انفراد بريطانيا بليبيا، وتحد من نفوذها، كما رأى أصحاب هذا الاتجاه أن تنافسهما للتقرب إلى ليبيا بمد يد المساعدة والعون، في مصلحة ليبيا، لشدة حاجتها لهذه المساعدة في ذلك الوقت([143]).

 

أوضحت تطورات الأحداث للشعب الليبي أن ما علق عليه آمالاً كبيرة بالمساعدة والتنمية الاقتصادية كان سراباً، فبدت السياسة الاستعمارية في أجلى صورها، ولم تسفر المساعدات والمعونات عن أي تقدم اقتصادي ملموس، وخاصة المساعدات الأمريكية التي لم يرى منها الليبيون سوى الدعاية فقط. وفقد الشعب إيمانه بجدوى هذه المساعدات، فكان واضحاً أمامه أن معظم الاعتمادات تصرف على مرتبات ونفقات الخبراء الأمريكيين، ولم تستخدم في المشروعات التي رصدت لها في الأساس ([144]).

 

عبر الشعب عن غضبه بأشكال كثيرة، منها التظاهر لإعلان رفض الوجود الأجنبي في داخل البلاد، ومن ذلك المظاهرة التي قامت بطرابلس أثناء الاحتفالات بعيد استقلال ليبيا. بعد انتهاء العرض العسكري، وكانت مكونة من أعداد كبيرة هتفت بسقوط الولايات المتحدة والاستعمار، وطالبت بالاستقلال الحقيقي للبلاد ([145]). وقد عبر عن غضب الشعب أيضاً، نوابه في البرلمان، فهاجموا هيئة لارك الأمريكية، التي تماطل في تنفيذ المشروعات الهامة والحيوية، والأموال الأمريكية التي تصرف على الخبراء الأمريكيين كمرتبات وسيارات وغيره، وكانت المناقشات دائماً ما تأخذ شكلاً حاداً جداً، وكانت الحكومة تحاول دائما تهدئة الموقف وإنهاء هذه المناقشات، لأنه كان من المعروف أن الرأي العام الليبي حانق وناقم على التدخل الأجنبي في شؤونه، والتواجد في أرضه بحجة المساعدات التي لم يستفد منها شيء ([146]).

 

كانت القاعدة الأمريكية في طرابلس عاملاً قوياً في إثارة الشعب الليبي ضد السياسة الأمريكية، خاصة أن الطائرات كانت تقوم بدوريات فوق أراضي ليبيا محملة بالقنابل الذرية، وقد تكرر سقوط هذه الطائرات، مما نبه أذهان الليبيين نحو الخطر من جراء وجود هذه القاعدة ([147])، واشتد غضبهم ورفضهم لذلك، الأمر الذى كانت تدركه الخارجية الأمريكية جيداً، ولكنها لم تأخذ حياله أي موقف يرضي الليبيين، نظراً لأن مصالح الولايات المتحدة الأساسية في ليبيا تتعلق بوجود هذه القاعدة، وضرورة الحفاظ عليها ([148]).

 

كان هذا هو موقف الشعب الليبي أيضاً، تجاه القواعد البريطانية في ليبيا، خاصة عندما استخدمت هذه القواعد في ضرب مصر عام 1956، فقد شعر الليبيون بالمرارة لاستخدام أراضيهم ضد الجارة العربية الشقيقة، وقاموا بالمظاهرات والاحتجاجات على ذلك([149]). كما ثار الشعب الليبي على اتخاذ ليبيا كنقطة هجوم مباشر ضد أجزاء من الوطن العربي، بعد إنزال القوات البريطانية، وتمركزها في أنحاء البلاد، إثر توتر الأحداث في الشرق الأوسط، وقيام الثورة العراقية في يوليو 1958، واعتبر الليبيون أن التدابير العسكرية التي اتخذتها بريطانيا والولايات المتحدة في ذلك الوقت، تعتبر انتهاكاً لبنود المعاهدات والاتفاقيات الليبية الأنجلو - أمريكية، واعتبروا ذلك احتلالاً سافراً، ومؤامرة لجعل ليبيا منطقة نفوذ استراتيجية عسكرية. وقد قدم أحد أعضاء مجلس النواب الليبي مصطفي القنين مذكرة لرئيس مجلس الوزراء الليبي، طلب فيها بالنيابة عن الشعب اتخاذ التدابير العاجلة والكفيلة بعدم استعمال القواعد الأجنبية ضد أية دولة عربية، ومنع الطائرات الحربية من التحليق أو الانتقال عبر الفضاء الجوي الليبي، كما جاء في المذكرة ضرورة إقلاع الأساطيل البريطانية الموجودة في المياه الليبية، والتخلص بشكل جدي من تواجد القوات الأجنبية في البلاد، والذي يعده الشعب الليبي احتلالاً لأراضيه ([150]).

 

خلاصة القول، إن المحاولات البريطانية، وبشكل أكبر الأمريكية، للتأثير على الشعب الليبي، واكتساب صداقته، لم تفلح فيما هدفت إليه، وذلك لوعي هذا الشعب، وتأكده من عدم جدوى المعونات والمساعدات التي كانت تهدف للدعاية فقط، وإدراكه أن ليبيا مستهدفة للكثير من الأسباب التي تتعلق بأهميتها للدولتين، الأمريكية والبريطانية، ولذلك فقد جاهد كثيراً للوقوف أمام الأطماع الأنجلو - أمريكية، وعبر دائماً عن رفضه واحتجاجه على التلاعب به، واستغلال أراضيه.

 

تاسعاً - الخروج من دائرة الصراع الأنجلو - أمريكي :

أ - المقاومة الأنجلو أمريكية لتغلغل النفوذ المصري في ليبيا :

لم تنحصر السياسة الأنجلو- أمريكية في ليبيا في دائرة الصراع على النفوذ بين الدولتين، ولكن مصالح هاتين الدولتين تعرضت لنفوذ آخر، كان لابد من الاتفاق بينهما على مقاومته والحد منه، وهو النفوذ المصري، الذي ساعد على خلق نوعاً من الصراع، كانت بريطانيا والولايات المتحدة أحد طرفيه، في مواجهة الطرف المصري، وهو ما يوضح كيف كانت ليبيا مجالاً حيوياً للصراع على النفوذ بين عدة أطراف دولية، وكيف تبلورت فيها المصالح الامبريالية الأنجلو - أمريكية، التي اتفقت في إطار الأهداف الغربية الموحدة، واختلفت في إطار الصراع من أجل المصالح الذاتية المتناقضة.

 

حاولت بريطانيا جذب الولايات المتحدة إليها، لتتناسق سياستهما تجاه ليبيا في بداية الخمسينيات، وذلك بما أدخلته في روعها من أن الشيوعية قد بدأت تسري في ليبيا بتأثير بعض العناصر الشيوعية في الجامعة العربية، وهو ما كان من أهم أسباب انسياق الولايات المتحدة وراء بريطانيا، في بداية تواجدها في ليبيا، خاصة فيما يتعلق بالخوف من المحاولات المصرية للنفاذ إلى ليبيا، سواء بالتعاون مع روسيا، أو حتى مع إيطاليا، التي اعتقدت الولايات المتحدة في ذلك الوقت، أنها تسعى لإعادة نفوذها بمساعدة مصرية، وهو ما أكده تقرير السفير الأمريكي في مصر، إلى وزارة الخارجية الأمريكية، الذي ذكر فيه إن الحكومة المصرية تسعى بالاشتراك مع الحكومة الإيطالية، لفصل طرابلس عن برقة وفزان، لتكون بها جمهورية، ولتستغلها في مد النفوذ المصري في شمال إفريقيا. وقد اهتمت الخارجية الأمريكية بما جاء في هذا التقرير، وأرسلت إلى مندوبها في ليبيا، " كلارك "، تستوضحه حقيقة الأمر، واتصل كلارك بمندوب الحكومة الإيطالية في مجلس ليبيا، الذي أكد لكلارك أن هذا الأمر ليس له أساس من الصحة ([151]).

 

وقفت مصر حجر عثرة أمام مفاوضات المعاهدة الليبية البريطانية، وذلك عندما عرضت سد العجز في الميزانية الليبية بدون أي شروط، سوى عدم إمضاء أية معاهدة مع بريطانيا، وإخراج الموظفين الإنجليز من الحكومة الليبية، ولكن الإنجليز سعوا إلى إبعاد التأثير المصري على سير المفاوضات، وذلك عن طريق رئيس الوزراء، محمود المنتصر الذي حاول إقناع الملك بأن بريطانيا هي الضامنة رسمياً للنقد الليبي، وأن سداد مصر للعجز سيؤدي إلى مشاكل مع بريطانيا، ورفض أخذ أية معونة مالية من مصر ([152]). ولم يكن هذا هو موقف المنتصر وحده، بل الكثير من السياسيين في ليبيا، الذين رأوا أن مصلحة بلدهم في التظاهر للإنجليز في ذلك الوقت، على الرغم من أن الروابط التاريخية والطبيعية تحتم اتجاه ليبيا للاستعانة بمصر. وكانت رؤيتهم هذه تنبثق من أن الإنجليز لهم مركزهم في ليبيا، وفي استطاعتهم أن يعصفوا بمن لا يتبعهم ويساعدهم على تنفيذ خططهم الاستعمارية فيها ([153]).

 

وعندما قامت بريطانيا بعدوان 1956 على مصر، واستخدمت المطارات الليبية في شن الغارات الجوية على مصر، وسادت اضطرابات عنيفة في البلاد نتيجة لذلك، رأت بريطانيا أنه من الضروري، الضغط على الحكومة الليبية لإيقاف أي نشاط للسفارة المصرية في ليبيا، لاعتقادها أن الملحق العسكري المصري وراء كل الحوادث المعادية لبريطانيا داخل ليبيا في ذلك الوقت، فقد حدثت بعض الانفجارات بأنحاء طرابلس، أحدها في رصيف الزيت بميناء طرابلس، وآخر بأحد الجراجات المملوكة لشركة إنجليزية، وبدا واضحاً أن السفارة المصرية هي التي تنظم هذه العمليات، واحتجت السفارة البريطانية لدى الحكومة الليبية، واستدعى الملحق العسكري - القائمقام إسماعيل صادق - الذي نفي علاقته بهذه الحوادث، وأكد أن كل الأشخاص الذين توافدوا على السفارة كان بدافع حبهم لمصر، ولرغبتهم في التطوع ضد المعتدين عليها، وأنه لم يفعل أكثر من إفهامهم أن العدو الذي تحاربه مصر موجود في ليبيا، فإذا كانوا يريدوا الحرب فليحاربوه في بلدهم. وانتهى الموقف بإبعاد الملحق العسكري، وتوتر العلاقات بين الحكومة الليبية والمصرية([154]). كما أن البريطانيين أجبروا الحكومة الليبية على اتخاذ إجراءات بوليسية مشددة، لكبت الشعور الشعبي بحجة المحافظة على الأمن والنظام([155]).

 

أما الولايات المتحدة فكان خوفها الأكبر يتمثل في أنها كانت تعتبر مصر مركز الشيوعية في الشرق الأوسط، فحاولت استغلال سوء العلاقات بين مصر وليبيا، لتقنع الملك بأنه لابد من مقاومة النفوذ المصري في ليبيا، حتى لا تتسرب الشيوعية إليها، كما قام السفير الأمريكي بالتباحث مع رئيس الوزراء في أمر اتحاد دول شمال إفريقيا والولايات المتحدة، وانضمام ليبيا لهذا الاتحاد، وذلك في محاولة أمريكية لإبعادها عن مصر([156]).

 

وبما أن النفوذ المصري على المستوى الثقافي كان متغلغلاً في ليبيا، فإن الإنجليز والأمريكيين اتفقوا على بذل كافة الجهود للسيطرة على الثقافة الليبية، ومحاربة انتشار الثقافة المصرية بها، ونفاذ المصريين إلى شتى المجالات الثقافية ([157]). وبدا ذلك عندما أصرت بريطانيا في مفاوضات تعديل المعاهدة الليبية البريطانية، على إنشاء كلية على غرار كلية فيكتوريا بمصر، يتعاون في إنشائها الحكومة الليبية، والمجلس البريطاني، كما طلبت زيادة عدد المدرسين الإنجليز في المدارس الليبية، وذلك لأنه كان واضحاً أن التعليم هو المجال الأوسع للنفوذ المصري بليبيا([158]). كما أن نشاط المركز الثقافي المصري بليبيا كان مصدر خطر على النفوذ الأنجلو - أمريكي، وكانت النشرات التي يصدرها المركز تأخذ في بعض الأحيان شكلاً سياسياً، مما أثار احتجاج البريطانيين والأمريكيين معاً، فقد احتجت السفارة الأمريكية لدى الحكومة الليبية على نشرة المركز المصري التي هاجم فيها حلف بغداد، واعتبرت أن أي هجوم على دولة صديقة، هو هجوم عليها، وذكرت أن هذه النشرة ثقافية يجب ألا تخرج عن هذه الحدود. هذا على الرغم من أن المعاهد الثقافية الأمريكية بليبيا كانت تصدر نشرة يومية أكبر من النشرة المصرية من 6 صفحات، ولم تخلو من الدعاية لهذا الحلف والدعاية ضد الدول المعادية له ([159]).

 

نتيجة للنشاط المتزايد للمركز الثقافي المصري، فقد خضعت الحكومة الليبية للنفوذ الأنجلو - أمريكي، وأصدرت قراراً بإيقاف طبع وتوزيع النشرات الإخبارية، التي تصدرها محلياً، مكاتب الثقافة والاستعلامات التابعة للبعثات الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة في ليبيا، وذكرت الصحيفة التي تصدر في القاعدة الأمريكية بطرابلس، إن قرار وقف النشرات هو تمهيد لوقف النشاط المصري الشيوعي في ليبيا،. وذكرت الصحف الإنجليزية والأمريكية أخبار وقف النشرات، وعللوها بالرغبة في وقف الدعاية المصرية والشيوعية التي أخذت تغمر ليبيا. ومن الجدير بالذكر، أن السفارة الأمريكية أظهرت استياءها من توقف النشرات في نشرتها الأخيرة قبل تنفيذ القرار. وقد عادت المراكز الثقافية في إصدار النشرات بعد ذلك، واستمر المركز المصري في ممارسة نشاطه ([160]).

 

لم تترك الولايات المتحدة فرصة دون محاولة التدخل ضد انتشار الثقافة المصرية في ليبيا، فقامت بالتدخل في التعليم الليبي، ولكن كانت محاولتها دائماً تفشل أمام قوة النفوذ المصري، الذي أعاق لها الكثير من المشاريع المتعلقة بالتعليم، مثل مشروع إنشاء جامعة ليبية على غرار جامعة نيفادا بالولايات المتحدة ([161]). وقد أقلق الولايات المتحدة النشاط الملحوظ الذي كان يقوم به أساتذة الجامعة المصريون في كافة الميادين الثقافية، وأيضا كثرة المدرسين المصريين في المدارس الليبية، على اعتبار أن هؤلاء أداة للتحريض على كل ما هو غربي وأمريكي في ليبيا([162])، ولذلك عرضت تقديم أساتذة ومدرسين جدد للجامعة الليبية، كمنحة من الحكومة الأمريكية للحكومة الليبية، وسعت إلى إنقاص عدد المدرسين المصريين بليبيا بشتى الطرق([163]).

 

أوضحت المراسلات الأنجلو - أمريكية للتفاهم حول سياسة البلدين في ليبيا، مدى خوفهما من توسع النفوذ المصري فيها، حتى أن سلوين لويد وهو في زيارة لواشنطن في مارس 1959، مع ماكميلان رئيس الوزراء البريطاني، وأثناء المباحثات فيما يخص الأوضاع في ليبيا، أكد أنها من الممكن أن تكون منطقة مستقرة، لولا تدخل المصريين فيها، كما أن الرئيس الأمريكي ذكر أنه لابد من وضع مدرسين في ليبيا، بدلاً من المصريين، حتى يقل النفوذ المصري بها ([164]).

 

في عام 1960 وعندما كانت مصر تعتبر الراعية الأولى للقومية العربية، وأثناء فترة الوحدة المصرية السورية، زاد خوف الأمريكيين والبريطانيين من جر ليبيا إلى هذه الوحدة، ولكنهم سعوا لاستخدام الزعماء الليبيين المعادين لها، والذين فضلوا بقاء الوجود الأنجلو - أمريكي في ليبيا لمقاومة أي ضغط من جانب المملكة العربية المتحدة، لانضمام ليبيا إليها. كما أن الولايات المتحدة رأت حينذاك، أنه لابد من التفاهم والتعاون مع بريطانيا في هذا النطاق، لأنها داخلة في الصراع بين مصر وبريطانيا على النفوذ في ليبيا، ولكن إذا حتمت عليها الظروف العامة أن تنفصل عن بريطانيا وسياستها، فإنها ستنفصل وفق ما تمليه عليها مصالحها والظروف السياسية القائمة في المنطقة ([165]).

 

ب - المقاومة الأنجلو أمريكية لمد النفوذ الروسي في ليبيا :

لم يكن نفوذ روسيا بليبيا بحجم النفوذ المصري فيها، ولكن كانت هناك محاولات لتسرب النفوذ الروسي إليها، وهذه المحاولات لاقت مقاومة عنيفة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، للحيلولة دون دخول ليبيا ضمن نطاق نفوذ الكتلة الشيوعية. وبدأ الصدام الأنجلو - أمريكي مع المد الروسي في ليبيا، عندما أعلن عن اتفاق الحكومة الليبية والروسية، على تبادل التمثيل السياسي بينهما بدرجة سفارة، في 25 سبتمبر 1955، فكان رد الفعل الأنجلو - أمريكي حاداً جدا، وظهر في شكل ضغوط على الحكومة الليبية، لمنعها من إنشاء علاقات دبلوماسية مع روسيا. وعلى الرغم من أن الحكومة الليبية في ذلك الوقت كانت موالية للأمريكيين، فإنها أرادت أن تستخدم العلاقات مع روسيا كورقة ضغط تقوي من مركزها أثناء المباحثات مع بريطانيا لتعديل المعاهدة، وأيضا لكي تزيد الولايات المتحدة من معونتها، ولذلك اتفقت مع روسيا بشأن التمثيل السياسي سراً، دون علم إنجلترا والولايات المتحدة، حتى تواجههما بالأمر الواقع. وقد قابل السفير الأمريكي رئيس الوزراء، وأبلغه عدم رضا الخارجية الأمريكية على اتخاذ ليبيا هذه الخطوة دون إبلاغها، لأن الولايات المتحدة لها مصالح حيوية بليبيا، وتخشى أن يساعد فتح سفارة روسية في ليبيا على إنشاء مركز للتجسس على المنشآت الحربية الأمريكية. كما أن السفير البريطاني قدم احتجاجاً رسمياً لرئيس الوزراء([166])، وناقشه في تفاصيل هذا الاتفاق، وكيف تم في السر. وكان البريطانيون يدركون تماماً خطورة ما أقدمت عليه ليبيا، إذ أنها ولأول مرة منذ استقلالها، تقوم بعمل سياسي دون استشارة بريطانيا، كما أن فتح سفارة روسية في ليبيا من أخطر الوسائل لإحباط الدعايات الإنجليزية، وتنبيه أذهان الشعب الليبي لحقوقه، وتشجيعه على التحرر من المعاهدة البريطانية([167]).

 

مع بداية عام 1956، هددت الحكومة الليبية بقبول معونات اقتصادية من روسيا، الأمر الذي أثار غضب الولايات المتحدة وبريطانيا، فقام السفير الأمريكي ونظيره البريطاني بمقابلة رئيس الوزراء، لتنبيهه بخطورة قبول أي عرض روسي، وقررت الدولتان التكاتف للضغط على ليبيا، لمنعها من قبول مساعدات من روسيا، واستدعى السفير الأمريكي إلى واشنطن لبحث الأمر، وقبل أن يغادر ليبيا، قابل الملك، وتحدث معه في تهديد الحكومة الليبية بقبول مساعدات روسية، وقد أجابه الملك بأن حكومته طالبت الولايات المتحدة كثيرا بهذه المساعدات ولم تستجب ([168]).

 

تحركت الدولتان بشكل عملي لإيقاف المد الروسي لليبيا، فأوفدت الولايات المتحدة في فبراير 1956، هنرى كابوت لودج، ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة لدراسة الطريقة التي تعمل بها منظمة المعونة الفنية لليبيا، والهيئة الليبية الأمريكية المشتركة للبناء والتعمير، والتوفيق بين أعمال هذه الهيئات الأمريكية، ومجهودات بعثة هيئة الأمم المتحدة بليبيا، والبحث في زيادة المعونة ([169]). كما أوفدت بريطانيا أنطوني هيد، وزير الحربية، وسلوين لويد، وزير الخارجية، وقائد منطقة الشرق الأوسط للجيش البريطاني، في ذلك الوقت، لمحادثة رئيس الوزراء الليبي، والحيلولة دون قبول العرض الروسي ([170]).

 

وفي إطار المساعي الأنجلو - أمريكية لإغراء ليبيا بالابتعاد عن روسيا، أرسلت هدية من الأسلحة الإنجليزية والأمريكية لتزويد الجيش الليبي، وهى تتكون من عدة سيارات استكشاف مجهزة باللاسلكي، وثلاث سيارات حمولة ثلاثة أطنان صالحة لجميع الطرق، وسيارة ورشة لتصليح الأسلحة الثقيلة في الميدان، وقد قدر سعر هذه الشحنة بنصف مليون دولاراً. كما أعلن عن وصول شحنة من القمح الأمريكي، مقدارها حوالى 7200 طناً، وأخرى مقدارها 5000 طناً ([171]).

 

استمر شبح المد الروسي في ليبيا يهدد النفوذ الأنجلو - أمريكي بها، الأمر الذى جعل مقاومة هذا المد أهم نقاط الاتفاق في سياسة الدولتين تجاه ليبيا. واستمرت روسيا في سعيها لتوطيد العلاقات مع ليبيا، ولكنها كانت تدرك جيداً مقدار النفوذ الأمريكي والبريطاني بها، لذلك كانت حذره في تعاملها مع ليبيا، ولكن هذا التنافس كان دائماً في مصلحة الحكومة الليبية، التي كانت تحاول استخدام الهلع الأنجلو - أمريكي من مد النفوذ الروسي لليبيا لصالحها، فلم يقتصر ذلك على حكومة بن حليم فقط، ولكن عبد المجيد كعبار، أيضاً، اتخذ نفس السياسة أثناء تفاوضه مع البريطانيين لتعديل المعاهدة ([172]).

 

عاشراً - النفط الليبي وأثره على حجم وطبيعة الصراع الأنجلو - أمريكي على ليبيا:

لم يخرج النفط الليبي من دائرة الصراع بين بريطانيا والولايات المتحدة داخل ليبيا، فمنذ بداية التنقيب عنه وبريطانيا تقف بالمرصاد أمام امتيازات الشركات الأمريكية، ومنحها حق التنقيب عن البترول في ليبيا. وقد برز ذلك في عام 1952، فقد وافق الملك إدريس على منح بعض الشركات الأمريكية حق التنقيب عن البترول في برقة، 1951، وفي 1952 أحيل الموضوع لرئيس الوزراء محمود المنتصر، لاتخاذ الاجراءات اللازمة لمنح الامتياز، ولكن لم ينظر البريطانيون لذلك بعين الارتياح، وحاولوا استخدام نفوذهم لحمل رئيس الوزراء على عدم البت في الموضوع، وكانت رؤيتهم تتمثل في أنه لا يجب أن تتعدى الولايات المتحدة المصالح الحربية، والحصول على النقط الاستراتيجية في ليبيا ([173]).

 

لكن محاولات بريطانيا لإبعاد الولايات المتحدة عن النفط الليبي لم تكلل بالنجاح، فلقد أصبحت الشركات الأمريكية من أهم وأنشط الشركات في اكتشاف النفط في ليبيا. ومع بداية دخول النفط كعامل مؤثر في السياسة الليبية، والسياسات الغربية تجاهها، انعكس ذلك على طبيعة وحجم الصراع على النفوذ بين بريطانيا والولايات المتحدة، فقد وجهت الولايات المتحدة اهتمامها إلى كيفية الاستفادة من النفط مستقبلاً، والحفاظ على وضعها في ليبيا، فدفع الشركات الأمريكية لتطوير عملية إنتاجه كان شيئاً مهما للولايات المتحدة، حيث كانت هذه الشركات تقوم بعملية الإنتاج بشكل تدريجي دون تنفيذ برنامج سريع لزيادة الإنتاج، وكانت الولايات المتحدة ترى ضرورة دفعها لمحاولة السيطرة على زيادة أسعار النفط، خاصة في الشرق الأدنى ([174]).

 

كانت المشكلة الحقيقية أمام الأمريكيين، هي الليبيون أنفسهم، فالشعب الليبي إذا أدرك قيمة النفط، فسوف يطالب بحقه في استخراجه ([175])، وستكون انعكاسات تطور صناعة النفط الليبي على الوجود الأمريكي في ليبيا خطيرة جداً، فما هو المنتظر من دولة كانت غارقة في الفقر بعد أن تجد نفسها في مصاف الدول الغنية، فعلى أقل تقدير فإن الحكومة الليبية ستسعى للقضاء على مبدأ المساعدات الخارجية، بعد تحسن وضعها الاقتصادي ([176]). ولذلك بدأت الولايات المتحدة في اتباع سياسة جديدة تجاه الوجود البريطاني في ليبيا، خاصة وأنها كانت تعاني من خلل في ميزان المدفوعات، ورأى الأمريكيون أنه من الممكن الموازنة بين المبلغ الذي تدفعه بريطانيا لليبيا، والذي تدفعه الولايات المتحدة، لأنها تمثل الكثير من الأهمية بالنسبة للدولتين، وليس للولايات المتحدة وحدها([177]).

 

أثيرت هذه النقطة من قبل المسؤولين الأمريكيين في اجتماع مجلس الأمن القومي الأمريكي، ولكن اعترض البعض عليها، على اعتبار أن تشجيع بريطانيا على زيادة معونتها لليبيا، نظراً للمصالح الاستراتيجية بها، يعد اعترافاً من الولايات المتحدة بهيمنة النفوذ البريطاني على ليبيا. وقد اقترح الرئيس التنازل عن القاعدة الأمريكية في ليبيا لبريطانيا، فمن غير المفهوم أن تسعى بريطانيا للهيمنة والنفوذ في شمال إفريقيا وشرق البحر المتوسط، والولايات المتحدة هى التي تتحمل العبء المالي الأكبر، كما أنه بدون القاعدة لا شيء يجبر الولايات المتحدة على تقديم الكثير من المساعدات لليبيا. ومما شجع هذا الاقتراح هو صعوبة الحصول على ما يكفي من الأموال من الكونجرس لتلبية احتياجات ليبيا، كما أن ليبيا جاءت في آخر الأولويات المالية الأمريكية في ذلك الوقت، ولكن أهمية القاعدة الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، جعلت المناقشات بين الأمريكيين تخرج بضرورة التفاهم والتنسيق مع بريطانيا ([178]).

 

عول الأمريكيون على النفط أهمية كبيرة لحل المشكلة المالية التي تواجههم في ليبيا، فخططوا لتحويل المنحة لقروض يتم سدادها من عائدات النفط في المستقبل، وذلك لأن الخزانة الأمريكية لا تريد تقديم أي التزامات للمساعدات الاقتصادية بعد عام 1961، باستثناء ما هو مطلوب للإبقاء على القاعدة. وقد اتفق الأمريكيون على أن الإبقاء على القاعدة شيئاً مهماً، ولذلك رأى بعضهم ضرورة الاستمرار في مساعدة ليبيا، كما أن ليبيا نفسها مهمة للولايات المتحدة، حتى لو لم يكن بها قاعدة ([179]).

 

اتضح من ذلك أهداف السياسة الأمريكية التي انطلقت من دائرة الصراع مع بريطانيا على ليبيا، لتدخل في دائرة المحور الأمريكي - البريطاني، للحفاظ على السيطرة على ليبيا ونفطها، فبما أن ليبيا ستصبح مصدراً ضخماً من مصادر البترول، فإن أهميتها الاستراتيجية ستزيد، والولايات المتحدة لن تستطيع أن تقف وحدها أمام صراع النفوذ على ليبيا من كل الأطراف الأخرى، مثل مصر وبريطانيا، كما أن كل ذلك سيؤدي إلى عدم استقرار الأوضاع بها، وبريطانيا لها نفوذ كبير على الملك والحكومة، كما أن لها 4500 جندياً بريطانياً مرابطين في مختلف النقاط الاستراتيجية في ليبيا، وهى منتج محتمل لبترول منطقة الاسترليني الذي لا يحتاج لعبوره قناة السويس، وأيضاً نقطة انطلاق للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط، وبعد خسارة البريطانيين لمركزهم في العراق، وإيقافهم عملية الانسحاب، وإعادة هيكلة القوات في ليبيا، فإن كل ذلك يجعل من الضروري التنسيق مع بريطانيا، نظراً للاتفاق حول الأهمية الاستراتيجية لليبيا لكل من الدولتين ([180]).

 

لأول مرة ترى الولايات المتحدة عدم تعارض النفوذ البريطاني مع نفوذها في ليبيا، واتفق الأمريكيون على ضرورة الوصول إلى تفاهم مع بريطانيا لتقديم المساعدة لليبيا، وصيانة المنشآت العسكرية هناك، وإن كان هذا الاتفاق لا يعكس سوى حرص الولايات المتحدة على مصالحها في ليبيا، فقد رأت أن زيادة تدفق النفط سيؤثر كثيراً على الأوضاع الداخلية في ليبيا وعلى سياستها الخارجية، والولايات المتحدة تريد استقرار الأوضاع، والقدرة على السيطرة على الحكومة، لتسمح لها بالوصول إلى مصادر النفط الليبي، وهذا لن يتأتى إلا بالاتفاق مع بريطانيا، خاصة أن الولايات المتحدة كانت تعاني من أزمة مالية، ولم تكن تستطيع السيطرة على الأمور في ليبيا بمفردها، ولذلك قررت أن تنسق وتتفاهم وتتشاور مع بريطانيا، لكي تصل إلى كيفية الاستغلال الأمثل لهذا البلد. وعلى ذلك، فإنه ومع عام 1961، وحتى عام 1969، سيدخل الشأن الليبي في الأجندة الأمريكية والبريطانية في صفحة الصراع على ليبيا من أجل الحفاظ على القواعد والنفوذ، وسيصبح النفط هو هدف الدولتين الرئيس الذي جعل ليبيا كانت ولا تزال بؤرة صراع على المصالح والنفوذ.

مركز النيل

------------------

(1) السيد عليوة : إدارة الصراعات الدولية، دراسة فى سياسات التعاون الدولي. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988، ص 35.

(2) أحمد فؤاد رسلان : نظرية الصراع الدولي، دراسة فى تطور الأسرة الدولية المعاصرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986، ص 7.

(3) محمد كمال عبد الحميد : الشرق الأوسط في الميزان الاستراتيجي. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط2، 1959، ص 333.

(4) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج- 1، الإدارة العربية، 5/9/1953.

(5) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 278، ملف 198، إدارة الشئون الافريقية، بحث عن أهداف السياسة الأمريكية في القارة الإفريقية، 8/1/1957.

(6) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج- 1، الإدارة العربية، كتيب عن بيان المؤتمر الوطني الليبي العام، 1/9/1953.

(7) محمد كمال عبد الحميد : المرجع السابق، ص 335.

(8) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 78 سرى، بتاريخ 19/2/1958.

(9) بروشين. ن. إ : تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969، ترجمة : عماد حاتم، مركز الجهاد الليبي، طرابلس، 1989، ص 383

(10) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 61، ملف 3/5/1، تقرير المفوضية المصرية بروما رقم 106، حديث بين سكرتير عام وزارة الخارجية الإيطالية والوزير المصري المفوض بتاريخ 9/8/1949.

(11) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 219، ملف 37/111/3 ج- 5، تقرير السفارة المصرية بروما رقم 40 سرى جدا، 18/4/1951

(12) Foreign Relations OF The United States 1947، Vol. V، Washington، 1971،PP. 565 568 -

(13) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 219، ملف 37/111/3 ج- 5، تقرير السفارة المصرية بروما رقم 70 سري جدا، 7/7/1951

(14) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بروما رقم 82 سري جدا، 22/8/1951

(15) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 218، ملف 37/111/3 ج- 3، المفوضية المصرية ببنغازي، 16/4/1951

(16) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 112سري جدا، 24/4/1951

(17) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 71، ملف139/123/30 ج- 1، إدارة الشؤون الاقتصادية، مارس 1952.

(18) سامي حكيم : حقيقة ليبيا. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968، ص101.

(19) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج- 1، الإدارة العربية، بيان المؤتمر الوطني الليبي العام، 1/9/1953.

(20) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 218، ملف 37/111/3 ج- 3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 132 سرى جدا، 27/6/1951.

(21) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 51، ملف 242/7/1 ج- 1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 52 سرى جدا، 5/3/1952.

(22) سامي حكيم : المرجع السابق، ص ص 121 122.

(23) بروشين. ن. إ : المرجع السابق، ص 338.

(24) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السرى الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج- 1، الإدارة العربية، بيان المؤتمر الوطني الليبي العام، 1/9/1953.

(25) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم163 سرى جدا، 3/3/1952.

(26) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 180 سري جدا، 24/3/1952.

(27) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 282 سري جدا، 24/6/1952.

(28) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 354 سري جدا، 30/7/1952.

(29) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 51، ملف 242/7/1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 328 سري جدا، 17/7/1952.

(30) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 438سرى جدا، 11/9/1952.

(31) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 217، ملف 37/111/3 تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 1 سري جدا، 6/4/1953.

(32) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، نفس التقرير.

(33) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 308 سري جدا، 28/7/1953.

(34) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 273 سري جدا، 6/7/1953

(35) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 545 سري جدا، 18/12/1953.

(36) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 217، ملف 37/111/3 تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 5 سري جدا، 12/5/1953.

(37) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 49، ملف 242/7/2، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 146 سرى جدا، 29/3/1954.

(38) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 49، ملف 242/7/2، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 155 سرى جدا، 1/4/1954.

(39) في حديث لرئيس الوزراء الليبي مع وزير مصر المفوض ببنغازي أعرب عن استيائه من موقف أمريكا، وقال أنها تطلب امتيازات كثيرة ولا تريد أن تدفع إلا مليون دولاراً سنوياً، كما برر حصول بريطانيا على الكثير من الامتيازات بأن البلدين عقدا معاهدة تحالف التزمت فيها انجلترا بتعهدات الحليف فى الدفاع وغيره، فى حين أن المعاهدة مع أمريكا ليست معاهدة تحالف، ولا ترتبط فيها أمريكا بأى التزام، ولذك فمن المعقول ألا تبالغ فى طلب الامتيازات. وأكد رئيس الوزراء أن أمريكا طلبت إطلاق يدها في إقامة المنشآت في المطار ودخول العتاد والقوات اللازمة له. انظر :

وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 53 سري جدا، 8/2/1954

(40) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 50، ملف 242/7/3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 536 سري جدا، 15/12/1953.

(41) استقالت وزارة المنتصر في 8 فبراير 1954 وأسندت رئاسة الوزارة إلى محمد الساقزلي رئيس الديوان الملكي في مارس 1954، وقام بتأليف لجنة للتفاوض مع الجانب الأمريكي، وباشرت اللجنة أعمالها يوم 9 مارس، ثم تولى مصطفى بن حليم الوزارة خلفا للساقزلي في 11 إبريل 1954 واستأنفت اللجنة أعمالها مع تغيير الأشخاص. انظر: سامي حكيم : المرجع السابق، ص ص 126 127.

(42) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 371 سري جدا، 29/7/1954.

(42) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 410 سري جدا، 20/9/1954.

(43) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير المفوضية المصرية بطرابلس رقم 41 سري جدا، 14/8/1954.

(44) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 410 سرى جدا، 20/9/1954.

للتعرف على بنود الاتفاقية انظر : American Foreign Policy 1950 1955، Basic Documents، V. II،Washington، 1957، pp 2207 -2223.

(45) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 425 سري جدا، 21/9/1954.

(46) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 444 سري جدا، 4/10/1954.

(47) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 471 سري جدا، 18/10/1954.

(48) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 108 سري جدا، 18/5/1956.

(49) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 273 سري جدا، 25/6/1956.

(50) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 288 سري جدا، 9/7/1956.

(51) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 301 سري جدا، 15/7/1956.

(52) كان رئيس الوزراء يكتب في هذه الصحيفة تحت اسم مستعار وهو " ابن العاص " وقد أكد ذلك للسفير المصري بليبيا.انظر : وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 50، ملف 242/7/1 ج-5، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 449 سري جدا، 20/12/1956.

(53) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 409 سري جدا، 15/10/1956.

(54) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 50، ملف 242/7/1 ج-5، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 431 سري جدا، 4/12/1956.

(55) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/281، تقرير السفارة

المصرية بطرابلس رقم 78 سري جدا، 19/2/1958.

(56) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، المصدر السابق، تقرير السفارة المصرية بطرابلس

رقم 23 سري جدا، 18/1/1957.

(57) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 118 سري جدا، 16/4/1957.

(58) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 115 سري جدا، 1/4/1957.

(59) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 156 سري جدا، 6/5/1957.

(60) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 49، ملف 746/81/2، تقرير

الإدارة العربية، 27/5/1957.

(61) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/86/2، تقرير

السفارة المصرية بطرابلس رقم 244 سري جدا، 14/7/1957.

(62) وثائق وزارة الخارجية المصرية : تقرير الإدارة العربية السابق.

(63) ظهرت تباعا بعد تغير الوزارة عدة مقالات فى الصحف الليبية منها : 1 - دالاس يلغم الطريق أمام استقلال الجزائر (صحيفة طرابلس الغرب في 4 يوليو 1957) 2 - نصيبنا من المشروع (صحيفة الضياء التي تصدر في برقة)، وقد هاجم هذا المقال المساعدات الأمريكية ونصيب ليبيا من مشروع أيزنهاور. 3 - أمريكا خيبت أمل العرب فيها (مقال افتتاحي بصحيفة طرابلس الغرب في 30 يونيو). 4 - حقيقة مشكلة فلسطين (مقال افتتاحي بطرابلس الغرب في 26 يونيو) شن هجوما على السياسة الأمريكية، هذا بالإضافة إلى مقالات أخرى بصحف مختلفة. انظر : وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، التقرير السابق.

(64) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 299 سري جدا، 18/8/1957.

(65) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير الإدارة العربية، 26/8/1957.

(66) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 56 سري جدا، 28/1/1958.

(67) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 84 سري جدا، 24/2/1958.

(68) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Vol. XIII، Washington، 1992، p720

(69) Ibid.، p 722.

(70) Ibid.، p 721.

(71) Ibid.، p 723.

(72) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/281، تقرير السفارة

المصرية ببنغازي رقم 22 سري جدا، 5/4/1958.

(73) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 116سري جدا،

12/5/1958.

(74) مجموعة من الباحثين : التوسع الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية، آسيا وإفريقيا. هيئة تحرير العلوم

الاجتماعية، أكاديمية العلوم السوفيتية، موسكو، 1985، ص 21، 44.

(75) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية

بطرابلس رقم 23 سري جدا، 8/8/1955.

(76) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 49، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 228 سري جدا، 1/7/1958.

(77) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/86/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 244 سري جدا، 14/7/1957.

(78) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 50، ملف 3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 88 سري جدا، 19/3/1957.

(79) من المقالات التي هاجمت هيئة الانشاء الأمريكية ومشروعاتها، ومشروع أيزنهاور، والمساعدات الأمريكية، مقالاً نشرته صحيفة الضياء التي يصدرها عمر الأشهب المستشار القانوني للديوان الملكي، ومن المعادين للسياسة الأمريكية، والمنحازين لبريطانيا. انظر : وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 49، ملف 3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس، 1/7/1957.

(80) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 51، ملف 746/81/3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 433 سري جدا، 4/11/1957.

(81) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/86/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 411 سري جدا، 27/10/1957.

(82) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 450 سري جدا، 11/11/1957.

(83) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 299 سري جدا، 18/8/1957.

(84) الكولونيل ساش ليس مجرد عسكري، ولكنه رجل ذو خبرة واسعة فى الحرب والسلم على السواء، وهو متخرج من الأكاديمية العسكرية الأمريكية عام 1930، وخدم فى السلاح الجوي الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، وعمل في الجيش الثامن الأمريكي بكوريا، وعمل بوزارة الحربية الأمريكية حيث درس الشؤون الليبية. انظر : وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 46 ملف 746/81/2 ج- 2، تقرير السفارة

المصرية بطرابلس رقم 330، 1/9/1957.

(85) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 46، ملف 746/81/2 ج- 2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 330 سري جدا، 1/9/1957.

(86) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر.

(87) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 331 سري جدا، 1/9/1957.

(88) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 92 سري جدا، 12/3/1956.

(89) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/85/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 160 سري جدا، 7/5/1957.

(90) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 68 سري جدا، 7/5/1958.

(91) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 288 سري جدا، 9/7/1956.

(92) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 409 سري جدا، 15/10/1956.

(93) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 66 سري جدا، 7/5/1958.

(94) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السرى الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 299 سري جدا، 18/8/1957.

(95) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 33 سري جدا، 8/4/1958.

(96) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2 ج- 3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 287 سري جدا، 5/2/1958.

(97) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 51، ملف 746/81/2 ج-4، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 18 سري جدا، 26/1/1958.

(98) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 58 سري جدا، 18/6/1958.

(99) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 51، ملف 746/81/2 ج-4، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 174 سري جدا، 27/7/1958.

(100) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير الإدارة العربية، 30/7/1958.

(101) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 64 سري جدا، 4/8/1958.

(102) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، PP. 725-726.

(103) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، p726.

(104)Ibid، P. 731.

(105) Ibid.، P. 732.

(106) Ibid.، P. 746.

(107) أحمد فؤاد رسلان : المرجع السابق، ص 172.

(108) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد :، محفظة 218، ملف 37/111/3 ج-3، تقرير مكتب مصر لدى الأمم المتحدة رقم 31 سري جدا، 21/4/1951.

(109) وثائق وزارة الخارجية المصرية :الأرشيف السري الجديد :، محفظة 157، ملف 34/61/1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 220سري جدا، 7/5/1956.

(110) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 137 سري جدا، 10/11/1955.

(111) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/85/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 160 سري جدا، 7/5/1957.

 

(112) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية ببنغازى رقم 33 سري جدا، 8/4/1958.

(113) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/86/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 450 سري جدا، 11/11/1957.

(114) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر.

(115) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 529 سري جدا، 9/12/1957.

(116) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 52 سري جدا، 26/1/1958.

(117) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2 ج-3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 26 سري جدا، 8/3/1958.

(118) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، الإدارة العربية، 10/4/1958.

(119) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية ببنغازى رقم 53 سري جدا، 21/4/1958.

(120) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، P.728.

(121) محمد عبد القادر حاتم : الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2006، ص 603

(122) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 137 سري جدا، 10/11/1955.

(123) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 409 سري جدا، 15/10/1956.

(124) بروشين.ن. إ. : المرجع السابق، ص ص 316 - 317.

(125) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 236 سري جدا، 20/5/1952.

(126) John Wright : Libya. Ernest Benn Limited، London، P.231.

(127) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 539 سري جدا، 31/10/1954.

(128) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 50، ملف 242/7/3، تقرير المفوضية المصرية بطرابلس رقم 32 سري جدا، 9/8/1954.

(129) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 47، ملف 3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 120 سري جدا، 21/3/1956.

(130) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 137 سري جدا 10/11/1955.

(131) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 51، ملف 746/81/3، تقرير المفوضية المصرية بطرابلس رقم 433 سري جدا، 4/11/1957.

(132) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 275 سري جدا، 3/8/1957.

(133) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 49، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 433 سري جدا، 1/7/1957.

(134) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 46، ملف 746/81/2 ج-2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 447 سري جدا، 11/11/1957.

(135) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 57 سري جدا، 1/5/1958.

(136) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 46، ملف 746/81/2 ج-2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 331 سري جدا، 1/9/1957.

(137) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 51، ملف 746/81/2 ج-4، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 150 سري جدا، 13/7/1958.

(138) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 236 سري جدا، 20/5/1952.

(139) جاءت بعض التفاصيل الخاصة بأساليب افقار الشعب الليبي في مذكرة عن الحالة الاقتصادية والسياسية في ليبيا قدمتها اللجنة الطرابلسية إلى مجلس جامعة الدول العربية في 29 سبتمبر 1952. انظر : وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 219 ملف 37/111/3 ج-5.

(140) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 217، ملف 37/111/3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 1 سري جدا، 6/4/1953.

(141) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1 ج-3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 425 سري جدا، 21/9/1954.

(142) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 424 سري جدا، 20/9/1954.

(143) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 22 سري جدا، 12/1/1958.

(144) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، ملف 746/81/2 ج-3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 567 سري جدا، 30/12/1957.

(145) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 13 سري جدا، 6/1/1958.

(146) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 18 سرى جدا، 25/3/1958.

(147) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، P731.

(148) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 50، ملف 242/7/1 ج-5، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 429 سري جدا، 3/11/1956.

(149) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 51، ملف 746/81/2 ج-4، تقرير السفارة المصرية ببنغازى رقم 174 سري جدا، 27/7/1958.

(150) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السرى الجديد، محفظة 219، ملف 37/111/3 ج-5، تقرير المفوضية المصرية بروما رقم 70 سرى جدا، 7/7/1951.

(151) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، محفظة 217، ملف 37/111/3، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 1 سرى جدا، 6/4/1953.

(152) وثائق وزارة الخارجية المصرية :نفس المصدر، محفظة 51، ملف 242/7/1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازى رقم 438 سرى جدا، 11/9/1952.

(153) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 50، ملف 242/7/1 ج-5، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 429 سري جدا، 3/11/1956.

(154) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 431 سري جدا، 8/12/1956.

(155) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 44 سرى جدا، 24/11/1956.

(156) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 288 سري جدا، 9/7/1956.

(157) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 288 سري جدا، 15/10/1956.

(158) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 157، ملف 34/61/1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 220 سري جدا، 7/5/1956.

(159) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 274 سري جدا، 25/6/1956.

(160) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 44، ملف 746/85/2، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 160 سري جدا، 7/5/1957.

(161) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، P. 728.

(162) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، محفظة 45، ملف 746/81/2، تقرير السفارة المصرية ببنغازي رقم 29 سري جدا، 2/4/1958.

(163) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، P. 729.

(164) Ibid. P. 743.

(165) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 219، ملف 37/111/3 ج-6، تقرير السفارة المصرية بطرابلس، 5/10/1955.

(166) وثائق وزارة الخارجية المصرية : المصدر السابق، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 76، 29/5/1955

(167) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 61 سرى جدا، 20/2/1956.

(168) وثائق وزارة الخارجية المصرية : نفس المصدر، ملف 3، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 76، 27/2/1956.

(169) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 273، 25/6/1956.

(170) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة47، ملف 1، تقرير السفارة المصرية بطرابلس رقم 61 سري جدا، 20/2/1956.

(171) وثائق وزارة الخارجية المصرية : الأرشيف السري الجديد، محفظة 239، ملف 38/9/40 ج-2، تقرير السفارة المصرية ببنغازى رقم 39، 18/4/1958.

(172) وثائق وزارة الخارجية المصرية : أرشيف الدول (ليبيا)، محفظة 48، ملف 242/7/1، تقرير المفوضية المصرية ببنغازي رقم 341 سري جدا، 25/7/1952.

(173) Foreign Relations of The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، PP. 729 - 730.

(174) Ibid.، P. 730.

(175) Ibid.، PP. 733 734.

(176) Ibid.، P. 735.

(177) Ibid.، PP. 736 737.

(178) Foreign Relations OF The United States 1958 - 1960، Op. Cit.، P. 737.

(179) Ibid.، PP. 740 741.

شبكة البصرة

الثلاثاء 21 ذو الحجة 1433 / 6 تشرين الثاني 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط